٥٧ فكن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته؛ فان الاغترار به مرد ، وقدم لمعادك تبقى عليك ما ادخرته ؛ فلن تجد الا ما قدمت ، وانك لتجازي بما صنعت ، واستقل الدنيا تجد في نفسك عزا فترضى اذا سخطت ، وتسر اذا حزنت ، ولن يذل إلا طالبها ، ولن يحزن إلا صاحبها . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « انا زعيم لمن اكب على الدنيا بفقر لاغنى فيه ، وشغل لا انقطاع له . . ع له ، . وقد قال على بن ابى طالب رضى الله عنه: احذروا الدنيا فانها غدارة مكاره ختارة خسارة تستنكح في كل يوم بعلا ، وتستقبل في كل ليلة أهلا، وتفرق فى كل يوم سملا. وقال بعض الحكماء : ليكن طالبك المدنيا اضطرارا، وفكرك فيها اعتبارا ، وسعيك لمعادك ابتدارا. وقال عبد الحميد : طالب الدنيا عليل، ليس يروى له غليل . وقال الشاعر : فلا جزع ان راب دهر بصرفه و بدل حالا والخطوب كذلك فما العيش الا مدة سوف تنقضى وما المال الاهالك وابن هالك اجعل صلاح عملك ذخرا لك عند ربك ، وجميل سيرتك اثرا مشكورا في الناس بعدك لتقتدي بك الاخيار، ويزدجر بك الاشرار ، تكن بالثواب حقيقا ؛ وبالحمد جديرا. فقد قيل: الاغترار بالاعمار، من شيم الاغمار، فلن يبقى بعدك الا ذكرك فى الدنيا ، وثوابك فى الآخرة ، فاظفر بهما ، واغتنم بقية عمرك لهما ، تكن سعيدا فيهما ، فان الدنيا كاحلام نائم يستحطيها في غفوته و يلفظها بعد يقظته . وقد قيل فى الصحف الاولى : احرص على الاسم الصالح فانه لا يصحبك غيره . وقال الجاحظ : وليت خزانة كتب الرشيد وتصفحت كتبه فلم أجد كلمة الا وجدت لها نقيضة ، إلا كلمات جاءت عن فيلسوف العرب على بن ابي طالب رضى ! الله تعالى عنه : قيمة كل أمريء ما يحسن . ومن جهل شيئاً عاداه ، ولن يهلك امرؤ عرف قدره ، وكلما يتصور في الاوهام فالله بخلافه، وبقية عمر الرجل لأثمن لها ولا قيمة ، لأنه يدرك بها مافاته ، وبحي فيها ما أماته
صفحة:أدب الوزير للماوردي.pdf/73
المظهر