سر تقدم الإنكليز السكسونيين/الباب الثاني/الفصل الثاني
الفصل الثاني
﴿فى ان طريقة التربية عندنا مضرة بثروة الامة الفرنساوية﴾
يقول الناس في كل مكان ان هذا الجيل جيل المال ومنهم من يفرح بذلك ومنهم من يحزن له والواقع ان الاعمال المالية وصلت في زمننا هذا الى حد يكاد العقل لا يتصوره وليس هذا أمرا غريبا اذ ليس شيء في الوجود مسببا عن الصدفة بل سببه اكتشاف مناجم الفحم فهو الذي أوجد في المال تلك القوة العظيمة التي امتاز بها في زمننا هذا. فبواسطة الفحم تمكنت الأمم من اجراء اعمال كثيرة تقتضى من المال ما يفوق ثروة أغنى المائلات مما لا يمكن القيام به لغير الشركات. وأول تلك الاعمال هو استغلال المناجم عينها لان الفحم لا يوجد في الأرض مختلطا بغيره كما توجد المعادن الأخرى بل هو طبقات متكاتفة فوق بعضها تكاد ان لا تنتهى ولهذا فانه يقتضى في استخراجه عمالا كثيرين وعملا عظيما. ثم الاكثار من الاشتغال في المناجم ذو فائدة عظيمة لان الفحم لازم في كثير من الصنائع فبيمه سهل ومأمون ومثل هذا العمل العظيم يقتضى من النفقات مالا لا يمكن جمعه الا بواسطة الشركات. ولم تقتصر منفعة الفحم على كونه صار محلا لتجارة كبيرة من حيث هو بل انه غير حالة الصناعة تغييراً كليا فيه أصبح الدكان الصغيرة معملا كبير الان قوته عظيمة تتحصل الانسان بواسطتها على اضعاف ١٤٤ التربية الفرنساوية مضرة بثروة الامة اضعاف ما كان يعلمه بدونها. وزيادة الانتاج تستدعى زيادة العمال ثم ان أكثر المصنوعات تستلزم مالا كثيراً لا يتأنى جمعه في كثير من الاحوال الا بواسطة الشركات من ومن فوائده أيضا تغيير طرق النقل والتسفير فيه امتدت السكك الحديدية وجرت سفن التجارة في عرض البحار وهذه الاعمال أيضا تطلب الاموال ما لا بد فى جمعه من الشركات . والفحم هو السبب في تأليف شركات المساهمة الكبيرة التي تشتغل بتنوير المدن بالغاز واستعمال الكهرباء وفتح قنال السويس وغير ذلك وهو الذى حمل الدول على اجراء الاعمال العظيمة ذات المنفعة العامة وكلما زادت قوة الفحم عظم اتساع تلك الاعمال حتى أصبحت أموال الخزائن لا تفي بالمطلوب وعمدت الحكومات الى الاقتراض فتألف لاقراضها شركات أكبر من التي سبق القول عنها هكذا عظم سلطان المال الى حد لم يكن في الحسبان حتى أصبح ذا ثمرة ذاتية أي من دون أن يأتى صاحبه عملا من الاعمال و تغير الاستثناء الى قاعدة كلية فبعد ان كان الغنى هو الذي له رأس مال يأتيه بالربح اشترك معه في ذلك الحقير الذي يقتصد المال اليسير بالكد الكثير . ومن تأمل في هذا التغيير الذي أحدثه الفحم وحده علم أنه تغيير لازم جاء من طبيعة الحال . ومقتضى الحال أشد قوة من ههم . الرجال ومن طلب مقاومة هذا التيار فقد ضل رشده اذ لابد له من الخذلان وليست الاسباب التى جعلت الناس يتهافتون على اقتناء السندات المالية الا أسبابا جوهرية جاءت من مقتضى الاحوال كالتي ذكرناها سر تقدم الانكليز السكسونيين ١٤٥ فأول مزية في تلك السندات سهولة حيازتها وهي سهلة الحيازة لكونها تتجزأ الى مالانهاية له وقابليتها للتجزؤ تسهل لأحقر الناس اكتسابها وربحها لا يقتضى كلفة ولا عناء فكل الناس من صغير وكبير يميل اليها ثم الربح الذي يأتى منها يأتى بانتظام في أوقات مقررة وذلك لا يتأتى لمن يزاول الزراعة مثلا أو الصناعة أو التجارة وظاهر أنه لا موجب للانسان يدعوه الى ترك هذه المزايا وثانيتها لمالك السندات أمل فى زيادة قيمتها أو تسديد ما عليه منها بطرق مفيدة أو في نوال ربح كبير ومن أصابه حظ مما ذكر فقد اغتنى وهو نائم والكثير يعتمد على ما يرجو كسبه من هذا السبيل فأصحاب السندات والسهام الذين حصلوا ثروة طائلة كثيرون وما من أحد إلا ويغبط مساهمى شركة «انزان » التى اشتهرت بوفرة ارباحها ومساهمي شركة قنال السويس وشركة الغاز في باريس وغيرها فقد أتت تلك الشركات وأمثالها بالارباح التي لا تعد في زمن يسير لأنها تكونت فى زمن كثرت فيه حاجة الناس اليها وقل المتنافسون معها وأقبل الناس عليها ولا يزالون مقبلين اقبال الظمآن على الماء. نعم من الناس من يخسرون فيها الا ان الخسارة غير ظاهرة بجانب الكسب الوفير وثالثتها سهولة شراء هذه السندات فى الاسواق المالية « البورصة » وبيعها وما يتخلل ذلك في كل وقت من هبوط الأسعار وارتفاعها يحمل كثيراً من الناس على الاشتغال بها رجاء الربح في المضاربات فضلا عما يجدونه في ذلك من اكتفاء العناء فى حفظ أموالهم والزيادة فيها الى -19١٤٦ الحد الأقصى التربية الفرنساوية مضرة بثروة الامة هذه هي الأسباب التي تدعو الى اقتناء الأوراق المالية بوجه الاجمال وهي حركة أو جبت تغيراً عظيما فى الأفكار من حيث العمل ورفعت شأن النقود الى المقام الاسمى وفتحت أمام كل طالب بابا للكسب فسيحا وارتقت بالماليين الى ذروة الهيئة الاجتماعية فأصبحوا ملوك العصر وقياصرة الزمان غير ان لكل شيء فى الوجود ضدا والدهر قلب وهنا يصدق تشبيه السعد بمجلة تدور فما أكثر تقلبات الثروة المنقولة لانها على الدوام تحت رحمة تغير الأسواق وتغير الاسواق على الدوام تحت رحمة السياسة والمضاربات ولسنا في حاجة الى سرد ما تحدثه الاسواق المالية كل يوم من التخريب والتدمير لأن علمه حاصل لكل واحد منا وانما الذي نريد توجيه الافكار أناسا اليه هو ان الخسارة المالية قد تشتد فى بعض الاحيان فتصيب كثيرين حتى تكون داهية كبرى وتشبه البناء اذا تداعى . هنالك يصيح القوم بأصوات الفزع وينطق كل واحد بما تمليه عليه منافعه فيتسابقون في تعنيف الماليين ورميهم بمر الملام وسم الكلام وقد يكون اللائم نفسه مستحقا للزجر والتعنيف. ومن الغريب ان كل مساهم يستعد لاقتضاء الارباح ولكنه يكره تحمل الخسارة والواقع ان كليهما نتيجة لازمة لطبيعة العمل الواحد فالاوراق المالية تربح وتخسر أي تثمر التقلب كما يثمر الكرم عنبا وشجرة التفاح تفاحا . والذى يجب الاهتمام به والبحث عنه هو معرفة ما اذا كان في الامكان ملافاة الضرر الذى ينجم عن تقلب الاسواق المالية والتفادي من سلطة الماليين . ومن المشاهد ان ذلك في الامكان بل ان سر تقدم الانكليز السكسونيين بعض الأمم قد اتخذت من الوسائل ما اتقت به تلك المحن ١٤٧ و بيانه ان انتشار الاوراق المالية لم يؤثر فى جميع البلدان بدرجة واحدة اذ من المشاهد ان البلاد التى أصابها الضر ليست هي التي كثر فيها الاخذ والعطاء بتلك الاوراق ومن البلاد ما تتحمل من المضاربات مالو حصل في غيرها لأضربها كثيرا ويمكننا ان نشبه الحالة المالية بكرم العنب وهو يقاوم فعل الدودة في أمريكا أكثر منه في فرنسا ولو أحصينا الكتب والرسائل التي نشرت حديثا في البلاد الفرنساوية لتنبيه الأمة الى ماهو محدق بها من الاخطار بفعل اليهود وتأثير المضاربات لملأت خزائن بتمامها . الا ان العقل ليس هو الذي أملى تلك المؤلفات كما ان التؤدة لم ترافق الكتاب في تأليفها وانما الداعى اليهاهو الشهوة والهوى وقد تخطي أكثرها الحد الذى ينبغي وتلك أفسد الوسائل في الوصول الى الغرض المطلوب. ثم ان الذين كتبوا كلهم لم ينظروا الا الى ظاهر المسئلة فجاءت أدواؤهم التي أشاروا بها غير مفيدة أو متعذرة الاستعمال . ومع فان تلك القيامة تدل على أمر صحيح لاشك فيه وهو الحرج الذي استولى على الأمة الفرنساوية في هذه الأيام وليس منشأ هذا منشأ هذا الضيق ان الفرنساويين تهافتوا على استعمال الأوراق المالية أكثر من غيرهم اذ الحال واحد في انكلترا والبلاد الاسكندنياوية وألمانيا والولايات المتحدة وانما السبب اختلاف طرق الاستعمال نجم عادة من فأما الامم التي تمكنت من مفادات الضرر الذي الاشتغال بالاوراق المالية فانها اتخذت سبيلا واحدا ذلك انهم لم يضعوا جميع ١٤٨ التربية الفرنساوية مضرة بثروة الامة أموالهم فى تلك الاوراق بل فرقوا بين رأس المال وما اقتصدوه من غلته واشتغلوا فى الاوراق بالثاني دون الاول . أما الفرنساويون فقد فرطوا في الكل وأسلموا الى الاسواق المالية أصل الثروة وما اقتصدوه وهذا هو السبب في قولهم عادة ان فرنسا هى البلد الذى كثرت فيه وفرة المال وهو قول صحيح لميل الفرنساوى الى جعل ثروته كلها منقولة والكثير منهم يود ان لو جمع ثروته كلها في دفتر جيبه » وهذا هو السبب أيضاً فى ان أغلب القروض التي تحصل يقع الاكتتاب فيها بفرنسا فهى أكبر سوق للاموال وهى أحسن بلديستفيد منها المالى لو كان من الماهرين وترى اليوم الاموال الفرنساوية تجرى الى الخارج في جداول مختلفة ولكنها لا ترجع اليها الا قليلا فكم ضاعت النقود الفرنساوية في تركياو « هوندوراس » و « فنزويلا » ومعادن بلاد الاندلس وجمهورية ارجنتين » و « البيرو » وغيرها . والمال الفرنساوى هو الذي كان له الحظ الاوفر في ذيك العملين العظيمين الذى لا نظير لهما في زمننا هذا أريد قنال السويس وخليج بناما لكن كونهما فتحا بمــال الفرنساويين لا يستلزم بقاءهما فى حيازتهم فاما قنال السويس فقد صار ملكا لا نكلترا ومن المحتمل جدا أن يصير بناما ملكا للامريكان ومعناه استيلاء العنصر الانكليزي السكسونى على كل شي فالفرنساويون يزرعون وغيرهم من الامم يحصدون والفرنساويون يتعرضون الى الاخطار حتى اذا وجبت الفائدة جناها غيرهم وهم اليه ينظرون فتح ثبت اذن ان فرنسا هى البلد الذي صارت الثروة فيه منقولة أكثر سر تقدم الانكليز السكسونيين من غيرها ١٤٩ والسبب فى هذا اهمال الفرنساويين على تمادي الايام منابع الثروة العمومية الثلاثة وهى الزراعة والصناعة والتجارة . ولسنا في حاجة الى اعادة ماسطره الغير من اصرار ملوكنا وأخصهم لويز الرابع عشر على حمل الشرفاء على ترك أراضيهم وجلبهم الى دائرة الخشم والمعية وان الطبقة العليا تناست شيئا فشيئاً سكنى الارياف واعمال الفلاحة واختارت الاقامة في المدن الكبيرة وصارت فرنسا اليوم هى البلد الذي تطول فيه غيبة كبار الاغنياء عن أملاكهم وتحولهم عن الاشتغال باستغلال أراضيهم وأصبحت الاموال التي كان ينبغي استعمالها في الزراعة وتحسين طرقها معطلة لا تفيد الزراعة وكان من الممكن استعمالها في الصناعة أو التجارة الا انهما معتبران عند كل ملتصق بتلك الطبقة من الاعمال الدنيئة جريا على ذلك الوهم المتأصل في الافكار من قديم حتى ان المشتغلين بهما لا يفكرون الا في الكسب باسرع ما يمكن ولا غرض لهم من جمع الاموال الطائلة الا التقاعد عن صناعتهم أو تجارتهم وادخال أبنائهم في المهن التي تطلعت اليها الطبقة التي اتفقوا اليوم على تسميتها بالعليا وهى الوظائف الادارية . فمنتهى أمل كل فرنساوى ان يلتحق بوظيفة فى الادارة أو الجيش وهى الطريقة التي يكون الواحد منهم بها مكرما محترما وهى التى تؤهله الى أن يتزوج بامرأة من الاغنياء وتجعله مقبولا بين القوم الممتازين . اذن فالفرنساوى اما موظف أو مترشح للتوظف وله من ذلك راتب يقبضه وهو يقتصد من راتبه مازاد على حاجته ولا شك انه لا يميل الى استعمال ما اقتصد فى الزراعة أو الصناعة أو التجارة 10. التربية الفرنساوية مضرة بثروة الامة للأسباب التي قدمناها وهى الحط من قدره على أنه يجهل سبيلها بالمرة . وعليه فلم يبق لاستغلال ذلك المال الاشراء الاوراق المالية فهو الباب الوحيد الذى يمكن الدخول منه واليه يميل كل ذى مال لا يريد أن يشتغل لاستغلاله وانغمائه أو غير قادر على ذلك . وهناك سبب آخر في كثرة النقود المتوفرة لدى العائلات الفرنساوية وهو قلة الابناء كما قلنا فالمال الذي تنفقه الامم الاخرى في تربية أبنائها الكثيرين يقتصده الفرنساويون ويبقى هكذا تحت طلب الشركات المالية فاصرارهم على تقليل النسل يوجب ضعف قوتهم الاجتماعية في المستقبل ولكنه يدعو الى زيادة الاموال حالا في خزائنهم ولاشك في انه لو حصل هبوط في أسعار تلك الاوراق المالية التي جمعت أموال الكثير من الفرنساويين كلها لكانت مصيبة كبرى ولخسروا خسارة لاعوض لها وليس هذا حال الامم الانكليزية السكسونية فلا يزال كبراؤها وعامتها مشتغلين بالزراعة وللوردات الانكليز املاك واسعة يسكنون بينها وهم يدبرونها بانفسهم ومن عمد الى الاستعانة بالغير في استغلال أراضيه فانه يحفظ على الدوام قسما يباشره بنفسه ومن أجل ذلك تراهم واقفين على أحوال الزراعة ومهتمين بشؤونها و مستعد بن لاستعمال أموالهم فيها . ولا يكاد الفرنساوى يقدر المال الذى نفقه أحد أغنياء الانكليز في تحسين طرقها والتفنن في أساليبها ( راجع كتاب تدبير الزراعة عند الانكليز لموسيولا فارج » واستعمال الاموال فى الزراعة هو أكبر باعث على اعتبار ذوى الحيثيات في تلك البلاد راجع مذكرات على انكلترا الموسيو تاين ، ومن الانكليز سر تقدم الانكليز السكسونيين عائلات كثيرة تهاجر الى أمريكا واوستراليا وزيلنده الجديدة وكلها تشتغل بالزراعة ولها أملاك كبيرة فيها لان الزراعة وحيازة الاراضي هما أقصى أمانيها وبذلك سهل على كثير من شبان الانكليز أن يرتزقوا في البلاد الاجنبية ومتى اتجهت الهمم الى هذا السبيل لم يبق الى يسير من المال لشراء الأوراق المالية وعلى الضد منهم لا يهاجر من الفرنساويين الا النزر القليل ومن تكلف الرحيل عن وطنه فانما يقصد برحلته أن يكون موظفا في البلاد التي يقصدها الا نادراً وهم بذلك يعيقون تقدم الاستعمار اكثر مما يساعدون عليه هذا ولم يقتصر الانكليزي السكسونى على الزراعة بل هو يهتم أيضا بالصناعة والتجارة حتى الكبراء منهم والامراء وأبناء اللوردات الذين . يذهبون لغير بلدهم طلبا لحيازة الاراضى وزرعها ينشئون في وطنهم معامل للصناعة أو يتجرون ولا يخطر ببالهم فيما يعملون أنهم خرجوا عن تقاليد آبائهم كما أن هذا الخاطر لا يجول بفكر أحد من أمتهم . وهذا هو السبب الوحيد فى اتساع نطاق الصناعة والتجارة في انكلترا والولايات المتحدة بدرجة تكاد تبلغ حد الاعجاز ومعلوم أن ذلك يقتضى مالا كثيراً فلم يبق للاوراق المالية الا يسير ومما يزيد أولئك القوم رغبة في الزراعة والصناعة والتجارة عدم اعتبار الوظائف عندهم كما هي عند الفرنساويين فلا نرى في انكلترا مثلا من الموظفين الا ما لابد منه ومن هنا طلب الناس رزقهم من الحرف النافعة الاخرى وهم في مأمن من المخاوف لما هو مقرر في شرائهم من أن تركة ١٥٢ التربية الفرنساوية مضرة بثروة الامة الرجل لا تقسم بين جميع ورثته فالرجل يعمل ويجمع الاموال وله الخيار في تأسيس الاعمال الباقية على الدوام بعد مماته ومن المسلم أن الذى يجعل مدار ثروته عمله الذاتي وكسبه الشخصى لا يكون عرضة للاخطار كالذى يتكل على تقلبات الاوراق المالية لان الاول لا يشترى تلك الاوراق الا من فضلة ماله ويشتريها وهو غير جازم بالكسب منها كمن يدخل بيت القمار فيرمى فيه ببعض دريهمات من نفقة نزهته فان أصاب ربحاً فيها وان أضاع ما أنفق فالضرر محتمل ورأس المال محفوظ مصون ألف » موسیو «روزییه » كتابا سماه « عيشة الامريكان » تلذ قراءته خصوصا الفصل الثالث عشر الذي عنوانه «كيف يستغل الامريكي ماله فقد ورد فيه ما يأتى «رأيت في نيويورك وفي بوصتون رجالا يشتغلون في الحرف الأدبية ومع ذلك يضعون في الزراعة أو غيرها قسما من أموالهم ولهم علم بالجهات التي يضعون نقودهم فيها ولكنه لا يتألف من ذلك شركات كبيرة بل جمعيات صغيرة خصوصية ومن همهم أن يقفوا على كيفية الاستغلال وطرقه ولذلك لا يقسمون أموالهم ليضعوا كل قسم في جهة مخصوصة كما يفعل بعض الفرنساويين احتفاظا عليها بل يجمعونها كلها في جهة واحدة وكلهم حراس عليها . ومن هنا تجد الجرائد الامريكية مشحونة بالاخبار العملية اى المختصة بالزراعة والصناعة والتجارة ولا نشر أسعار الاوراق المالية الا القليل منها لان الكثير من قرائها لا يلتفتون اليها وهو معقول اذ لو كان. عندهم مال لما استغلوه فيها بل جهات الاستغلال عندهم هي الهمم سر تقدم الانكليز السكسونيين ١٥٣ والعمل فيتخذ الواحد منهم مصنعا يشتغل بإدارته أو يقصد التجارة ولكنه لا يرضى أن ينام على أوراق مالية يشتريها من أجل ذلك تجد التعامل فى الاسواق المالية عندهم يحصل على الدوام بالنقد فورا فكل بيع أو شراء تدفع قيمته بتحاويل يقبضها المحول اليه في اليوم الثانى ومن اشترى ورقا لزمه أن يأخذه من مكان ابتياعه وذلك من أكبر البواعث على الاقلال من أعمال تلك الاسواق فلا يقدم على العمل فيها الا من كان المال حاضراً في يده ولا يجد من يبتغى الكسب بالدين اليه سبيلا وعلى هذا يمكننا أن نقول بان هبوط الاسعار عند الامم الانكليزية لا يضرها كما لو حصل عند الفرنساويين اذ الاولى أقل من الثانية في استعمال الاوراق المالية ان الانصباب على تلك الاوراق فى البلاد الفرنساوية هو الذي جعلها كعبة القصاد من ذوى الاموال وما اليهودى الا بزرة لا تنبت الا في أرض تناسبها والا لانتشر زرعه في انكلتر او البلاد الاسكندناوية والولايات المتحدة وأوستراليا وغيرها ولكنه لم يهبط الى تلك النواحى لان المال فيها غير موجود فى الاسواق ولأن كل من كان له نصيب منه فيها يستغله بنفسه في أرضه أو صناعته أو تجارته . فحيث لا يجد اليهودى مالا يقتنصه وحينما يجد قوما يعرف كل واحد منهم طريق الدفاع عما اقتنى تراه ينسحب من نفسه أو أنه يفقد مافي بزوره من الفساد