رسالة في مائية ما لا يمكن أن يكون لا نهاية , و ما الذي يقال لا نهاية له

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
بلا عنوان

يعقوب بن إسحاق الكندي

<رسائل الكندي الفلسفية

نص الرسالة[عدل]

حاطك الله بتوفيقه و بلغك من درك الحق نهاية آمالك ، و زين به كل أعمالك !

فهمت ما سألت من رسم قول يتضح لك به ما الذي لا نهاية له و في أي نوع يقال ذلك ، وما الذي لا يمكن أن يكون لا نهاية له ؛ وقد رسمت من ذلك بحسب ما رأيته لك كافيا بقدر موضعك من النظر، فكن به و بجميع ظاهرات الحق سعيدا – فنقول :

أ) إن كل شيء ينقص منه شيء ، فإن الذي يبقى أقل مما كان قبل أن ينقص منه ؛

ب) و كل شيء نقص منه شيء ، فإنه إذا ما ردَّ إليه ما كان نقص منه ؛ عاد إلى المبلغ الذي كان أولاً ؛

ج) و كل أشياء متناهية ، فإن الذي يكون منها ، إذا جمعت متناهٍ ؛

د) فإذا كان شيئان ، أحدهما أقل من الآخر ، فإن الأقل بعد الأكثر أو بعد بعضه ، وإن عذَّ كله فقد عدَّ بعضه .

فإن فرض جرم لا نهاية له فتوهم شيئا نقص منه شيء ؛ فإن ما بقي منه لا يخلو من أن يكون متناهيا أو لا متناهياً ؛

فإن كان ما بقي منه متناهياً ، فإنه إذا أعيد إليه ما أخذ منه المتناهي كانت جملتها جميعا متناهية ، و جملتها هذه المتناهية هي ما كان أولاًّ مفروضاًّ لا متناهيا ؛ فإذن الذي لا متناهٍ متناهٍ – و هذا خلف لا يمكن .

و إن كان إذا أخذ من الجرم الذي لا متناهٍ ، متناهٍ ما أخذ منه ،[و] كان الذي بقي لا نهاية له ، فهو أقل مما كان قبل أن يؤخذ منه ؛ لأن كل شيء أخذ منه شيء ، فإن الذي يبقى منه أقل مما كان قبل أن يؤخذ منه ؛

فإذن قد صار شيء لا نهاية له أقل من شيء آخر لا نهاية له ، و أقل الشيئين بعد أكثرهما أو بعد بعضه ؛ و إن كان بعده فهو بعد بعضه ، فإذن الذي لا نهاية له [هو] الأكبر ؛

و الأشياء المتساوية هي التي أبعاد [ما بين] نهاياتها المتشابهة متساوية ، فكانت الأبعاد كمية أو رتبة الذي لا نهاية له ؛ فالذي لا نهاية له الأصغر له نهايات ؛ و هذا خلف لا يمكن ؛

فإذن ليس يمكن أن يكون جرم لا نهاية له بتةً ، إذ كان في جميع أقسامه هذه الإحالات و الامتناعات ؛

و ما كان محصورا في المتناهي ، فهو متناه بتناهي حاصره ، فإذن محمولات الجرم التي لا قوام لها إلاَّ به ، المحصورة فيه ، متناهية بتناهي الجرم . و الفعل خارج عن القوة ، إذ هي علته ، و الفعل متناه بتناهي القوة ؛ و الزمان مدة تعدُّها الحركة ، فإن لم يكن حركة لم يكن زمان ؛ و إن لم يكن متحركٌ – الذي هو الجرم – لم يكن حركةٌ ؛ فإن لم يكن جرمٌ ، لم يكن زمانٌ و لا حركة ، وإن كان زمان فحركةٌ ، و إن كان حركة فجرم ؛

فإن لم يكن زمانٌ لم يكن مدةٌ تعدُّها الحركة ، لأنه إن كانت حركة متتالية ، ((فمن...إلى)) موجودٌ ، أعني إنيَّة [ ] إلى مدة ((من...إلى)) .

فإن لم يكن حركة ، فليس موجودا مدةٌ و لا حركة ، و إن لم يكن حركةٌ و لا زمان ، فلا شيء ((من...إلى)) ؛ و إن لم يكن ((من...إلى)) ، فلا مدَّة ؛ و إن لم يكن مدَّةٌ ، فلا جِرْمَ ، لأن الجرم في مدة من ؛ لأنه ، وإن لم يكن ولا الآن ، واحد ، فلا حال البتة و لا وجود لهوية جرمية ؛ فإن لم يكن حركةٌ و لا زمان فلا جرم ، فإذن الجرم و الحركة و الزمان لا يسبق بعضهما بعضاً .

و ليس يمكن أن يكون زمان لا نهاية له في البدو ؛ لأنه إن كان زمانٌ لا نهاية له في البدو لم يتناه إلى زمن مفروض بتَّةً ، لأنه إن أتى من لا نهاية [له] إلى زمن مفروض ، فمن لا نهاية [له] إلى زمن مفروض معدود أجزاء متساوية من الزمان ، فإن كان من لا نهاية في الزمن إلى زمن مفروض معدود ، فمن الزمن المفروض متصاعداً في الأزمنة التي سلفت مساوٍ من لا نهاية إلى الزمن المفروض ، لأن من لا نهاية إلى الزمن المفروض مقبلاً هو الزمن بعينه الذي هو من المفروض إلى ما لا نهاية راجعاً ؛ فإذن المعدود المساوي لمعدود متناهٍ يتناهى ، لأن الأعداد المتساوية هي التي لا يزيد بعضها على بعض و لا وحدانيةً واحدة ؛

فإذن الزمن الذي لا نهاية له متناهٍ – و هذا خلف لا يمكن ، فإذن إنية الزمن متناهية .

وقد أنبأنا أن الزمان و الحركة و الجرم لا يسبق بعضها بعضا في الإنية ؛ فإذن لا الجرم و لا الحركة و لا الزمان أزلية ، بل ذات أزلية في بدو الإنية ؛ فإذن ليس شيء البتة بالفعل لا نهاية له ، فإذن إنما يوجد ((لا نهاية)) في الإمكان ، فلا أقول إنه يمكن أن يكون لكل كمية ضعفُ إمكان دائماً ، فكلما خرج من ذلك شيءٌ إلى الفعل خرج متناهياً ؛ فإن ضِعْفَ الشيء شيئان ، و ضِعْفَ الشيئين أربعة ؛ غير أن الأعداد تخرج متضاعفة أبداً ، فهي ممكن أن تتزيد أبدا ؛ وكل ما مضى فهو من هذا التزيد في الزمان شيء ، فهو متناهي العدد ؛ فلذلك ما نقول إنه ليس شيء لا نهاية له بالفعل ، فأما بالقوة فليس يوجد ((لا نهاية)) في غيرها – أعني بالقوة الإمكان .

فقد تبين ما الذي لا نهاية له ، و ما الذي لا يمكن أن يكون لا نهاية له ، وهذا فيما سألت كافٍ ، كفاك الله المهمَّ في دنياك و آخرتك ، و أعانك على درك الحق و الانتفاع بثماره ، و حاطك بتسديده من كل زلل ، و سددك بتوفيقه لأزكى عمل !

تمَّت الرسالة ، و الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة على رسوله محمد و آله أجمعين .