رسالة ابن فضلان (ت. سامي الدهان)/في خوارزم
٤
[في خوارزم] فلمَّا سمعتُ كلام عبد الله بن باشتو وكلام غيرهِ يُحذَرُونَنِي[١] مِنْ هجومِ الشِّتاء، رحلنا مِنْ «بُخارا» راجعين إلى النهر، فتكارينا[٢] سفينة إلى «خُوَارِزْم»، والمسافة إليها من الموضع الذي أكترينا مِنه السفينة أكثر من مائتي فرسخٍ، فَكُنَّا نسير بعض النهار، ولا يَسْتَوي لَنا سَيْرُه كلهُ من البرد وشدته، إلى أن قدمنا «خُوَارِزم».
فدخلنا على أميرها «محمد بن عراق خوارزم شاه[٣]»، فأكرمنا وقربنا وأنزلنا داراً.
فلما كان بعد ثلاثة أيام أحضرنا، وناظرنا في الدخول إلى بلد التُّرْكِ، وقال: «لا آذَنُ لكم في ذلك ولا يحلّ إليَّ تَرْككُمْ تُغَرِّرُون بدمائكم. وَأنا أعلم أنها حيلة أوقعها هذا الغلامُ، - يعني تكين - لأنه كان عندنا حداداً وقد وقف على بيع الحديد ببلد الكفار[٤]، وهو الذي غَرَّ « نَذيراً» وحمله على كلام أمير المؤمنين، وإيصال كتاب ملك الصقالبة إليه، والأمير الأجل - يعنى أمير خُراسان - كان أحق بإقامة الدَّعوة لأمير المؤمنين في ذلك البلد لو وجد محيصا[٥]. ومن بعد، فَبَيْنَكُمْ وبين هذا البلد الذي تذكرونَ، ألف قبيلة من الكفار. وهذا تمويه على السلطان، وقد نصحتكم. ولا بد من الكتاب، إلى الأمير[٦] الأجل حتى يراجع السلطان - أيده الله – في المكاتبة، وتقيمون أنتم إلى وقت يعودُ الجواب».
فانصرفنا عنه ذلك اليوم، ثم عاودناه، ولم نَزَل نرفق به وَنُدَاريه، وتقول: «هذا أمر أمير المؤمنين وكتابه، فما وجه المراجعة فيه؟» حتى أذن لنا، فانحدرنا من خُوارزم [٧] إلى «الجرجانية» وبينها وبين «خوارزم» في الماء خمسون فرسخا. ورأَيتُ دراهمَ خُوارِزمَ مُزيَّفَةٌ، ورصاصاً[٨] وزيوفاً[٩]، وصفراً. ويسمون الدِّرهم «طازجة[١٠]» ووزْنه أَربعة دوانيق[١١] ونصف. وَالصَّيْرَفِيُّ منهم يبيع الكعاب[١٢]، والدوامات، والدراهم.
[١٩٨ظ]
وهم أَوحش الناس || كلاماً وطبعاً، كلامهم أَشبه شيء بصياح الزرازير[١٣]. وبها قرية على يوم يقال لها «أَردكو[١٤]» أَهلها يقال لهم «الكردلية»؛ كلامهم أَشبه شيءٍ بنقيق الضفادع. وهم يتبرءُون من أَمير المؤمنين «عَلِيّ بن أَبي طالب» – رضي الله عنه – في دبر[١٥] كلِّ صلاة.
- ↑ في الأصل: «يحذروني».
- ↑ اكترى الشيء اكتراء وتكاراء تكارياً: استأجره
- ↑ محمد بن عراق أمير خوازرم، انظر في شأنه، كتاب الانساب لزامباور ١٩٢٧، ص ٢٠٨، وتاريخ خوازرم لسخاو، والبيروني ص ٢٤١.
- ↑ وهذا برهان جديد على أن الأتراك كانوا يسمون الصقالبة كفاراً قبل أن يذهب اليهم ابن فضلان واصحابه.
- ↑ المحيص: في الأصل، المهرب، يقال حاص عن الشر يحيص حيصاً ومحيصاً، عدل وحاد عنه، والمحيص: المحيد، وفي القرآن الكريم: «سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص».
- ↑ في الأصل: «أمير الأجل» فأضفنا التعريف على الأمير تصويباً.
- ↑ يقول ياقوت ٢ / ٤٨٠ ان خوارزم ليس اسما المدينة انما هو اسم للناحية بجملتها، فأما القصبة العظمى فقد يقال لها اليوم الجرجانية، وأهلها يسمونها كركانج. ويقول ياقوت في الجرجانية ٢ / ٤. إنها مدينة عظيمه على شاطئ جيحون، وهي كركانج فعربت إلى الجرجانية، وقد رآها ياقوت سنة ٦١٦ هـ، فوصف بردها الشديد، وقال انه يسكنها قوم من الأتراك والتركمان لأيامه و يجدر أن ننبه إلى أن ياقوت بدأ ينقل هنا عن ابن فضلات حرفاً حرفاً.
- ↑ في الأصل: «مزيفة ورصاص وزيوف وصفر» – وفي ياقوت ٢ / ٤٨٤: «مزيفة ورصاصاً وزيوفاً وصفراً» فرأينا أنها من خطأ الناسخ في العربية فصوبناه.
- ↑ الزائف: هو الدرهم الرديء والمردود لغش فيه، جمعه زيوف وكان للعملة الزائفة ثمنها المحدد جهاراً، وتسمى المزيقة، لأن الفضة تذاب مع الزئبق – انظر كلمة «زبق» عند الجوهري، والحضارة الإسلامية لمتز ٢/ ٣١٩، ومجلة JRAS، مقال آمدروز سنة ١٩٠٦ ص ٤٧٩.
- ↑ طازجة: النقية الخالصة، وهي معرب تازة، كما في المعرب للجواليقي ٢٢٩.
- ↑ في الأصل: «أربع ثوانيق، وهو ضعف من الناسخ صوبناه.
- ↑ الكعاب: جمع كعب وهو الدانق الصغير كما في معجم دوزي ١ / ٤٧٨ ومعجم Lane.
- ↑ انقص ياقوت حين النقل هذه الجملة كما يحدث عادة عند النساخ، فجاء عنده أن كلامهم أشبه شيء بنقيق
الضفادع، وهو يأتي بعد سطر واحد – وأما التشبيه بصياح الزرازير، فقديماً شبه النابغة الشيباني صوت العجم مثل ذلك فقال (ديوانه طبعة دار الكتب ١٩٣٢ بمصر ص ٥٣):
أصوات عجم إذا قاموا بقربتهمكما تصوت في الصبح الخطاطيف
- ↑ لم نقف على موقع القوية أو اسم أهلها في المصادر، فلعلهما مصحفتان.
- ↑ دبر: عقب كل صلاة.