انتقل إلى المحتوى

رسالة ابن فضلان (ت. سامي الدهان)/عند الغزية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: دمشق: مجمع اللغة العربية بدمشق (1959)، الصفحات ٩١–١٠٦
 

٧

فَلَمَّا قَطَعْنَاه أَفْضينا[١] إلى قبيلة مِن الأَتراك يُعْرَفون بالغزيّة[٢]. وإذا [عند الغزية] هُمْ باديةٌ، لهم بيوتُ شَعْر، يحلون ويرتحلون، ترى منهم الأبياتَ في مكانٍ، ومثلَها في مكان آخر، على عمل البادية وتنقّلهم، وَإذا هم في شقاء. وهمْ مع ذلك كالحَمير الضّالَة لا يَدينون لِلهِ بدينٍ ولا يرجعون إلى عَقْل، وَلا يَعْبُدون شَيئًا، بل يُسَمّون كبراءهم أرباباً، فإذا استشار أحدُم رئيسه في شَيْءٍ قال له: «يا رَبِّ إيشْ أَعمل في كذا وكذا؟» (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[٣]) غير أنهم متى أتفقوا على شيءٍ وَعَزموا عَلَيْه[٤] جاء أرذلهم وأخسهم فنقض ما قد أَجمعوا[٥] عَلَيْه.

وسمعتهم يقولون: (لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، تَقَرُّباً بهذا القول)[ ٢٠٠ و] إلى من يَجْتَازُ بهم من المُسْلمين لا اعتقاداً لذلك. وإذا ظُلِمَ أَحَدٌ مِنْهم أو جَرىٰ عليه أمرٌ يكرهُهُ، رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ، وقال: «بِيِرْ تنكري» وهو بالتركية «الله الواحد[٦]». لأنَّ «بير» بالتركية: «واحد»؛ وتنكري: «الله» بلغة الترك. ولا يَسْتَنْجون من غائط ولا بول؛ ولا يغتسلون من جنابة ولا غير ذلك. وليس بينهم وبين الماء عمل، خاصَّة في الشتاء. ولا يَسْتَتِرُ نساؤهم من رجالهم ولا من غيرهم. وكذلك لا تستر المرأة شيئاً من بدنها عن أحد من الناسِ.

* * *

ولقد نزلنا يوماً على رجل منهم فجلسنا، وامرأة الرجل معنا، فَبَيَنما هِي تُحدثنا إذْ كشفت فرجها وحكته [٧]. ونحن ننظر إِلَيْها فَسَتَرْنا وجوهنا، وقُلْنا: «أَسْتَغْفِرُ اللهَ» فضحك زوجها، وقال للتَّرْجُمان: «قل لهم تكشفه بحضرتكم فَتَرَوْنه وتَصونهُ[٨] فلا يُوصَلُ إليه، هو خَيْرٌ مِنْ أن تغطيه وتمكن منه».

وليس يعرفُون الزِّنا. وَمَنْ ظَهَروا منه على شيء مِنْ فعله شَقّّوه بنِصْفَيْن. وذلك أَنهم يَجْمَعون بين أغصان شجرتين، ثم يشدونه بالأغصان، ويُرْسِلون الشجرتين فينشق الذي شد إليهما[٩].

وقال بَعضُهم، وسمعني [أقرأ] [١٠] قرآناً، فاستحسن القرآنَ، وأقبل يقول للترجمان قل له: «لا تَسْكُتْ». وقال لي هذا الرجل يوماً على لسان الترجمان: «قل لهٰذا العربي: أَلربِّنا عز وجل أمرأة؟! فاستعظمتُ ذٰلك، وسبحت الله، واستغفرته؛ فسبح واستَغْفَرَ كما فعلت. وكَذلك رَسْمُ التركي كلما سمع المسلم يسبح ويهلل قال مثلَهُ.

* * *

٨

ورسوم تزويجهم، وهو أن يخطُبَ الواحدُ منهم إلى الآخر بعضَ حرمه، إمّا[١١] ابنته أو أخته أو بعض من يملك أمره، على كذا وكذا ثوب خُوارزميّ، فإذا وافقه[١٢] حملها إليه، وربما كان المهر جمالاً [١٣] أو دوابّ أو غير ذلك. وليس يصل الواحد إلى امرأته حتى يوفي الصِّداق الّذي قَدْ واقَف وليَّها عليه، فإذا وفّاه إياه جاء غير مُحْتَشِمٍ حتى يَدْخُلَ إلى المنزل الذي هي فيه، فيأخذها بحضرة أبيها وأمها وإخوتها، فلا يمنعونه مِنْ ذلك.

[٢٠٠ ظ] وإذا مات الرجل وله زوجة وأولاد تزوج الأكبرُ مِنْ وَلَدِه||بامرأته إذا لم تكن أُمَّهُ. ولا يقدر أحد من التجار ولا غيرهم أن يَغْتَسِلَ مِنْ جَنَابة بحضرتهم إلا ليلاً من حيث لا يرونه. وذلك أنهم يغضبون ويقولون: «هذا يريد أن يسحرنا لأنه قد تَفَرَّسَ[١٤] في الماء»، ويغرمونه مالاً.

وَلا يقدر أحد[١٥] من المسلمين [أن] يجتاز ببلدهم حتى يجعلَ لَهُ منهم صديقاً ينزل عليه، ويحمل له من بلد الإسلام ثوباً، ولا مرأَته مقنعة[١٦]، وشيئاً من فلفل[١٧]، وَجاوَرس، وَزيب، وَجوز ، فإذا قدم عَلَى صديقه ضرب له قُبَّةً[١٨]، وحمل إِليه من الغنم على قدْره، حتّى يتولّى المسلمُ ذبْحَها لأَنَّ الترك لا يذْبَحون وإنما يضرب الواحد منهم رأْس الشاة حتى تموتَ.

*   *   *


وإِذا أَراد الرجل منهم الرَّحيلَ[١٩] وقد قام عليه شيء مِنْ جِمالِه ودوابّه أَو احْتاجَ إلى مالٍ ترك ما قد قامَ عند صديقِه التُّركي، وأَخذ من من جماله ودوابّه وماله حاجته، ورحل. فإذا عاد من الوجهِ الّذي يقصدُه قضاء مالَه، ورد إليه جمالَه ودوابّه.

*   *   *


وكذلك لو أجتاز بالتركيّ إنسان لا يعرفه ثم قال: «أَنا ضيفك، وأَنا أُريد من جمالك ودوابك ودراهمكَ» دفع إليه ما يريدُ. فإن مات التاجر في وجهه ذلك، وعادتِ القافلة لقيهم التركيُّ، وقال: «أَين ضيفي؟» فإنْ قالوا: «ماتَ» حط القافلة، ثم جاء إلى أَنبل تاجر يراه فيهم، فَحَلَّ متاعه وهو ينظر، فأَخذ من دراهمه مثل ماله عند ذلك التّاجرِ بِغَير زيادة حَبَّةٍ، وكذلك يأْخذ من دوابه وجِمالِه، وقال: «ذلك ابن عمك، وأنت أحق من غُرمَ عنه» وَإِنْ فَر فعل أيضا ذلك الفعل، وقال له: «ذلك مسلم مثلك، خذ أنت منه». وَإِنْ لَمْ يوافق المسلم ضيفه في الجادَّةِ[٢٠]، سَأَل عن بلاده[٢١]: «أين هو» فإذا أرشد إليه سار في طلبه مسيرة أيام حتى يصير إليه، ويرفع مالَهُ عنده، وكذلك ما يُهدْيه له.

[٢٠١و]وهذه أيضاً سبيل التركيّ إذا دخل «الجرجانية» سأل عن ضيفه فنزل عليه حتى يرتحل. ومتى مات التركي عند صديقه المسلم، واجتازت القافلة وفيها صديقه قتلوه، وقالوا: «أنت قتلته بحبسك || إيّاهُ، ولو لم تحبسه لما مات». وكذلك إن سقاه نبيذاً[٢٢] فتردّى من حائطٍ[٢٣] قَتَلوه به فإن لم يكن في القافلة عمدوا إلى أجل من فيها فقتلوهُ.

* * *

وأمر اللواط عندهم عظيمٌ جداً. ولقد نزل على حي «كوذَرْكين» — وهو خليفة ملك الترك — رجل من أهل «خوارزم» فأقام عند ضيف

له مدة في ابتياعِ غنم. وكان للتركي ابن أَمرد فلم يزل الخوارزميُّ يُداريه ويراوده عن نفسه حتى طاوعه على ما أَراد. وجاء التركي فوجدهما في بِنيانهِما، فرفع التركي ذلك إلى «كوذَركين» فقال له: «اجمَعِ التُّركَ» فجمعهم، فلما[٢٤] اجتمعوا، قال للتركي[٢٥]: «بالحق تحب أن أحكم أم بالباطل»؟ قال: «بالحق» قال: «أحضر ابنك»، فأحضره. فقال: «يجب عليه وعلى التاجر أن يقتلا جميعاً»، فامتعض التركي من ذلك، وقال: «لا أسلم أبني». فقال: « فيفتدي التــــاجر نفسهُ» ففعل. ودفع للتركي[٢٦] غنماً للفعل بابنه. ودفع[٢٧] إلى «كوذركين» أربعمائة شاة لما رفع عنه، وارتحل عن بلد الترك.

* * *

٩

فأول من لقينا من ملوكهم ورؤسائهم ينالُ الصغير[٢٨] – وقد كان أسلمَ – فقيل له: «إن أسلمت لم ترؤسنا[٢٩]»؛ فرجع عن إسلامه. فلما وصلنا إلى الموضع الذي هو فيه، قال: «لا أترككم تجوزون لأن هذا شي ما سمعنا به قطُّ، ولا ظننا أنه يكون». فرفقنا به إلى أن رضي بخفتان جرجاني يُساوي عشرة دراهم، وشقةِ باي باف[٣٠]، وَأَقراصِ خبز، وكفِّ زَيب، ومائة جوزة. فلمّا دفعنا هذا إليه سجد لنا. وهٰذا رسمهم إذا أكرمَ الرجلُ الرجل سجد له، وقال: «لولا أن بيوتي نائية[٣١] عن الطريق لحملت إليكم غنماً وبراً[٣٢]»، وانصرف عنا وارتحلنا.

فلما كان غد لقينا رجل واحد من الأتراك، دميمُ الخلقة، رثُّ الهيئة، قميءُ المنظر، خسيس المخبر، وَقَدْ أَخَذَنا مَطَرٌ شديد فقال: «قِفوا». فوقفت القافلة بأسرها - وهي نحو ثلاثة آلاف دابة وخمسة آلاف رجل – ثم قال: «ليس يجوزُ منكم أحدٌ» . فوقفنا طاعةً لأمره.[٢٠١ ظ] فقلنا له: «نحن أصدقاء كوذركين». فأقبل || يضحك ويقول: «مَنْ كُوذركين؟ أنا أَخرى[٣٣] على لحية كُوذركين»! .. ثم قال: «پكند»: يعني الخُبْزَ بلغة خوارزم فدفعتُ إليه أَقراصاً فأَخذَها وقال: «مُرّوا قد رحمتكم».

* * *

قـــــــــــــــــــــــال:

وإذا مرض الرجل منهم، وكان له جَوار وعبيد خدموه ولم يقربهُ أَحد من أَهل بيته، ويضربون له خيمة، ناحية من البيوت، فلا يزال فيها إلى أَنْ يموت أَو يَبْرَأَ، وإن كان عبداً أَو فقيراً رَمَوْا به في الصحراءِ وارتحلوا عنه.

وإذا ماتَ الرجلُ منهم حفروا له حفيرةً كبيرةً كهيئة البيت وعمدوا إليه فأَلبَسوه قرطقه[٣٤] ومنطقته وقوسه [٣٥] ... وجعلوا في يده قدحاً من خشب فيه نبيذٌ، وتركوا بين يديه إناءً مِنْ خشب فيه نبيذ. وجاءُوا بكل ماله فجعلوه مَعَهُ في ذلك البيت. ثم أجلسُوه فيه فسقفوا البيتَ عليه، وجعلوا فوقه مثل القبة من الطين، وعمدوا إلى دوابّه على قدر كثرتها، فقتلوا مِنْها مئة رأْس إلى مِائتيْ رَأْسِ إلى رَأْس واحد، وأكلوا لحومَها إلّا الرأْسَ والقوائم وُالجلد والذنَبَ، فإنهم يصلبون ذلك على الخشب. وقالوا: «هذه دوابه يركبها إلى الجنة». فإِن كان قتل إنساناً وكان شجاعاً نحتوا صوراً من خشب على عدد مَنْ قَتَلَ، وجعلوها على قبره، وقالوا: « هؤلاءِ غلمانه يخدمونه في الجَنَّةِ»! ..

وربَّما تغافلوا[٣٦] على قتل الدواب يوماً أَو يومين، فيحثُّهم[٣٧] شيخ من كِبارهم فيقول: «رأيتُ فلاناً — يَعني المَيْتَ — في النومِ فقال لي: «هو ذا تَراني وقد سبقني أصحابي وشُقِّقَتْ[٣٨] رجلاي من اتِّباعي لهم، ولستُ [٣٩] أَلحقهم، وقد بقيت وحدي». فعندها يعمدون إلى دوابه فيقتلونها ويصلبونها عند قبره. فإذا كانَ بعد يَوْمٍ أَو اثنين جاءَهم ذلكَ الشيخُ وقال: «وقد رأيتُ فلاناً وقال: عَرِّفْ أَهلي وأَصحابي أَنّي قَدْ لحقتُ [٤٠] مَن تقدَّمَني، واسترحتُ من التَّعب».

* * *

١٠

قــــــــــــــــال:

والترك كلهم ينتفون لحاهم إلاّ أَسبلتهم[٤١]. وربما رأيتَ الشيخ الهرم منهم، وقد نتف لحيته وترك شيئاً منها تحت ذقنه وعليه البوستين . فإذا رآه إنسان من بُعْدٍ لم يشك أَنه تيس.

||[٢٠٢و] وملاك الترك الغزيَّة يقال له: «يبغو» [٤٢] وهو اسم الأَمير، وكل من ملَك هذه القبيلة فبهذا الاسم يُسَمّى، ويقال لخليفته «كوذركين» ، وكذا كلُّ مَن يخلف رئيساً منهم يقال له: «كوذركين».

ثُمَّ نَزَلنا بعد ارتحالنا من ناحية هؤلاءِ بصاحب [٤٣] جيشهم، ويقال له: «أَترك بن القطغان»، فضرب لنا قباباً تركية، وأَنزلنا فيها [٤٤] وإذا له ضَبْنةٌ [٤٥] وحاشية، وبيوت كبيرة. وساق إلينا غنماً، وقاد [٤٦] دوابّ، لنذبح الغنم ونركب الدواب، ودعا هو جماعة [٤٧] من أهل بيته وبني عمه فقتل لهم غنماً كثيرة.

وكنا قد أَهدينا إليه هدية من ثياب، وزَبيب، وجَوْز، وفلفل، وجَاوَرْس، فرأَيت امرأَته وَقَدْ كانَتْ امرأَةَ أَبيهِ، وقَدْ أَخذَتْ لحماً وَلَبَناً وشيئاً مما أَتحفناهُ[٤٨] بهِ، وخرجتْ مِن البيوتِ إِلى الصحراءِ فحفرَتْ حفيرةً ودفنتْ الذي كان معها فيها، وتكلمتْ بكلامٍ، فقلتُ للترجمان: «ما تقول»؟ قال: «تقول هذه هدية للقطغان أَبي[٤٩]أَترك، أَهداها[٥٠] له العربُ ». فلما كان في الليل دخلتُ أَنا والترجمان إِليه وهو في قبته جالس، ومعنا كتاب نذير الحرمي[٥١] إِليه، يأْمره فيهِ بالإِسلامِ ويحضه عليه، ووجَّه إِليه خمسين ديناراً، فيها عدة دنانير مسيبية[٥٢]، وثلاثة مثاقيل مِسْك، وجلود أَديم وثيابٌ[٥٣] مروية، وقطعنا له منها قرطقين[٥٤] وخف أَديم، وثوب ديباج وخمسة أَثواب حرير، فَدَفَعْنا إليه هديته ودفعنا إلى امرأَته مقنعة وخاتماً.

وقرأتُ عليه الكتاب فقال للترجمان: «لست أَقول لكم شيئاً حتى ترجعوا[٥٥] وأَكتب إلى السُّلْطان بما أنا عازم عليه». ونزع الديباجةَ التي كانتْ عليه ليلبس الخلع — التي ذكَرْنا — فرأيتُ القرطق الذي

تحتَها و[قد][٥٦] تقطع وَسخاً، لأَن رسومهم أَن لا ينزعَ الواحدُ منهم الثوب الذي يلي جسده حتى ينتثر قطعاً، وإذا هو قد نتف لحيته كُلَّها وسباله، فبقي كالخادم. ورأَيتُ الترك يذكرون أَنه أَفرسهم ولقد رأَيت يوماً وهو يسايرُنا[٥٧] على فرسه إذ مرت وزة طائرة فأَوتر قوسَه، وَحرك دابته تحتها، ثم رماها فإِذا هو قد أَنزلها.

*   *   *

فلما كان في بعض الأَيام وجَّه خلف القواد الذين يلونه وهمْ: طرخان، وينال، وابن أَخيهما، وإِيلْغز[٥٨]. وكان || [٢٠٢ظ] طرخان أَنبلهم وأَجلهم، وكان أَعرج أَعمى أَشل، فَقالَ لَهُمْ: «إِِنَّ هؤلاءِ رسل ملك العرب إِلى صهري المش بن شلكي[٥٩]، ولم يُخَيَّر لي أَن أُطلقهم إِلاّ عن مَشورتكم». فقال طرخان: «هٰذا شيءٌ ما رأَيناهُ قط، ولا سمعنا به، ولا اجتاز بنا رَسولُ سلطان مذ كنا نحن وآباؤنا[٦٠]. وما أَظن إِلا أَن السلطان قد

أَعملَ الحيلةَ ووجه هٰؤلاءِ إلى الخَزَر ليستجيشَ بِهِمْ عَلَيْنا والوجه أَن يُقْطَعَ هؤلاءِ الرسلُ نصفين نصفين ونأْخذ ما معهم».

وقال آخرُ مِنهم: «لا بل نَأْخذ ما مَعَهمْ ونتركهم عُراةً يَرْجِعون مِن حيثُ جاءوا». وقال آخر: «لا، وَلكن لنا عند ملك الخزر أُسراءُ فنبعث بهٰؤلاءِ نفادي بهم أُولئكَ». فما زالوا يتراجعون بينهم هذه الأَشياءَ سبعة أَيام، ونحنُ في حالة الموت، حتى أَجمع رأْيهم[٦١] على أن يخلوا سبيلنا، ونمضي. فَخَلَعْنا على «طرخان» خفتاناً مروياً[٦٢]، وشقتين باي باف، وعلى أَصحابه [كل واحد][٦٣] قرطقاً[٦٤]، وكذلك على «ينال». ودفعنا إِليهم فلفلا وجاورس، وأَقراصاً من خبز. وانصرفوا عنا.

*   *   *

١١

ورحلنا حتى صرنا إلى «نهر يغندي»[٦٥] فأَخرج الناس سُفَرَهُم[٦٦] وهي من جلود الجمال فبَسطوها، وأَخذوا بالأَثاث[٦٧] من الجِمال التركية لأَنها مدوَّرة فجعلوها في جوفها، حتى تمتد، ثم حشوها بالثياب والمتاع، فإِذا امتلأَتْ جلس في كلِّ سفرة جماعة من خمسة وستة وأربعة، وأَقل وأَكثر، ويأْخذون بأَيديهم خشبَ الخدنك[٦٨] فيجعلونه كالمجاديف، ولا يزالون يجدفون والماء يحملها وهي تدور حتى نعبر. فأَما الدواب والجِمال فإِنه يُصاحُ بها فتعبر سباحةً، ولا بد أَن تعبر جماعة من المقاتلة ومعهم السِّلاح، قبل أَن يعبر شيءٌ من القافلة، ليكونوا طليعة للناس خيفة[٦٩] من «الباشغرد»[٧٠] أَن يكبسوا الناس وهم يعبرون.

فعبرنا «يَغِنْدي» على هذه الصِّفة التي ذكرنا. ثم عبرنا بعد ذلك نهراً يقال له «جام»[٧١] في السُّفَر أَيضاً، ثم عبرنا «جاخش»[٧٢]، ثم

«أذل»[٧٣]، ثم «أردن»[٧٤]، ثم «وارش»[٧٥] ثم «أختي»[٧٦]، ثم « وتبا»[٧٧]. وهذه كلها أنهار كبار.

*   *   *

١٢

ثم [عند البجناك] صرنا بعد ذلك إلى البجناك[٧٨] وإذا هم [نزولٌ][٧٩] على ماء شبيه بالبحر غير جار وإذا هم سمر شديدو[٨٠] السُّمرة || [٢٠٣و] وإذا هم محلَّقو[٨١] اللحى، فقراء، خلاف الغزية. لأني رأيتُ من الغزية من يملك عشرة آلاف دابة ومائة ألف رأس من الغنم. وأكثر ما ترعى من الغنم ما بين الثلج تبحثُ


  1. في المخطوطة: «فلم قطعنا واقضينا» وهي تصحيف صوبناه.
  2. في ياقوت ١ / ٨٤٠: «وذكر أحمد بن محمد الهمذاني عن أبي العباس عيسى بن محمد المروزي قال: لم نزل نسمع بالأمم التي من وراء النهر وغيرها من الكور الموازية لبلاد الترك الكفرة العزية، والتغزغزية والخرلجية» - وفي الاصطخري، طبعة ليدن ص ٩: «وديار الأتراك متميزة. فأما الغزيّة فان حدود ديارهم ما بين الخزر وكيامك» - وفي دائرة المعارف الإسلامية ٢ / ١٧٨ لبرتولد أن الغز سكنوا منذ القرن الرابع قرب بخارا ومشوا على أطراف الفولغا وإلى الدانوب، وعمروا شرقي أوربة والسلجوقيون جاءوا من الغز.
  3. انظر القرآن الكريم سورة شورى ٤٢ / ٣٨ وتمامها: «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون».
  4. وفي الأصل: «ثم جاء» فحذفنا «ثم»
  5. في الأصل وفي وليدي: «ما قد جمعوا» فرأينا أن نرسمها كما ترى.
  6. في الأصل المخطوط: «بالله بالواحد» وليس في الجملة التركية حرف جر، فلعلها «الله الواحد»
  7. نحن نستفظع اللفظة لهذه الأيام، ولكن القدماء فيما ظهر لنا لم يكونوا على مثل نظرتنا، لذلك أبقيتا ما جاء في النص، أمانة، وعملاً بأنه لا حياء في الدين.
  8. في الأصل: «وتصونه» – ويقترح وليدي أن تكون: «وتصونونه».
  9. في الأصل: «شيالهما»، ولعلَّها كما وضعنا
  10. أضفنا الفعل للسياق.
  11. في الأصل المخطوطة: «أنا ابنته» وهي تصحيف من غير شك وصوابها: «إما».
  12. في الأصل المخطوط كذلك: فاذا وافاه» ولعلها: «فاذا وافقه» أو «واقفه» أو لعله يريد أن يقول: «فاذا وافاه بما طلب»، أو «وفاه ما طلب».
  13. أخطأ الناسخ في النحو فجعلها «جمال» فصوبناها.
  14. في الأصل: «تغرس» بالغين بعد التاء، وصوابها ما رسمنا، وأفرس الرجل إذا تنبت وتأمل ونظر، في الأصل.
  15. في المخطوطة «أحدهن من» وهو سم ومن قلم الناسخ حين رسم «هن» زائدة فحذفناها.
  16. المقنعة: غطاء من قماش يحمله الرجل والمرأة على رأسها، ولعلها برقع على وجه النساء، كما في معجم الملابس لدوزي ٣٧٧ - وفي ابن بطوطة طبعة باريس ٢ / ٣٨٨ في الحديث عن البلغار في الفولغا، قوله: «وعلى رأس الوزيرة والحاجية مقنعة حرير مزركشة الحواشي بالذهب والجوهر».
  17. يقول ياقوت عن الفلفل ٣ / ٤٠٣: «فشاهدت نباته، وهو شجر عادي لا يزول الماء من تحته، فإذا هبت الريح تساقط حمله» وما يزال الفلفل يستعمل إلى اليوم.
  18. القبة: بالضم – بناء سقفه مستدير مقصر ، معقود بالحجارة أو الآجر على هيئة الخيمة ، جمعها قباب وقبب.
  19. في الأصل بالمخطوطة: «الرجل»، وهي تصحيف بلا شك فلا معنى لها، وانما صوابها مارسمنا لأن الجملة بعدها تفسر المراد حين يقول: «ورحل».
  20. يرى أحد المستشرقين أن تكون الكلمة هنا: «في انجاده»، ولكن الجملة واضحة تعني أن المسلم لم يوافق في طريقه أو في قافلته ضيف التركي.
  21. في الأصل: «سأل عن ثلاثة» ولا معنى لها، فارتأى أحد المستشرقين أن تكون: «سأل عن نائبه أو فلاته أو سائسه». ولكننا ترى ما وضعنا أقرب للسياق.
  22. النبيذ: ما نبذ من عصير ونحوه، سمي به لإنه ينبذ أي يترك حتى يشتد ويلقى في الجرة حتى يغلى جمعه أنبذة – وفي التاج: «يقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ».
  23. تردی: سقط.
  24. في المخطوطة: «فيا» وصوابها ما رسمنا.
  25. في الأصل: «قال التركي، والصواب أن يكون القائل كوذركين للتركي، والسياق يدل على ذلك في الجملة بعدها.
  26. وهنا في الأصل: «ودفع التركي» وصوابها أن الذي دفع هو الخوازومي.
  27. في الأصل: «ورفع إلى» ولعلَّ صوابها: «ودفع» والذي بعث الاضطراب في النص هو تكرار كلمة «دفع»
  28. هو في تواريخهم: «كوجوك ينال» - وهو ولي العهد - انظر مفاتيح العلوم للخوارزمي ص ٧٣.
  29. رؤس الرجل يرؤس رئاسة كان رئيساً. ولعل صوابها: «لن ترؤسنا».
  30. في الأصل: «باي تاف» وهو خطأ، والباي ياف: لباس المرأة، - وفي أحسن التقاسيم للمقدسي، ط . أوربة، ص ٣٢٣: «وأما التجارات فترتفع من نيسابور ثباب البيض الخفية والبيباف، والعمائم الشجانية الحفية والمقانع».
  31. في المخطوطة: «بيوتي نايبة» وهي مصحفة، وصوابها ما وضعناه.
  32. البُرُّ: بالضم - القمح، والواحدة بُرَّة.
  33. في الأصل: «أما أخرى» وصوابها ما كتبنا.
  34. في الأصل: «فرطته» وهو تصحيف.
  35. بعد هذه الحكامة بياض في المخطوطة قدر كلمة.
  36. كذا في الأصل، ولعلها «عن قتل».
  37. في الأصل: «فحتهم» — وفي طبعة وليدي: «فحثهم» ولعلها كما رسمنا.
  38. يرى المستشرق المجري أن تكون: «شعفت» وشعفت الرجل خرجت بها الشفعات، وهي قرحة في أسفل القدم — ولكننا لانرى وجوباً لذلك.
  39. في الأصل: « وكٮٮ »
  40. في المخطوطة: «لحفتهم» وهي من الناسخ، صوبناها.
  41. أسبلة وسبال: جمع سبلة، وهو الشارب.
  42. يبغو لقب لكثير من ملوك الأتراك — انظر مفاتيح العلوم ص ٧٣ حيث يقول أن جبويه هو ملك الغزية.
  43. في الأصل «صاحب جيشهم» فأضفنا الباء — وفي طبعة وليدي: «عند صاحب» — وهو سباشى في مفاتيح العلوم.
  44. في الأصل: «وأنزلنا فيه ».
  45. كلمة لم تنقط في الأصل، فلعلها: «صبية» أو لعلها: «ضبنة» وهي على وزن فرحة، العيال يضطبنهم الرجل في كنفه وناحيته، يقال خرج في ضبنته أي في أهله وعياله.
  46. في الأصل: «وقادوا دواباً» ولعلها كما رسمنا.
  47. في الأصل: «وجماعة».
  48. في الأصل: «ألحفنا» فرأينا أن تكون: «أتحفناه به».
  49. في الأصل: «أبو اترك».
  50. في الأصل: «أهدوها» فصوبناها.
  51. في الأصل هنا: «نذير الحرمين، وهي سهو من الناسخ، وقد مرّ بنا اسمه في صدر الرسالة وعلقنــــا عليه في الحاشية.
  52. كذلك صحفت كلمة «مسيتة» وصوابها «مسيبية، وقد مرت بنا وشرحناها.
  53. في الأصل: « وثوبين مروية» فأصلحناها، وهي نسبة إلى مرو.
  54. في المخطوطة: «منهما قرطبين» فصوبناها.
  55. في المخطوطة: «حتى ترجعون»
  56. زدناها للسياق — وفي طبعة وليدي: « تتقطع ».
  57. في الأصل: «وهو سايرنا» ولعلها كما صوبنا.
  58. قطعت الكلمات هنا وبقي منها ما غمض رسمه: «وان حٮها وٮفلر» — فجعلناها كما تراءى لنا في قربه من أسمائهم التركية — وفي طبعة وليدي يقترح: «وابن أخته».
  59. رأينا أن الناسخ رسم هذا الاسم في صدر الرسالة «الحسن بن بالطوار» وعرفنا أن ياقوت رسمه كما جاء هنا ، وقد علقنا على أقوال العلماء فيه في الحاشية والمقدمة بما يغنينا عن الاعادة هنا — وفي ياقوت ٧٢٣/١ « المس بن شلكي بلطوار ».
  60. ولعل هذا دليل آخر على أن بعثة ابن فضلان هي الأولى من نوعها، وأن رجالها هم أول من وطئ البلاد وزارها من قبل بغداد.
  61. في المخطوطة: «أجمع دأبهم» وصوابها ما كتبنا.
  62. في الأصل «خفتان مروي» وهي خطأ، فأصلحناها من حيث النحو، وهي نسبة كذلك إلى مرو — كما مر قبل قليل —.
  63. ناقصة أضفناها لتمام العبارة.
  64. في الأصل: «قرطق قرطق» وحقها النصب.
  65. في المخطوطة: «نهر بغندي» — وهو نهر ياغندي أو يندى كما في مقالة المستشرق فراى ص ٢٦ إذ يرسمه Jagindi وهو الآن نهر زايندي Zayindi، فرع لنهر كيم Emba — انظر تعليق الطبعة الروسية ص ١٠٠.
  66. قلنا أن السفر هي جمع سفرة، المركب أو السفينة، وعلقنا بأنها مصنوعة من جلود الجمال. كما يقول ابن فضلان نفسه هنا — انظر استعمال السفر في الكامل لابن الأثير ٣٣٤/٩ (سنة ٦١٧ هـ).
  67. في الأصل: «بالإناث» ولا معنى لها، فلعلها: «بالآت» أو لعلها كما وضع وليدي: «بالأثاث من الجمال».
  68. شجر الخدنك: هو الحور الأبيض كما في دوزي، Peuplier.
  69. في الأصل المخطوط: «خليفة من الباشغرد» ولا نجد لها معنى، وإنما نقترح أن تكون «خيفة من الباشغرد» تمشياً مع السباق، وهو الخوف من قوم الباشغرد.
  70. يقول ياقوت ٤٦٨/١، أن الباشغرد هم باش جرد أو باش قرد، من الأتراك، وهم شر هذه الأقوام ثم يتحدث عنهم فينقل عن ابن فضلان كما سنرى بعد قليل.
  71. بری فراي أنه «نهر جيم» Gim وسنأخذ عنه تحقيقاته في الأنهار التالية — كما جاء في مقاله بالإنكليزية ص ٢٦.
  72. هو نهر «سجير Sagir».
  73. هو الآن نهر «أوبيل Oyil».
  74. هو الآن نهر «زاكسباي Zaqsibay» على الأغلب.
  75. لعله اليوم باسم نهر «كالداغايتي Qaldagayti»
  76. لعله اليوم فرع من نهر «أشي صاي Assi Bay».
  77. رسمه في المخطوطة: «وبنا» ويقترح المستشرق أن يقرأ «وتبا» أو «أوتبا»، وهو فرع من الأورال Yayiq. رسم المستشرق طريق سيره ومكانه.
  78. البجناك: قبيلة من الأتراك، من قبائل الغز من القفجق، وهم في أصلهم من تركستان الصينية، وكانت مساكنهم في الأورال والفولغا بجوار الخزر. وكان الغز في الشمال الشرقي، وقد طردهم الغز حوالي سنة ٨٦٠ للميلاد فلم يصادف ابن فضلان منهم إلا قليلاً - انظر دائرة المعارف الإسلامية ٣/ ١١٠٧ عن Peceneges، والقفجق كانوا يعيشون في شمالي البجناك، ووصف ياقوت البجناك ٣ / ٤٤٦ نقلاً عن أبي دلفف مسعر بن المهلهل - وارجع كذلك إلى نخبة الدهر لشيخ الربوة ٢٦٤ حيث يقول: «أما القبجق، فمساكنهم في جبال وغياض من وراء دربند شروان مما يلي بحر الروس، ولهم عليه مدينة اسمها مرداق والبحر ينسب إليها» ودربند هنا «عقبة صعبة ضيقة» وبحو القبحق هو بحر آزوف المشهور.
  79. بياض في الأصل ملأناه بما ترى تمشياً مع السباق - وفي طبعة وليدي: «نزلوا على».
  80. في الأصل: «شديدي» وصوابها ما رسمنا.
  81. وقد رسم الناسخ كذلك «محلقي» خطأ.