رسالة ابن فضلان (ت. سامي الدهان)/عند الباشغرد
يلقى الرجلُ الرجل فيفزّر[١] هامتَه، ويأخذها، ويتركه. وهم يحلقون لحاهم، ويأكلون القملَ، يتتبع الواحد منهم دَرز[٢] قُرْطَقه، فيقرض القمل بأسنانه. ولقد كان معنا منهم واحد قد قد أسلم، وكان يخدمنا فرأيته وجد قملة في ثوبه، فقصعها[٣] بظفره، ثم لحسها؛ وقال لما رآني: «جيد[٤]»!
وكلُّ واحد منهم ينحت خشبة على قدر الإحليل[٥] ويعلقها عليه، فإذا أراد سفراً أو لقاء عدو[٦] قبلها، وسجد لها، وقال: «یا رب افعل بي كذا وكذا»، فقلت للترجمان: «سل بعضهم ما حجتهم في هذا، ولم جعله ربه؟؟» قال: «لأني خرجت من مثله فلستُ[٧] أعرف لنفسي خالقاً غيره».
ومنهم من يزعم أنَّ له اثني[٨] عشر ربّاً: للشتاء ربٌّ [وللصيفِ ربُّ، وللمطر رب، وللرّيح رب، وللشجر رب، وللناس رب، وللدواب رب، وللماء رب ولليل رب، وللنهار رب، وللموت رب؛ وللأرض رب[٩]. والرب الَّذي في السماء أكبرهم؛ إلا أنه[١٠] يجتمع مع هؤلاء باتفاق، ويرضى كل واحد منهم بما يعمل شريكه. تعالىٰ الله عما يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُواً كَبيراً[١١].
ورأينا طائفة منهم تعبُد الحيّات وطائفة تعبد السمك، وطائفةً تعبد || الكَراكيَّ[١٢]. فعرّفوني أنهم كانوا يحاربون قوماً[١٣] من أعدائهم [٢٠٣ظ] فهزموهم، وأن الكراكي صاحت وراءهم فزعوا وانهزموا، بعدما هزموا، فعبدوا الكراكي لذلك. وقالوا: «[هذه ربنا و][١٤] هذه فعالاته. هزم أعداءنا» فهم يعبدونها لذلك[١٥].
قــــــــــــــــال :
وسرنا مِن بلد هؤلاء فعبرنا «نهر جِرِمْشان[١٦]»، ثم نهر «أَورن[١٧]» ثم نهر «أورم»[١٨] ثم نهر «بايناخ»[١٩] ثم نهر «وتيغ» [٢٠] ثم نهر «نیاسنه» ثم نهر «جاوشيز»[٢١]. وبين النهر والنهر – مما ذكرنا – اليومان والثلاثة والأَربعة، وأَقلّ من ذلك وأكثر.
✽✽✽
- ↑ في المخطوطة: «مٮور» بغير نقط، ولعلها: «ليفزر» كما في ياقوت وفزّر بمعنى فسخ وشق وكسر، يقال فزر أنقه وفزر بمعنى فتت.
- ↑ في الأصل: «درز» - وفي ياقوت: «دروز» - والدَّرز: الارتفاع الذي يحصل في الثوب إذا جمع طرفاه في الخياطة، فارسي معرب، جمعه دروز، يقال دقق الخياط الدروز، وما تزال تسمى كذلك الى اليوم.
- ↑ قصع القملة بظفره أو بين ظفريه: قتلها
- ↑ هذه العبارة غامضة في الأصل رسمها الناسخ كما يلي: «وقال الراي حيدر» وقد اقترح فرمن هذه الرواية التي وضعناها في النص، فهي «جيد» أو «جيدة».
- ↑ في المخطوطة عندنا: «الإحليل» - وفي ياقوت: «قد نحت خشبة على قدر الأكليل» - ونسختناأصوب، والسياق يفسر معنى الكلمة فلا حاجة بنا إلى شرحها.
- ↑ في نسختنا: «ولقي عدواً» - وفي ياقوت: «أو لقاء عدو» وهي أصوب ففضلناها على ماعندنا.
- ↑ في مخطوطتنا: «وليس أعرف» - وفي ياقوت: «فلست أعرف لنفسي موجداً غيره».
- ↑ في نسختها: «أن له اثنا عشر» وهو من جهل الناسخ بالنحو
- ↑ ذكرت نسختنا ستة أرباب فحسب، ولكن ياقوت ١ / ٤٦٩ زاد فيها حتى بلغت ثلاثة عشر فقال: للشتاء رب وللصيف رب، ولقاء رب، ولليل رب، والنهار رب، وللموت رب، وللحيات رب، وللأرض رب» فأضفنا الناقص عنه، وافترضنا سقوط سطر من الناسخ، لتكرر الكلمة، وهذا كثير الوقوع عند من ينسخ مثل هذه العبارة.
- ↑ في المخطوطة: «لأنه يجتمع» وفي ياقوت: «إلا أنه» وهي أصوب فجعلناها في المتن.
- ↑ في ياقوت: «جل ربنا عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيراً» - وقد اقتبس ابن فضلان كلامه من القرآن الكريم، ففي سورة الإسراء ١٧ / ٤٢: «قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيراً».
- ↑ الكركي: طائر يقرب من الوز، أبتر الذنب، رمادي اللون، يأوي الماء أحياناً، جمعه كراكي.
- ↑ في الأصل: «أقواماً» ويرى ريتر أن تكون «قوماً» وهي أصوب.
- ↑ في ياقوت: «وقالوا هذه ربنا لأنها هزمت أعداءنا فعبدوها لذلك، وافترضنا سقوط هذه الجملة، ليعود إليها ضمير «فعالاته».
- ↑ ويضيف ياقوت معلقاً ٤٦٩/١، فيقول انه رأى من الباشفردية في حلب، وهم شقر الشعور والوجوه جداً، ينتمون على مذهب أبي حنيفة. وذكر موقع بلادهم وسبب اسلامهم وفي كلامه كثير من البعد عن الواقع.
- ↑ في الأصل بغير نقط، وقد ذكره فراي ص ٢٧ وجعل اسمه «نهر جرمشان Girimsan».
- ↑ هو الآن نهر «أوران Uran ».
- ↑ هو الآن نهر «أورهم Urem»
- ↑ يرى زكي وليدي أنه نهر «ماينا Mayna».
- ↑ في الأصل بغير نقط، وهو الآن نهر أوتكا «Utka» من الروسية Udga، كما يری کوفالفسكي.
- ↑ يرى فراي أنه «أكتاي Aqtay - وهذه آخر تعليقات المستشرق فراي في مقالته عن الأنهار والمدن.