رجال ابن الغضائري/المقدمة/أما كون الثقة تثبت بنفي الطعن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
رجال ابن الغضائري/المقدمة/أما كون الثقة تثبت بنفي الطعن
المؤلف: أحمد بن الحسين الغضائري


بسم الله الرحمن الرحيم

فهو الّذي صرّح به المحقّق الحلّي بوضوح فقال: «إذا قال: أخبرني بعض أصحابنا و عنى الإماميّة، يقبل، و إن لم يصفه بالعدالة، إذا لم يصفه بالفسوق، لأنّ إخباره بمذهبه شهادة بأنّه من أهل الأمانة، و لم يعلم عنه الفسوق المانع من القبول». (١)

و هذا المنهج مبنيّ على «أصالة الوثاقة في المؤمن» بشرط عدم الطعن فيه، و هو منهج قدماء أصحابنا، و الملتزم عند المحقّقين من غيرهم.

و على هذا، فأثر «الطعن» وجودا و عدما، يظهر بوضوح في المعالجات الرجاليّة.

و لدينا ملاحظات عامّة، تؤكّد على التزام القدماء، و علماء الرجال بالخصوص بهذا المنهج، نعرضها:

١- نلاحظ أنّ القدماء إلى عصر الشيخ الطوسيّ، لم يصرّحوا بقول «ثقة» مع جميع الثقات، حتّى المشاهير، و إنّما نجد التصريح بذلك مع مخالفي المذهب من الثقات غالبا، كما فعله أبو غالب الزراريّ في الرسالة (٢) مع مشايخه من الواقفة دون غيرهم.

أو مع الذين صدرت فيهم طعون لم يرتضوها في الدين أو الصدق أو السداد، و أرادوا بالتصريح بوثاقتهم بمثل: «كان ثقة» دفع تلك الطعون المقولة أو المتوهّمة في حقّهم.

____________

(١). معارج الاصول، قم: مؤسسة آل البيت- (عليهم السّلام)- للطباعة و النشر، ١٤٠٣ ه‍، ص ١٥١.

(٢). رسالة أبي غالب الزراريّ، ص ١٥٠ (الفقرة: ٩/ ب).

٢٧ و كثيرا ما نجد اقتصارهم في وصف المشاهير بقولهم: «من أصحابنا» الّتي تكون- حسب المحقّق الحلّي- دالة على التوثيق، حسب المنهج المذكور.

٢- و نلاحظ- ثانيا- أنّ أعلام الرجال من الطائفة لم يتصدّوا للتأليف لجمع أسماء الثقات في محلّ واحد، كما تصدّى له العامّة.

و أما المؤلّفات المتوفّرة في الرجال، و هي الأصول، فلها أغراض متنوعة اخرى، كالطبقات في «رجال الطوسيّ» و المؤلّفين و المؤلّفات في «الفهارس» و الطرق في «المشيخات».

و أمّا «التوثيق و التضعيف» الوارد فيها، فإنّما هو أمر ثانويّ غير مقصود بالذات، و قد يكون لأجل تمييز الموصوفين و تحديد هويّاتهم، أو لدفع دخل الطعن عنهم، كما ألمحنا.

و أمّا الكتب الخاصّة بالتوثيق، فلم نعهد لها مثالا عند القدماء سوى ما نسب إلى ابن الغضائريّ- مؤلّف كتابنا هذا- كما سبق أنّ له كتابا في الممدوحين.

و كذلك الكتب الخاصّة بالضعفاء، فقد اختصّ بالتأليف فيها ابن الغضائريّ بهذا الكتاب.

ثمّ إنّ «أسماء الضعفاء» خاصّة من المنحرفين و المطعون عليهم، جمعها في محلّ واحد العلّامة و ابن داود في القسم الثاني من كتابي رجالهما، كما هو المعروف، فأورد العلّامة مجموعة كبيرة، و ابن داود ٥٦٥ اسما.

و تصدّى لجمع أكبر مجموعة من أسماء الضعفاء في محلّ واحد المحقّق الكاظميّ، المقدّس الأعرجيّ السيّد محسن (٠٠٠- ١٢٢٧ ه‍).

فأورد في الفائدة الأولى- بعد الاثني عشر- من المجلّد الأوّل (ص ٢٥٧- ٤١٨) أسماءهم.

ثمّ في الفائدة الثانية ذكر جماعة من مشيخة العصابة الّذين طعن عليهم (ص‌

٢٨ ٤١٩- ٥٠١) مع المناقشة الضافية.

إنّ الاهتمام بأمر «الضعفاء» تبدو فائدته جليّة على منهج القدماء، حيث إنّ وجود الطعن، يعني عدم الثقة، و انتفاؤه يعني الثقة، إطلاقا و تقييدا، كما شرحنا.

و إذا انحصر عدد الضعفاء في مقدار معيّن، فإنّ «أصالة الوثاقة في المؤمن» تكون فاعلة مؤثّرة، في من ثبت انتماؤه المذهبيّ إلى الإماميّة، و بهذا نتمكّن من تمييز وثاقة مجموعة كبيرة من الرواة، و لا نقف على المأزق الّذي يدفعنا إلى التشبّث بالتوثيقات العامّة المتعمّلة، و الّتي قد ينكشف عوارها بعد حين، و تقلب الأحكام و تغيّر الفتاوى، و تظهر الفضائح.

إنّ المنهج القويم الّذي التزمه القدماء في التوثيق و التضعيف و المبنيّ على اسس علميّة رصينة، و سارت عليها الطائفة في تحمّلها طوال القرون و تعاقب الأجيال، لهو أقرب الطرق الموصلة إلى معارف أهل البيت (عليهم السّلام) عقيدة و فقها.

و هو الّذي التزمه ابن الغضائريّ و ألّف على أساسه كتابه العظيم هذا، سالكا فيه مسلك العلم و الاحتياط للعلم و الدين، ف(رحمه اللّه) و إيّانا و جميع العلماء و المؤمنين.