انتقل إلى المحتوى

ذو النورين عثمان بن عفان (المكتبة العصرية)/مصحف عثمان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: المكتبة العصرية (1969 (نشر أول مرة سنة 1954))، الصفحات 157–160
 

مصحف عثمان

ينفرد اليوم بين أعمال عثمان عمل جليل يوازنها جميعا يذكر باسمه حيث يذكر المصحف الشريف، ويعلمه من يعلم أن المصحف « العثماني » منسوب اليه فقليل من الناس يعلمون اليوم أنباء الفتوح التي فتحها عثمان ، وأنباء الغارات التي ردها عثمان ، ومنها ما تلتبس (١) فيه أسانيد المؤرخين، فيختلط السند الواحد بين البلد والبلد و بين السنة والسنة ، ولا يعرف القول الفصل في ذلك كله الا بعد معارضة ومقابلة بين الأنباء والروايات لا يشتغل بها أحد غير المختصين أما عمل عثمان في المصحف فهو ماثل معلوم حيث يقرأ المصحف وحيث يقال : هذا مصحف عثمان ، وكل مصحف اليوم هو مصحف عثمان ، فلم تكن كلمة « المصحف » نفسها معروفة علما على الكتاب الذي يجمع أي القرآن الكريم - فعرف المصحف تارة و « الامام » تارة منذ سميا باسميهما في أوائل خلافة عثمان . وليس من مباحث هذا الكتاب تاريخ جمع القرآن منذ لأول مرة في حياة النبي - عليه السلام - ، وانما نذكر منه ما يذكر في تاريخ عثمان رضوان الله عليه ، وهو باتفاق الخالفين بعده ألزم ما كان لازما من أعمال العناية بحفظ القرآن الكريم - . جمع جمع القرآن الكريم في حياة النبي - عليه السلام ـ بعد أن كان مفرقا في جريد النخل وصفائح الحجارة والعظام والجلود والرقاع ، ولم يرتب يومئذ على حسب السور والموضوعات وفي ذلك يقول الشيخ محمد العاقب الشنقيطي من أرجوزته المشهورة :

(١) التبس عليه الأمر : اختط وانتبه .
لم يجمع القرآن في مجلد
على الصحيح في حياةأحمد
للأمن فيه من خلاف ينشأ
وخيفة النسخ بوحي يطرأ
وكان يكتب على الأكتاف
وقطع الأدم واللخاف

فلما كانت أيام أبي بكر قال له عمر : ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - باليمامة يتهافتون تهافت الفراش واني أخشى ألا يشهدوا موطنا الا فعلوا ذلك وهم حفظة القرآن . فهلا جمعته وكتبته ؟.. فنفر أبو بكر أن يفعل ما لم يفعل رسول الله . ثم أرسل أبو بكر الى كاتب الوحي زيد بن ثابت فقال له مشيرا الى عمر : « إن هذا قد دعاني الى امر فأبيت (١) عليه ، وأنت كاتب الوحي ، فان تكن معه اتبعتكما ، وان توافقني لا أفعل » وتراجعا في الأمر حتى قال عمر : « وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ » فنظرا مليا (٢) ثم قالا : « لا شيء ! » فجمعت الآيات وروجع الحفاظ في كل آية ، ولم يشتغلوا يومئذ بنسخ ما جمعوه وارسال النسخ الى الأمصار ، لأنهـ تتبعوا الآيات لجمعها لا لمخافة الاختلاف في قراءتها ثم حدث هذا الاختلاف بعد تفرق المسلمين في الأمصار على أيام عثمان ، وبلغ من ذلك أن المعلمين والصبية كانوا يقتتلون في المكاتب لأن الصبية يرجعون الى آبائهم فيسمعون منهم غير ما سمعوه من معلميهم ، وعاد حذيفة بن اليمان من قتال أرمينية فلم يدخل بيته حتى أتى الخليفة فقال له : « أدرك الناس يا. أمير المؤمنين قبل أن يختلفوا في الكتاب » فلم يتوان (٣) عثمان بقية يومه ، وأرسل إلى السيدة حفصة يطلب النسخة التي أودعها. أبوها عندها قبيل وفاته وقبل أن ينتخب الخليفة بعده ، ، وأمر زید بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعيد (1) أبيت : رفضت . (٢) مليا : أي وقتا طويلا ٠ (٣) تواني في الأمر : قصر . ١٥٨ الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها ، ثم عارضها (١) على ما يحفظه وهو يحفظ القرآن كله ، وعارضها على ما يحفظه سائر الصحابة فخلصت له النسخة المتفق على قراءتها وترتيب آياتها ، فلم يحجم (٢) بعد ذلك عن أمر كان غيره خليقا أن يهابه مذ رأينا أن أبا بكر قد تردد قبل أن يجيب عمر إلى مشورته وليس فيها أكثر من مجرد التفكير في جمع الآيات المتفرقات أمر بعد حصول هذه النسخة لديه فأباد (٣) كل ما عداها احراقا ومحوا ، وأخذ « العسب واللخاف والجلود » التي لم تختلف ولم تجتمع على ترتيب فدفنها بين القبر والمنبر ، وأرسل . من. « المصحف » كما جمعه نسخا إلى الأمصار يعتمدونها ولا يقرأون في غيرها عمل من أخلق (٤) الأعمال أن يوصف بأنه « عمل عثماني » في الاقدام عليه وفي أثره فهذه الجرأة أحق شيء أن يلتفت اليه من كانوا يحسبون أن صفة الرحمة أو صفة الطيبة تحجب الشجاعة وتثني صاحبها عن تبعته اذا آمن بها وهذا العمل - في اختلاف تقديره وأثره - مثال من أعمال عثمان كافة .. اذ كان معدودا عليه من أكبر السيئات ، ولم تبق لعثمان حسنة أعظم منه في تاريخ الاسلام : (١) عارضها : قابلها (٠) (٢) أحجم عن الشيء : كف أو نقص هيبة . (٣) أباد : أهلك . (٤) أي أجدر

١٥٩

النهاية

قلنا في الفصل الأول من هذا الكتاب : « ان الصعوبة الكبرى أننا في هذه الفترة أمام حادثين يرجع كل منهما إلى أسبابه وعوامله ويتكلم عنهما بعض المؤرخين كأنهما حادث واحد متحد الأسباب والعوامل، هذان الحادثان هما : التطور الاجتماعي ومقتل عثمان - رضي الله عنه - وأسباب هذا لا تكفي لتعليل ذلك وليس من الحتم أن تؤدي اليه

ومقتل عثمان لا يوصف بأكثر من أنه « مشاغبة دهماء » لم تجد من يكبحها..

أما التطور الاجتماعي فلا بد من التفرقة في تعليله بين لغط الألسنة في حينه وبين البواعث الحقيقية التي عملت فيه عملها الفعال ولم تعمل فيه بداهة بألسنة اللاغطين في ذلك الحين انهم لغطوا يومئذ بسيادة قريش، ولغطوا بالأموال التي أغدقها ولاة الأمر على الانصار والاشياع ولغطوا بايثار الصنائع وذوي القربى..

ولم يكن شيء من هذا اللغط علة للتطور الاجتماعي الذي بدأ بعد دعوة الاسلام وانتهى بقيام الدولة الأموية.

فالذين شغبوا على عثمان جاءوا من البصرة والكوفة ومصر ليبايعوا واحدا من ثلاثة هم : الزبير وطلحة وعلي، وكلهم من قريش.

ودولة بني أمية قامت بعد ذلك وهي دولة قرشية غالية في عصبيتها.

والذين ثاروا على بني أمية انما ناروا باسم بني هاشم وهم قرشيون، ومن بني هاشم قامت دولة العباسيين ودولة الفاطميين.

وبعد نحو مائة سنة من مقتل عثمان قام بالأمر في الأندلس « صقر قريش » عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، فبايعه العرب والبربر لأنه من سلالة قرشية..

فلا يكفي أن يلغط بالنقمة على قريش سامرون في مجلس أو