ذو النورين عثمان بن عفان (المكتبة العصرية)/المبايعة
الفصل الرابع
المبايعة
.. اذا لخصت سنة (١) الصديق أو سنة الفاروق في تولية العهد بعدهما، كانت خلاصتها : أنها ابراء للذمة أمام الله، درءا (٢) للخلاف، وحرصا على الوحدة الاسلامية..
ولا بد من استحضار هذه الحقيقة لمنع كل شبهة، وتأويل كل قصد، ودفع كل فرية (٣) عند تعليل الطريقة التي اختارها كلاهما لتحقيق هذه البغية واختلفا فيها ظاهرا، ولا اختلاف بينهما باطنا فيما قصدا اليه.
فلا تدبير هناك ولا احتيال لغاية يرميان اليها غير جاك المصلحة أو تلك الوحدة. ومن ظن أن الصديق قد اختار عمر ليقصي عن الخلافة غيره، أو ظن أن عمر قد اختار جماعة الشورى ليرجح الكفة في جانب واحد منهم على سواه، فهو ينكر عليهما الاسلام، ولا ينكر عليهما حسن النية أو حسن التدبير وحسب، فان أحدا يؤمن بأنه محاسب على نيته وعمله اذ يودع الدنيا ويستقبل الآخرة، لن يحتال، ولن يدبر لهواه، وهو يعلم أنه يغضب الله بما يفعل، ولو كان لأحدهما هوى في أحد لاختار أبو بكر من بني تيم، واختار عمر من بني عدي أو بني الخطاب، وما كان ينبغي لهما الهوى وهما في سطوة (٤) الدنيا وجاه الولاية فكيف ينبغي لهما وهما مقبلان على الموت مؤمنان بحساب لا شك فيه ؟
لم يكن هناك نظامان دستوریان کما و هم بعض المحدثين الذين أرادوا أن يعينوا بلغة الدساتير العصرية نظاما لتولية العهد في سابقة الصديق أو سابقة الفاروق، وانما هما نظام واحد يتبعه كلاهما في موضع صاحبه، فما نحسب أن أبا بكر كان مسميا أحدا بعينه لو كان في موضع عمر، وما نحسب أن كان عمر محجما (٥) عن التسمية لو كان في موضع أبي بكر، وليس البحث
(١) سنة : أي طريقة ٠ (٢) درءا : أي دفعا. (٣) افترى الشيء اختلقه. (٤) سطوة : هنا بمعنى صولة. (٥) محجما : أي ناكصا (٥). 1.A عندهما ، أي أولياء العهد أفضل وأحب اليهما ؟ ولكنما البحث الذي يعنيهما ويشغلهما : أيهم أحب الى المسلمين وأقمن (١) أن يجمعهم على بيعة واحدة وكلمة متفقة ، ولا يعقل أن أحدا منهما كان يعلم في طويته أن ثمة (٢) وسيلة غير الوسيلة التي اختارها لتحقيق الوحدة المنشودة ثم يعدل عنها ، ليأثم في حق ريه وحق دينه وحق رسوله وحق المسلمين كافة، تبرعا منه بالاثم حيث لا حاجة ولا مصلحة ولا فرصة بعدها للندم والتوبة حضرت الوفاة أبا بكر ، فسأل نقرا من نخبة الصحابة عمن يتولى أمور المسلمين بعده ، فذكروا عمر ، وأشار بعضهم الى شدته ، فقال لهم فقال لهم : انه كان يشتد لأنه يراني رقيقا ، فاذا وكل (٣) اليه الامر فلا خوف من شدته . وروى محمد بن سعد : أن جماعة من الصحابة دخلوا عليه لما عزم على استخلاف عمر ، فقال له قائلون منهم : « ما أنت قاتل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته ؟ » فقال أبو بكر : اجلسوني » • ثم جلس فقال : « ابالله تخوفونني ٠٠٩ خاب من تزود من امركم بظلم أقول : انني قد استخلفت عليهم خير أبلغوا عني ما قلت لكم من وراءكم » .. أهلك . ثم اضطجع وجاء عثمان بن عفان فجعل يملي عليه : « اكتب هذا ما عهد أبو بكر في آخر عهده الله الرحمن الرحيم بسم بالدنيا خارجا منها ، وعند اول عهده بالآخرة داخلا فيها ، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر ، ويصدق الكاذب ، اني استخلفت بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا وأطيعوا ، فاني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي واياكم خيرا ، فان عدل فذاك الظن به و علمي فيه . وان بدل فلكل امرىء ما اكتسب ، والخير أردت ولا علم لي بالغيب ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته » و كان يملي و تدركه غشية (٤) . فلما قال : « استخلفت بعدي » ولم يذكر اسما أتم عثمان وصيته باسم عمر بن الخطاب . ثم (1) أقمن : أي أجدر ٠ (٢) أي هناك . (٣) وكل : أي أسند . (٤) أي يغمى عليه 1.9 أفاق أبو بكر فسأله : ماذا كتبت ؟ فأعاد عليه العبارة كما زادها فدعا له وبارك عليه ، وقال له : « هكذا الظن بك ، لو كتبت اسمك لكنت لها أهلا » . والقوم في معرض المحاسبة لأنفسهم أمام الأمانة العظمى لا يصطنعون زخارف المجاملات التي يتلهى بها طلاب الظرف ورواد الاندية في زماننا هذا وقبل زماننا فما كان عمر ليتنحى عن الأمانة وقد اختير لها وهو يعلم أنه أقدر عليها فانه محاسب على انكاره حقه كما يحاسب على انكار حق غيره اذا اجتمعت له صفة الولاية دونه فكان يتولى الخلافة وهو يقول : « لو علمت ان أحدا أقوى على هذا الأمر مني، لكان أن أقدم ، فتضرب عنقي ، أحب الي من أن أليه » . ثم حضرته الوفاة فلم يعهد في باديء الأمر لاحد ، ونقل اليه حديث الناس اذ يقولون : « انه غير مستخلف ، ولو كان له راعي أبل أو راعي غنم ثم ترك رعيته كان قد فرط في أمانته . فماذا يقول لله عز وجل اذا لقيه ولم يستخلف على عباده ؟ » فأصابته كآبة ثم نكس (١) رأسه طويلا ثم رفعها وقال : « ان الله تعالى حافظ الدين ، وأي ذلك افعل فقد سن لي • ان لم استخلف فان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف ، وان استخلف فقد استخلف أبو بكر » وعاودوه في هذا الحديث فجعل يسأل كأنما يسأل نفسه : من استخلف ؟ » . وروى عمر بن ميمون الأودي أنه قال بعد ذلك : لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته وقلت لربي ان سألني سمعت نبيك يقول : انه أمين هذه الأمة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته وقلت لربي ان سألني : سمعت نبيك يقول : ان سالما شديد الحب لله تعالى » فقال له المغيرة بن شعبة : أدلك عليه عبد الله بن عمر » قنهره (٢) قائلا : « قاتلك الله ! والله ما أردت الله بهذا . ويحك ! كيف استخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته ؟ لا أرب (٣) لنا في أموركم ، فما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي . ان كان خيرا فقد أصبنا منه ، . .. (1) أي خفض (٢) نهره : زجره . (٣) أي لا حاجة ١١٠ وان كان شرا فقد صرف عنا . بحسب (١) آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمر أمة محمد أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي ، فان نجوت كفافا لا وزر ولا أجر اني لسعيد « ثم قال : « انظر ، فان استخلف فقد استخلف من هو خير مني ، ، وأن أترك فقد ترك من هو خير مني ، ولن يضيع دينه » 糖 الله وراجع نفسه وروجع في الاستخلاف مرة بعد مرة فقال : « ما أردت ان اتحملها حيا وميتا - عليكم هؤلاء الرهط (٢) الذين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم من أهل الجنة ، وهم : علي ، وعثمان ، وعبد الرحمن ، وسعد ، والزبير ، وطلحة فليختارا منهم رجلا ة فاذا ولوا منهم واليا فأحسنوا مؤازرته (٣) وأعينوه . ثم دعا بهم فحضروا الا طلعة كان غائبا ، فقال لهم : «اني نظرت فوجد تلم رؤساء الناس وقادتهم ، ولا يكون هذا الأمر الا فيكم ، وقد قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ وهو عنكم راض . واني لا أخاف الناس عليكم ان استقمتم ، ولكني أخافكم فيما بينكم فيختلف الناس » هذا ، ووضع رأسه وقد نزفه الدم، فتناجوا بينهم حتى ارتفعت أصواتهم ، وقال عبد الله بن عمر : « سبحان الله ! ان أمير المؤمنين لم يمت بعد ! » فسمعه فانتبه ، وقال : « أعرضوا عن ، فاذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب ، ولا يأت اليوم الرابع الا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا ولا شيء له من الأمر ، وطلحة شريككم في الأمر ، فان قدم في الايام الثلاثة فأحضروه أمركم ، وان مضت الأيام الثلاثة فامضوا » .. والتفت سائلا : « ومن لي بطلحة ! « قال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به ولا يخالف ان شاء الله تعالى (١) بحسبهم : يكفيهم يكفيهم . ٠ (٢) أي الجماعة . (٣) أي :اعرته ومساندته . 111 وقال لأبي طلحة الأنصاري : « يا أبا طلعة ، ان الله طالما أعز بكم الاسلام ، فاختر خمسين رجلا من الانصار ، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم » وقال لصهيب : « صل بالناس ثلاثة أيام ، وادخل هؤلاء الرهط بيتا وقم على رؤوسهم ، فان اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ (١) رأسه بالسيف ، وان اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ، وان رضي ثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن عمر ، فان لم يرضوا بحكم عبد الله عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع فيه الناس » . . بجميع بن عقدها على هذا الوجه أبرأ عمر ذمته من قضية الاستخلاف .. وعلى هذا الوجه نرى عقل رجل من أولئك الرجال الأفذاذ يعمل في تفصيلات هذه القضية التي واجهته ومخاطرها لأول مرة في حياته، وهو يفارق تلك الحياة : يقلبها على جميع الوجوه ، ويفرض لها جميع النتائج ، ويطرق أبوابها فيفتح منها ما ينبغي أن يفتح ، ويغلق منها ما ينبغي أن يغلق ، ويلاقي من جانب ما يخشاه من جانب، ويختار الرجال ثم يختار الخطط على كل احتمال من احسان أو إساءة ، ومن وفاق أو شقاق ، ويفعل ذلك في غمرات الموت (٢) بين صرعات الألم من جراحه القاتلة ، ويعالج به أمرا لم يعالج من قبل على هذا المثال أو على مثال غيره، وكأنما هو من خبراء الاختصاص في دساتير الحكم درسها و تلقي دروسها من أساتذتها الذين سبقوه إلى تقريره وتدوين وقائعها ومواقعها، وجلس ليوازن ويقابل ، ويطابق ويوافق ، ومن حوله الأعوان ، يلبون ما يطلب ، ويستدركون ما يفوت ، وينتهون في سعة من الوقت الى قرارهم و هم وادعون (٣) آمنون أن يصيبهم مكروه من مغبة (٤) ما قرروه ولو كان تفكيره لعذر يتكلم به ، أو لحجة يسكن اليها ، لقد كان حسبه أن يبريء ذمته بالطمأنينة الى الدين في حراسة الله (١) فاشدخ : أي اكسر . (٢) غمرات الموت : شدائده . (٣) الوديع والوادع : بمعني الساكن . (٤) مغبة : عاقبة " ١١٢ أو كان حسبه أن يبريء ذمته بما جرى عليه الأمر في عهد رسول الله ، ولكنه لا يلتمس عذرا يقال وحسب، أو حجة تقنع وكفى بل يسأل نفسه ويحاسبها على اختلاف الأمور بين عهد وعهد وتباين (١) الأعذار من حال الى حال ، فلا يدع من جوانب القضية شبهة يوردها من يحاسبه الا أوردها لنفسه ، كأنما حامل الميزان هو فمن سأل عن معجزات العقائد في كواكب السماء ، أو أطواد (٢) الارض فهذه معجزة المعجزات التي تأتي بها العقيدة في نفس الانسان : تخرجه من جوف الصحراء دفوا لأعضل المعضلات بخلقه ، وكفوا لها بعقله ، وكفؤا لها بعمله ، ونمطا من الشعور بالتبعات لا يجارى (٣) ، ونمطا من القدرة على النهوض بها يطول الزمن بأبناء الحضارات قبل أن يبلغوه وقبل أن يعرفوه . و من آيات (٤) بعد النظر في سبر أغوار (٥) الرجال ، أنه جعل للترجيح بين أصحاب الشورى رجلين : هما عبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن عوف ، فأما عبد الله بن عمر ، فهو الذي نحاه (٦) عن المشارحة في الخلافة . وأعده للترجيح بين المختلفين وليس له من الأمر شيء ، وأما عبد الرحمن بن عوف فلم يلبث أن نحى نفسه ليقبل حكمه ، فكان بحق أصلح المتشاورين لترجيح احدى الكفتين ومن آيات بعد النظر في الاختيار وسير الأغوار أنه أقام أبا طلحة الأنصاري على راس خمسين ممن يختارهم لقمع (٧) الفتنة في مهدها اذا اختلف المتشاورون ، فكان أبو طلحة عند ظنه حزما وتقية - قال للقوم وقد تنازعوا الرأي : « لقد حسبتكم تتدافعونها ولا تتنافسونها » . ثم أقسم لا يمهلنهم بعد الأيام الثلاثة ، ثم هو صانع بهم ما أمر به أمير المؤمنين لحظة (١) تباين : اختلاف . (٢) جمع طود ، والطود : الجبل . (٣) لا يجاري : لا يبارى ولا يضارع . (٤) أي دلائل • (٥) سبر أغوارهم : اختبار نفوسهم وطواياهم . (٦) نحاه : صرفه وأبعده تبع الفتنة : قهرها واخمادها • ١١٣ عثمان ومن آيات بعد النظر في الاختيار، أن اختار صهيبا للصلاة بالناس ، فهو الامام الذي لا تخشى له دعوة من تقديمه للصلاة ، ولا يأبى الناس أن يأتموا به وقد أمهم قبل ذاك طلحة مع .. . و من آيات بعد النظر في الاختيار وسبر الأغوار أنه اختار الستة وهو وهو غائب عن المدينة أو ما كان في الخمسة المقيمين بالمدينة غنى وكفاية ؟.. أو ما كان لطلحة بديل من سائر الصحابة المقيمين ؟. جواب ذلك عند التاريخ في نهاية عهد عثمان ، وعند التاريخ في بداية عهد علي ، وعند عمر قبل " ذلك باثنتي عشرة سنة وآية الآيات دستوره في اختيار الستة دون سائر الصحابة من الأنصار والمهاجرين أتراه اختارهم جزافا كما شاء ؟.. ذلك دستور لا يلزم الناس جميعا ولا حجة له عليهم فيه اذا سألوه عن فضل المختارين على غير المختارين ؟.. تلك هي أتراه اختارهم من قبائل قريش ليكون كل منهم نائبا عن قبيل منها ، أو متكلما باسم بيت من بيوتات الرئاسة فيها ؟.. العصبية يحييها في أسوأ أوان لا حيائها ، حيث تراد الوحدة والغيرة على العقيدة ، ولا تراد العصبيات الجاهلية ، أو لا يراد الاعتراف بها اذا تيقظت على غير ارادة أتراه اختارهم من البدريين وذوي السوابق في الجهاد ؟.. لقد كان من هؤلاء عند وفاة عمر نفر غير قليل ، لو جمعهم كلهم لكنروا ، ولو فاضل بينهم لما وضحت لهم أسباب المفاضلة ، ومنهم من هو ذو فضل وليس بذي رئاسة تتبع ، ومنهم من ذوي الفضل والرئاسة من لو اجتمعوا لاختل ميزان الترجيح وبطل معنى الاختيار فلا بد من اختيار ، ولا بد من دستور يثاب (١) اليه الاختيار ، وكان الدستور الذي ثاب اليه عمر حيث يعجل المرء عن الروية غاية في الروية والدقة في الموازنة بين جميع الوجوه : كان دستوره أن أصحاب الشورى هم الذين ذكروا بأسمائهم (1) يثاب : أي يرجع ١١٤ في خطبة النبي عليه السلام - بعد حجة الوداع ، وهم الذين يتفق الناس على الاختيار منهم ، أصحاب الشورى وأن تكون لهم حجتهم عليه ... یکر وعمر يعلم أن طلحة كان يطمح (١) الى استخلافه بعد أبي ، وكلاهما من عشيرة واحدة وهي قبيلة تيم . فقال له أبو بكر : « اما والله لو وليتك تجعلت أنفك في قفاك (٢) ، ورفعت نفسك فوق فدرها حتى يكون الله هو الذي يضعها وما كانت تخفى على عمر فضيلة في واحد من الستة ولا نقيصة (٣) ، وما كان يغمط (٤) لهم فضلا ولا يغضي على نقص ، واولهم عبد الرحمن بن عوف الذي اقامه بينهم مقام الحلم الذي يرجح بين العدلين ، فقال له : ان ايمانه يرجح بنصف ايمان الامة ، وقال عنه لابن عمر : نعم المرء -- ذكرت رجلا صالحا إلا أنه ضعيف ، وهذا الأمر لا يصلح له الا الشديد من غير عنف ، اللين من غير ضعف ، الجواد من غير سرف ، الممسك من غير بخل ورأيه في الزبير انه مؤمن الرضا كافر الغضب ، وقد صارحه برأيه فيه فقال له : « لعلها لو أفضت (٥) اليك ظللت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير . . . .. ورايه في سعد أنه أهل لها فان تولوه فهو أهل ، والا فليستعن به الوالي ، فاني لم أعزله عن ضعف ولا خيانة ، وكان يقول : « اذا روى سعد حديثا فلا تسألوا عنه غيره لصدقه وأمانته ، وكان يظن مع هذا أنه لا يليها « الا أحد هذين الرجلين : فان ولي عثمان فرجل فيه لين ، وان ولي علي علي وعثمان . ففيه دعاية (٦) وأحرى به أن يحملهم على الحق » وقال لعثمان : « كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها اياك ، فحملت بني معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفيء » (1) أي يتطلع ٠ (٢) كناية عن التعالي والتكبر . (٣) نقيصة : عيب (٤) أي يجحد ٠ (٥) أي آلت اليك . (٦) الدعابة : المزاح • . ١١٠ وقال لعلي مثل ذلك عن بني هاشم ولم يذكر الفيء ، واذا صح ما جاء في احدى الروايات (١) أنه قال لعثمان بعد مقالته الأولى: فسارت اليك عصابة من ذوبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا فانها لمن نبوءاته التي جعلته من المحدثين (٢) ، أي من الذين يتحدث اليهم بلسان الغيب ، كما قال عنه النبي عليه السلام - الخلاف هذا .. - ولا خوف عليهم من الناس اذا اتفقوا كما قال لهم حين دعاهم للمشاورة وانتخاب واحد منهم للخلافة، فليس أسلم عاقبة ولا أصدق حجة من اتفاقهم على اسناد الخلافة الى أحدهم ، فان اتفق أكثرهم فأبو طلحة مأمور بحسم الفتنة قبل أن تنجم (٣) والقضاء على المخالفة قبل أن يبرح (٤) مجلس الشورى فان لج (٥) مع وبعد هذا فلا حيلة فيه وقد روى الثقات حديث النبي - عليه السلام - حين عاد من حجة الوداع قبيل وفاته فقال : « أيها الناس أن أبا بكر لم يسوني (٦) قط فاعرفوا له ذلك ، يا أيها الناس اني راض عن عمر وعلي وعثمان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد ابن مالك وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين ، فاعرفوا لهم ذلك » فحسب عمر أن يرتضي للمشاورة في أمر الخلافة من رضي النبي - عليه السلام - عنهم قبيل وفاته ، وحسبه مع هذا أن يكون هؤلاء النفر الكرام المرضي عنهم هم ملتقى الآراء بين خاصة المسلمين وعامتهم ، فلا يسمون خليفة الا كان واحدا من هؤلاء ، ولا يحاول أحد في ذلك العصر أو في عصرنا هذا أن يزيد عليهم علما من أعلام الاسلام يومئذ الا اعترضه مانع أو كان مستنده الى سبب غير جامع، فقد كان العباس بن عبد المطلب حيا في ذلك الحين فلم يدخل في أصحاب الشوری ، وقال ابن جرير الطبري في تعليل ذلك : « انه انما جعلها في أهل أي عمر - - (١) رواها الجاحظ وابن أبي الحديد مسندة إلى ابن عباس . (٢) المحدثين الملهمين ، (٣) تنجم : تظهر - (٤) يبرح : يترك . (٥) لج : اشتد . (٦) أي لم يفعل ما يسيئني 117 السبق من البدريين والعباس لم يكن مهاجرا ولا سابقا ولا بدريا . B ولكن الواقع أن العباس لم يذكر في خطبة الوداع ، ولم يكن من المرشحين للخلافة مع وجود علي، وهو نفسه قد تقدم لمبايعة علي ، ثم أشار عليه الا يدخل في جماعة الشورى ، فليس في استثنائه تعسف (١) من عمر ، وانما التعسف أن يختاره لسبب ولا يختار معه كل من يشاركونه في هذا السبب ، وذلك هو الاستثناء الذي لا يغني شيئا ولا يطاع بسند شامل براء (٢) من التحكم والجزاف ولقد علمنا فيما علمناه وألممنا به آنفا من آراء المعقبين على خطة الصديق وخطة الفاروق، أن بعضهم ود لو كان الفاروق قد نهج على منهاج سلفه في اختيار خلفه، وأنهم عابوا عليه أن يكل الى الستة أن يتشاوروا في انتخاب واحد منهم ، لأنهم تولوا هذه المهمة فداخل كلا منهم الأمل في الخلافة والايمان بصلاحه لولايتها ، فانفتح بينهم باب التنافس وتطرقت اليهم نوازع الشقاق في هذا الباب الخلافة ومعاوية بن أبي سفيان كان على رأس القائلين بهذا الرأي وهو نفسه حجة (٣) على نقيضه ، لأنه قد اشرأب (٤) الى ، وتصدى للمبايعة بها وليس هو من الستة ولا من كان يطمع في اسنادها اليه بوصية من الفاروق لو اختار الفاروق أن يعهد بعهده لخليفة يسميه باسمه، وقد نادى معاوية بولاية العهد لابنه يزيد ، وبويع عليها طوعا أو كرها ، فلم يحسم بذلك خلافا بين المسلمين عامة ، ولا بين بني أمية أو أبناء بيت أبي سفيان وما نحسب أن عمر كان يؤمن بترجيح واحد من الستة على الآخرين واجماع المسلمين على مثل رأيه فيه ، وأنه قادر على رد المخالفين له الى الاجماع ان كان من الناس من يخالفه قبل المبايعة . (١) تعسف : ظلم . (٢) أي بريء . (٣) أي دليل . (٤) أي تطلع ١١٧ 6 اليها وتمناها وليس البحث في هذا المقام عن فضل العلم أو فضل البأس (١) والفروسية، فربما قل الخلاف على صاحب الفضل فيهما بين أصحاب الشورى ورؤساء المهاجرين والأنصار كافة ، وانما البحث فيمن يجمع الناس الى حكمه وفضله ، وهو بحث لازم لا غنى عن المشاورة يومئذ فيه ، ولو استغنى عنه أحد لاستغنى عنه عمر ، ولم يبال ان كان يحكم برأيه في ولاية العهد على يقين . عند أنه ولا ريب حصر المرشحين بعده للخلافة ، فأحسن حصرهم ، ولم يدع واحدا منهم خارجا من زمرتهم (٢) ، فهم مرشحون لها أنفسهم وعند أنصارهم قبل أن يندبهم للمشاورة فيها ، فان صارت إلى واحد منهم باتفاقهم، كان هذا الزم لهم ، وأوجب لتحرجهم من الخروج على ولي الأمر باختيارهم ، وكان أوجب كذلك من الخروج على مشيئة عمر التي أملاها ورتب لتحرجهم لها نتائجها كان ولي الأمر في ذلك المجتمع الوليد (٣) كفؤا لأمانة الخلافة الى النفس الأخير من أنفاس حياته المباركة، فأوصى وصيته المحكمة التي نظر فيها نظرته الشاملة ، ولم يدع فيها بقية لنظرة ثانية ، ولكن الوصايا مهما يبلغ من أحكامها والزامها لا تنفذ بغير منفذين يقدرون على تنفيذها ، ويصدقون النية فيه ، فلو لم يكن أصحاب الشورى وقائد الجند وامام الصلاة في الأيام الثلاثة أهلا لأمانتهم ، لما أغناهم حزم الخليفة الراحل شيئا في تلك المهمة المعجلة التي يوشك أن يفسدها كل خطأ في القيام عليها ، وكل تأخير عن موعدها وقد أدى الخليفة واجبه وبقي واجب المنفذين الذين ائتمنهم على الأمة بعد حياته ، فمن حقهم على التاريخ أن يسجل لهم أداءهم لواجبهم ، وتصريفهم لأمانتهم على أتم الوجوه الميسرة لهم في تلك المهمة المحرجة وفي (١) البأس : الشدة في الحرب ، (٢) زمرتهم : جماعتهم . (٣) أي الحديث التكوين \\A
زمرتهم قبل غيرها بعض محرجاتها، بل أعضل (١) محرجاتها أقل من منصب الخلافة في الدنيا جرم ولا تنافسوا بينهم والدين يتنافس عليه المتنافسون ، ومن المروءة أن يستشرف (٢) المرء إلى مقام الفاضل ويأبى لدينه ودنياه مقام المفضول ، فان لم يكن تنافسهم على مكانة عالية فهو تنافس يربأون (٣) به عن مظنة التخلف والقصور .. ثم ألهم أحدهم أول حل للمشكل تتبعه لا محالة سائر الحلول: واحد ينزع نفسه منها باختياره وينوب عن سائرهم في التوفيق بين المختلفين سبقهم الى هذا الحل عبد الرحمن بن عوف ، ولم يسبقهم اليه نزولا بقدره عن أقدارهم، بل نزولا به عن قدر الصديق والفاروق ، فقد علم أن الرضى عن خليفة بعد هذين مطمع 4 .. . بعيد ، ولم يشأ أن ينزل بنفسه منزلا لا يرتضى له ولا يرتضيه . ولم يخطر له أن يخلع نفسه بادىء ذي بدء قبل أن يرى منهم من عساه يصنع مثل صنيعه ، فان كان منهم من يخلع نفسه على أن يختار غيره فقد ضاقت بينهم شقة الخلاف ، وان لم يكن فلينظر بعد ذلك فيما يلي خطوته الأولى من خطوات قال : « أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم ؟ » فلم يجبه أحد . فقال : « فأنا أنخلع منها » ، ثم تقدم الى الخطوة التالية فلم يخطئها ووصل منها الى حصر الخلافة في واحد من اثنين : علي وعثمان لقي كلا منهما فأراه أنه يعلم حجته ودعواه ، قال لعلي : تقول يا أبا الحسن اني أحق من حضر بهذا الأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد في نفسك ، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضير ، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به ؟ » قال : « عثمان » .. .. ولقي عثمان فقال : « انك تقول : شيخ من بني عبد مناف وصهر رسول الله وابن عمه ولي سابقة وفضل فأين يصرف هذا (١) أي أصعب . (٢) استشرف الشيء : رفع بصره اليه ، وبسط كفه فوق حاجبه كالمستظل من الشمس . (٣) أي يرتفعون . 119 لهم .. الأمر عني ؟ .. لكن لو لم تحضر ، فأي هؤلاء الرهط تراه أحق ؟ » فقال : « علي » ! وتختلف الروايات فيمن اختاره الزبير وسعد ، ولكن الراجح منها انهما ذكرا عثمان بشرط ، ولم يقطعا برأي في ايثار (١) علي عليه فلما انحصر الترجيح بين عثمان وعلي خرج يسأل من يلقاه من غير أصحاب الشورى فيذكر له بعضهم عثمان وبعضهم عليا ، ويزيد المختارون لعثمان على المختارين لعلي وهو أمر لا غرابة فيه مع المعهود من طبائع الناس ، وأنهم لا يجنحون (٢) الى العظمة النابغة (٣) جنوحهم الى الطيبة والسلامة ، ولا ينفسون (٤) على الشيوخ ما ينفسونه على الفتيان والكهول كل أولئك وأبو طلحة الأنصاري رئيس الجند ينذرهم ويقسم بالذي ذهب بنفس عمر » لا يزيدتهم على الأيام الثلاثة ، ثم يجلس في بيته فينظر ماذا يصنعون ، وينفذ الأمر فيمن خالف وأصر على الخلاف ولئن كان عمر موفقا في اختيار كل لعمله ، لقد كان اختياره طلحة أوفق ما في هذا التوفيق انه الرجل الذي أخي النبي عليه السلام - بينه وبين أبي عبيدة الجراح أولى الناس في رأي عمر بالخلافة لو عاش ، وهو البطل الذي ثبت في وقعة أحد انهزم أشجع الشجعان، ولزم النبي في ذلك اليوم المشهود يقف بينه وبين السهام والسيوف، ويتطاول بصدره ليدفع عنه ضربات المشركين الذين عرفوه وتعمدوه ليصيبوا الدعوة في مقتلها اذا بوه ، وشهد أبو طلحة وقعة حنين فبارز عشرين خصماً وصرعهم ، وصاح صيحته التي كان - عليه السلام - يقول : انها في الجيش خير من مائة رجل » .. ولم يكن يبالي الموت وهو في سعة من دنياه، ولم يكن يعرف غير الجد فيما يعمل أو يقول .. وقد أوفى بأمانته في أيام الشورى فلم يدعهم حتى فرغوا من وبي. أصابوه " يوم عملهم في صبيحة اليوم الثالث ، وكان فيه فصل الخطاب . في تلك الليلة أتى عبد الرحمن بن عوف منزل المسور بن (1) أي تفضيل + + (٢) لا يجنحون : لا يميلون (٣) أي الظاهرة . (٤) نفس عليه : حسده ، ونفس عليه الشيء : لم يره أهلا له ١٢٠ -« مخرمة ، فأيقظه وأرسله يدعو الزبير وسعدا ، ثم بدأ بالزبير فقال له : « خل بني عبد مناف وهذا الأمر » قال الزبير : «نصيبي لعلي » ثم قال لسعد : « اجعل نصيبك لي فنحن كلالة (١) « أي أبناء عم من بعيد - وكلاهما من بني زهرة . فقال سعد : ان اخترت نفسك فنعم ، وإن اخترت عثمان فعلي أحب الي ثم قال : « أيها الرجل بايع نفسك وأرحنا وارفع رؤوسنا فاعتذر عبد الرحمن لأنه خلع نفسه منها ، وأعاد عليه مقالته : انه لا يقوم مقام أبي بكر وعمر أحمد بعدهما ويرضى الناس عنه .. K ثم كان علي وعثمان آخر من دعاهم في تلك الليلة : دعا عليا فناجاه (٢) طويلا ، ثم دعا عثمان فناجاه الى صلاة الصبح ويظن أنه سأل كلا منهما عما ينويه اذا ولي الخلافة ، وعن وصية عمر بعمال الولايات أن يتركوا في ولاياتهم عاما بعد وفاته ، ثم يصنع الخليفة ما بدا له من اقرار أو عزل على حسب أحوالهم و أحوال ولاياتهم، وأنه سأل كلا منهما عن سياسته عامة وخاصة في شئون الأفياء (٣) والارزاق والأجناد والسرايا والمغازي وسائر ما يتولاه من أمور الخلافة، ولا يقطع أحد بما دار بين عبد الرحمن وبين كل من علي وعثمان على حدة ، وأغلب الظن أن الذين ذكروا شيئا من هذا انما ذكروه مستنبطين ولم يذكروه نقلا عن عبد الرحمن أو عن علي وعثمان قال عبد الله بن عمر : من أخبرك أنه يعلم ما كلم به عبد الرحمن بن عوف عليا و عثمان فقد قال بغير علم وحانت صلاة الصبح فصلوا في المسجد ، وجمع عبد الرحمن رهط (٤) الشورى و بعث الى من كان بالمدينة من أهل السابقة والفضل من الأنصار وأمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التج (٥) المسجد بأهله ، وقام عبد الرحمن فقال : « أيها الناس ! .. ان أهل الأمصار قد أحبوا أن يلحقوا بأمصارهم وقد علموا من (١) الكلالة : بنو العم الاباعد ، وقيل : الكلالة ، مصدر من تكلله ، النسب : أي تطرفه كأنه أخذ طرفيه من جهة الوالد والولد ، فليس له منهما أحد . (٢) أي أسر له في القول ، (٣) جمع فيء ، والفيء : الخراج والغنيمة (٤) جماعة . (ه) أي امتلا وازدحم . . ١٢١ .. أميرهم فصاح به سعيد بن زيد أحد ذوي السابقة الأولى في الجهاد : « انا نراك أهلا لها » . قال عبد الرحمن : « أشيروا علي بغير هذا » • قال عمار بن ياسر : « ان أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا » ، وقال المقداد بن الأسود : « صدق عمار - ان بايعت عليا قلنا : سمعنا وأطعنا » . واذا بعيد الله بن أبي سرح يناديه: بل تبايع عثمان فلا تختلف قريش » ويثنى عبد الله بن أبي ربيعة فيقول: « صدق ان بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا». فتنابز (١) عمار وابن أبي سرح ، واختلط القول بين بني هاشم و بني أمية ، فعاد عمار يقول : « أيها الناس ! ... ان الله عز وجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ؟ » و بادره رجل من آل مخزوم شاتما : « لقد عدوت طورك (٢) يا ابن سمية ! وما أنت وتأمير قريش لأنفسها » ؟ وضاق سعد بن أبي وقاص صدرا بهذه المنابزة وهذا الصخب ، فصاح بعبد الرحمن : « يا عبد الرحمن أفرغ قبل أن يفتتن الناس » 受 ولا ندري هل تعمد عبد الرحمن هذا التمهل قبل اعلان البيعة ، أو أنه سكت حين اعترضه المعترضون باللجاج والمنابزة . فالغالب من تصرفه في أمر الشورى أنه كان يخطو الخطوة شد يتبعها ما بعدها بحساب واناة (٣) ، وآخر ما كان من ذلك أنه أرجأ (٤) محادثة اللذين انحصرت فيهما الأقوال حتى كانا آخر من تحدث اليه ، وأنه لما دعاهما دعا عليا ثم ثنى بعثمان .. فان كان قد تمهل في المسجد على عمد فقد أحسن الروية ، لأنه سكت حتى أيقن الحاضرون بما رأوه وما سمعوه أن الفتنة موشكة أن تكشر عن نابها ان لم ينته الناس من مبايعة خليتهم تلك الساعة ! .. هذا يذكر اتفاق قريش ، وهذا يشترط ، و هذا يقابل شرطه بمثله ، وهذا يتكلم عن بني هاشم ، وهذا يتكلم عن بني أمية ، فلما صاح فلما صاح سعد صيحته بعبد الرحمن : (١) تنابزا : أي تلاقبا وتعايبا . (٢) عدوت طورك : تجاوزت حدك . (٣) تمهل وروية . (٤) أخر ١٢٢ أفرغ يا عبد الرحمن قبل أن يفتتن الناس ، كان صوته في تلك اللحظة كأنما هو صوت المسجد كله يتكلم بلسان واحد . وأسرع عبد الرحمن فقال : «اني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا » ودعا عليا وقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده » • فقال : « أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي مع اجتهاد رأيي » ودعا عثمان فقال له كذلك : « عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده » فقال : « نعم فرفع عبد الرحمن رأسه الى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال : « اللهم اسمع واشهد .. أني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان » ثم بايعه بالخلافة ، وبايعه المهاجرون والأنصار وجاء في بعض أخبار ذلك اليوم : أن عبد الرحمن بن عوف لما بايعه ازدحم الناس عليه يبايعونه حتى غشوه (١) عند المنبر فقعد عبد الرحمن مقعد النبي - صلوات الله عليه عثمان على الدرجة الثانية فجعل الناس يبايعونه ، وأبطأ علي فقال عبد الرحمن : « ومن تكث (٢) فائما ينكث على نفسه . ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (٣) فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول : « فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (٤) .. « M وأقعد وقد بايع رهط الشورى عثمان في المسجد ما عدا طلحة فانه كان غائبا فقدم بعد ذلك وعلم بالبيعة فسأل : « أكل قريش راض به ؟ » ثم قال له عثمان حين ذهب اليه : « أنت على رأس أمرك .. ان أبيت رددتها » قال طلحة : « أتردها ؟ » قال : « نعم » فسأله : « أكل الناس بايعوك ؟ » قال : «نعم» قال : « قد رضيت لا أرغب عما قد اجتمعوا عليه » ... . ولا تلتفت هنا الى زوائد الأقاويل عما خدع عليا وعمن (١) غشوه : غطوه . (٢) نكث العهد : نقضه . (٣) من الآية : ١٠ من سورة الفتح . (٤) من الآية : ١٨ من سورة يوسف " ١٢٣ خدعه . فان ما أجملناه هنا من شتى الروايات هو الأشبه والأمثل يهم أجمعين وانه ولكنا نلم بطرف من تلك الأقاويل، حيث يزعم بعض الرواة أن عليا بايع وهو يقول جهرة : « خدعة وأي خدعة يعني بذلك أن عمرو بن العاص خدعه فانخدع ، وأن ابن العاص لقية في ليالي الشورى فألقى في روعه أن « عبد الرحمن بن عوف رجل مجتهد ، وانك ان أعطيته شرطه ، زهد فيك تقبل على الجهد والطاقة » ويزعم أصحاب هذه القصة أيضا أن ابن العاص لقي عثمان فقال له : « ان عبد الرحمن رجل مجتهد ، وليس والله يبايعك الا بالعزيمة » أي وفاقا لشرطه فأقبل منه عزيمته يبايعك عليها 4 考 . ولكن فهذ القصة وما هو من قبيلها ضرب من ضروب المخترعات المألوفة ممن يحبون أن يسندوا كل شيء الى دهاء الدهاة وخديعة المخدوعين ، فما كان علي بالذي يعتقد أن عمرو بن العاص يتآمر معه على عبد الرحمن وعثمان، وما كان عثمان بالذي يتلقى سر عبد الرحمن من عمرو بن العاص وما تخطر هذه الخواطر الا على بال الذين يتعشقون بطولة الدهاء فيضعون عمرو بن العاص بحيث يعرف سر عبد الرحمن ويعرف الشرط الذي سيعرض به الخلافة على علي وعثمان ، ويجعل هذا يقول نعم » ويجعل ذلك يقول « لا » كما يشاء والأشبه والأمثل بهم جميعا أن يكون عبد الرحمن بن عوف وغيره يشترطون ذلك الشرط بعينه على من يقبل أمانة الخلافة في تلك الآونة ، وأن عليا وعثمان يقولان ما قالاه في جوابه ولا حاجة الى دهاء ولا ايحاء من النصحاء والوسطاء ان حكم الحال أصدق من حكم المقال في جميع الأخبار، وهو كذلك على التخصيص في أخبار هذه المبايعة ، ان لم يكن في رواية الأقوال والحوادث ففي رواية الشعور الذي كان يخامر (١) الصدور ويتجمع فيها منذ زمن بعيد : شعور بحال لا تدوم وخوف من تغيير وتبديل ، واجتهاد في منع التغيير والتبديل أو في اجتناب الضرر منهما جهد (٢) المستطاع . 4 (١) يخامر : يخالط . (٢) أي قدر ، ١٢٤ و من الأحاديث التي رويت عن النبي - صلوات الله عليه 4 أن الخلافة ثلاثون سنة ثم هي بعد ذلك ملك عضوض (١) و من كلام أبي بكر في معارض شتى : أن الدنيا موشكة ان تغير من النفوس ما لا يحمد تغييره . ومن كلام عمر وعمله في أيامه جميعا ما ينم على حذر هذا أو أشد من خطر الدنيا على نفوس الاقطاب الكبار فضلا عن الدهماء (٢) و سواد (٣) الدنيا .. و كانت لهذا الشعور أحيان (٤) يشتد فيها و يغلب على الناس عامة حتى دانه بديهة حاضرة لا تحتاج الى تفكير ، ومن هذه الاحيان فترات التوجس (٥) والترقب بين عهد و عهد منذ أيام النبي - عليه السلام - : بين وفاة النبي وقيام ابي بكر . و بين وحدة ابي بكر وقيام عمر ، و بين وفاة عمر خاصه و قیام عثمان .. - تم و لما حدثت فتنة الردة في أوائل عهد أبي بكر دهش الناس ولم يدهشوا . دهشوا لأنهم فوجئوا . ولم يدهشوا لأنهم - وقد وقع الذي وقع - لم يستغربوه. ولم يستكثروا حدوثه بعد صدمه كتلك الصدمة الهائلة ، و بعد غياب صاحب الدعوة ومتعهدها وصاحب المنزلة التي لا تدانيها فيهم منزلة أصبح التوجس و الترقب ديدنا (٦) فهم في كل فترة من قبيلهـا . فتساءلوا بعد موت أبي بكر : ماذا عسى ان يكون بعد ذهاب هذا الخليفة الرفيق الرقيق ؟ ولعله تساؤل لم يعنتهم (٧) كثيرا ولم يطل بهم أجله غير قليل . اذ كان أبو بكر لا يبرم امرا (٨) بغير مشورة عمر ، وكانت سياسة الشيخين سياسة واحدة تلين معهما تارة و تشتد تارة أخرى فلما أشفق الناس بعد وفاة أبي بكر لم يشفقوا من تبديل سنة مرعية أو خروج على جادة متبعة ولكنهم أشفقوا من شدة فيها وصرامة في حمل الناس عليها . ثم ذهب عمر بغتة والناس يستعظمون الخطوب ، ويلمسون بوادر التغير
. من بعيد ومن قريب ، فعادوا الى ديدنهم في أمثال هذه الفترة (١) عضوض : أي يعض عليه . (٢) أي جماعة الناس . (٣) سواد الناس : عوامهم • (٤) جمع حين : أوقات (٥) التوجس : التخوف . (٦) ديدنا : أي عادة وطبيعة • (٧) أي يشق عليهم (٨) أبرم الامر : أحكمه. k ١٢٥ وخيل اليهم أن كل أمر جائز وكل خطر متوقع خلال هذه النقلة بما علموه الى ما يجهلونه و يوجسون منه ويترقبونه وفي كل كلمة بدرت. وكل وصاة قيلت في هذه الفترة اعراب مقصود أو غير مقصود عن هذا الشعور الغالب الذي بلغ أقصاه يومذاك : شعور بحالة يخشى ألا تدوم ، وخوف من تغير لا يدري كيف يتقى عمر يوصي ببقاء الولاة عاما، ويتوقع الفواجع (١) من الأثرة والايثار ، ويريد » من يحمل الأمة على الحق » و من يشتد في غير عنف ويلين في غير ضعف .. وعبد الرحمن يعلم أنه لا رضى عن أحد بعد الصديق والفاروق ، ولا طمأنينة للناس الا أن يطمئنوا الى سيرة كالسيرة الأولى، وهم لا يعلمون من أين يأتي التبدل والانحراف ان تقرير هذه الحالة النفسية أهم من احصاء مئات الحوادث والأقوال التي انحدرت الينا من تلك الفترة ، لان الحوادث والاقوال لا تفهم بغير فهم تلك الحالة النفسية ، ولعل تلك الحالة في كثير من الأحيان هي مبعث الحوادث وأقوال القائلين فيها ، فما دان احد يعيب سياسة عثمان مخلصا او غير مخلص الا كان الحذر من تبديل السنن ونقض السوابق حجة له يسوقها في خطابه للخليفة أو خطابه للخاصة والعامة من رعيته ، وأصبح حضور هذا الحذر في الأذهان من دواعي المبالغة في تعظيم المخالفات وخلقها من غير شيء على نية حسنة عند بعضهم وعلى نية سيئة عند الأكثرين ، لانها كانت نغمة العصر التي تفتح الأذان ، و تتأهب الاذان لاستماعها في كل مكان وأهم من ذلك أن عثمان على رأس المسلمين قد ساوره (٢) ذلك الشعور وداخلته تلك الحالة النفسية وجثمت في سريرته حتى تمكن منه التسليم والاستسلام لما هو كائن لا محالة ، فكان يقول المحدثيه كما يقول في خطبه : ان ما تبتلى به هذه الأمة قدر واقع لا يدفع ، وأن فتنة الدنيا طغت على النفوس طغيانها الذي (1) الفواجع : المصائب (٢) ساوره : أخذ برأسه · . ١٢٦ لا تجدي (١) فيه الحيلة أو المحاولة . وذلك كله مما تلمسه في استسلامه آخر أيامه، وتركه المحاولة ، أو عدوله عنها بعد المضي فيها ، ونلمسه كذلك في شكه واسترابته (٢) في صدق العاملين وتعويله (٣) من أجل ذلك على أقربائه وخاصة ذويه أن يصدقوه في رعاية السنن والمواثيق عسى و تظهر تلك الحالة النفسية من خطبه الأولى كما تظهر من خطبه الأخيرة ، فلما بايعه أصحاب الشورى خرج فيهم وهو أشدهم كابة (٤) حتى أتى منبر رسول الله ، وقام يخطب الناس فأرتج (٥) عليه . وجاء في كلام من روى خبر الأرتاج عليه أنه قال يومتذ : « أيها الناس .. ان اول مركب صعب . . وان بعد اليوم أياما ، و أن أعش تأتكم الخطبة على وجهها (٦) ، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله ... مقام أدل من المقال ، يدل على كثير و أول ما يدل عليه أنه لا تدبير ثمة ولا تحضير ، فلو كان عثمان على علم باختياره للخلافة لما أعياه أن يعد لهذا المقام كفايته من المقال البليغ ، ولكنها قد جاءته وهو لا يستبعد أن تفوته، ولا يزال يخشى في ذات نفسه أمام الله أن يتعجلها بالتحضير والتدبير ، وأن يطوي في سره منها ما لم يكن له أن يبديه في العلانية خطب فاتفقت الأقوال أو كادت على نصوص خطبه الأولى. وكان مدارها على فتنة الدنيا ، والوعد باتباع السنن و اجتناب البدع ، وتهدئة النفوس من قبل ما تخافه ، ولا تخاف خطرا أكبر من خطره قال في خطبته الأولى : « انكم في دار قلعة (٧) ، وفي بقية أعمار ، فبادروا أجالكم بخير ما تقدرون عليه ، فلقد أتيتم .. (1) أي لا تفيد ولا تنفع (٢) أي تشككه من الريب . (٣) تحويله عليهم : أي اعتماده عليهم . (٤) الكآبة : الغم ، وسوء الحال ، والانكسار من حزن . (٥) أي تلعثم ولم يقدر على اجادة الكلام - (٦) وجهها : أي سيلها المقصود - (٧) قلعة : غير ثابتة لا تدوم لاحد . ١٢٧ صبحتم أو مسيتم . الا وان الدنيا طويت على الغرور ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور - اعتبروا يمن مضى . ثم جدوا ولا تغفلوه فانه لا يغفل عنكم ، أين أبناء الدنيا و اخوانها الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلا ، ألم تلفظهم ؟ • ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها . . وقال في أوائل خطبه : « اني قد حملت وقد قبلت ألا واني متبع ولست بمبتدع آلا وان لكم علي بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا : اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم ، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملاً ، والكف عنكم الا فيما استوجبتم . الا وان الدنيا خضرة قد شهيت الى الناس ومال اليها كثير منهم ، فلا تركنوا (1) الى الدنيا ولا تتقوا بها فانها ليست بثقة ، واعلموا انها غير تاركة الا من تركها ان اقرب الاخبار الى الصدق ما تهم بأن تنفيه فيحمي صدفه بآية من دواعيه قبل النفس وقيل الواقع . و حل ما كان خليقا ان يحدث عند مبايعة الخليفة الثالث قد حدث على وجهه الذي يطابق الواقع والمتوقع، وفي هذه الخطبة مطابقة لما يتطلبه الموقف من المعدات والعهود، وفيها زيادة وعد « بالكف عن الناس الا فيما استوجيوه » ولعلها الزيادة التي أتت في أوانها بعد ما تململ (٣) منه القوم من صلابة عمر ومنعه اياهم أن ينساحوا في الدنيا خوفا عليهم منها وخوفا منهم عليها 134 .. 如 أما المكائد التي أبدعتها أوهام المتوهمين فقد يبطلها قبل كل شيء أنها ليست بمكائد تعمل عملا ينفع من يكيدها ومن هذه المكائد ما يخيل الينا أن مخترعيها وضعوا حين وضعوها » قصة مسرحية « يعطون كل بطل من أبطالها دوره في الكلام ودوره في الدخول والانصراف ، ومنها ما يخيل الينا أن أصحاب الشورى كانوا عصبة محضرة مستعدة على مصارحة بينها لحرمان هذا واجتباء (٣) ذاك ، واحدى هذه الخيالات خيالة (١) تركنوا : أي تطمئنوا . (٢) تململ : تقلب ٠ (٢) تململ : تقلب . (٣) اجنباء : ١٢٨ D اختيار المستشرقين الذين توهموا أن أصحاب الشوری خصوا عثمان باختيارهم لأنه شيخ يدلف (١) الى منيته (٢) فكلهم يطمع فيها بعد موته - افعدت حقا انهم خصوه وعرفوا يقينا قبل أن يبايعه عبد الرحمن من سيكون مختاره و مجتباه ؟ وفي مكيدة أخرى من هذه المكائد التي « يمسرحها » المخترعون لها ان اختيار عثمان قرر الملك لبني امية على نية مبيتة (٣) . فهل هي مسرحية ينتبها التاريخ نسخه بعد نسخة ، ويريد هنا يريده هناك ؟ غير ما ولماذا تطمع القبائل ان تتداول الخلافة بعد خليفة من بني أمية . وهم أقدر على احتجانها (٤) ، وأرغب في الاستئثار بها بعد مالها اليهم في صدر الاسلام ؟ .. كل هاتيك حيل مسرحية توضع لها أدوارها وأعمالها حسب منهاج التأليف ، و أولاها بالشك فيه ما لاح عليه الأحكام والتوفيق بين الادوار والأعمال، وأولاها بالقبول ما ليس وراءه تحضير ينتظم كما ينتظم التحضير في المسرحيات : شيء يراد وشيء لا يراد ، ويعالجه فيستطيعه تارة ويعيني به تارة أخرى فينقلب على غير ما تعمده وانتحاه وعلى هذا النحو المطبوع آلت الخلافة الى عثمان . -
(١) يدلف الشيخ : يمشي مشي المقيد وفوق الدبيب (٢) المنية : الموت . (٣) أي مسبقة - (٤) يقال : حجن فلان فلانا : أي صدر ، ورقه وجذبه بالمحجن ١٢٩ عثمان