ذو النورين عثمان بن عفان (المكتبة العصرية)/الخلافة
الخلافة
بين هذه النذر قامت أصعب خلافة تولاها خليفة قط في صدر الاسلام، وقد كانت ثورة المرتدين في أول خلافة الصديق محنة شديدة نهض لها المسلمون جميعا متساندين متآزرین . فابتلي عثمان في أول خلافته بما يشبه تلك الثورة ويزيد عليه : الخلاف في الداخل، والتغير في الدواعي النفسية ، وهو أخطر المصاعب جميعا في خلافة عثمان 4 من انه كانت هيبة عمر تملأ الجزيرة العربية وما حولها . وكان أصحاب الدولتين الكبيرتين من الروم والفرس أهيب له من رعيته في الجزيرة ، لأن هذه الرعية تعتصم من هيبته بحق يعرفه لها و تعرفه لنفسها ، و لم تكن للروم والفرس عصمة من هيبة الا بالحذر والدسيسة ، ورستم بطل الفرس المشهور الذي كاد أن يصبح أبطال الاساطير هو القائل عن عمر : « أحرق كبدي عمر يكلم الكلاب فتفهم عنه ! » . يعني أنه جعل من عرب البادية الذین از دراهم (١) الفرس أبطالا كالأسود بفضل ما يسدى اليهم ويستمعون اليه من نصيحته والاقتداء بسيرته . وقد خطر للمؤرخين في صدر الاسلام أن الهرمزان كان من المتآمرين مع أبي لؤلؤة على قتل عمر ، وهو خاطر قريب الى الذهن ولو لم يعتمد فيه المؤرخون على غير القرائن التي شهد بها يومئذ شهود الفاجعة (٢) قبل وقوعها ، ولكننا نحسب أن المؤامرة أكبر جدا من ظواهرها التي تحصرها في أبي لؤلؤة والهرمزان . وأن تدبيرها في معسكرات فارس و بلاط یزدجرد وحاشيته أقرب الى الخاطر ، و أدنى الى المنظور في مجمل الأحوال . فما هو الا أن ذاع (٣) في ساحات المشرق والمغرب مقتل عمر. تلاحقت الثورات والفتن كانما كانت على موعد ، وتمرد (١) از دراهم احتقرهم .• (٢) الفاجعة : ما تؤلم الناس بالدواهي (٣) أي انتشر ١٣٠ مع من قبائل الفرس والترك والروم من كان قد أذعن (١) وتعاقد قادة الحرب على الصلح والطاعة ، ونقضت دولة الروم صلحها فأغارت على الاسكندرية برا وبحرا وأرسلت أساطيلها إلى شواطيء فلسطين ، وأطلقت في الميادين خفية من يبث فيها الوعد والوعيد ويغري المطيع بالعصيان، وأحصى المؤرخون البيزنطيون عدة السفن والجيوش التي اشتركت في حركات الثورة والانتقاض ، فقال بعضهم : أنها جاوزت خمسمائة سفينة ومائة ألف مقاتل ، وسرعان ما تسايرت الأنباء بهذه الزحوف بين الخزر والأرمن ومن وراءهم من الشعوب الآسيوية ، فهبوا يتعللون بالذرائع (٢) لنقض الصلح ، أو ينقضون بغير ذريعة وينتهزون الفرصة انتي علموا أنها لا سنح مرة أخرى اذا استكانوا (٣) للطاعة والمسالمة لقد كانت محنة كمحنة الردة أو اكبر منها في اتساع ميادينها .. .. وتباعد أطرافها وكان عثمان كفؤا لها بالعزم والرأي والسرعة في تصريف الأمور وتسيير النجدات واسناد كل عمل الى من يحسنه ويسد فيه أحسن سداد ولقد درج العاذرون واللائمون في تاريخ عثمان على التسليم بضعفه كأنه حالة لا تفارقه في جميع أعماله ، أو كأنه حالة لم تفارقه قط في عمل مما تولاه فالذين آمنوا منه بحسن القصد ، كانت معذرتهم له بالضعف واللين أسبق معاذير هم إلى السنتهم حيث يوفقون بين خطئه وحسن قصده ، والذين أفرطوا في اللوم جعلوا من ذلك الضعف خطلا (٤) في الرأي قد يغطي على حسن النية لو افترضوه وسلموه . وهؤلاء وهؤلاء يستغربون أن يقال : انه كان كفوا لتلك المحنة بعزيمته وأصالة رأيه ، ويخيل اليهم أن كلمة الضعف » تلغي كل قوة وتبطل كل عزيمة ، أو ينسون أن الضعفاء لا يتساورون، وأن الضعف لا يلازمهم في كل ما يعملون و أن الضعف كالمرض تتفاوت فيه مناعة (٥) الأبدان ومناعة » • • (٣) استكانوا : (٢) الذرائع : أي الاسباب (١) اذعن : خضع خضعوا واستسلموا - (٤) خطلا : أي فسادا (٥) مناعة : أي حصانة . 4 ١٣١ النفوس ، فقد يعدي القوي الركين والى جانبه النحيل الهزيل لا تسري (١) اليه عدواه، وقد يكون القوي في حالات أضعف من الضعيف في حالات ، وهذا مع التسليم بضعف عثمان على العلات وهو قول لا يقبل على اطلاقه، اذ لا نرى من علامات ضعفه إلا ما يظهر فيه الضعف بالنسبة الى موقف من المواقف قد يحار فيه الأقوياء كما يعيي (٢) به الضعفاء . فلا تنس أن عثمان قد ولي اعمالا ناجحة في الجاهلية والاسلام ، وان من هذه الأعمال قوافل تترحل في الصيف والشتاء ، وتوافق مطالب اليمن في الجنوب والشام في الشمال ، و أنهه استطاع أن يصرف هذه القوافل ويوانم تلك المطالب وهو مقيم في مكة او المدينة ، وأنه تعود أن يستشار فيما يحضره ويغيب عنه، وأنه تعود كذلك أن يعرف مشورة غيره في مثل عمله ، وأن يعرف أخبار من تقدمه ومن عاصره من نظرائه ، وأنه بعد الاسلام قد لازم ولاة الأمر في السياسة والحرب من عهد النبي - عليه السلام - الى عهد الفاروق ، وشاركهم في كثير وسمع أوامرهم وحضر مشاوراتهم في كثير فلا تكونن كلمة الضعف حاضرة في الذهن كلما حضرته حادثة من حوادث سيرته أو آية من آيات عزمه وتدبيره ، وليكن للضعف محله فلا يشغل كل محل في معارض هذا التاريخ العجاب . ان علاج عثمان لمشكلات الدولة « الخارجية » التي فاجأته بعد ولايته قد كان كأحسن علاج يتولاه خليفة في تلك الأونة (٣): عزم وسداد وسرعة مع الحيطة والأناة والرفق في سياسة الأولياء والخصوم
ولا شك أن الخليفة كان معانا على عمله ، ولم يكن منفردا يعيئه في تلك المحنة الجائحة كان معانا عليه بحمية الجند وكفاية القادة ، وكانت حمية الدين التي حفزت دعاة الاسلام من نصر الى نصر ومن عزمة الى عزمة، وصحبتهم من بدر إلى القادسية وتبوك وبابليون ، صامدة على سمتها كأقوى وأقوم ما كانت في (١) أي لا تنتقل (٢) أعياه الامر : أجهده وأتعبه . (٣) الآونة : أي الفترة ١٣٢ . يوم من أيامها ، بل لعلها في حروب الفرس والروم كانت أقوى وأقوم من حروبها في الجزيرة العربية إذ كانت أتفة العربي أن ينهزم أمام المتعجرفين (١) عليه من الأعاجم كفيلة أن تنفث (٢) في قلبه الغضبة القوية التي لا تثيرها حرب العربي للعربي والشبيه بالشبيه و هم كان حبيب بن مسلمة الفهري يقاتل الروم في ميادين سورية و فلسطين ، فاستعان بمدد من الجزيرة فوصل اليه ، واستعان بمده من الكوفة فأبطأ عنه ، فلما أقبلت الروم قبل وصول المدد لا يتوقعون القتال مع قلة الجند في معسكر العرب أتاهم حبيب من حيث لم يتوقعوا و بيتهم بليل (٣) فانتصر وانهزموا .. وان الدهشة من هذه الجرأة لتغمرها حتى لتكاد تمحوها دهشة أخرى من دهشاتها التي لا عداد لها في كل وقعة من وقعاتها كانت أم عبد الله امرأة حبيب معه وهو ينوي الهجمة بليل قبل أن يسفر نور الصبح ويأتي المدد المرتقب ، فسألته : أين الموعد؟ قال : سرادق » الموريان » أو الجنة فوجدها عند السرادق قد سبقته اليه وقبل هذا أعين الصديق والفاروق بحمية الأجناد وكفاية القواد، ولكن أعباء الجهاد في أوائل أيام عثمان كانت أشق وأكبر وأحوج إلى التوجيه الناجز ، والتصريف الذي لا يغني الاجمال فيه عن التفصيل ، على حسب الأطوار المتجددة والطوارىء المتقلبة ، لامتداد خطوط القتال وتعدد الفتن وتباعد المسافات بين البلدان وتكاثر العناصر والأجناس في جيوش المسلمين فقام الخليفة الشيخ بأعبائه الجسام على أحسن ما يقام بها في تلك المحنة الجائعة ، وكان له ولا شك أكبر الفضل في تثبيت مهابة الدولة الجديدة بعد ما أصابها من الوهن والتخلخل عند مقتل عمر ، فوقر في اخلاد الأمم المحيطة بها انهم ينازلون قوما (١) العجرفة : جفوة في الكلام، وخرق في العمل، والاقدام في هوج ، وهو يتعجرف : أي يتكبر ، ويتعجرف عليهم : يركبهم بما يكرهونه ولا يهاب شيئا . (٢) النفت : شبيه بالنفخ ودون التغل • (٣) بيت الامر : دبره ليلا ، وبيت العدو : أوقع بهم ليلا J لا يقدح في قوتهم موت خليفة أو تبديل قائد ، وانهم منتصرون مستميتون في سبيل النصر على اختلاف القادة والرؤساء ، فقتل بعد هذه التجربة عثمان ، ثم قتل علي ، ثم مات معاوية ثم مات يزيد وتخلى معاوية الثاني عن الملك وانقسم المسلمون على أنفسهم ولم تقم للثورة عليهم قائمة في بلاد الروم أو بلاد الفرس الا ما كان من شغب متفرق على غير وجهة ، يعرو (١) الدول داخلها ومن خارجها بلا انقطاع ولا يخاف منه على دعائمها وأركانها ، ولم يقنع عثمان بتسكين الثورات حيث يكفي فيها التسكين أو قمعها حيث تحتاج الى القمع (٢) في بلاد الطغاة والمتجبرين ، فصالح من صالح وحارب من حارب ، ثم أمر قواده بمجاوزة البلاد التي نشبت فيها الثورات الى ما وراءها منعا لارتداد الهاربين اليها وانبعاث الفتن والدسائس من قبلها ، فتقدمت جنوده شرقا الى حدود الهند والصين، وشمالا إلى ما وراء بحس الخزر ، وغربا الى أبواب القسطنطينية وتخوم الأندلس ، وجنوبا الى السودان وجوانب الحبشة ، ولم يؤخذ عليه قط وناء (٣) في ا نفاذ نجدة أو تسيير مدد أو تدارك خطر في أوانه من أقصى تلك البقاع إلى أقصاها وعرضت له مسألة عسيرة من المسائل التي استطاع الفاروق ارجاءها (٤) ولم يكن ثمة بد من عودتها في أوانها : عرضت له غزوة قبرس ورودس وجزر بحر الروم ، واعداد العدة لدفع الغارات البحرية عن شواطيء مصر والشام والقيروان فكانت بحق مسألة بل مشكلة من المشكلات التي لم تستحكم قبل أيامه ولم تتطلب الحل السريع من ولي الأمر المسلمين في الجزيرة العربية ، أو في البقاع التي انتهت اليها الفتوح - - . و كان من سياسة عمر ألا يجعل بينه وبين جيش من المجاهدين بحرا ولا جسرا ولا قنطرة ، وأن يجنبهم ركوب البحر ما استطاع (١) اعتراه : غشيه . (٢) القمع : القهر ٠ (٣) وناء : ضعف ، وفتور وكلال ، واعياء - (٤) أي تأجيلها ١٣٤ وكان معاوية يلح عليه في غزو الروم بحرا ويهون عليه خطب هذه الغزوات ولا يفتأ يعضه على ذلك ويقول فيما قاله حضا عليه : « ان قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم » يعني جزيرة أرواد فكتب عمر الى عمرو بن العاص يسأله أن يصف له البحر وراكيه ويقول له : « ان نفسي تنازعني اليه » .. فكتب اليه : « اني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير ، ليس الا السماء والماء . ان ركد (١) خرق القلوب و ان تحرك أزاغ (٢) العقول، يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة ، وهم فيه دود على عود ، أن مال غرق وان نجا برق (٣) الى آخر ما هول به عليه ، فأقسم عمر لا يعملن عليه مسلما أبدا ، ورضي من ملك الروم بترك القتال ، ثم زاد ملك الروم فكاتبه وقاربه و بادله الهداية ، وأرسل مع البريد هدية من الملكة إلى السيدة أم كلثوم زوجة عمر تحتوي فيما احتوته عقدا فاخرا يقوم بأضعاف أضعاف هدية الطيب التي أرسلتها اليها أم كلثوم ، فباع عمر العقد وأودعه خزانة بيت المال ، وكتب الى معاوية يحذره من القتال ، وينذره أن يصيبه منه ما أصاب العلاء الحضرمي اذا هو أقدم عليه بغير اذنه أما قصة العلاء هذه فقد كان لها أثرها الذي لم ينسه عمر ، ولم يزل عالقا بذهنه يعاوده كلما عاودوه بذكر البحر وغزواته وخلاصتها : أن العلاء الحضرمي والي البحرين كانت بينه وبين سعد بن أبي وقاص منافسة في الجهاد ، فبرز (٤) اسم العلاء في حروب الردة ، ثم غلبه سعد فضلا وهمة في وقعة القادسية وأزاح الأكاسرة عن الدار وأخذ حدود ما يلي السواد » وقد قال ابن الأثير : ( فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئا كان عمر نهاه عن الغزو في البحر ، فعبرت الجنود من البحرين الى فارس ، فخرجوا الى اصطخر و بازائهم أهل فارس ، وعليهم (١) ركد : أي سكن . (٢) أزاغ : أي أمال ٠ (٢) ازاغ : أي أمال . (٣) من معاني برق : تحير حتى لا يطرف ، أو دهش فلم يبصر . (٤) أي ظهر ١٣٥ الهربذ ، فعالت الفرس بين المسلمين وبين سفنهم واقتتلوا قتالا شديدا بمكان يدعى طاوس . وقتل من أهل فارس مقتلة عظيمة ، ثم خرج المسلمون يريدون البصرة ولم يجدوا الى الرجوع في البحر سبيلا ، وأخذت الفرس منهم طرقهم فمسكروا ر امتنعو قال ابن الأثير الذي نلخص منه قصة هذه الغزوة : « لما بلغ عمر صنيع العلاء أرسل اليه عتبة بن غزوان يأمره بانفاذ جند، كثيف الى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا وأمر العلاء بأثقل الأشياء عليه وهو تأميز سعد عليه ، فشخص العلاء الى سعد يمن معه ولم يكن أشد على نفسه من هذا العقاب الأليم ، وما كان ليطيعه لولا ايمانه وتقواه وأنه استحقه بمخالفته من لا ينجو من عقابه مخالف كائنا من كان و بقيت عبرة هذه الغزوة لا تنسى ولا تغيب عن فكر عثمان بعد عمر ، وأوشكت مصائبها جميعا أن تعزى (١) الى البحر والى كل ماء من بحار فارس والروم ، ثم عادت المسألة - أو المشكلة - الى عثمان فوجب أن يفصل فيها برأيه وهو على ذكر من سياسة عمر وسياسة أبي بكر من قبله : لا يحملن أحدا من المسلمين على ركوب البحر ، أو على ركوب الغرر (٢) في قتال من دم .. .. ونظرة عثمان في هذه المشكلة من أدل أعماله على نصيبه من الاجتهاد ومن الاقتداء ، ومن أدل الأمور على اقدامه حيث يحجم أشهر منه بالاقدام . ان المشكلة هنا قد تغيرت ، ولم يبق بينها وبين مجازفة الملاء الحضرمي غير شبه قليل تغير من ركوب البحر أنه أصبح اليوم ضرورة لا محيد (٣) عنها ، بعد اذ كان مجازفة لا حاجة اليها فقد أصبحت قبرس ورودس وجزر الشاطىء القريب ملتقى تتربص (٤) فيه الأساطيل المتجمعة من أقطار دولة الروم، وأصبح .. (١) تعزى : أي تنسب . (٢) الغرز : الخطر . (٣) لا محيد : لا عدول (٤) تتربص : تنتظر ١٣٦ امتناع السفن المغيرة بها خطرا على الشام وفلسطين ومصر والقيروان ، لا يؤمن على غرة (١) ، ولا على استعداد و أهبة (٢) ثم كان ما كان من اختيار المسلمين ركوب البحار اضطرارا وتجربتهم للسفن كبارها وصغارها ، فذللوا المركب العصي الذي طالما تجنبوه ، وتغيرت المشكلة ولم يبق بينها وبين مجازفة البحرين غير شبه قليل .. وعلى هذا الشبه القليل بين الأمس واليوم لم تزل شبهة التغرير بالناس قائمة لا تدفع اذا خيف الضرر ، ووقع الخطر ، وقيل : ان ولاة الأمر لم يحذروا ما كان حذرهم منه عمر ، و أوجب الحذر منه على أتباعه وتابعيه و عسير يمنع غزو البحر ، وعسير ، وعسير مثله أن يباح ، فخرج عثمان من العسرين خير مخرج، وكتب الى معاوية يأذن له ويشترط عليه : « ألا ينتخب الناس ولا يقترع بينهم ، وأن يخيرهم ، فمن اختار الغزو طائعا حمله وأعانه أن . وعلى هذا الشرط غزا عبد الله بن قيس الجاسي قائد الأسطول خمسين غزاة « بين شاتية وصائفة (٣) في البر والبحر لم يغرق أحد ولم ينكب (٤) وانفقوا مع أهل الجزر على شروط تحميهم الغرة و تبيحهم أن ينزلوا بها ليمنعوا نزول العدو بأرضها واحتماء الأساطيل المغيرة بمرافتها (٥) ، ورتبوا الحملة عليها من مصر والشام تأمينا للطريق من شرقها وغربها وجنوبها ، فأمنوا البحر وأمنوه لمن يسلكونه من المسلمين والمسالمين . ولو أنهم تركوا البحر وشأنه لاستعصى عليهم بعد ذلك أن يدفعوا غارة الروم من قبل البحر كما دفعوها ، وأن يسيطروا على سبل الملاحة خلال سنوات معدودات كما سيطروا عليها (١) غرة : خدعة a (٢) أهبة : عدة • (٣) شانية وصائفة : أي في فصلي الشتاء والصيف . (٤) نكب : عدل . (٥) جمع مرفأ : وهو مكان من - الشاطيء ترسو فيه السفن ١٣٧ وكانت هذه الهمة من عثمان في علاج الأخطار الخارجية حلا نافعا في شئون الدولة الداخلية الى حين ، لأن مدافعة الأخطار من الخارج شغلت الناس زمنا عن شواغل السلم والدعة التي تفرقهم وتفرغ أوقاتهم للنقاش والجدال فيما يعنيهم أو لا يعنيهم ، ولكن مواقع الجهاد اختلفت واختلف عدد المجاهدين فيها ونصيب كل مجاهد من غنائمها وأنفالها و من رواتبها وأعطيتها و بدأ ذلك في عهد عمر، كما تبدأ مشكلات الميادين التي لا تستقر على قرار ، بين الكر والفر ، والاقامة والترحال وتعاقب الأمراء والقادة في ميادين القتال ، فمما حدث في عهد عمر من ذلك : أن أهل البصرة شكوا عجز خراجهم على كثرتهم و أن أناسا يشاركونهم فيه ممن أقاموا معهم بعد تمام الفتح فاختصم أهل البصرة وأهل الكوفة ) وادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون اصبهان ، أيام آمد به عمر بن الخطاب أهل الكوفة ، فقال لهم أهل الكوفة : أتيتمونا مددا وقد افتتحنا f ، البلاد ، فأنشبناكم في المغانم، والذمة ذمتنا ، والأرض أرضنا قال عمر : صدقوا فقال أهل الأيام والقادسية ممن سكن البصرة : فلتعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيهم . فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل الكوفة ، أخذها من شهد الأيام وال دسية وقد عزل عمر والي الكوفة عمار بن ياسر واستعمل عليها أبا موسى ، ، وكان أهل الكوفة يشكون عمارا ويقولون لعمر : أنه لا يدري علام استعملته ، فسألهم : ومن تريدون ؟.. قالوا : نريد أبا موسى موسى ، فولاه عليهم . فأقام عليهم سنة ، ثم باع غلامه العلف فشكوه فعزله وصرفه الى البصرة حتى ولبث عمر مهموما مغموما بأمر هذه الشكايات اضطجع يوما بجانب المسجد وهو يفكر فيها ، واستيقظ وهـو مكروب بادي (١) الأسى ، فقال له المغيرة بن شعبة : ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين الا من عظيم ، فقال : وأي شيء أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ، ولا يرضى عنهم أمير ؟.. وأتاه (1) أي ظاهر الحزن أصحابه وهو بتلك الحال من الفم والأسى فسألوه : ما شأنك ؟.. فقال : أن أهل الكوفة قد عضلوني (١) - واستشارهم فيمن يوليه ، فأشاروا عليه بتولية المغيرة ، فولاه وأقام واليا عليها أكثر من سنتين الى مقتل عمر ، وكان من رأي المغيرة الذي استمع اليه عمر : أن الوالي القوي المسدد أصلح من الضعيف التقي أما الضعيف المسلم فان اسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين ، وأما القوي المسدد فان سداده وقوته لك وللمسلمين » . ولم ينحسم هذا الخلاف في عهد عمر ولا في عهد عثمان ولا في عهد علي الى أيام الدولة الأموية ، فكان معاوية يأخذ لجند قنسرين بنصيب من فتوح العراق وأذربيجان والموصل والباب و هكذا كان يحدث في الميادين عامة بين من ظفروا فيها ثم تحولوا عنها الى غيرها ، وبين من أقاموا فيها ولم يشهدوا فتوحها ، ولا ظلم ولا غبن في التقسيم والتقدير، وانما هي جرائر (٢) السعة واشتباك النظم والولايات وكثرة الأمداد التي تنتقل من ميدان الى ميدان ومن ولاية الى ولاية . ولنا أن نقول : انها جرائر الاختلاف من نظام الخلافة الى نظام الملك ، والدولة التي تواجهها كل يوم قضية من قضايا المعيشة مقرونة بقضايا الجهاد ، أو قضية بين حالة عاجلة وحالة باقية على مدى الأيام ، ولا ينفصل فيها نظام المعيشة ، ونظام الجهاد كل الانفصال .. وليس بالنادر بين هذه القلاقل أن يخف الجيش لنجدة جيش آخر فلا يصل إلى المكان المحصور أو المهدد الا بعد الاستغناء عن نجدته ، وليس بالنادر أن تتنافس الجيوش بالقادة والسمعة و السابقة فينفس (٣) بعضها على بعض أن ينحاز لقيادته ، أن يكون أميره تابعا لأمير آخر لم يعرفه قبل ذلك ومما اتفق من ذلك أيام عثمان ، أن حبيب بن مسلمة الذي سبقت الاشارة اليه كتب الى عثمان يسأله المدد ، فكتب عثمان الى (١) عضل عليه : ضيق، وعضل به الامر : اشتد • (٢) جمع جريرة ، والجريرة : الذنب والجناية . (٣) نفس به : ضن ، وعليه تجير : حسد ، و نفس عليه كذا : لم يره أهلا له . معاوية في الشام يأمره أن يشخص اليه من أهل الشام والجزيرة قوما ممن يرغب في الجهاد ، وكتب الى سعيد بن العاص في الكوفة يأمره بأن يمد حبيبا بجيش عليه سلمان بن ربيعة الباهلي فسار سلمان في ستة آلاف من أهل الكوفة ولم يصل الى حبيب الا بعد فراغ حبيب من حملته الظافرة على الموريان - ولقد كان كلاهما - حبيب وسلمان من أشجع القواد وأخبرهم بفنون القتال ، وكان كل منهما « غزاء » (١) معروف السابقة في ساحات الجزيرة والشام، فلما أراد سلمان أن يلي امارة الجيشين أبى عليه حبيب ذلك ، ودخل جند القائدين في المنافسة ، وقال أهل الشام لنضر بن سلمان ان أبى الا الرئاسة علينا - فأجابهم أوس بن مغراء من جند سلمان بشعر يقول فيه : فإن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم وان ترحلوا نحو ابن عفان فارحلوا (٢) وان تقسطوا الثغر ثغر أميرنا وهذا أمير في الكتائب ونحن مقبل ولاة الثغر كنا حماته ليالي نرمي كل ثغر وتنكل ولكن القائدين كانا أحكم وأكرم من أن تفسد عليهما هذه المنافسة عملا حاضرا بين أيديهما ، فافترقا على أن يوغل حبيب في غرب أرمينية وأن يوغل سلمان في شرقها ، وأن يتلاقيا الى الشمال بعد فتح المواقع بينهما ، فدان لهما ما بين البحر الأسود و بحر الخزر، وصرفا بأسهما الى العدو ضنا بقوة الجيشين أن تتفرق في المنافسة على الادارة والسمعة ، ولكنها منافسة كانت تحتدم في أيام السلم وبين سكان المدن فلا تنتهي بغير خصومة ولا تنتهي الخصومة فيها بغير شر و عناد ومن مقابلة النقيض بالنقيض أن نستطرد من قصة حبيب وسلمان الى قصة الوليد بن عقبة وسعيد بن العاص اللذين تعاقبا . (١) أي شارك في الكثير من الغزوات الكثير من الغزوات . (٢) الشعر في تاريخ الطبري ( ط المعارف ( ٣٠٧/٤ وابن الاثير ٥٥/٣ وفيهما : « وان ترحلوا نحو ابن عفان نرحل » . ١٤٠ على ولاية الكوفة في عهد عثمان ، وقد أجمع المؤرخون على فداحة الخطر الذي نجم من هذه القصة على امامة عثمان بين أهل الكوفة ثم بين سائر الأمصار كان الوليد بن عقبة والي الكوفة قد اتهم يشرب الخمر ، فعزله عثمان وأمر باشخاصه اليه وأسند الولاية بعده الى سعيد ابن العاص ، فغضب نفر من بني أمية على سعيد لأنه غسل منبر المسجد قبل أن يخطب عليه ، وعدوا ذلك تشهيرا بالوالي المعزول و تربصوا (١) به الدوائر (٢) يكيدون له بين رعيته ويغرون به من يلغط (٣) في مجلسه . ونحن نقتبس من جملة المؤرخين ، كالطيري وابن الأثير وغيرهما ، زبدة هذه القصة التي كان لها كل ذلك الخطر من بدء الفتنة الى مقتل عثمان .. وزبدة هذه اقصة من مراجعها المتواترة : أن سعيدا اختار وجوه الناس وأهل القادسية وقراء أهل الكوفة ، فكان هؤلاء دخلته داخلا (٤) ، وأما اذا خرج فكل الناس يدخل عليه وسأل عن أهل الكوفة فأطلعوه على حالهم ، فكتب إلى عثمان بما انتهى اليه كما أمره ، وقال له فيما قال : « ان أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب أهل الشرف منهم ، والغالب على تلك البلاد روادف (٥) ردفت، وأعراب لحقت ، حتى ما ينظر الى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها (٦) ولا نابتتها (٧) فأتاه الجواب من عثمان أن يفضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسبيهم تبعا لهم ، ألا أن يكون أهل السابقة قد تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء ، وليحفظ لكل منزلته ويعطيهم جميعا بقسطهم على سنة العدل والمعرفة بأقدار الناس 4 (١) ربص فلان و تريص: انتظر به خيرا أو شرا يجل به ، والمراد هنا : الشر - (٢) أي الهزائم . (٣) اللغط : الصوت والجلبة . (٣) اللفظ : الصوت والجلبة - (٤) أي يدخلون عليه داخل بيته غير مقيدين بمكان الاستقبال (٥) أي توابع - (٦) أي من نزل بها . (٧) نابتتها : من أهلها الاصليين. ١٤١ » : وأرسل سعيد الى وجوه القوم فقال لهم أنتم وجوه من وراءكم ، والوجه ينبيء عن الجسد ، فابلغونا حاجة ذي الحاجة وخلة (١) ذي الخلة ، ثم أدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف وخلص بالقراء والمتسمتين في سمره ، ، فانقطع الذين لا سابقة لهم ولا قدمة بعضهم الى بعض ، وجعلوا يقعون فيه وفي عثمان ، وكلما لحق بهم لاحق من ناشيء أو أعرابي أو مولى طليق أعجبه كلامهم حتى غلب الشر وفشت القالة ، فكتب سعيد بذلك كله إلى عثمان على ما تعوده الولاة من ابلاغ كل كبيرة أو صغيرة الى الخليفة منذ أيام الصديق ، فنادى منادي الخليفة الى صلاة جامعة وخطبهم وتلا عليهم ما جاءه من سعيد وذكر لهم أنه يريد أن يبعث الى العراق بمن شاء النقلة اليه من أهل السابقة أن يستعين بقم سعيد ما يملك بالحجاز عسى و يأذن له في أن يبيع على نصيحة الشاغبين من الروادف والأتباع .. . 語 f على أن سعيدا لم ينقطع عن لقاء العامة اذا جنس للناس فحدث في بعض هذه المجالس : أن فتى غرا (٤) أثنى على طلحه ابن عبيد الله فقال : ما أجود طلحة ! .. قال سعيد : أن من كان له مثل بساتينه لحقيق أن يكون جوادا والله لو أن لي مثلها لأعاشكم الله بها عيشا رغدا (٣) فقال عبد الرحمن بن قيس، وهو فتى حدث : والله لوددت أن لك ما كان لكسرى على نهر الفرات ، فانتهره أناس من الحاضرين وصاحوا به : أتتمنى له سوادنا ! وهاج الشر بينهم وبين أهل الفتى ، وسمع قومه من بني أسد بما أصابه فجاءوا وأحاطوا بالقصر ، وعادت القبائل بسعيد فأقسم لا يغشى مجلسه أحد من أولئك الشاغبين « فقعد أولئك النفر في بيوتهم وأقبلوا يقعون في عثمان » .. ونما خبر هذا الشعب الى عثمان ، فأذن لسعيد في اخراجهم الى الشام ، وكتب الى معاوية : « أن نقرا قد خلقوا للفتنة فأقم عليهم وانههم فان آنست منهم رشدا فاقبلهم وان أعيوك فارددهم علي (١) من معاني الخلة : الفقر والحاجة . (٢) أي ضغيرا غير مجرب (٣) رغدا : ١٤٢ • واسعا طيبا فلما قدموا على معاوية أنزلهم كنيسة مريم ، وأجرى عليهم ما كان لهم بالعراق . وكان يتغدى ويتعشى معهم ويحادثهم ويستخبرهم عن شكاتهم عسى أن يقنعهم ، فقال لهم في بعض هذه الأحاديث : بلغني أنكم نقمتم قريشا ، ولو لم تكن قريش كنتم أذلة ان أئمتكم لكم جنة (١) فلا تفترقوا عن جنتكم وان أئمتكم يصبرون لكم على الجور ويحتملون منكم المؤونة والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم السوء ولا يحمدكم على الصبر ، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم (٢) على الرعية حياتكم وبعد وفاتكم - وهو صعصعة - : أما ما ذكرت من قريش قال رجل منهم فانها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا ، وأما ما ذكرت من الجنة فان الجنة اذا اخترقت خلصت الينا . قال معاوية : عرفتكم الآن وعلمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول . ثم قال لصعصعة : أنت خطيبهم ولا أرى لك أعظم عليك أمر الاسلام وأذكرك به وتذكرني عقلا الجاهلية I • وطالت اللجاجة بينه وبينهم فأجمع رأيه على اخراجهم بعد الكتابة إلى الخليفة ، وكتب اليه يصفهم ويقول عنهم : . قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان ، أضجرهم. همهم العدل لا يريدون الله بشيء ، ولا يتكلمون بحجة ، انما الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم ، وليسوا بالذين ينكون (٣) أحدا الا مع غيرهم ، فانه سعيدا ومن عنده عنهم ، فائهم ليسوا لأكثر من شغب ونكير . وخرجوا قبل أن يخرجهم معاوية من الشام فقصدوا الى الجزيرة ولم يعودوا الى الكوفة اتقاء الشماتة بهم ، وسمع بهم والي حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فاستدعاهم منذرا متوعدا وقال لهم : (١) جنة : وقاية . (٢) جررتم : أي جنينم ... (٣) نكى العدو وفيه نكاية : قتل وجرح ١٤٣ عجم 匈 - يا آلة الشيطان لا مرحبا بكم ولا أهلا خسر والله • أم عبد الرحمن ان لم يؤدبكم . يا معشر من لا أدري أغرب هم لا تقولوا لي ما بلغني أنكم قلتم لمعاوية - أنا ابن خالد . أنا ابن من قد عجمته العاجمات أنا ابن فاقىء الردة . والله يا صعصعة لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى ثم أقامهم شهرا كلما ركب مشاهم معه ، وخافوه فاستقالوه وأعلنوا له توبتهم ، وسرح أحدهم - وهو الأشتر الى عثمان فخيره عثمان أن يحل حيث شاء ، فاختار العودة الى ولاية عبد الرحمن ، - وجرى في البصرة ما كان يجري في الكوفة من أشباه هؤلاء الروادف ، وكان في بعض قرى الولاية قاطع طريق يسمى حكيم ابن جبلة العبدي يصاحب الجيش ثم يخنس (١) عنه ويغير على أهل الذمة ، فشكاه أهل الذمة ورؤساء المسلمين الى عثمان فكتب إلى ابن عامر والي البصرة أن يحبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة » حتى تأنسوا منهم رشدا » فحبسه وتعقب خبره ، فجاءه النبأ ذات أن رجلا يدعى ابن السوداء نزل يوم عليه وأخذ يصرح له ولأمثاله بالطعن في عثمان وخلافته ، فدعا بابن السوداء هذا فاذا هو عبد الله بن سبا ، يهودي من أهــل اليمن يقول برجعة النبي الى الدنيا ويظهر التشيع لعلي - فسأله ابن عامر : من أنت ؟ قال : رجل من أهل الكتاب رغبت في الاسلام و في جوارك . ثم أخرجه من البصرة لما علم من لياذه (٢) بالمفسدين فيها . فذهب الى الكوفة يلوذ فيها بأمثال حكيم بن جبلة فأخرج منها ، وذهب الى مصر فجعل يكاتب من تركهم في البصرة والكوفة ، وأوى بمصر الى حمران بن ابان و هو رجل موتور (٣) من عثمان. كان قد تزوج امرأة في عدتها ففرق عثمان بينهما وضربه وسيره الى البصرة ، فسعى هناك في وقيعة بين الوالي ورجل من النساك ( ٤ ) ، وافتضح كذبه عليه ، فأخرج من البصرة ، وذهب (٢) لاذ به : التجأ اليه (1) يخنس : يتأخر أدركه بمكروه . (٤) جمع ناسك ، والناسك : العابد . • ١٤٤ (٣) يقال أوتره : ، يتردد بين الشام والحجاز ومصر ، فلقيه فيها ابن السوداء وأوى اليه وأدخله معه في مكاتباته وسعاياته ، وكثرت السعاية بين أهل الامصار من الروادف واشباههم، فمن نزل منهم بالشام ارضاه معاوية أو اخرجه ، ومن تحول عنها كاتب غيره للاجتماع في مكان لا رقابة عليهم فيه وحدث أن الكوفة خلت من واليها سعيد بن العاص وخلفه عمرو بن حريث ، فاذا بجموع المكاتبين تلتقي فيها ، واذا بأناس منهم يشيعون في الناس أن سعيد عائد اليهم ، وأنه ذهب الى الخليفة يريده على نقصان رزق نسائهم الى مائة درهم اوني البلاء من المجاهدين الى الفي درهم، ويزعم ان الميء من. العراق بستان قريش وأنها تأخذ منه ما تأخذ وتدع ما ندع . وطفق (١) دعاة منهم يذيعون هذه القالة أيام الجميع والناس مجتمعون في المسجد فيستخفون البابهم (٢) ، ولا يستمعون لذي رأي يبطل لهم ما يذاع على كذب بينهم ، وتصدى عمرو بن حريث ... خليفة سعيد على الكوفة في غيابه - لتفنيد ما زعموا ، فقام على المنبر في يوم جمعة ينصح لهم ويوصيهم بالطاعة ولا من سميع قال القعقاع بن عمر : « أترد السيل على أدراجه ؟ هيهات والله لا يسحن الغوغاء الا المشرفية (٣) ويوشك أن تنتضى (٤) ويعجون (٥) عجيج العيدان ، ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا الله عليهم أبدا فاصبر » قال عمرو : « اصبر » و تحول الى منزله لا يأمر ولا ينهى 可 يرده هذه بداية تتبعناها الى نهايتها بدأت في أوائل خلافة عثمان وتتبعناها إلى نهايتها قبيل مقتله ، وما يبلغ من خطب هذه الغاشية أن تفضي الى مقتل رئيس دولة ، لولا شذوذ في طبيعتها خرج بها عن سواتها (٦) ، وتعدى بها أطوارها .
(١) أي جعل (٢) الالباب : العقول . (٣) نوع من السيوفي - (٤) نضا سيفه وانتضاه : سله . (٥) العج: رفع الصوت . (٦) أي حد اعتدالها . 180 عثمان نعم .. هي غاشية هان خطبها لو أنها صادفت أميرا يعالجها بنظام الامارة ، وهان خطبها لو أنها صادفت واليا مسئولا عن نظام ولايته مطلق اليد في دفع شواجر الفتنة عنها ، وقد عالج كل وال من ولاة ذلك العهد ما وقع منها في ولايته ، فاستطاع أن يصرف عنه غائلتها (١) : عالجها معاوية بنفي القائمين بها وعالجها عبد الرحمن بن خالد بتأديب دعاتها ، ولم يستفحل (٢) < شرها في الكوفة الا بعد أن غاب عنها واليها سعيد بن العاص و وقف دونها خليفته عمرو بن حريث مكتوف اليدين وهو بعيد عن مشورة عثمان ومشورة أمير الولاية سعيد ، ولو كان له أن يسكنها بالسيف كما قال القعقاع لما كان تسكينها كثيرا عليه. ولكن القعقاع نفسه لم يشر عليه بامتشاق السيف على توقعه أن يعج (٣) عجيجها، وانما أشار عليه أن يصبر قصبر ، ولزم بيته. OF لا يأمر ولا ينهى لقد كان خطب الغاشية هينا لو أخذها الأخذون بسلطان الامارة أو بسلطان الولاية. ولكنها قد جرى الحساب فيها على سنة الخلافة في عهد لا هو بعهد خلافة ولا بعهد مملكة ، تتقاصر فيه حقوق الخليفة ولما يتوطد (٤) فيه حق الملك ، وهذه هي النكبة الكبرى في صميمها وفي أمثلة الشواجر التي أشرنا اليها في عهد عمر وعهد عثمان كذلك مجال للتفرقة بين طريقة الخلافة وطريقة الملك والامارة في سياسة هذه الشؤون ، أو في سياسة جميع الشؤون كان عمر أقوى من عثمان ولا مراء في ذلك ، وتقدم أنه بدل ثلاثة من الولاة على الكوفة غير وال رابع كان باشخاصه اليها يهم قبل مقتله ، وشوهد مهموما مكروبا على قدرته التي لا تضيق بأزمة من أزمات السلم والحرب واضطلاعه بأعظم الأعباء التي عرضت له أيام خلافته : مائة الف لا يرضون عن وال ولا يرضى عنهم وال ، وهذه معضلة ثقلت عليه حتى أحس ثقلها كل من (١) عائلتها : أي دواهيها . (٢) أي يعظم ويكبر . (٣) الحج والعجيج : رفع الصوت، وعجت الريح وأعجت : اشتدت وأثارت الغبار والدخان (٤) يتوطد : يتثبت . ١٤٦ كان يعرفه ويلقاه في ابان شكاياتها ومنازعاتها فما بال أزمة كهذه تثقل على الرجل الذي نهض بأفدح الأعباء وصغرت في عينيه مخاوف الدنيا ومطامعها ؟ . . أتراه خاف من ثورة أصحاب الشكاية ؟ لو كان هذا ما يخشاه لما أعضله ولا أعياه أن يعد له عدته ، ويفرغ منه على النحو الذي يريده ' E أم تراه خاف على سلطانه ، أو خاف على حياته أو خاف على مصلحة من المصالح الكبرى أو الصغرى تعنيه غير مصلحة الاسلام والمسلمين ؟ . كلا .. ولو فما في شيء من ذلك ما يخيفه ، وانما أعضله من أمر تلك الشكاية مخافة أمر واحد : مخافة الظلم أن يقع منه على شاك له حق في في شكاة (١) ذلك كل ما أعضل على عمر من شكايات أهل الكوفة لم يكن حساب نفسه على الظلم أعضل من كل معضلة لما كان في شكايات القوم ما يكريه ويقلق نومه ويغيم على وجهه حتى يلمحه من ينظر اليه من عارفيه .. ولو أن عمر على يقين من افتراء (٢) الشاكين لما أهمه أن يسخطهم ويخسر ثناءهم ، ولا أعياه أن يؤدبهم ويردهم الى طاعة وليهم ، فانما الشكاة بالحق هي التي تزعجه وتكريه و يشغله منها أن يبرأ من مظنتها غاية جهده . فان عرف وجه الحق فما يبالي بعده من شكا أو أدعى ولو زعم أنه يدعي باسم من شاء من الأكثرين أو الأقلين، وعلى هذا جرت سياسته وسياسة أبي بكر ، وعلى هذا كان يقضي بين أبي بكر والشاكين منه حيثما سمعت الشكاية من الخليفة الاول، وبخاصة في مسائل الأعطية والأرزاق ، كان رزق أبي بكر الصديق حين استخلف خمسين ومائتي دينار في السنة وشاة في كل يوم يؤخذ منها بطنها ورأسها وأكارعها ، فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله ، فخرج الى البقيع هو بنسوة جلوس فسألهن : ما شأنكن ؟ .. يتجر ، وجاء فاذا ، وجاء عمر (١) أي شكوى ٠ (٢) الافتراء : الكذب والاختلاق . ١٤٧ ४ قالت بعضهن : « تريد خليفة رسول الله يقضي بيننا » فانطلق يطلبه فوجده في السوق ، فأخذ بيده وجذبه ليذهب به الى حيث تنتظره النسوة . قال أبو بكر : « لا حاجة بي الى امارتكم رزقتموني ما لا يكفيني وعيالي » وسأله عمر عما يكفيه فقدره بثلاثمائة دينار في السنة وشاة كل يوم يؤخذ منها شيء .. وجاء علي وهما على هذه الحالة فلم ير ضيرا (١) في الزيادة ووافقه عمر بعد مراجعة . قال أبو بكر : « أنتما رجلان مسن المهاجرين لا أدري أيرضى بقية المهاجرين بما رضيتماه أم لا » ثم صعد المنبر واجتمع اليه الناس فقال : أيها الناس ! .. ان رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ منها بطنها ورأسها وأدارعها ، وان عمر وعليا كملا لي ثلاثمائة دينار والشاة • أفرضيتم ؟ « = فأجابه المهاجرون : « اللهم نعم .. قد رضينا " وصاح اح من جانب المسجد فاذا هو أسرابي يقول : « لا والله ما رضينا - فأين حق أهل البادية ؟ ولم يكن عسيرا على عمر ولا على أبي بكر أن يعلما أنها صيحة لا يصغي اليها ، فمن التنطع (٢) ان يمنع رزق الخليفة الذي أقره ذوو الرأي من المجاهدين في انتظار سؤال البادية من حضرهم منها ومن لم يحضر ، وكان جماع قولهم : ان المهاجرين اذا ارتضوا شيئا فانما الغائبون من أهل البادية تبع للمحاضرين ، ولا يشتكي من ذلك مشتك بالحق كائنا ما كان ادعاؤه وكائنا من كان المدعون على غراره (٣) شکایته
فلا حساب للخليفة اذا جاءته الشكاية غير حسابه لضميره وخشيته أن يكون قد ظلم أحدا ، أو قمع شاكيا له مظنة صدق في ، وغير ذلك حساب الملك والإمارة، فانهما بين خوف الفتنة وخوف الضرر على سلطان صاحب السلطان ، ويأتي الانصاف في المرتبة بعد النظام والمصلحة ان كان له ساب ولقد شكا من الزكاة أيام الخليفة الأول أكثر أهل الجزيرة العربية واستدعى تتألهم جهدا أكبر من جهد القتال اسم الأكاسرة (1) أي ضررا - (٢) التنطع : أي المغالاة . (٣) أي حاله ومنواله . ١٤٨ والقياصرة ، فما وقع اليقين في نفس الخليفة أنه على الحق وأن الشاكين على الباطل حتى أقدم على مكاره الحرب الداخلية وأقدم معه سائر المهاجرين والأنصار . وأو تكرر هذا لتكرر
علاجه بما يقتضيه في غير مبالاة بكثرة الشاكين وقلة المجاهدين المثل الآخر الذي تفترق فيه خطط الخلافة وخطط الملك من جانب الرعية، قبل جانب الرعاة ، هو مثل الخلاف بين القائدين سلمان وحبيب في حروب أرمينية . فقد وجد النزاع على الرئاسة ووجد التنافس بين الأتباع ، ولكنهما وجدا في موقف جهاد فأوحى الموقف الى المتنازعين والمتنافسين خير ما يصنعون بغير حاجة الى مشورة الخليفة ، وهذه حادثة من حوادث عهد عثمان الذي اشتبكت فيه معالم الخلافة ومعالم الملك وغلبت فيه معالم الملك على مطالب المعيشة أيام السلم بعيدا من حمية الجهاد ومن خطر العدو المتحفز للانتقاض ، وقريبا من شهوات الدنيا وبطالة الفراغ .. وقضى للخليفة الثالث. باتساع دولته ورم (1) الأعداء عنها ، أن يتولى أصعب خلافة في صدر الإسلام . كانت ثورة الفرس والروم والخزر والترك أول صدمة تلقاها ، وأكبر بها من صدمة يتلقاها صاحب دولة في أول حكمه. ولكنه ظفر بها وجاوزها بالدولة سليمة منيعة (٢) فأسلمه الظفر الى الصدمة الكبرى . وهي صدمة الزلازل النفسية التي امتحن بها رعاياه في بحبوحة السلم والرخاء. وكانت كلها طورا جديدا في حياة أولئك الرعايا ، فلا عايا خلافة ولا شم رعايا مملكة ، متراوحين هنا تارة وهناك تارة أخرى ، بين بين ، على غير نظام متبع في حالة واحدة أو في الحالتين 14 هم رقد أتينا من قبل على فارق بين الخليفة والملك في محاسبة النفس على شؤون الرعية، ونأتي الآن على الفارق الأصيل أو الفارق الشامل بين النظامين، وهو الفارق بين الثقة التي لا تحتاج الى حماية وبين السلطة التي تحمي نفسها .. الخليفة يعمل ما يشاء في ظل الثقة به والاطمئنان اليه (١) درء : أي دفع . (٢) أي قرية . 189 يعمل اليوم ما ينقضه غدا ولا ملامة عليه ، ما دام عمله اليوم وللمصلحة العظمى التي لا يناله منها نصيب غير نصيبه المقدور ، وقد يرضى مو لنفسه بأقل من ذلك والأمس لغيره لا لنفسه النصيب يثقوا " هي Ar . رعية تثق بخليفتها وخليفة يثق برعيته ، ولكنه لا يبالي الا به ان كان على طمأنينة بينه وبين ضميره ، وبينه وبين الله على السنة الالهية التي يعلمها من أحكام دينه أما الملك فالسلطة قوامه عند ذويه سواء نعموا بالثقة طواعية ، أم خذلتهم هذه الثقة عن اكراه وكراهية وقد وصلت الخلافة الى عثمان وهو أحوج ما يكون الى هذه الثقة ، وهي أعصى ما تكون عليه سيقه بالحذر من علية الناس خليفتان بلغت ثقة العلية والدهماء (١) بهما غاية مبلغها ، فأبو بكر كان يحذر الدنيا على أولئك العلية ، وعمر كان يسلمهم منها ما يأمن عاقبته عليهم ولا يقدرون على مخالفته ، لأنهم لا يشكون فيه ، ولا الشك اذا قبلوه فيه مقبول منهم أما هؤلاء العلية فهم في خلافة عثمان منافسون ونظراء ، و خلافته بينهم على شرط معرض في كل لحظة للتأويل والحساب العسير .. هم • . وأما سواد الناس فقد شغلوا أولا ثم فرغوا من الشغل للبطالة والملاحاة وكأنهم ورثوا من بيزنطية سلطانها ومعه محاك الجدل البيزنطي الذي تضرب به الأمثال ، ولا يؤمن سواد الناس مع البطالة والفراغ للقيل والقال وقد كانت سياسة أبي بكر وعمر أن يستبقيا العلية عندهما، ويرسلا الجند والقادة على قدر الى ميادين الجهاد، وكان عمر يقتضب (٢) الولاية على الولاة مخافة - كما قال ـ من أن يحمل فضل عقولهم على الناس أما سياسة عثمان فقد اختلفت باختلاف الأحوال : سياسة عثمان كانت ترمي الى اطلاق العلية في الآفاق ، ارضاء لهم، وتوسلا (1) الدهماء : عامة الناس وجماعتهم (٠.(٢) أي يختصر مدتها 18. .. بمقامهم بين الدهماء في كل قطر الى تسديد النصيحة وحسن القيادة واتقاء الفوضى ، وهو اجتهاد منه ، له ولا ريب جانبه من الصواب وعزت (١) عليه الطمأنينة إلى الولاة مع الفراغ للدنيا بعد الجهاد ، فاختار للولاية أناسا من ذوي قرابته سبقت لهم ولاية في عهد الخليفتين السابقين : عسى أن يصدقوه العون بحكم القرابة أن لم يصدقوه العون خالصا لوجه الله ولما اضطر الى هذه الخطة حاسب ضمير, فعمل على تدارك الضرر منها ، فذلك حين وفد الوفود لكل مصر من الأمصار عليه وال من ولاته الأقربين، فهم يعيشون في أمصارهم ، ويحضر منهم من يشاء في موسم الحج ، ليرجع اليه بما يراه موضعا للمراجعة من أحوال مصره ، وهذه خطته التي آثرها للطمأنينة الى ولاته والطمأنينة على رعاياه 每 والذي شاع عن عثمان - وما أسهل الاشاعة وما أسهل الاشاعة - أنه كان يبالي (٢) ذوي الثراء ولا يبالي المقترين (٣) والضعفاء ، والذي كان يحدث منه فعلا أنه يغضب الطامعين ويحمي المطموع فيهم من أهل الذمة وأهل الحاجة والمتربة (٤) ، فمن أجل ابل الصدقة غضب الغاضبون حين حمى لها المرعى، وزاد في مرعاها على حسب زيادتها ، ومن أجل أهل الذمة غضب الشطار (٥) من قبيل حكيم ابن جبلة ، لأنه أدبهم وأمر بحبسهم ونهاهم عن أموال أهل الذمة وهم يحسبونها حلالا مباحا لمن يسطو عليها ، و كان رهط المبعدين من الكوفة الى الشام يحاور معاوية في هذه الأموال ، فينهاهم عنها ، ويكتب عنهم الى عثمان أنهم « لا يتكلمون بحجة ، وانما الفتنة وأموال أهل الذمة » • همهم فأما الرزق الحلال فقد فرض لأصحابه ضعف ما كانوا يأخذونه الأعطية يوم تولى الخلافة ، ولم يفعلها سياسة بل فعلها ايمانا بالصواب في هذه الزيادة . وقد كان هو في عهد الفاروق أول من من (١) عز النسيء فهو عزيز : أي قل فلا يكاد يوجد . (٢) أي يهتم بهم . (٣) الذين ضاقت عليهم النفقة . (٤) المتربة : المسكنة والفاقة : (٥) الشاطر : 101 . من أعيا أهله خبثا قال بكثرة المال وأشار عليه برصد الأسماء وتوفية كل ذي حق حقه من العطاء خشية النسيان والتكرار وقد تعود المؤرخون أن يقسموا عهد عثمان قسمين : قسم الصلاح والرضى ، وقسم الخلل والشكاية ، وهم على صواب في تقسيمهم هذا وان لم يصب منهم من قال : أنهما قرينان لأيام الكهولة وأيام الشيخوخة في حياة عثمان .. فالواقع أن عثمان كان شيخا جاوز السبعين على أرجح الأقوال في كلا القسمين ، ولكن الفرق الصحيح بين السنوات الأولى والسنوات الاخيرة من عهده ، أن الناس كانوا في شاغل بدفع الاعداء في السنوات الاولى ، وأنهم فرغوا للجدل والملاحاة في السنوات الأخيرة ، وان اتهام الولاة أيسر من اتهام القادة في ابان (١) القتال وقد صارت الرئاسة كلها الى الولاة بعد المشاركة بينهم وبين قادة الحروب ولم يأت هذا التغيير في أطوار النفوس من جانب واحد ولا من الرحية وحدها دون راعيها ، فحسب طالب الحقيقة أن يعلم أنه لم يأت كله من جانب عثمان ، وأن الرعية تنيرت فلم تصبح رعية خليفة ، وهي تحاسب ولي أمرها بميزان الخلافة أما ان عثمان لم يشترك في هذا التغيير بعمل من عنده ، فذلك هو الطرف الآخر من طرفي الباطل والادعاء انما آفة عثمان أنه لم يخل من الأموية ولم يكن أمويا «كفاية » • فمن خلاله الأموية حب القرابة فهو مبالغ في ايثاره لذوي قرباه ومن خلاله الأموية تلك « الطبيعة العملية » التي لم يكن للاسرة فكاك (٢) منها لقد كان أبو سفيان يخلط بين النبوة والملك فيقول للعباس : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما وكان ينظر الى مال الفيء بين يدي رسول الله ، فيقول للرسول عليه السلام - : « لقد أصبحت أكثر قريش مالا » • 1 . (١) وقت ، (٢) فكاك : أي خلاص ١٥٢ - رضي وروي عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان الله عنه - حين صارت الخلافة اليه فقال : « قد صارت اليك بعد تيم وعدي ، فأدرها كالكرة واجعل أوتادها (١) بني أمية ، فائما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار » • فانتهره عثمان وأخرجه مطرودا من عنده . ان عثمان لأنزه نفسا وأطهر عقيدة من مثل هذه النزعة الدنيوية ، ولكنه سلم من شر ما في « الأموية » ولم يسلم من ميراثها بأجمعه ، فكانت له نظرة الى الامامة قاربت أن تكون نظرة الى الملك، وكان يقول لابن مسعود كلما ألح عليه في المحاسبة : مالك ولبيت مالنا ؟ » وقال في خطبته الكبرى يرد على من أخذوه بهباته الجزيلة (٢) في ايتاء ذي القربي على رواية الطبري : « فضل من مال ، فلم لا أصنع في الفضل ما أريد ، فلم كنت اماما ؟ » ..
4 فقد كاد في هذا المقال أن يرفأ (٣) الخلافة برقعة من الملك و مالت به طبيعة العصر كله إلى بقية من النزعة الأموية فكاد الملك والخلافة لديه يلتقيان في حساب الأموال
على أنه مع هذا التوسع في فهم حقوق الامامة لم يثبت أنه - - اشد أنفق المال في غير مصالح الأمة كما يقدرها ويوافقه على تقديرها الكثيرون من المحدثين الذين نشأوا في عصر الاقتصاد وتقسيم الموارد والمصروفات على حسب مرافق الدولة ، وثبت علسى التحقيق أنه أنفق من ماله الخاص قبل الخلافة وبعدها - لاستصلاح أمور عامة من خصائص بيت المال ، وقد تحرج التحرج من انفات تمال على حرس يحميه في أسوأ أيام الفتنة ، ولو أنه فعل لما خالف بذلك سنة الحكم في نظام من النظم الحكومية ، وكانت له » سياسة اقتصادية » يلاحظ فيها تدبير المرافق العامة وتيسير التجارة والعمارة ، ومنها اصلاح ميناء جدة وتمهيد الطرق واقامة الشرطة في المخافر وتنظيم الأسواق (١) أوتاد الارض : جبالها ، وأوتاد البلاد : رؤساؤها ، (٢) الجزيئة : العظيمة والكثيرة (٣) أي يصل ويضم for ومهما يقل القائلون عن ترخصه في العطاء وبذل الرواتب من بيت المال فلا قول لأحد في حرمة الحياة عنده حتى فيما يخشى منه الجور على حياته ، فما طاوعه سميره قط على ايقاع حكم الموت بانسان ممن استحقوا هذا الحكم بالشغب والعصيان ، ومن لامه في هذا الباب فانما يلومه لأنه أفرط في الرحمة والأناة ولا يلومه لانه قسا فضلا عن الافراط في القسوة . والمشقة التي يلقاها المؤرخون في هذا الصدد عظيمة متعبة لأن الغالب في المؤرخين أنهم يستسهلون الرأي كلما كتبوا عن رجل اشتهر بصفة من الصفات، وهم على دأبهم هذا قد يستسهلون الرأي في تقدير سياسة عثمان بعد السنوات الأولى من خلافته على الخصوص، فما كان عملا وتدبيرا فليس أسهل من استاده الى أعوانه ، وما كان توانيا وتفريطا فليس أسهل من اسناده اليه ، وان أسندوه اليه ليقولوا أنه غلب عليه وتحضرني في هذا المقام مساجلة (١) بين بعض الصحاب عن ضعف عثمان ، وتسيير الناصحين له من حزبه ومن غير حزبه، وإحدى الدلالات على ذلك أنه تاب ثم عدا عن التوبة مرات في عامه الأخير والأمر الذي نسيه أصحاب هذه الدلالة أن التوبة شيء لم يطلب قط من أحد في تلك الآونة الا استجاب اليه ، وما قيل لأحد قط : تب الى الله فأجاب على ذلك بغير التوبة والاستغفار ، فما كان منهم من أحد يرى أنه غني عن الاستغفار وتكفير الذنوب في وقت من الأوقات، أو كان يستعلي عن الوقوف أمام الله موقف التوبة والندامة ، وما كانت توبات عثمان الا من هذا القبيل كلما اليها في أيامه الأخيرة ، فانما توبة لله وأمام الله ، ولا عليه أن يعيدها في اليوم مرات بعد مرات فمن تيسير المؤرخ على نفسه أن يحيل عمل عثمان وتدبيره على الأعوان والنصحاء ، وأن يحيل التواني والتفريط اليه أو الى غلبة الاعوان عليه ، ولا سيما المسئول الاكبر في رأي الاكثرين عن أخطاء عثمان ، ابن عمه مروان سمعناها دعي S (١) المساجلة : المباراة والمفاخرة هي .. ١٥٤ فما كان لمروان هذا من القوة ما أسبغه (١) عليه المداحون بعد قيام الدولة الأموية ، ولم تكن له هذه القوة حتى في مطامع الملك وهمم السيادة والرئاسة ، فانه كان يزاحم معاوية فلم يستطع أن يبلغ معه كثيرا ولا قليلا ، وراح يحرض عمرو بن عثمان ليناويء (٢) معاوية ويقول له : انه لم يأخذ الخلافة الا باسم أبيك ثم ينزوي (٣) ولا يجسر (٤) على الظهور .. ولم يفارقه هذا الخمول (٥) بعد موت معاوية وابنه يزيد ، فكاد أن يبايع عبد الله بن الزبير بالخلافة لولا النزاع بين اليمانية والقيسية في الشام . . وقد أودى (٦) حمقه بحياته بعد أن صارت الخلافة اليه ذلك المصير الذي لا فضل له فيه فقد خشي أن يكبر خالد بن يزيد بن معاوية فينازعه سريره ، فلم تهده حيلته الى عمل يحتاط به لهذه المنازعة غير أن يتزوج أمه ليصغره ويلحقه بأتباعه، وأمعن في هذه الحيلة لما كبر خالد فقال له على مسمع من أشراف القوم : مالك ولهذا يا ابن الرطبة فكان فيها حتفه ، وقيل ان خالدا أخبر أمه فقالت له : لا يعلمن أحد أنك أخبرتني ، ثم وضعت على رأس مروان وسادة ولم ترفعها حتى مات . فمروان هذا ليس بالعون الغالب الذي لا يخالف ، وليس هو على الأقل بالذي ينسب اليه الرفق في تسيير الناس للقتال متطوعين ، أو الرفق في محاسبة الخصوم والثائرين أو بذل العطاء من ينافسهم وينافسونه من رؤساء بيت العاص أو بيت حرب في بني أمية ، وغاية شأنه أنه المأمور الذي لا يستعاض عنه هو بمن هو أنصح منه وأقدر على الطاعة وأعرف بما كان وما كائن من أخبار العاصمة وأحوال الولايات لطول المراسلة والمعاشرة ، ومن ، ومن كان يحسب أن مشورته السيئة هي علة العلل (1) أي توسعوا . (٢) ليناوي : ليعادي . (٣) ينزوي : يتنحى ويبتعد . (٤) جسر على كذا : أقدم . (٥) خمل ذكره وصوته خمولا : خفي : وأخمله الله تعالى فهو حامل : أي ساقط لا نباهة له . (٦) أودي الرجل : هلك . 100 أنه لم في محنة عثمان ، فعليه أن يلغي هذه المشورة ويفترض يقل بها ولم تسمع منه ثم لينظر ماذا يقدم هذا أو يؤخر من أزمة الحكم ومن فاجعة عثمان .. انما المحنة كلها : أنه زمن كان يحتاج حينا الى ثقة الخلافة فلا يجدها ، ويحتاج حينا آخر ، أو في الحين نفسه ، الى سلطة الملك فلا يجدها ، ولن يسلم حكم يحتاج الى سند الثقة في مو أو إلى سند السلطة في موضعه ، فلا يجد هذا ولا ذاك .
١٥٦ 1