الفرق بين المراجعتين ل"مبسوط السرخسي - الجزء الثالث"

اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لا يوجد ملخص تحرير
 
في البعض متكامل وكذلك مذهب أبى يوسف ان كان قوله كقول محمد وان كان قوله كقول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فعذره أن القسمة تنبنى على الملك فأما وجوب الصدقة فينبنى على الولاية لا على الملك حتى تجب الصدقة عن الولد الصغير وليس لواحد منهما ولاية متكاملة على شئ من هذه الرؤس (قال) فان كان بينهما جارية فجاءت بولد فادعياه ثم مر يوم الفطر فلا صدقة على واحد منهما عن الام لما بينا فأما على الولد يجب على كل واحد منهما صدقة كاملة في قول أبى يوسف وعند محمد رحمهما الله تعالى تجب عليهما صدقة واحدة عنه ولا رواية فيه عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فمحمد يقول الاب أحدهما في الحقيقة وصدقة الفطر عليه وليس أحدهما بأولى من الآخر فجعلناها عليهما نصفين ألا ترى أنهما يرثانه ميراث ابن واحد وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول هو ابن لكل واحد منهما بكماله لان البنوة لا تحتمل التجزى ألا ترى أنه يرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل فكذلك يجب على كل واحد منهما عنه صدقة كاملة (قال) وليس على الرجل صدقة الفطر في مماليك التجارة عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى يجب وهو بناء على الاصل الذى بينا فان عنده الوجوب على العبد وزكاة التجارة على المولى فلا يمنع ذلك وجوب زكاة الفطر على العبد وعندنا الوجوب على المولى كزكاة التجارة فلا يجتمع زكاتان على ملك واحد على رجل واحد (قال) وله أن يجمع صدقة نفسه ومماليكه فيعطيها مسكينا واحدا لقوله صلى الله عليه وسلم اغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم والاغناء يحصل بصرف الكل إلى واحد فوق ما يحصل بالتفريق ولان المعتبر القدر المنصوص عليه وصفة الفقر في المصروف إليه وذلك لا يختلف بالتفريق والجمع فجاز الكل وهذا بخلاف الكفارة فانه لو صرف الكل إلى مسكين واحد جملة لا يجوز لان العدد في المصروف إليه منصوص عليه فلابد من وجوده صورة ومعنى (قال) فان أعطى قيمة الحنطة جاز عندنا لان المعتبر حصول الغنى وذلك يحصل بالقيمة كما يحصل بالحنطة وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز وأصل الخلاف في الزكاة وكان أبو بكر الاعمش رحمه الله تعالى يقول أداء الحنطة أفضل من أداء القيمة لانه أقرب إلى امتثال الامر وأبعد عن اختلاف العلماء فكان الاحتياط فيه وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقول أداء القيمة أفضل لانه أقرب إلى منفعة الفقير فانه يشترى به للحال ما يحتاج إليه والتنصيص على الحنطة والشعير كان لان البياعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها فاما في
 
[ 108 ]
== [ 108 ] ==
ديارنا البياعات تجرى بالنقود وهي أعز الاموال فالاداء منها أفضل (قال) ومن مات من مماليكه وولده ليلة العيد فلا صدقة عليه عنهم ومن مات بعد الصبح فالصدقة واجبة عنهم ولا خلاف ان وجوب الصدقة يتعلق بالفطر من رمضان وانما الخلاف في وقت الفطر من رمضان عندنا وقت الفطر عند طلوع الفجر من يوم الفطر وعنده وقت غروب الشمس من الليلة التى يهل بها هلال شوال حجته لاثبات هذا الاصل ان حقيقة الفطر عند غروب الشمس وكذلك انسلاخ شهر رمضان يكون عند رؤية هلال شوال وذلك عند غروب الشمس وحجتنا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال أنها كم عن صوم يومين يوم تفطرون فيه من صومكم ويوم تأكلون فيه لحم نسككم ولان حقيقة الفطر عند غروب الشمس كما يكون في هذا اليوم كذلك فيما قبله والفطر من رمضان انما يتحقق بما يكون مخالفا لما تقدم وذلك عند طلوع الفجر لان فيما تقدم كان يلزمه الصوم في هذا الوقت وفى هذا اليوم يلزمه الفطر وهذا اليوم يسمى يوم الفطر فينبغي ان يكون الفطر من رمضان فيه ليتحقق هذا الاسم كيوم الجمعة تجب فيه الجمعة وتؤدى فيه ليتحقق هذا الاسم فيه إذا عرفنا هذا فنقول كل من أسلم من الكفار ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر عندنا لان وقت الوجوب جاء وهو مسلم وكل من يولد ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر عندنا لانه جاء وقت الوجوب وهو منفصل ومن مات من أولاده ومماليكه ليلة الفطر فليس عليه الصدقة عنه لانه جاء وقت الوجوب وهو ميت ومن مات بعد طلوع الفجر منهم فعليه الصدقة عنه لان وقت الوجوب جاء وهو حي وصدقة الفطر بعد ما وجبت لا تسقط بموت المؤدى عنه بخلاف الزكاة فان الواجب هناك جزء من المال وبهلاكه يفوت محل الواجب وهنا الصدقة تجب في ذمة المؤدى فبموت المؤدى عنه لا يفوت محل الواجب فلهذا لا تسقط حتى روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى في الامالى ان من قال لعبده إذا جاء يوم الفطر فأنت حر فعليه صدقة الفطر عنه لانه انما عتق بعد طلوع الفجر فلا تسقط به الصدقة الواجبة عنه والدليل على ان وقت الوجوب عند طلوع الفجر حديث ابن عمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا باداء صدقة الفطر قبل الخروج إلى المصلى والمقصود بهذا الامر المسارعة إلى الاداء لا التأخير عن وقت الوجوب (قال) وإذا مر يوم الفطر وفي يد الرجل مملوك قد اشتراه وفى البيع خيار لاحد المتبايعين فانما الصدقة على من يستقر له الملك عندنا وعند زفر رحمه الله تعالى
 
 
[ 109 ]
[[تصنيف:مبسوط السرخسي]]
على من له الخيار وعند الشافعي رحمه الله تعالى على من له ملك العبد وقت الوجوب هو يقول هذه مؤنة بسبب الملك فتكون نظير النفقة والنفقة تجب على من له الملك وقت الوجوب فكذلك الصدقة وزفر رحمه الله تعالى يقول الولاية لمن له الخيار على المشترى ووجوب الصدقة باعتبار الولاية على الرأس (ولنا) ان البيع بشرط الخيار إذا تم يثبت الملك للمشترى من وقت العقد حتى يستحق الزوائد المتصلة والمفصلة وإذا فسخ عاد إلى قديم ملك البائع فحكم الملك والولاية موقوف فيه فكذلك ما ينبنى عليه وما يجب عليه بسبب الملك مقابل بما يستحقه بسبب الملك وهو الزوائد فكما توقف حكم استحقاقه فكذلك حكم الاستحقاق عليه إلا ان النفقة لا تحتمل التوقف لانها تجب لحاجة المملوك للحال فإذا جعلناها موقوفة مات المملوك جوعا فلاجل الضرورة اعتبرنا فيه النفقة للحال بخلاف الصدقة وكذلك الخلاف في زكاة التجارة ان كان اشتراه للتجارة (قال) فان لم يكن البيع خيار الا ان المشترى لم يقبضه حتى مر يوم الفطر فان قبضه بعد ذلك فصدقته عليه لانه كان مالكا له وقت الوجوب وقد تقرر ملكه بقبضه وان تلف قبل ان يقبضه فلا صدقة على واحد منهما اما البائع فلانه لم يكن مالكا وقت الوجوب لان البيع البات يزيل ملكه واما المشترى فلان البيع انفسخ من الاصل بهلاك المعقود عليه قبل القبض فينعدم به ملكه من الاصل ووجوب الصدقة بحكم الملك ولم يبق لملكه حكم حين انفسخ البيع من الاصل وان لم يمت ورده قبل القبض بعيب أو خيار رؤية فصدقته على البائع ولا شئ على المشترى لان البيع انفسخ من الاصل بالرد قبل القبض بهذه الاسباب وعاد إلى قديم ملك البائع فكأنه لم يخرج عن ملكه بخلاف الاول فان انفساخ البيع هناك بعد الهلاك كفوات القبض المستحق بالعقد فلا يظهر حكم ملك البائع في حال قيامه فان رده بعد القبض بعيث أو خيار رؤية فصدقته على المشترى لان ملكه وولايته كانت تامة وقت الوجوب لكونه قابضا فوجبت الصدقة عليه ثم لا تسقط عنه بزوال ملكه عن العين كما لا يسقط بهلاكه في يده (قال) فان كان اشتراه شراء فاسدا فمر يوم الفطر قبل أن يقبضه فصدقته على البائع سواء قبضه المشترى بعد ذلك أو لم يقبضه وفسخ البيع لان البيع الفاسد لا يزيل الملك بنفسه فبقى ملك البائع بعده كما كان قبله وإذا قبضه المشتري بعد ذلك فزوال ملك البائع كان مقصورا على الحال لان السبب انما تم الآن والموهوب في هذا نظير المشترى
[ 110 ]
شراء فاسدا (قال) فان مر يوم الفطر وهو مقبوض فان أعتقه المشترى فصدقته عليه لانه كان مالكا وقت الوجوب وتقرر ملكه بتعذر فسخ البيع وان رده فصدقته على البائع لانه عاد إلى قديم ملكه فان المشترى وان كان قابضا مالكا وقت الوجوب ولكن يده وملكه مستحق الرفع عنها شرعا فإذا رفع صار كأن لم يكن بخلاف الرد بالعيب وخيار الرؤية فانه غير مستحق الرفع عليه ولكنه يرفعه باختياره (قال) وإذا عجز المكاتب فليس على المولى فيه زكاة السنين الماضية لفطر ولا تجارة اما زكاة الفطر فلان السبب رأس يمونه بولايته عليه وذلك لم يكن موجودا فيما مضى واما زكاة التجارة فلانه ما كان متمكنا من التصرف فيه بل كان كالخارج من ملكه وكذلك إذا كان العبد آبقا فوجده لانه كان تاويا في السنين الماضية فليس عليه عنه زكاة الفطر ولا التجارة وكذلك ان كان مغصوبا مجحودا أو مأسورا لان ملكه في حكم التاوى ويده مقصورة عنه (قال) وإذا عجز المكاتب وقد كان قبل الكتابة للتجارة لم يعد إلى مال التجارة لان بعقد الكتابة صار فاسخا لنية التجارة فيه فانه أخرجه من أن يكون محلا لتصرفاته فلا يصير للتجارة بعد ذلك الا بفعل هو تجارة وعليه زكاة الفطر عنه إذا مر يوم الفطر لان المملوك في الاصل للخدمة حتى يجعله للتجارة بخلاف ماذا أذن لعبده في التجارة ثم حجر عليه وقد كان اشتراه للتجارة لانه ما صار فاسخا لنية التجارة فيه فانه بالاذن لم يخرجه من أن يكون محلا لتصرفاته (قال) وإذا لم يخرج الرجل صدقة الفطر فعليه اخراجها وان طالت المدة الا على قول الحسن بن زياد فانه يقول يسقط بمضي يوم الفطر لانها قربة اختصت باحد يومى العيد فكانت قياس الاضحية تسقط بمضي أيام النحر (ولنا) ان هذه صدقة مالية فلا تسقط بعد الوجوب الا بالاداء كزكاة المال ولا نقول الاضحية تسقط بل ينتقل الواجب إلى التصدق بالقيمة لان اراقة الدم لا تكون قربة الا في وقت مخصوص أو مكان مخصوص فاما التصدق بالمال قربة في كل وقت ولم يذكر في الكتاب جواز التعجيل في صدقة الفطر الا في بعض النسخ فانه قال لو أدى قبل يوم الفطر بيوم أو بيومين جاز والصحيح من المذهب عندنا أن تعجيله جائز لسنة ولسنتين لان السبب متقرر وهو الرأس فهو نظير تعجيل الزكاة بعد كمال النصاب وعلى قول الحسن بن زياد لا يجوز تعجيله أصلا كالاضحية وكان خلف بن أيوب يقول يجوز تعجيله بعد دخول شهر رمضان لا قبله لانه صدقة الفطر ولا فطر قبل الشروع في الصوم وكان نوح بن أبى مريم يقول يجوز
[ 111 ]
تعجيله في النصف الاخير من رمضان ومنهم من قال في العشر الاواخر منه قال ويجوز أن يدفع صدقة الفطر إلى أهل الذمة وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى ثلاث روايات في رواية قال كل صدقة مذكورة في القرآن لا يجوز دفعها إلى أهل الذمة فعلى هذه الرواية يجوز دفع صدقة الفطر إليهم وفى رواية قال كل صدقة واجبة بايجاب الشرع ابتداء من غير سبب من العبد لا يجوز دفعها إلى أهل الذمة فعلى هذا لا يجوز دفع صدقة الفطر إليهم ويجوز دفع الكفارات والنذور إليهم وفى رواية قال كل صدقة هي واجبة لا يجوز دفعها إليهم فعلى هذا لا يجوز دفع الكفارات وانما يجوز دفع التطوعات والشافعي رحمه الله تعالى يقيس هذا بزكاة المال بعلة أنها صدقة واجبة فان الصدقة المالية صلة واجبة للمحاويج المناسبين له في الملة فلا يملك صرفها إلى غيرهم والمقصود منه أن يتقوى به على الطاعة ويتفرغ عن السؤال لاقامة صلاة العيد ولا يحصل هذا المقصود بالصرف إلى أهل الذمة كما لا يحصل الصرف إلى المستأمنين فكما لا يجوز صرفها إليهم فكذلك إلى أهل الذمة (ولنا) ان المقصود سدخلة المحتاج ودفع حاجته بفعل هو قربة من المؤدى وهذا المقصود حاصل بالصرف إلى أهل الذمة فان التصدق عليهم قربة بدليل التطوعات لانا لم ننه عن المبرة لمن لا يقاتلنا قال الله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين الآية بخلاف المستأمن فانه مقاتل وقد نهينا عن المبرة مع من يقاتلنا قال الله تعالى انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين الآية والقياس ان يجوز صرف الزكاة إليهم انما تركنا القياس فيه بالنص وهو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم والمراد به الزكاة لا صدقة الفطر والكفارات إذ ليس للساعي فيها ولاية الاخذ فبقى على أصل القياس (قال) وفقراء المسلمين أحب إلى لانه ابعد عن الخلاف ولانهم يتقون بها على الطاعة وعبادة الرحمن والذمى يتقوى بها على عبادة الشيطان (قال) وإذا كان للرجل دار وخادم ولا مال له غير ذلك فليس عليه صدقة الفطر لانه يحل له أخذ الصدقة ولانه محتاج فان الدار تسترم والخادم يستنفق ولابد له منهما فهما يزيد ان في حاجته ولا يغنيانه وقد بينا ان الصدقة لا تجب الا على الغنى لان وجوبها للاغناء كما قال أغنوهم ولا يخاطب بالاغناء من ليس بغنى في نفسه (قال) وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة فتعلقت رقبته بالدين ومولاه موسر فعليه صدقة الفطر لانه يمونه بولايته عليه وبسبب الدين تستحق ماليته ومالية من يؤدى عنه
[ 112 ]
صدقة الفطر غير معتبرة للوجوب كما في ولده وأم ولده وبسبب الاذن في التجارة لم يخرج من أن يكون للخدمة لان شغله بنوع من خدمته وهذا بخلاف ما إذا كان الدين المستغرق على المولى فانه لا يلزمه صدقة الفطر لان الدين عليه ينفي غاه ولا صدقة الا على الغنى (قال) فان اشترى العبد المأذون له عبيدا فليس على المولى عنهم صدقة الفطر لانه انما اشتراهم للتجارة وفي الامالى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى ان كان اشتراهم للخدمة فان أذن له المولى في ذلك فان لم يكن على المأذون دين فعلى المولى صدقة الفطر عنهم لانه مالك لرقابهم وان كان على العبد دين مستغرق لكسبه ورقبته فعلى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا تجب على المولى صدقة الفطر عنهم بناء على أصله أنه لا يملك رقابهم وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يجب على المولى صدقة الفطر عنهم بناء على أصلهما ان دين العبد لا يمنع ملك المولى في كسبه كما لا يمنع ملكه في رقبته (قال) وزكاة الفطر في العبد الموصى بخدمته على مالك الرقبة وارثا كان أو موصى له لانه تقرر السبب في حقه فاما الموصى له بالخدمة فحقه في المنفعة لا في الرقبة وكذلك العبد المستعار والمؤاجر تجب الصدقة على المالك دون المستعير والمستأجر وكذلك عبد الوديعة تجب الصدقة عنه على المودع فان يد المودع كيده وكذلك ان كان في عنقه جناية عمدا أو خطأ لان ملكه وولايته لا يزول بهذا السبب وكذلك العبد المرهون تجب الصدقة عنه على الراهن إذا كان عنده وفا بالدين وفضل مائتي درهم لان الرهن لا يزيل ملك الرقبة ولا يوجب فيها حقا للمرتهن انما حق المرتهن في المالية وذلك غير معتبر لايجاب الصدقة وفى الاملاء عن أبى يوسف رحمه الله تعالى ليس على الراهن ان يؤدى الصدقة عنه حتى يفكه فإذا فكه أعطاها لما مضى وان هلك قبل أن يفكه فلا صدقة عنه على الراهن وجعله كالبيع بشرط الخيار بقى الكلام في بيان القدر الواجب من الصدقة وذلك من البر نصف صاع في قول علمائنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى صاع واستدل بحديث ابن عمر رضى الله عنه فانه ذكر فيه صاعا من بر أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير والتقدير بنصف صاع شئ أحدثه معاوية برأيه على ما قاله أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام حتى قدم معاوية من الشام فقال لا أرى الا مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من طعامكم هذا وأكثر ما في الباب أن الآثار فيه قد اختلفت والاخذ بالاحتياط في باب العبادات واجب والاحتياط في اتمام الصاع وقاسه بالشعير والتمر لعلة
[ 113 ]
أنه أحد الانواع التى تتأدى به صدقة الفطر (ولنا) حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير كما روينا في أول الباب وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم وعن كل اثنين صاعا من بر فالذي روى الصاع كانه سمع آخر الحديث لا أوله وهو قوله وعن كل اثنين والتقدير من البر بنصف صاع مذهب أبى بكر وعمر وعلي وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين حتى قال أبو الحسن الكرخي أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه لا يجوز أداء نصف صاع من بر وبهذا يندفع دعواه أنه رأى معاوية ونقيسه على كفارة الاذى لعلة أنها وظيفة المسكين ليوم وفى كفارة الاذى نص فان كعب بن عجرة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما الصدقة فقال ثلاثة آصع على ستة مساكين وليس البر نظير التمر والشعير فان التمر والشعير يشتمل على ما ليس بمأكول وهو النوى والنخالة وعلى ما هو مأكول فأما البر مأكول كله فان الفقير يمكنه أكل دقيق الحنطة بنخالته بخلاف الشعير وقد بينا تفسير الصاع فيما تقدم وانما يعتبر نصف صاع من بر وزنا هكذا رواه أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى وقال ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى كيلا حتى قال قلت له لو وزن الرجل منوين من الحنطة وأعطاها الفقير هل تجوز من صدقته فقال لا فقد تكون الحنطة ثقيلة الوزن وقد تكون خفيفة فانما يعتبر نصف الصاع كيلا وجه قوله ان الآثار جاءت بالتقدير الصاع وهو اسم للمكيال ووجه الرواية الاخرى ان العلماء حين اختلفوا في مقدار الصاع انه ثمانية ارطال أو خمسة ارطال وثلث فقد اتفقوا على التقدير بما يعدل بالوزن فانما يقع عليه كيل الرطل فهو وزنه (قال) ودقيق الحنطة كالحنطة ودقيق الشعير كعينه عندنا وعند الشافعي لا يجوز الاداء من الدقيق بناء على أصله ان في الصدقات يعتبر عين المنصوص عليه (ولنا) حديث أبى هريرة رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال أدوا قبل خروجكم زكاة فطركم فان على كل مسلم مدين من قمح أو دقيقه ولان المقصود سدخلة المحتاج وأغناؤه عن السؤال كما قال صاحب الشرع وحصول هذا بأداء الدقيق أظهر لانه أعجل لوصول منفعته إليه وعلى هذا روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال أداء الدقيق أفضل من أداء الحنطة وأداء الدرهم أفضل من أداء الدقيق لانه أعجل لمنفعته وأما من الزبيب يتقدر الواجب بنصف صاع عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ذكره في الجامع الصغير وعلى قول أبى يوسف ومحمد يتقدر بصاع وهو
[ 114 ]
رواية أسد بن عمرو والحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى ووجهه ان الزبيب نظير التمر فانهما يتقاربان في المقصود والقيمة فكما يتقدر من التمر بصاع فكذلك من الزبيب وقد روى في بعض الآثار أو صاعا من زبيب وجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان الزبيب نظير البر فانه مأكول فكما يتقدر من البر بنصف صاع لهذا المعنى فكذلك من الزبيب والاثر فيه شاذ وبمثله لا يثبت التقدير فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته لانه لو كان صحيحا لاشتهر لعلمهم به وان أراد الاداء من سائر الحبوب أعطى باعتبار القيمة وقد بينا جواز اداء القيمة عندنا وهذا لانه ليس في سائر الحبوب نص على التقدير فالتقدير بالرأى لا يكون وكذا من الاقط يؤدى باعتبار القيمة عندنا. وقال مالك رضى الله عنه يتقدر من الاقط بصاع وقال الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه لا أحب له الاداء من الاقط وان أدى فلم يتبين لى وجوب الاعادة عليه وهذا الحديث روى أو صاعا من أقط وبه أخذ مالك رحمه الله تعالى وقال الا قط كان قوتا لاهل البادية في ذلك الوقت كما ان الشعير والتمر كانا قوتا في أهل البلاد وأصحابنا قالوا الحديث شاذ لم ينقل في الآثار المشهورة وبمثله لا يجوز أثبات التقدير فيما تعم به البلوى فيبقي بالقيمة فان كانت قيمته قيمة نصف صاع من بر أو صاع من شعير جاز والا فلا والحاصل ان فيما هو منصوص لا تعتبر القيمة حتى لو أدى نصف صاع من تمر تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من بر لا يجوز لان في اعتبار القيمة هنا ابطال التقدير المنصوص في المؤدى وذلك لا يجوز فاما ما ليس بمنصوص عليه فانه ملحق بالمنصوص باعتبار القيمة إذ ليس فيه ابطال التقدير المنصوص وسويق الحنطة كدقيقها لان التقدير منه نصف صاع لما بينا في الدقيق والله تعالى أعلم بالصواب باب الاعتكاف الاعتكاب قربة مشروعة بالكتاب والسنة اما الكتاب فقوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد فالاضافة إلى المساجد المختصة بالقرب وترك الوطئ المباح لاجله دليل على أنه قرب والسنة حديث أبى هريرة وعائشة رضى الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الاواخر من رمضان منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله تعالى وقال الزهري عجبا من الناس كيف تركوا الاعتكاف ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان
[ 115 ]
يفعل الشئ ويتركه وما ترك الاعتكاف حتى قبض وفي الاعتكاف تفريغ القلب عن أمور الدنيا وتسليم النفس إلى بارئها والتحصن بحصن حصين وملازمة بيت الله تعالى (قال) عطاء مثل المعتكف كمثل رجل له حاجة إلى عظيم فيجلس على بابه ويقول لا أبرح حتى تقضي حاجتي والمعتكف يجلس في بيت الله تعالى ويقول لا أبرح حتى يغفر لى فهو أشرف الاعمال إذا كان عن إخلاص ثم جوازه يختص بمساجد الجماعات وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى قال كل مسجد له امام ومؤذن معلوم وتصلى فيه الصلوات الخمس بالجماعة فانه يعتكف فيه وكان سعيد بن المسيب يقول لا اعتكاف الا في مسجدين مسجد المدينة والمسجد الحرام ومن العلماء من قال لا اعتكاف الا في ثلاثة مساجد وضموا إلى هذين المسجدين المسجد الاقصى لقوله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام ومسجد ايليا يعنى مسجد بيت المقدس والدليل على الجواز في سائر المساجد قوله تعالى وأنتم عاكفون في المساجد فعم المساجد في الذكر واختلفت الروايات عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان رضى الله عنهما فروى أن حذيفة قال لابن مسعود عجبا من قوم عكوف بين دارك ودار أبى موسى وأنت لا تمنعهم فقال ابن مسعود ربما حفظوا ونسيت وأصابوا وأخطأت كل مسجد جماعة يعتكف فيه وروى أن ابن مسعود مر بقوم معتكفين فقال لحذيفة وهل يكون الاعتكاف الا في المسجد الحرام فقال حذيفة رضى الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل مسجد له امام ومؤذن فانه يعتكف فيه وفي الكتاب ذكر عن حذيفة قال لا اعتكاف الا في مسجد جماعة هذا بيان حكم الجواز فأما الافضل فالاعتكاف في المسجد الحرام أفضل منه في سائر المساجد وروى محمد عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه كان يكره الجوار بمكة ويقول إنها ليست بدار هجرة فان رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر منها إلى المدينة وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله لا بأس بذلك وهو أفضل وعليه عمل الناس اليوم ثم الاعتكاف غير واجب بايجاب الشرع ابتداء الا ان يوجبه العبد بنذره فيلزمه لحديث عمر رضى الله عنه انه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اني نذرت ان أعتكف يوما في الجاهلية أو قال ليلة أو قال يومين فقال أوف بنذرك ومن شرط الاعتكاف الواجب الصوم عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى ليس بشرط ومذهبنا مروى عن ابن عباس وعائشة رضى الله عنهما انهما
[ 116 ]
قالا لا اعتكاف الا بصوم ومذهبه مروى عن ابن مسعود وعن على فيه روايتان احدى الروايتين مثل قولنا والثانى ما روى عنه قال ليس على المعتكف صوم الا أن يوجب ذلك على نفسه فالشافعى رحمه الله تعالى استدل بهذا وبحديث عمر رضى الله عنه في سؤاله انى نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر والليل لا يصام فيه ولان ابتداء الاعتكاف من وقت غروب الشمس في حق من نذر أن يعتكف شهرا وما يكون شرط العبادة اقترانه بأوله كالطهارة للصلاة وكذلك الاعتكاف بدوام الليل والنهار ولا صوم بالليل فتبين بهذا انه ليس شرط الاعتكاف ولا هو ركنه لان الصوم أحد أركان الدين والاعتكاف نفل زائد فلا يكون الاقوى ركنا للاضعف بل هو زائد في معنى القربة على ما يتم به الاعتكاف فيلزمه التنصيص عليه كالتتابع في الصوم والقران في الحج (ولنا) ان النبي صلى الله عليه وسلم ما اعتكف الا صائما والافعال المتفقة في الاوقات المختلفة لا تجرى على نمط واحد الا لداع إليه وليس ذلك الا بيان انه من شرائط الاعتكاف والمعنى فيه انه لو قال لله على ان أعتكف صائما يلزمه الجمع بينهما وبقوله صائما ولا يصح ان يجعل نصبا على المصدر كما يقال ضربته وجيعا أي ضربا وجيعا فانه حينئذ يصير كأنه قال اعتكف اعتكافا صائما والصوم لا يكون صفة للاعتكاف فالاعتكاف لبث في مقام لتعظيم ذلك المقام والصوم كف النفس عن اقتضاء الشهوات اتعابا للبدن فكيف يكون صفة للاعتكاف فعرفنا انه نصب على الحال كما يقال دخل الدار راكبا والحال خلو عن الايجاب لانه صفة الموجب لا الواجب ومع ذلك يلزمه الجمع بينهما فعرفنا أنه انما لزمه لانه شرط الاعتكاف كمن يقول اصلى طاهرا وشرط الشئ يتبعه فيثبت بثبوته سواء ذكر أو لم يذكر بخلاف قوله أصوم متتابعا فانه نصب على المصدر لان التتابع صفة الصوم وبخلاف قوله أصلى قائما فانه ينصب قائما على المصدر يقال صلاة قائمة وبخلاف قوله أحج قارنا فان العمرة بالانضمام إلى الحج يزداد فيها معنى القربة ولهذا لزمه دم القران وهو دم نسك وعن كلامه جوابان أحدهما ان الصوم شرط الاعتكاف والشرائط انما تثبت بحسب الامكان ولا يمكن اشتراط الصوم ليلا فسقط للتعذر وجعل الليل تبعا للايام كما ان الشرب والطريق يجعل تبعا في بيع الارض والثانى ان شرط الاعتكاف ان يكون مؤدى في وقت الصوم وبوجود الصوم في النهار يتصف جميع الشهر بأنه وقت الصوم ودليله شهر رمضان
[ 117 ]
فصار الشرط به موجودا كما ان من شرط الصلاة ان يقوم إليها طاهرا وذلك يحصل في جميع البدن بغسل الاعضاء الاربعة وحديث عمر رضى الله عنه دليلنا فان النبي صلى الله عليه وسلم قال له اعتكف وصم وبلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين ان الصحيح من الرواية إنى نذرت ان اعتكف يوما فاما التطوع من الاعتكاف في رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى لا يكون الا بصوم ولا يكون أقل من يوم فجعل الصوم للاعتكاف كالطهارة للصلاة وفى ظاهر الرواية يجوز التنفل بالاعتكاف كالطهارة للصلاة وفى ظاهر الرواية يجوز التنفل بالاعتكاف من غير صوم فانه قال في الكتاب إذا دخل المسجد بنية الاعتكاف فهو معتكف ما أقام تارك له إذا خرج وهذا لان مبنى النفل على المساهلة والمسامحة حتى تجوز صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام وراكبا مع القدرة على النزول والواجب لا يجوز تركه (قال) ولا ينبغى للمعتكف أن يخرج من المسجد الا لجمعة أو غائط أو بول أما الخروج للبول والغائط فلحديث عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج من معتكفه الا لحاجة الانسان ولان هذه الحاجة معلوم وقوعها في زمان الاعتكاف ولا يمكن قضاؤها في المسجد فالخروج لاجلها صار مستثنى بطريق العادة وكان مالك رحمه الله تعالى يقول إذا خرج لحاجة الانسان لا ينبغى أن يدخل تحت سقف فان آواه سقف غير سقف المسجد فسد اعتكافه وهذا ليس بشئ فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل حجرته إذا خرج لحاجة وإذا خرج للحاجة لم يمكث في منزله بعد الفراغ من الطهر لان الثابت للضرورة يتقدر بقدرها وأما إذا خرج للجمعة فلا يفسد اعتكافه عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى يفسد اعتكافه فان كان اعتكافه دون سبعة أيام اعتكف في أي مسجد شاء وان كان سبعة أيام أو أكثر اعتكف في المسجد الجامع قال لان ركن الاعتكاف هو المقام والخروج ضده فيكون مفسدا له الا بقدر ما تحققت الضرورة فيه ولا ضرورة في الخروج للجمعة لانه يمكنه أن يعتكف في الجامع فلا يحتاج إلى هذا الخروج فهو والخروج لعيادة المريض وتشييع الجنائز سواء (ولنا) أن الخروج للجمعة معلوم وقوعه في زمان الاعتكاف فصار مستثنى من نذره كالخروج للحاجة والخروج لعيادة المريض ليس بمعلوم وقوعه في زمان الاعتكاف لا محالة وهذا لان الناذر يقصد التزام القربة لا المعصية والتخلف عن الجمعة معصية فيعلم يقينا
[ 118 ]
انه لم يقصده بنذره فإذا اعتكف في الجامع كان خروجه أكثر لانه يحتاج في الخروج لحاجة الانسان إلى الرجوع إلى بيته وإذا كان بيته بعيدا عن الجامع يزداد خروجه إذا اعتكف في الجامع على ما إذا اعتكف في مسجد حيه فإذا أراد الخروج للجمعة قال في الكتاب يخرج حين تزول الشمس فيصلى قبلها أربعا وبعدها أربعا أو ستا قالوا هذا إذا كان معتكفه قريبا من الجامع بحيث لو انتظر زوال الشمس لا تفوته الخطبة ولا الجمعة فإذا كان بحيث تفوته لم ينتظر زوال الشمس ولكنه يخرج في وقت يمكنه ان يأتي الجامع فيصلى أربع ركعات قبل الاذان عند المنبر وفي رواية الحسن ست ركعات ركعتان تحية المسجد وأربع سنة وكذلك بعد الجمعة يمكث مقدار ما يصلى أربع ركعات أو ستا بحسب اختلافهم في سنة الجمعة ولا يمكث أكثر من ذلك لان الخروج للحاجة والسنن تبع للفرائض ولا حاجة بعد الفراغ من السنة فان مكث أكثر من ذلك لم يضره ذكره ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى قال الا ترى انه لو بداله أن يتم اعتكافه في الجامع جاز وهذا لان المفسد للاعتكاف الخروج من المسجد لا المكث في المسجد الا انه لا يستحب له ذلك لانه التزم أداء الاعتكاف في مسجد واحد فلا ينبغى له ان يتمه في مسجدين (قال) ولا يعود المعتكف مريضا ولا يشهد جنازة الا على قول الحسن البصري فانه يروى حديثا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعود المعتكف المريض ويشهد الجنازة (ولنا) حديث عائشة رضى الله عنهان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في اعتكافه إذا خرج لحاجة الانسان يمر بالمريض فيسأل عنه ولا يعرج عليه ولان هذا لم يكن معلوما وقوعه في مدة اعتكافه فالخروج لاجله لم يكن مستثنى كالخروج لتلقى الحاج وتشييعهم وما كان من أكل أو شرب فانه يكون في معتكفه إذ لا ضرورة في الخروج لاجله فان هذه الحاجة يمكن قضاؤها في معتكفه (قال) وإذا مرض المعتكف في اعتكاف واجب فان أفطر يوما استقبل الاعتكاف لان من شرط الاعتكاف الصوم وقد فات والعبادة لا تبقى بدون شرطها كما لا تبقى بدون ركنها (قال) وإذا خرج من المسجد يوما أو أكثر من نصف يوم فكذلك الجواب لان ركن الاعتكاف قد فات فأما إذا خرج ساعة من المسجد فعلى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى يفسد اعتكافه وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يفسد ما لم يخرج أكثر من نصف يوم وقول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أقيس وقولهما أوسع قالا اليسير من الخروج عفو لدفع الحاجة
[ 119 ]
فانه إذا خرج لحاجة الانسان لا يؤمر بان يسرع المشى وله أن يمشى على التؤدة فظهر أن القليل من الخروج عفو والكثير ليس بعفو فجعلنا الحد الفاصل أكثر من نصف يوم فان الا قل تابع للاكثر فإذا كان في أكثر اليوم في المسجد جعل كأنه في جميع اليوم في المسجد كما قلنا في نية الصوم في رمضان إذا وجدت في أكثر اليوم جعل كوجودها في جميع اليوم وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول ركن الاعتكاف هو المقام في المسجد والخروج ضده فيكون مفوتا ركن العبادة والقليل والكثير في هذا سواء كالاكل في الصوم والحدث في الطهارة (قال) ولا تعتكف المرأة الا في مسجد بيتها وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا اعتكاف الا في مسجد جماعة الرجال والنساء فيه سواء قال لان مسجد البيت ليس له حكم المسجد بدليل جواز بيعه والنوم فيه للجنب والحائض وهذا لان المقصود تعظيم البقعة فيختص ببقعة معظمة شرعا وذلك لا يوجد في مساجد البيوت (ولنا) أن موضع أداء الاعتكاف في حقها الموضع الذي تكون صلاتها فيه أفضل كما في حق الرجال وصلاتها في مسجد بيتها أفضل فان النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل صلاة المرأة فقال في أشد مكان من بيتها ظلمة وفى الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الاعتكاف أمر بقبة فضربت في المسجد فلما دخل المسجد رأى قبابا مضروبة فقال لمن هذه فقيل لعائشة وحفصة فغضب وقال البر يردن بهن وفى رواية يردن بهذا وأمر بقبته فنقضت فلم يعتكف في ذلك العشر فإذا كره لهن الاعتكاف في المسجد مع انهن كن يخرجن إلى الجماعة في ذلك الوقت فلان يمنعن في زماننا أولى وقد روى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى انها إذا اعتكف في مسجد الجماعة جاز ذلك واعتكافها في مسجد بيتها أفضل وهذا هو الصحيح لان مسجد الجماعة يدخله كل أحد وهى طول النهار لا تقدر ان تكون مستترة ويخاف عليها الفتنة من الفسقة فالمنع لهذا وهو ليس لمعنى راجع إلى عين الاعتكاف فلا يمنع جواز الاعتكاف وإذا اعتكفت في مسجد بيتها فتلك البقعة في حقها كمسجد الجماعة في حق الرجل لا تخرج منها الا لحاجة الانسان فإذا حاضت خرجت ولا يلزمها به الاستقبال إذا كان اعتكافها شهرا أو أكثر ولكنها تصل قضاء أيام الحيض لحين طهرها وقد بينا هذا في الصوم المتتابع في حقها ومسجد بيتها الموضع الذى تصلى فيه الصلوات الخمس من بيتها (قال) وإذا قال الرجل لله على ان اعتكف شهرا فعليه اعتكاف شهر متتابع في قول علمائنا
[ 120 ]
وقال زفر رحمه الله تعالى هو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق قال لان الاعتكاف فرع عن الصوم فان مالا أصل له في الفرائض لا يصح التزامه بالنذر ولا أصل للاعتكاف في الفرائض سوى الصوم ثم التتابع في الصوم لا يجب بمطلق النذر فكذلك في الاعتكاف والدليل على التسوية ان تعيين الوقت إليه ولا يتعين لادائه الشهر الذى يعقب نذره فيهما بخلاف الايمان والاجال والاجارات فانه يتعين لها الشهر الذى يعقب السبب (ولنا) ان الاعتكاف يدوم بالليل والنهار جميعا فبمطلق ذكر الشهر فيه يكون متتابعا كاليمين إذا حلف لا يكلم فلانا شهرا والآجال والاجارات بخلاف الصوم فانه لا يدوم بالليل والنهار وتأثيره ان ما كان متفرقا في نفسه لا يجب الوصل فيه الا بالتنصيص وما كان متصل الاجزاء لا يجوز تفريقه الا بالتنصيص ثم الاعتكاف من حيث الابتداء يشبه الصوم فان أداءه يستدعى فعلا من جهته وكل وقت لا يصلح له كاليوم الذى أكل فيه بخلاف الايمان فان موجب اليمين لا يستدعى فعلا من جهته وكل وقت يصلح له فيتعين له الوقت الذي يعقب السبب ومن حيث الدوام الاعتكاف يشبه الايمان والآجال دون الصوم فصار الحاصل ان الايمان والآجال والاجارات عامة في الوقت ابتداء ودواما والصوم خاص بالوقت ابتداء ودواما والاعتكاف خاص بالوقت ابتداء عام بالوقت دواما فمن حيث الابتداء ألحقتاه بالصوم فكان تعيين الوقت إليه ومن حيث الدوام ألحقناه بالآجال والايمان فكان متتابعا وكذلك لو قال في نذره ثلاثين يوما فهذا وقوله شهرا سواء لان ذكر أحد العددين من الايام والليالي بعبارة الجمع يقتضى دخول ما بازائه من العدد الآخر قال الله تعالى ثلاث ليال سويا وفى تلك القصة قال في موضع آخر ثلاثة أيام الا رمزا فقوله ثلاثين يوما أي بلياليها فكان متتابعا (قال) وإذا قال لله على اعتكاف شهر بالنهار فهو كما قال ان شاء تابع وان شاء فرق لان وجوب التتابع لاتصال بعض الاجزاء بالبعض وقد انقطع ذلك بتنصيصه على النهار دون الليالى وان لم يقل بالنهار ونواه فنيته باطلة لان الشهر اسم لقطعة من الزمان من حين يهل الهلال إلى ان يهل الهلال فليس في لفظه الشهر ولا الليالى فانما نوى تخصيص ما ليس في لفظه وذلك باطل كمن قال لا آكل ونوى مأكولا دون مأكول ولان هذا استثناء لبعض الوقت الذى سماه والاستثناء بالنية لا يحصل كما لو قال شهرا ونوى نصف شهر بخلاف ما لو قال ثلاثين يوما ونوى النهار دون الليل لان هنا انما نوى حقيقة كلامه فان اليوم في الحقيقة هو بياض النهار
[ 121 ]
فلهذا أعملنا نيته أو لانه نوى تخصيص ما في لفظه (قال) وان قال لله على اعتكاف شهر كذا فمضى ولم يعتكفه فعليه قضاؤه لان اضافة النذر بالاعتكاف إلى زمان بعينه كاضافة النذر بالصوم إليه فيلزمه أداؤه وإذا فوت الاداء فعليه قضاؤه وهذا في شهر سوى رمضان مجمع عليه فأما إذا قال لله على اعتكاف شهر رمضان فمضى ولم يعتكف فان كان لم يصم في الشهر لمرض أو سفر قضى اعتكافه بقضاء صوم الشهر وان كان صام الشهر فعليه اعتكاف شهر بصوم وعند زفر والحسن بن زياد رحمهما الله تعالى لا شئ عليه وهو احدى الروايتين عن أبى يوسف رحمه الله تعالى ووجهه أن اعتكافه تعلق بصوم رمضان فإذا صام رمضان ولم يعتكف بقى الاعتكاف بغير صوم والاعتكاف الواجب لا يكون الا بصوم وجه ظاهر الرواية ان نذره قد صح وتعلق بالزمان الذي عينه فإذا لم يعتكف فيه انقطع هذا التعيين وصار دينا في الذمة فكأنه قال لله على اعتكافه شهر والتزام الاعتكاف يكون التزاما لشرطه وهو الصوم ولهذا قلنا لو اعتكف في رمضان القابل قضاء عما التزمه لا يجوز وعليه كفارة اليمين ان كان أراد يمينا لوجود شرط حنثه وان اعتكف ذلك الشهر الذى سماه الا أنه أفطر منه يوما قضي ذلك اليوم لان الشهر المتعين متجاور الايام لا متتابع فصفة التتابع في الاعتكاف لا ثبت إلا إذا أضافه إلى شهر بعينه (قال) وإذا نذرت المرأة اعتكاف شهر فحاضت فيه فعليها ان تقضى أيام حيضها وتصلها بالشهر فان لم تصلها به فعليها ان تستقبله لان هذا القدر من التتابع في وسعها وما سقط عنها معلوم بأنه ليس في وسعها ولهذا قلنا لو نذرت اعتكاف عشرة أيام فحاضت فيها فعليها الاستقبال (قال) وإذا اعتكف الرجل من غير ان يوجبه على نفسه فهو معتكف ما أقام في المسجد وان قطعه فلا شئ عليه لانه لبث في مكان مخصوص فلا يكون مقدرا باليوم كالوقوف بعرفة وهذا لان المقصود تعظيم البقعة وذلك يحصل ببعض اليوم وقد بينا في هذا رواية الحسن (قال) وإذا اعتكف في مسجد فانهدم فهذا عذر ويخرج منه إلى مسجد آخر لان المسجد المهدوم لا يمكن المقام فيه ولانه خرج من ان يكون معتكفا فالمعتكف مسجد تصلى فيه الصلوات الخمس بالجماعة ولا يتأتى ذلك في المسجد المهدوم فكان عذرا في التحول إلى مسجد آخر (قال) ولا بأس بان يشترى المعتكف ويبيع في المسجد ويتحدث بما بداله بعد ان لا يكون مأثما فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث مع الناس في اعتكافه وصوم الصمت ليس بقربة في
[ 122 ]
شريعتنا والبيع والشراء من جنس الكلام المباح فلا بأس به للمعتكف قالوا وهذا إذا لم يحضر السلعة إلى المسجد فاما احضار السلعة إلى المسجد للبيع والشراء في المسجد مكروه فان النبي صلى الله عليه وسلم قال جنبوا مساجدكم إلى قوله وبيعكم وشراءكم ولان بقعة المسجد تحررت عن حقوق العناد وصارت خالصة لله تعالى فيكره شغلها بالبيع والتجارة بخلاف ما إذا لم يحضر السلعة فقد انعدم هناك شغل البقعة (قال) وإذا أخرجه السلطان من المسجد مكرها في اعتكاف واجب فان دخل مسجد آخر كما تخلص استحسنا ان يكون على اعتكافه وفي القياس عليه الاستقبال وكذلك لو أخذه غريم فحبسه وقد خرج لغائط أو بول من أصحابنا من قال هذا القياس والاستحسان على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى والاصح ان عند أبى حنيفة يلزمه الاستقبال وهذا الاستحسان والقياس على قولهما فيما إذا كان خروجه أكثر من نصف يوم وجه القياس ان ركن الاعتكاف وهو اللبث قد فات فيستوى فيه المكره والطائع كما إذا فات ركن الصوم بالاكراه على الاكل وجه الاستحسان انه معذور فيما صنع فانه لا يمكنه مقاومة السلطان ولا دفع الغريم عن نفسه الا بايصال حقه إليه فلم يصر بهذا تاركا تعظيم البقعة ولم يذكر القياس والاستحسان فيما إذا انهدم المسجد فقال بعض مشايخنا الجواب فيهما سواء والاصح ان هناك لا يفسد اعتكافه قياسا واستحسانا لان العذر كان ممن له الحق إذ لا صنع للعباد في انهدام المسجد وهنا العذر كان من جهة العباد فلهذا كان القياس فيه ان يستقبل (قال) وإذا أوجب على نفسه الاعتكاف يوما دخل المسجد قبل طلوع الفجر فأقام فيه إلى أن تغرب الشمس لانه التزم الاعتكاف في جميع اليوم واليوم اسم للوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بدليل الصوم (قال) وان أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس لما بينا ان الشهر اسم لقطعة من الزمان وذلك يشتمل على الايام والليالي ومتى دخل في اعتكافه الليل مع النهار فابتداؤه يكون من الليل لان الاصل أن كل ليلة تتبع اليوم الذي بعدها الا ترى انه يصلى التراويح في أول ليلة من رمضان ولا يفعل ذلك في أول ليلة من شوال واليوم الذى بعد ليلته زمان الاعتكاف فكذلك الليلة وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال في شهر بعينه كذلك يدخل في المسجد قبل غروب الشمس فأما في شهر بغير عينه فالخيار إليه ان شاء دخل المسجد قبل طلوع الفجر وان شاء قبل غروب الشمس وهو أفضل (قال) وان أوجب اعتكاف
[ 123 ]
يومين دخل المسجد قبل غروب الشمس فأقام فيه ليلة ويومها والليلة الاخرى ويومها إلى إلى أن تغرب الشمس وكذلك هذا في الايام الكثيرة أما إذا ذكر ثلاثة أيام أو أكثر فالجواب في قولهم جميعان ذكر أحد العددين بعبارة الجمع يقتضى دخول ما بازائه من العدد الآخر فأما إذا ذكر يومين فقد روى عن أبى يوسف أنه يلزمه اعتكاف يومين بليلة نتخللهما فانما يدخل المسجد قبل طلوع الفجر قال لان التثنية غير الجمع فهذا والمذكور بلفظ الفرد سواء الا أن الليلة المتوسطة تدخل بضرورة اتصال بعض الاجزاء بالبعض وهذه الضرورة لا توجد في الليلة لاولى وجه ظاهر الرواية أن في المثنى معنى الجمع قال صلى الله عليه وسلم الاثنان فما فوقهما جماعة فكان هذا والمذكور بلفظ الجمع سواء ألا ترى أنه لو قال ليلتين صح نذره بخلاف ما إذا قال ليلة واحدة (قال) وإذا جامع المعتكف امرأته في الفرج فسد اعتكافه سواء جامعها ليلا أو نهارا ناسيا كان أو عامدا أنزل أو لم ينزل لقوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد فصار الجماع بهذا النص محظور الاعتكاف فيكون مفسدا له بكل حال كالجماع في الاحرام لما كان محظورا كان مفسدا للاحرام وقد ذكر ابن سماعة في روايته عن بعض أصحابنا أنه إذا كان ناسيا لا يفسد اعتكافه قال الاعتكاف فرع عن الصوم والفرع بلحق بالاصل في حكمه فان باشرها فيما دون الفرج فان أنزل فسد اعتكافه وان لم ينزل لم يفسد اعتكافه وقد أساء فيما صنع وللشافعي رحمه الله تعالى ثلاثة أقاويل قول مثل قولنا وقوله الآخر انه لا يفسد اعتكافه وان أنزل كما لا يفسد الاحرام بالمباشرة فيما دون الفرج وان أنزل فانهما متقاربان على معنى ان كل واحد منهما يدوم بالليل والنهار والقول الثالث انه يفسد اعتكافه وان لم ينزل لظاهر الآية فان اسم المباشرة يتناول الجماع فيما دون الفرج كما يتناول الجماع في الفرج فصار ذلك محظور الاعتكاف بالنص وجه قولنا ان المباشرة فيما دون الفرج إذا اتصل به الانزال مفسد للصوم والاعتكاف فرع عليه وهو في معنى الجماع في الفرج فيما هو المقصود فيفسد اعتكافه فاما إذا لم يتصل به الانزال فهو ليس في معنى الجماع في الفرج ولا ملحق به حكما في إفساد العبادة ألا ترى أنه لا يفسد به الصوم فكذلك الاعتكاف وهذا كله إذا لم يخرج من المسجد فان خرج لهذا الفعل فسد اعتكافه بالخروج في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى على ما بينا (قال) فإذا أوجب على نفسه اعتكافا ثم مات قبل ان يقضيه أطعم عنه لكل يوم نصف صاع من حنطة وهذا إذا أوصى لان الاعتكاف
[ 124 ]
فرع عن الصوم وقد بينا في الصوم حكم الفدية فكذلك في الاعتكاف. فان قيل الفدية عن الصوم غير معقول ولا هو ثابت بطريق القياس فكيف قستم الاعتكاف عليه والعجب ان في الصلاة قلتم مثل هذا ولا مدخل للقياس فيه. قلنا اما في الاعتكاف فالجواب عن هذا السؤال سهل لان صحة النذر بالاعتكاف باعتبار الصوم فان مالا اصل له في الفرائض لا يصح التزامه بالنذر فكان التنصيص على الفدية في الصوم تنصيصا عليه في الاعتكاف واما في الصلاة فلم يطلق الجواب في شئ من الكتب على الفدية مكان الصلاة ولكن قال في موضع من الزيادات يجزيه ذلك ان شاء الله تعالى فبتقييده بالاستثناء بيان انه لا يثبت الجواب فيه إذ لا مدخل للقياس فيه (قال) وان كان مريضا حين نذر الاعتكاف فلم يبرأ حتى مات فلا شئ عليه لانه ليس للمريض ذمة صحيحة في وجوب أداء الصوم والاعتكاف بناء عليه الا ترى انه لا يلزمه أداء صوم رمضان بشهوده الشهر فكذلك لا يلزمه الاداء بالنذر والفدية تنبنى على وجوب الاداء وان صح يوما ثم مات أطعم عنه عن جميع الشهر في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما لله وفي قول محمد رحمه الله تعالى يطعم عنه بعدد ما صح من الايام وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا لما صح فقد صارت له ذمة صحيحة في التزام الاداء فيجعل كالمجدد للنذر في هذا الوقت والصحيح لو نذر اعتكاف شهر ثم مات بعد يوم أطعم عنه لجميع الشهر ان أوصى يجبر الوارث عليه من الثلث وان لم يوص لم يجبر الوارث عليه ولكنه ان أحب فعل فكذلك هذا (قال) وان نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه شئ وروى عن أبى يوسف انه ان نوى ليلة بيومها يلزمه وليس بينهما اختلاف في الحقيقة ولكن جواب محمد رحمه الله تعالى فيما إذا لم تكن له نية فاسم الليل خاص بزمان لا يقبل الصوم وشرط الاعتكاف الواجب الصوم فإذا نوى ليلة بيومها عملت نيته اعتبارا للفرد بالجمع فصار شرط الاعتكاف وهو الصوم بنيته موجودا فصح نذره (قال) ولو أصبح في يوم ثم قال لله على أن أعتكف هذا اليوم فان كان قد أكل فيه أو كان بعد الزوال لم يلزمه شئ لانه أضاف النذر بالاعتكاف إلى وقت لا يقبل الصوم في حقه وان كان قبل الزوال ولم يكن أكل شيئا فعلى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا يصح نذره وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يصح نذره وهو بناء على ما تقدم بيانه ان القليل من الخروج يفسد الاعتكاف عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما الخروج فيما دون نصف اليوم لا يفسد
[ 125 ]
الاعتكاف وما هو الشرط وهو الصوم يصح منه في هذا اليوم (قال) وان نذر اعتكاف وقت ماض وهو يعلم أولا يعلم فلا شئ عليه لان ما يوجبه على نفسه معتبر بما أوجب الله تعالى ولم يتعبد الله بشئ من العبادات في الزمان الماضي وصحة الاداء باعتبار امكان الاداء وذلك لا يتحقق في الزمن الماضي (قال) وان أحرم المعتكف بحج أو عمرة لزمه الاحرام لانه لا منافاة بين الاعتكاف والاحرام ثم يتم اعتكافه ويشرع فيه واداء المناسك يحتمل التأخير عن الاحرام فإذا فرغ منه مضى في احرامه الا أن يخاف فوت الحج فحينئذ يدع الاعتكاف ويحج لان ما يخاف فوته يكون أهم فيبدأ به ثم يستقبل الاعتكاف لانه قد لزمه بالنذر متتابعا فإذا انقطع التتابع لخروجه كان عليه ان يستقبله (قال) وان أوجب على نفسه اعتكافا ثم ارتد والعياذ بالله ثم أسلم سقط عنه الاعتكاف اعتبارا لما التزمه بما أوجب الله تعالى وشئ من العبادات التى كانت واجبة عليه لحق لله تعالى خالصا لا يبقى بعد الردة لانه بالردة خرج من ان يكون أهلا للعبادة فان الاهلية للعبادة بكونه أهلا لثوابها والمرتد ليس بأهل لثواب العبادة ولانه بالردة التحق بكافر أصلي فان الردة تحبط عمله والكافر الاصلى إذا أسلم لم يكن عليه اعتكاف ما لم يلتزمه بنذره بعد الاسلام فهذا مثله (قال) وإذا نذر المملوك اعتكافا صح نذره لان له ذمة صحيحة في التزام الاداء الا أن لمولاه ان يمنعه منه لان منافعه مستحقة للمولى الا ما صار مستثنى شرعا وذلك مقدار ما تتأدى به الفرائض فلا يدخل فيه ما يلتزمه من الاعتكاف باختياره فكان للمولى منعه فإذا اعتق قضاه وكذلك الزوج له ان يمنع امرأته من الاعتكاف الذى التزمته بنذرها لان منافعها مستحقة للزوج بعقد النكاح وأما المكاتب فليس لمولاه منعه لانه صار أحق بنفسه ومنافعه والذى بينا في النذر كذلك في الشروع فان كان باذن المولى والزوج فليس للزوج منع زوجته من الاتمام وللمولى منع عبده وان كان لا يستحب له ذلك لان الزوج بالاذن ملكها منافعها وهي من أهل الملك والمولى بالاذن ما ملك العبد منافعه لانه ليس من أهل الملك ولكنه وعد فالوفاء له وخلف الوعد مذموم فلا يستحب له منعه فان فعل لم يكن عليه شئ غير أنه قد أساء وأثم وهو قياس الاحرام فان المرأة إذا أحرمت باذن زوجها لم يكن للزوج أن يحللها والعبد إذا أحرم باذن مولاه كان للمولى أن يحلله وان كره له ذلك (قال) وإذا أكل المعتكف نهارا ناسيا لم يضره الاكل لان حرمة الاكل لاجل الصوم لا لاجل الاعتكاف حتى اختص
[ 126 ]
بوقت الصوم والاكل ناسيا لا يفسد الصوم بخلاف ما إذا جامع ناسيا فحرمة الجماع لاجل الاعتكاف حتى يعم الليل والنهار جميعا وقد بينا ان ما كانت حرمته لاجل الاعتكاف يستوى فيه الناسي والعامد بالقياس على الاحرام ومعنى الفرق أنه متى اقترن بحاله ما يذكره لا يبتلى فيه بالنسيان عادة فيعذر لاجله ففى الاحرام هيئة المحرمين مذكرة له وفى الاعتكاف كونه في المسجد مذكرا له فأما في الصوم لم يقترن بحاله ما يذكره لانه غير ممنوع عن التصرف في الطعام في حالة الصوم ألا ترى أن في الاكل في الصلاة سوى بين النسيان والعمد لانه ليس من جنس أركان الصلاة (قال) وإذا أغمى على المعتكف أياما أو أصابه لمم فعليه إذا برء أن يستقبل الاعتكاف لان ما هو شرط الاداء وهو الصوم قد انعدم بتطاول الاغماء فعليه الاستقبال فان صار معتوها ثم أفاق بعد سنين ففى القياس ليس عليه قضاء الاعتكاف كما لا يلزمه قضاء الفرائض لسقوط الخطاب عنه بالعته وفي الاستحسان عليه القضاء لان سبب الالتزام تقرر قبل العته فكان بمنزلة الفرائض التى لزمته بتقرر السبب قبل العته وهذا لانه بالعته لم يخرج من أن يكون أهلا للعبادة فانه أهل لثوابها فبقيت ذمته صالحة للوجوب فيها فيما تقرر سببه (قال) ويلبس المعتكف وينام ويأكل ويدهن ويتطيب بما شاء فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كله في اعتكافه (قال) ولا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال فان حرمة هذه الاشياء ليس لاجل الاعتكاف الا ترى انه كان محرما قبل الاعتكاف ولا يفوت به ركن الاعتكاف وهو اللبث ولا شرطه وهو الصوم وكذلك ان سكر ليلا لما بينا ان حرمة السكر ليست لاجل الاعتكاف فلا يكون مؤثرا فيه (قال) وصعود المعتكف على المئذنة لا يفسد اعتكافه اما إذا كان باب المئذنة في المسجد فهو والصعود على سطح المسجد سواء وان كان بابها خارج المسجد فكذلك من أصحابنا من يقول هذا قولهما فاما عند أبى حنيفة رضى الله عنه فينبني ان يفسد اعتكافه للخروج من المسجد من غير ضرورة والاصح انه قولهم جميعا واستحسن أبو حنيفة هذا لانه من جملة حاجته فان مسجده انما كان معتكفا لاقامة الصلاة فيه بالجماعة وذلك انما يتأتى بالاذان وهو بهذا الخروج غير معرض عن تعظيم البقعة أصلا بل هو ساع فيما يزيد في تعظيم البقعة فلهذا لا يفسد اعتكافه (قال) ولا بأس بان يخرج رأسه من المسجد إلى بعض أهله ليغسله لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه كان يخرج رأسه إلى عائشة فكانت تغسله وترجله ولانه باخراج رأسه لا يصير خارجا من المسجد فان من حلف
[ 127 ]
لا يخرج من هذه الدار فأخرج رأسه منها لم يحنث وان غسل رأسه في المسجد في اناء فلا بأس بذلك إذ ليس فيه تلويث المسجد. وذكر حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أدار ان يعتكف أصبح في المكان الذى يريد أن يعتكف فيه ففي هذه دليل على ان من أراد اعتكاف يوم أو نذر ذلك ينبغي أن يدخل المسجد قبل طلوع الفجر وقد بينا هذا (قال) وان نذر اعتكاف يوم العيد قضاه في وقت آخر وكفر عن يمينه ان كان أراد يمينا وان اعتكف فيه اجزأه وقد اساء وهذا عندنا اعتبارا للاعتكاف بالصوم وقد بينا هذه الاحكام في النذر بصوم يوم العيد فكذلك الاعتكاف وذكر محمد رحمه الله في الاصل حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في العشر الاوسط من رمضان فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال ان ما تطلبت وراءك فقال عليه السلام من كان معتكفا معنا فليعد إلى معتكفه وانى أرانى أسجد في ماء وطين فقال أبو سعيد فمطرنا وكان عريش المسجد من جريد فوكف فو الذى بعثه بالحق لقد صلى بنا المغرب ليلة الحادى والعشرين وانى أرى جبهته وأرنبة أنفه في الماء والطين وانما أورد هذا الحديث لبيان ليلة القدر وفيه اختلاف بين الصحابة والعلماء بعدهم فأما أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه كان مذهبه ان ليلة القدر الحادى والعشرون لهذا الحديث ولم يأخذ به علماؤنا لما صح في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من فاته ثلاث ليال فقد فاته خير كثير ليلة التاسع عشر والحادي والعشرين وآخرها ليلة فقيل سوى ليلة القدر يا رسول الله فقال سوى ليلة القدر وليس في حديث أبى سعيد كبير حجة فانه لم يقل أراني أسجد في ماء وطين في ليلة القدر وكان علي بن أبى طالب رضى الله عنه يقول انها ليلة الخامس والعشرين فانه صح في الحديث أن نزول القرآن كان لاربع وعشرين مضين من رمضان. وقال الله تعالى انا أنزلناه في ليلة القدر والهاء كناية عن القرآن باتفاق المفسرين فإذا جمعت بين الآية والحديث تبين أنها ليلة الخامس والعشرين وأكثر الصحابة على أنها ليلة السابع والعشرين فقد ذكر عاصم عن ذر بن حبيش قال قلت لابي بن كعب يا أبا المنذر أخبرني عن ليلة القدر فان ابن مسعود كان يقول من يقم الحول يدركها فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كان يعلم انها ليلة السابع والعشرين ولكنه أراد حث الناس على الجهد في جميع الحول قلت بم عرفت ذلك قال بالعلامة التى أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتبرناها فوجدناها قلت وما تلك
[ 128 ]
العلامة قال تطلع الشمس من صبيحتها كأنها طست لا شعاع لها وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول إنها ليلة السابع والعشرين فقيل له ومن أين تقول ذلك قال لان سورة القدر ثلاثون كلمة وقوله هي الكلمة السابعة والعشرون وفيها اشارة إلى ليلة القدر وذكر الفقيه أبو جعفر ان المذهب عند أبى حنيفة رضى الله عنه أنها تكون في شهر رمضان ولكنها تتقدم وتتأخر وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تكون في شهر رمضان لا تتقدم ولا تتأخر وفائدة الاختلاف ان من قال لعبده أنت حر ليلة القدر فان قال ذلك قبل دخول شهر رمضان عتق إذا انسلخ الشهر وان قال ذلك بعد مضى ليلة من الشهر لم يعتق حتى ينسلخ شهر رمضان من العام القابل في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لجواز أنها كانت في الشهر الماضي في الليلة الاولى وفى الشهر الآتى في الليلة الاخيرة وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا مضت ليلة من الشهر في العام القابل فجاء مثل الوقت الذى حلف فيه عتق لان ؟ ؟ هما لا تتقدم ولا تتأخر بل هي في ليلة من الشهر في كل وقت فإذا جاء مثل ذلك الوقت فقد تيقنا بمجئ الوقت المضاف إليه العتق بعد يمينه فلهذا عتق والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (بسم الله الرحمن الرحيم) كتاب نوادر الصوم (قال) الشيخ الامام شمس الائمة أبو بكر محمد بن أبى سهل السرخسى املاء اعلم بأن موجب النذر الوفاء. قال الله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم والناذر معاهد لله تعالى بنذره فعليه الوفاء بذلك وقد ذم الله تعالى قوما تركوا الوفاء بالنذر فقال تعالى ومنهم من عاهد الله الآية وانما يذم المرء بترك الواجب ومدح قوما بالوفاء بالنذر فقال تعالى يوفون بالنذر ويخافون الآية ثم النذر انما يصح بما يكون قربة مقصودة فأما ما ليس بقربة مقصودة فانه لا يصح التزامه بالنذر لقوله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ولان الناذر لا يجعل ما ليس بعبادة عبادة وانما يجعل العبادة المشروعة نفلا واجبا بنذره وما فيه معنى القربة ولكن ليس بعبادة مقصودة بنفسها كتشييع الجنازة وعيادة المريض لا يصح التزامه بالنذر الا في رواية الحسن بن أبى مالك عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمهم الله قال ان نذر أن يعود مريضا اليوم صح نذره وان نذر أن
[ 129 ]
يعود فلانا لا يلزمه شئ لان عيادة المريض قربة شرعا قال صلى الله عليه وسلم عائد المريض يمشى على محارف الجنة حتى يرجع وعيادة فلان بعينه لا يكون معنى القربة فيها مقصودا للناذر بل معنى مراعاة حق فلان فلا يصح التزامه بالنذر وفى ظاهر الرواية قال عيادة المريض وتشييع الجنازة وان كان فيه معنى حق الله تعالى فالمقصود حق المريض والميت والناذر انما يلتزم بنذره ما يكون مشروعا حقا لله تعالى مقصودا إذا عرفنا هذا فنقول النذر اما ان يكون بالصدقة أو بالصوم أو الصلاة أو الاعتكاف فنبدأ بالنذر بالصدقة فنقول اما ان يعين الوقت بنذره فيقول لله على ان أتصدق بدرهم غدا أو يعين المكان فيقول في مكان كذا أو يعين المتصدق عليه فيقول على فلان المسكين أو يعين الدرهم فيقول لله على ان تصدق بهذا الدرهم وفى الوجوه كلها يلزمه التصدق بالمنذور عندنا ويلغو اعتبار ذلك التقييد حتى لو تصدق به قبل مجئ ذلك الوقت أو في غير ذلك المكان أو على غير ذلك المسكين أو بدرهم غير الذى عينه خرج عن موجب نذره وعلى قول زفر لا يخرج عن موجب نذره الا بالا ؟ ؟ كما التزمه قال لان في الفاظ العباد يعتبر اللفظ ولا يعتبر المعنى الا ترى ان من قال لغيره طلق امرأتي للسنة فطلقها لغير السنة لم يقع ولو امره ان يتصدق بدرهم على فلان الفقير فتصدق على غيره كان مخالفا وهذا لان أوامر العباد قد تكون خالية عن فائدة حميدة فلا يمكن اعتبار المعنى فيها وانما يعتبر اللفظ فلا يحصل الوفاء الا بالتصدق على الوجه الذى التزمه وعلماؤنا رحمهم الله قالوا ما يوجبه المرء على نفسه معتبر بما أوجب الله تعالى عليه الا ترى ان مالله تعالى من جنسه واجبا على عباده صح التزامه بالنذر وما ليس لله تعالى من جنسه واجبا على عباده لا يصح التزامه بالنذر ثم ما أوجب الله تعالى من التصدق بالمال مضافا إلى وقت يجوز تعجيله قبل ذلك الوقت كالزكاة بعد كمال النصاب قبل حولان الحول وصدقة الفطر قبل مجئ يوم الفطر فكذلك ما يوجبه العبد على نفسه وهذا لان صحة النذر باعتبار معنى القربة وذلك في التزام الصدقة لا في تعيين المكان والزمان والمسكين والدرهم وانما يعتبر من التعيين ما يكون مفيدا فيما هو المقصود لا ما ليس بمفيد ومعنى العبادة في التصدق باعتبار سدخلة المحتاج إذ أخرج المتصدق ما يجرى فيه الشح والضنة عن ملكه ابتغاء مرضاة الله تعالى وهذا المعنى حاصل بدون مراعاة تعيين المكان والزمان وبهذا يتبين الجواب عما اعتمد عليه من اعتبار اللفظ فان صحة النذر لم تكن باعتبار اللفظ
[ 130 ]
بل باعتبار معنى القربة كما بينا وبه فارق الوصية فان صحة الوصية لم يكن باعتبار معنى القربة فلهذا اعتبرنا تعيين المصروف إليه فصار فلان موصى له بما سمى فإذا دفعه إلى غيره كان مخالفا أمر الموصى وهذا بخلاف ما إذا قال قدم فلان فلله على أن أتصدق بدرهم فتصدق به قبل قدوم فلان لم يجزه وكذلك لو قال إذا جاء غد لان هناك علق النذر بالشرط والمعلق بالشرط معدوم قبل وجود الشرط وانما يجوز الاداء بعد وجود السبب والسبب هو النذر فإذا علقه بالشرط كان معدوما قبله وهنا أضاف النذر إلى وقت والاضافة إلى وقت لا يخرجه من أن يكون سببا في الحال فيجوز التعجيل بمنزلة أداء الزكاة قبل كمال الحول وعلى قول الشافعي رضى الله عنه يجوز التعجيل قبل قدوم فلان بناء على مذهبه في جواز التكفير بالمال بعد اليمين قبل الحنث وقد بينا المسألة في كتاب الايمان وأما النذر بالعبادات البدنية فاما أن يضيفه إلى مكان أو زمان أما إذا أضافه إلى زمان بأن قال لله على أن أصوم رجب فصام شهرا قبله أجزأه عن المنذور في قول أبى يوسف وهو رواية الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى وفى قول محمد وزفر لا يجزئه وكذلك لو قال لله على أن أعتكف رجب فاعتكف شهرا قبله أو قال لله على أن أصلى ركعتين غدا فصلى اليوم فهو على هذا الخلاف وجه قول محمد وزفر رحمهما الله ان ما يوجبه العبد على نفسه معتبر بما أوجب الله تعالى عليه وما أوجب الله تعالى عليه من الصوم في وقت بعينه لا يجوز تعجيله على ذلك الوقت كصوم رمضان وكذلك ما أوجب الله تعالى عليه من الصلاة في وقت بعينه كصلاة الظهر لا يجوز تعجيلها قبل الزوال فكذلك ما يوجبه على نفسه وبه فارق الصدقة ولان بالنذر بالصوم جعل ما هو المشروع في الوقت نفلا واجبا بنذره ولهذا لا يصح اضافة النذر بالصوم إلى الليل لان الصوم غير مشروع فيه نفلا والمشروع من الصوم في وقت غير المشروع في وقت آخر ونذره تعلق بالصوم المشروع في الوقت المضاف إليه حتى يتأدى فيه بمطلق النية وبالنية قبل الزوال ولو لم يتعين صوم ذلك الوقت بنذره لما تأدى الا بالنية من الليل كما لو أطلق النذر بالصوم وجه قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى ان الناذر يلتزم بنذره الصوم دون الوقت لان معنى القربة في الصوم باعتبار انه عمل بخلاف هوى النفس وانما يلزم بالنذر ما هو قربة وتعيين الوقت غير مفيد في هذا المعنى فلا يكون معتبرا كما في الصدقة ولا يقال الصوم في بعض الاوقات قد يكون أعظم في الثواب كما ورد به الاثر في صوم الايام البيض وفى صوم بعض الشهور
[ 131 ]
والايام لان بالاجماع النذر لا يتقيد بالفضيلة التى في الوقت المضاف إليه حتى لو نذر ان يصوم يوم عرفة أو يوم عاشوراء فصام بعد مضى ذلك اليوم يوما دونه في الفضيلة فانه يخرج عن موجب نذره وهذا بخلاف صوم رمضان وصلاة الظهر لان الشرع جعل شهود الشهر سببا لوجوب الصوم قال الله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومثل هذا لبيان السبب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ومن ملك ذارحم محرم فهو حر وكذلك الشرع جعل زوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر قال الله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس فإذا أدى قبل ذلك الوقت كان مؤديا قبل وجود سبب الوجوب فلهذا لا يجوز اما هنا الناذر لم يجعل الوقت بنذره سببا للوجوب لانه ليس للعباد ولاية نصب الاسباب فيكون السبب متقررا قبل مجئ الوقت المضاف إليه وان كان وجوب الاداء متأخرا فلهذا جاز التعجيل وهو نظير المسافر في شهر رمضان إذا صام كان مؤديا للفرض وان كان وجوب الاداء متأخرا في حقه إلى عدة من أيام أخر والحرف الثاني انه أدى العبادة بعد وجود سبب وجوبها قبل وجوبها فيجوز كما لو كفر بعد الجرح قبل زهوق الروح في قتل المسلم أو في قتل الصيد وبيان الوصف ان هذه عبادة تضاف إلى النذر لا إلى الوقت يقال صوم النذر والواجبات تضاف إلى أسبابها والاضافة إلى وقت لا يمنع كونه نذرا في الحال بدليل ان التعجيل في النذر بالصدقة يجوز بالاتفاق وما لم يوجد السبب لا يجوز الاداء هناك كما لو علق النذر بالشرط وبعد وجود السبب يجوز التعجيل ماليا كان أو بدينا كما في كفارة القتل وكما لو صام المسافر في شهر رمضان يجوز لوجود السبب وهو شهود الشهر فإذا ثبت هنا ان السبب وهو النذر متقرر قلنا يجوز تعجيل الاداء وفى جواز التعجيل هنا منفعة للناذر فربما لا يقدر على الاداء في الوقت المضاف إليه لمرض أو غيره وربما تخترمه المنية قبل مجئ ذلك الوقت الا انه بالاضافة إلى ذلك الوقت قصد التخفيف على نفسه حتى لو مات قبل مجئ ذلك الوقت لا يلزمه شئ فأعطيناه مقصوده واعتبرنا تعيينه في هذا الحكم وجوزنا التعجيل لتوفير المنفعة عليه كما في الصدقة إذا عين الدراهم فهلكت تلك الدراهم لم يلزمه شئ ولو تصدق بمثلها وأمسكها خرج عن موجب نذره وإذا ثبت اعتبار التعيين من هذا الوجه قلنا يجوز الاداء بمطلق النية وبالنية قبل الزوال لان تعيينه معتبر فيما يرجع إلى النظر له وفى التأدى بمطلق النية قبل الزوال معنى النظر له فاعتبرنا تعيينه في هذا الحكم وأما إذا عين
[ 132 ]
المكان بان قال لله علي ان أصوم شهرا بمكة أو أعتكف فصام أو اعتكف في غير ذلك المكان خرج عن موجب نذره عندنا وقال زفر لا يخرج عن موجب نذره وكذلك لو قال لله على ان أصلى ركعتين بمكة فصلاهما هنا أجزأه عندنا خلافا لزفر والاصل عنده انه لا يخرج عن موجب نذره الا بالاداء في المكان الذى عينه أو في مكان هو أعلى من المكان الذى عينه وأفضل البقاع لادء الصلاة فيها المسجد الحرام ثم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثم مسجد بيت المقدس على ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة في مسجد بيت المقدس تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجدي هذا وصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في مسجد بيت المقدس وصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي هذا فإذا نذر أن يصلى في المسجد الحرام ركعتين لا يجوز أداؤهما الا في ذلك الموضع عنده وان نذر أن يصلى ركعتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أداؤهما الا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في المسجد الحرام وإذا نذر الصلاة في مسجد بيت المقدس لا يجوز أداؤها الا في احد هذه المساجد الثلاثة ولا يجوز أداؤها في غير هذه المساجد في سائر البلاد وإذا نذر الصلاة في المسجد الجامع لا يجوز أداؤها في مسجد المحلة وإذا نذر الصلاة في مسجد المحلة يجوز أداؤها في المسجد الجامع ولا يجوز أداؤها في بيته واعتمد في ذلك ما روى أن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم انى نذرت ان فتح الله عليك مكة أن أصلى ركعتين في البيت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها وأدخلها الحطيم وقال صلي ههنا فان الحطيم من البيت الحديث فهذا دليل اعتبار تعيينه المكان في النذر بالصلاة وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى نذرت أن أصلى ركعتين في مسجد بيت المقدس فقال من صلى في مسجدي هذا فكانما صلى في بيت المقدس فهو دليل على جواز الاداء في مكان هو أعلى من المكان الذى عينه ولان المذهب عند أهل السنة والجماعة ان لبعض الا مكنه فضيلة على البعض وكذلك لبعض الازمنة فإذا عين لنذره مكانا ثم أدى في مكان دون ذلك المكان في الفضيلة فانما يقيم الناقص مقام الكامل مع قدرته على الاداء بصفة الكمال كما التزمه فلا يجوز وان أدى في مكان هو أفضل من المكان الذى عينه فقد أدى اتم مما التزمه فيجزيه ذلك الا ترى أنه لو نذر ان يصوم يوما فصام بالنية قبل الزوال لا يخرج عن موجب نذره لان المؤدى
[ 133 ]
انقص مما التزمه وهذا بخلاف ما إذا أضاف النذر إلى وقت فاضل فمضى ذلك الوقت لان هناك قد تحقق العجز عن الاداء بالصفة التى التزمه ولهذا لم يجوز زفر التعجيل على ذلك الوقت لان العجز لا يتحقق قبل مجئ ذلك الوقت وحجتنا في ذلك ان صحة النذر باعتبار معنى القربة وذلك في الصلاة لا في المكان لان الصلاة تعظيم لله تعالى بجميع البدن وفي هذا المعنى الامكنة كلها سواء وان كان الاداء في بعض الامكنة أفضل فذلك لا يدل على ان الواجب لا يتأدى بدون ذلك كما في اداء المكتوبات ولا شك ان أداء الصلاة بالجماعة في المسجد أفضل وقد أمر شرعا بالاداء بهذه الصفة ومع ذلك إذا أداها في بيته وحده سقط عنه الواجب ولما بين النبي صلى الله عليه وسلم ثواب المتطوع بالصلاة في هذه المساجد قال وأفضل ذلك كله صلاة الرجل في بيته في جوف الليل الآخر ثم عنده لو التزم صلاة في بعض هذه البقاع فصلاها في بيته لم يجز ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل صلاة المرأة فقال في أشد مكان من بيتها ظلمة فعلى هذا ينبغي أنها إذا التزمت الصلاة في المسجد الحرام فصلت في أشد مكان من بيتها ظلمة أن تخرج عن موجب نذرها وعند زفر رحمه الله تعالى لا تخرج والذى يوضح ما قلنا ان الناذر انما يلتزم بنذره ما هو من فعله لا ما ليس من فعله والمكان ليس من فعله فيكون هو بالنذر ملتزما للصلاة دون المكان وفى أي موضع صلي فقد أدى ما التزمه فيخرج عن موجب نذره وان كان الاداء في الموضع الذى عينه أفضل (قال) وان قال لله على أن أصوم شهرا متتابعا فأفطر يوما في الشهر استقبل الشهر من أوله لان ما يوجبه على نفسه معتبر بما أوجب الله تعالى عليه وما أوجب الله تعالى عليه من الصوم متتابعا إذا أفطر فيه يوما لزمه الاستقبال كصوم الظهار والقتل فكذلك ما يوجبه على نفسه بخلاف ما إذا أطلق النذر بالصوم فان ما أوجب الله تعالى عليه من الصوم مطلقا وهو قضاء رمضان إذا أفطر فيه يوما لا يلزمه الاستقبال فكذلك ما يوجبه على نفسه (قال) ولو قال لله على أن أصوم رجب متتابعا فأفطر فيه يوما فعليه قضاء ذلك اليوم وحده لان ما يوجبه على نفسه من الصوم في وقت بعينه معتبر بما أوجب الله عليه من الصوم في وقت بعينه وهو صوم رمضان وهذا لان ذكر التتابع في شهر بعينه غير معتبر لان المعين لا يعرف الا بصفته وانما ذكر الصفة لتعريف ما ليس بمعين فيعتبر ذلك عند اطلاق لفظ الشهر ولا يعتبر عند التعيين ولان أيام الشهر المعين تكون متجاورة لا متتابعة فذكر التتابع
[ 134 ]
في الشهر المعين وجوده كعدمه وكذلك لو قال لله على أن أصوم شهرا وهو يعنى رجب بعينه لان المنوي من محتملات لفظه فيجعل كالمصرح به وفى الكتاب أشار إلى فرق آخر فقال في الشهر المعين إذا أفطر يوما فقد عجز عن أداء الصوم على الوجه الذى التزمه لانه لو استقبل الصوم لم يكن مؤديا في ذلك الوقت الذى أوجبه على نفسه وعند اطلاق الشهر بعد ما أفطر يوما هو قادر على أن يصوم شهرا متتابعا كما التزمه فلهذا أوجبنا عليه الاستقبال (قال) وان أراد بقوله لله على يمينا كفر عن يمينه مع قضاء ذلك اليوم في الشهر المعين لان المنوي من محتملات لفظه فان في النذر معنى اليمين قال صلى الله عليه وسلم النذر يمين وكفارته كفارة اليمين وقد حنث حين أفطر يوما فعليه الكفارة والقضاء لان ظاهر كلامه نذر وهذا قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وأما عند أبي يوسف رحمه الله تعالى ان أراد به اليمين فعليه الكفارة دون القضاء وان أراد النذر أو أرادهما فعليه القضاء دون الكفارة لان لفظه للنذر حقيقة ولليمين مجازا ولا يجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد ولكنا نقول قوله لله على يمين فان اللام والباء يتعاقبان قال الله آمنتم به وفي موضع آخر قال آمنتم له فقوله لله بمنزلة قوله بالله وقال ابن عباس رضى الله عنه دخل آدم الجنة فلله ما غربت الشمس حتى خرج معناه بالله وقوله على نذر فانما أثبتنا كل واحد من الحكمين بلفظ آخر ثم الحالف يلتزم البر حقا لله تعالى والناذر يلتزم الوفاء حقا لله تعالى فكان اللفظ محتملا لكل واحد منهما لا أن يكون حقيقة لاحدهما مجازا للآخر فيكون بمنزلة اللفظ العام الا ان عند الاطلاق يحمل على النذر لغلبة الاستعمال فإذا نوى اليمين مع ذلك كان اللفظ متناولا لهما بمنزلة اللفظ العام في كونه متناولا لجميع محتملاته (قال) ولو قال لله على صوم يوم فأصبح من الغد لا ينوى صوما فلم تزل الشمس حتى نوى ان يصومه عن نذره لم يجزه ذلك بخلاف ما إذا قال لله على صوم غد لان ما يوجبه على نفسه في الوجهين معتبر بما أوجب الله تعالى عليه من الصوم في وقت بعينه وهو صوم رمضان يتأدى بالنية قبل الزوال وما كان في وقت بغير عينه لا يتأدى الا بنية من الليل نحو قضاء رمضان فكذلك ما يوجب على نفسه في الوجهين وهذا المعنيين أحدهما ان عند تعيين اليوم امساكه في أول النهار يتوقف على الصوم المنذور عند وجود النية فإذا وجدت النية قبل الزوال استندت إلى أول النهار لتوقف الامساك عليه وذلك لا يوجد فيما إذا أطلق النذر والثانى أن في النذر المعين إذا ترك النية من الليل فقد تحقق عجزه
[ 135 ]
عن أدائه بصفة الكمال كما التزمه فجوزناه بضرب نقصان بطريق اقامة النية في أكثر النهار مقام النية في جميع النهار لاجل العجز وذلك لا يوجد فيما إذا لم يعين الوقت فانه قادر على أن يصوم يوما آخر بصفة الكمال كما التزمه ثم هنا ذكر النية قبل الزوال وفي كتاب الصوم قبل انتصاف النهار وهو الصحيح لان الشرط وجود النية في أكثر وقت الصوم وذلك لا يوجد إذا نوى قبل الزوال لان ساعة الزوال نصف النهار من طلوع الشمس ووقت الصوم من طلوع الفجر فانما يشترط وجود النية في وقت الضحوة على وجه تكون النية موجودة في أكثر وقت الصوم فإذا نوى بالنهار في النذر المطلق لم يجزه عن المنذور وكان صائما عن التطوع والمستحب له أن يتمه فان أفطر فلا قضاء عليه عندنا. وقال زفر رحمه الله الله تعالى عليه القضاء وأصل المسألة فيما إذا شرع في الصوم على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه وقد بينا ذلك في كتاب الصوم وانما شبهنا هذه المسألة بتلك المسألة لان في الموضعين جميعا انما قصد اسقاط الواجب عن نفسه وما قصد التنفل بالصوم وانما جعل شارعا في النفل من غير قصده على سبيل النظر له لكيلا يضيع سعيه لا على سبيل الايجاب عليه فإذا أفطر لم يلزمه القضاء (قال) ولو قال لله على أن أصوم غدا ثم أصبح فنوى أن يصوم تطوعا فانه يكون صومه مما أوجبه على نفسه بخلاف ما إذا أطلق النذر وهذا للاصل الذى بيناه أن ما أوجب الله في وقت بعينه وهو صوم رمضان يتأدى بمطلق النية وبنية النفل وما أوجب الله تعالى عليه من الصوم في وقت بغير عينه لا يتأدى الا بتعيين النية فكذلك ما أوجبه على نفسه وهذا لان الناذر لا يجعل بنذره ما ليس بمشروع مشروعا ولكن يجعل ما كان مشروعا نفلا في الوقت واجبا على نفسه ففي النذر المعين انما التزم الصوم المشروع في هذا الزمان وقد أصابه بمطلق النية وبنية النفل الا ترى أنه قبل النذر كان مصيبا له بهذه النية فكذلك بعد النذر وعند اطلاق النذر الواجب في ذمته والمشروع في هذا اليوم غير متعين لما هو الواجب في ذمته فانما يكون بمطلق النية وبنية النفل مصيبا للمشروع في هذا الوقت وهو التطوع فلا يكون محولا عن ذمته ما التزمه فيها إلى المشروع في هذا الوقت بدون تعيين النية (قال) ولو قال لله على ان أصوم رجب ثم ظاهر من امرأته فصام شهرين متتابعين أحدهما رجب اجزاه من الظهار كما نواه وعليه قضاء المنذور بخلاف ما إذا صام عن ظهاره شهرين أحدهما رمضان وهو مقيم فان صومه
[ 136 ]
يكون عن فرض رمضان وأشار إلى الفرق بينهما في الكتاب فقال لان صوم الظهار مثل صوم المنذور من حيث ان كل واحد منهما وجب بسبب من جهته فعن ايهما نواه كان عن ذلك واما صوم رمضان أقوى من صوم الظهار لانه واجب بايجاب الله تعالى ابتداء وصوم الظهار انما وجب بسبب من جهة العبد والضعيف لا يظهر في مقابلة القوى فلهذا كان صومه عن فرض رمضان على كل حال ولكن هذا ليس بقوى فانه لا مساواة بين صوم الظهار وصوم المنذور لان المنذور هو المشروع في رجب نفسه وصوم الظهار واجب في ذمته فينبغي ان يترجح المنذور باعتبار السبق لان صوم الظهار انما يتحول من ذمته إلى المشروع في الوقت بنيته وقد كان النذر سابقا على هذه النية ولان المشروع في الوقت لما صار واجبا عليه بنذره لا يبقى صالحا لصوم الظهار لان ما في ذمته انما يتأدى بما كان مشروعا في الوقت له لا عليه فالفرق الصحيح بينهما ان قبل نذره كان الصوم المشروع في رجب صالحا لاداء صوم الظهار فلا يتغير ذلك بنذره لانه يوجب على نفسه بنذره ما لم يكن واجبا عليه ولكن لا ينفى صلاحيته لغيره إذ ليس ذلك تحت ولاية العبد فإذا بقى بعد نذره صالحا لاداء صوم الظهار به تأدى بنيته وأما صوم رمضان فقد جعله الشرع فرضا عليه ومن ضرورته أن لا ينفي صالحا لاداء صوم الظهار به وللشرع هذه الولاية فإذا لم يبق صالحا لاداء صوم الظهار به تلغو نيته عن الظهار به وانتفاء الصلاحية من ضرورة وجوب الاداء عن فرض رمضان حتى ان في حق المسافر لما لم يكن الاداء في الشهر واجبا عليه فإذا نواه عن الظهار كان عن الظهار في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ومسألة النذر بمنزلة المسافر في صوم رمضان ثم في مسألة النذر إذا كان نوى اليمين لم تلزمه الكفارة لان شرط بره أن يكون صائما في رجب لا أن يكون صومه عن المنذور وقد وجد ذلك وان صامه عن الظهار (قال) والمجنونة والنائمة إذا جامعهما زوجهما وهما صائمتان في رمضان فعليهما القضاء دون الكفارة لان وجوب الكفارة يستدعى جناية متكاملة فانها ستارة للذنب ولم يوجد ذلك في حقهما ووجوب القضاء لانعدام اداء الصوم في الوقت وقد وجد ذلك في حقهما فان الصوم لا يتأدى مع فوات ركنه وقد انعدم ركن الصوم في حقهما مع قيام العذر وقد بينا خلاف زفر رحمه الله تعالى في هذه المسألة في كتاب الصوم (قال) هنا ألا ترى انهما لو قتلا رجلا خطأ لم يكن عليهما في ذلك كفارة ولا تحرمان الميراث (قال) رحمه
[ 137 ]
الله تعالى وهذا صحيح في حق المجنونة غلط في حق النائمة فالرواية محفوظ ان النائم إذا انقلب على مورثه فقتله تلزمه الكفارة ويحرم الميراث ثم هذا الاستشهاد ضعيف فان كفارة القتل لا تستدعى جناية متكاملة ولهذا تجب علي الخاطئ بخلاف كفارة الفطر (قال) وإذا خاف الرجل وهو صائم ان هو لم يفطر تزداد عينه وجعا أو تزداد حماه شدة فينبغي ان يفطر لان الله تعالى رخص للمريض في الفطر بقوله فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وهذا مريض لان وجع العين نوع مرض والحمى كذلك ثم إن الله تعالى بين المعنى فيه فقال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وفى ايجاب أداء الصوم مع هذا الخوف عسر فينبغي له ان يأخذ باليسر فيه ويترخص بالفطر قال صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى يحب ان تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى كل من كان له أن يفطر في يوم فأفطر فيه بعد ما صام فلا كفارة عليه وهذا قول أصحابنا جميعا لان صوم اليوم الواحد لا يتجزى وجوبا كما لا يتجزى أداء فإذا لم يكن الاداء واجبا في جزء من النهار لا تتكامل الجناية بالفطر فيه ولان الكفارة في رمضان تسقط بالشبهة ولهذا لا تجب على المتسحر الذى لا يعلم بطلوع الفجر وعلى المفطر الذي يرى ان الشمس قد غابت ولم تغب واباحة الفطر له في جزء من اليوم يكون شبهة قوية في المحل فانه ينعدم بها استحقاق الاداء ولا شبهة أقوى من ذلك والشبهة في المحل مسقطة للكفارة سواء علم بها أو لم يعلم الا ترى ان من وطئ جارية ابنه لا يلزمه الحد سواء علم بالحرمة أو لم يعلم لشبهة في المحل باعتبار ان مال الولد مضاف إلى والده شرعا وبيان هذا الاصل انه إذا أصبح مريضا أو مسافرا في أول النهار ونوى الصوم ثم برئ من مرضه أو صار مقيما ثم أفطر فلا كفارة عليه لانه كان له أن يفطر في أول النهار وكذلك لو كان صحيحا مقيما في أول النهار ثم مرض في آخره فأفطر لانه لما عجز عن الصوم بسبب المرض صار الفطر مباحا له ولو سافر في آخر النهار ثم أفطر لم يكن عليه الكفارة لا لان الفطر صار مباحا له فانه إذا شرع في الصوم وهو مقيم ثم سافر لا يباح له الفطر ولكن لان السفر في الاصل مبيح للفطر فإذا اقترن بالسبب الموجب للكفارة يكون مورثا شبهة مسقطة للكفارة وان لم يصر الفطر مباحا له بمنزلة النكاح الفاسد يكون مسقطا للحد وان لم يكن مبيحا للوطئ وخرج على هذا الاصل ما إذا أصبحت المرأة صائمة ثم أفطرت ثم حاضت أو أصبح الرجل صائما ثم أفطر ثم مرض وقد بينا هذه
[ 138 ]
المسائل في كتاب الصوم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصوب (باب ما يجب فيه القضاء والكفارة وما يجب فيه القضاء دون) (الكفارة وما يجوز من الشهادة على رؤية الهلال وما لا يجوز) (قال) رضى الله عنه ومن ابتلع جوزة رطبة وهو صائم فعليه القضاء ولا كفارة عليه وان ابتلع لوزة رطبة أو بطيخة صغيرة فعليه القضاء والكفارة والاصل في هذا أنه متى حصل الفطر بما لا يتغذى به أو يتداوى به عادة فعليه القضاء دون الكفارة لان وجوب الكفارة يستدعى كمال الجناية والجناية تتكامل بتناول ما يتغذى به أو يتداوى به لانعدام الامساك صورة ومعنى ولا تتكامل الجناية بتناول ما لا يتغذى به ولا يتداوى به لان الامساك ينعدم به صورة لا معنى ولان الكفارة مشروعة للزجر والطباع السليمة تدعو إلى تناول ما يتغذى به وما يتداوى به لما فيه من اصلاح البدن فتقع الحاجة إلى شرع الزاجر فيه ولا تدعو الطباع السليمة إلى تناول ما لا يتغذى به ولا يتداوى به فلا حاجة لشرع الزاجر فيه إذا عرفنا هذا فنقول الجوزة الرطبة لا تؤكل كما هي عادة واللوزة الرطبة تؤكل كما هي عادة وهذا إذا ابتلع الجوزة فأما إذا مضغها وهي رطبة أو يابسة فعليه الكفارة ذكره الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى لانه تناول لبها ولب الجوز مما يتغذى به وأكثر ما فيه انه جمع بين ما يتغذى به وبين ما لا يتغذى به في التناول وذلك موجب للكفارة عليه وإذا ابتلع أهليلجة فعليه القضاء والكفارة أراد به الدواء أو لم يرد هكذا ذكره ابن سماعة وهشام عن محمد رحمهم الله تعالى وذكر بان رستم عن محمد رحمهما الله تعالى ان عليه القضاء دون الكفارة قال لانها لا تؤكل كما هي للتداوي عادة والاصح ما ذكره هنا فان الهليلجة مما يتداوى به فسواء أكلها على الوجه المعتاد أو على غير الوجه المعتاد قلنا انه تجب عليه الكفارة وكذلك ان أكل مسكا أو غالية أو زعفرانا فعليه القضاء والكفارة لان هذه الاشياء تؤكل عادة للتغذي أو للتداوي وذكر الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى انه لو أكل عجينا لا تلزمه الكفارة لان العجين لا يؤكل عادة قبل الطبخ ولا يدعو الطبع إلى تناوله وهكذا ذكر ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى وقال لو أكل الدقيق أيضا لا تلزمه الكفارة لانه يصير عجينا في فمه قبل ان يصل إلى جوفه (قال) ولو أكل حنطة يجب عليه القضاء
[ 139 ]
والكفارة لان الحنطة تؤكل كما هي عادة فانها مادامت رطبة تؤكل وبعد اليبس تغلى فتؤكل وتقلى فتؤكل (قال) ولو أكل طينا أرمنيا فعليه الكفارة ذكره ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى قال لانه بمنزلة الغاريقون يتداوى به قال ابن رستم فقلت له فان أكل من هذا الطين الذى يأكله الناس قال لا أعرف أحدا يأكله. وفى رواية أخرى عن محمد رحمه الله تعالى انه لا تلزمه الكفارة في الطين الارمني أيضا إذا أكله كما هو الا أن يسويه على الوجه المعتاد الذى يتداوى به والاول أصح (قال) ومن أفطر في شهر رمضان بعذر والشهر ثلاثون يوما فقضى شهرا بالاهلة وهو تسعة وعشرون يوما فعليه قضاء يوم آخر لقوله تعالى فعدة من أيام أخر ففي هذا بيان أن المعتبر في القضاء اكمال العدة بالايام (قال) ولو شهد رجل واحد برية هلال رمضان وبالسماء علة قبلت شهادته إذا كان عدلا وقد بينا هذه المسألة في كتاب الصوم والاستحسان وشرط في الكتاب ان يكون الشاهد عدلا والطحاوى يقول عدلا كان أو غير عدل قيل مراده انه يكتفي بالعدالة الظاهرة ولا يشترط ان يكون الشاهد عدلا في الباطن وقيل انما لا تشترط العدالة في هذا الموضع لانتفاء التهمة لانه يلزمه من الصوم ما يلزم غيره وانما لا يقبل خبر الفاسق لتمكن التهمة والاصح اشتراط العدالة فيه لان هذا من أمور الدين ولهذا يكتفي فيه بخبر الواحد وخبر الفاسق في باب الدين غير مقبول بمنزلة رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال) واما على الفطر فلا تقبل الا شهادة رجلين إذا كان بالسماء علة وأشار في بعض النوادر إلى الفرق فقال المتعلق بهلال رمضان هو الشروع في العبادة وخبر الواحد فيه مقبول كما لو أخبر باسلام رجل والمتعلق بهلال شوال الخروج من العبادة وذلك لا يثبت الا بشهادة رجلين كما في الشهادة على ردة المسلم وأشار هنا إلى فرق آخر فقال المتعلق بهلال شوال فيه منفعة للناس وهو الترخص بالفطر فيكون هذا نظير الشهادة على حقوق العباد والمتعلق بهلال رمضان محض حق الشرع وهو الصوم الذى هو عبادة يؤخذ فيها بالاحتياط فلهذا يكتفى فيه بخبر الواحد إذا كان بالسماء علة وهذا صحيح على ما روى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى انهم يصومون بخبر الواحد ولا يفطرون إذا لم يروا الهلال وان أكملوا العدة ثلاثين يوما بدون التيقن بانسلاخ رمضان للاخذ بالاحتياط في الجانبين فاما ابن سماعة يروى عن محمد رحمه الله تعالى انهم يفطرون إذا أكملوا العدة ثلاثين يوما لان صوم الفرض في رمضان لا يكون
[ 140 ]
أكثر من ثلاثين يوما وقال ابن سماعة فقلت لمحمد كيف يفطرون بشهادة الواحد قال لا يفطرون بشهادة الواحد بل يحكم الحاكم لانه لما حكم بدخول رمضان وأمر الناس بالصوم فمن ضرورته الحكم بانسلاخ رمضان بعد مضى ثلاثين يوما. والحاصل أن الفطر هنا مما تفضى إليه الشهادة لا أنه يكون ثابتا بشهادة الواحد وهو نظير شهادة القابلة على النسب فانها تكون مقبولة ثم يفضى ذلك إلى استحقاق الميراث والميراث لا يثبت بشهادة القابلة ابتداء ويستوى ان شهد رجل أو امرأة على شهادة نفسه أو على شهادة غيره حرا كان أو عبدا محدودا في القذف أو غير محدود بعد أن يكون عدلا في ظاهر الرواية بمنزلة رواية الاخبار فان الصحابة كانوا يقبلون رواية أبى بكرة بعد ما أقيم عليه حد القذف. وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى لا تقبل شهادة المحدود في القذف على رؤيه لهلال وان حسنت توبته لانه محكوم بكذبه شرعا قال الله تعالى فان لم يأتوا بالشهادة فأولئك عند الله هم الكاذبون فإذا كان المتهم بالكذب وهو الفاسق غير مقبول الشهادة هنا فالمحكوم بكذبه كان أولى فاما إذا لم يكن بالسماء علة فلا تقبل شهادة الواحد والمثنى حتى يكون أمر مشهورا ظاهرا في هلال رمضان وهكذا في هلال الفطر في رواية هذا الكتاب وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى قال تقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين بمنزلة حقوق العباد والاصل ما ذكر هنا فان في حقوق العباد انما تقبل شهادة رجلين إذا لم يكن هناك ظاهر يكذبهما وهنا الظاهر يكذبهما في هلال رمضان وفى هلال شوال جميعا لانهما أسوة سائر الناس في الموقف والمنظر وحدة البصر وموضع القمر فلا تقبل فيه الشهادة الا أن يكون أمرا مشهورا ظاهرا وقد بينا اختلاف الاقاويل في ذلك في كتاب الصوم (قال) ولو أن رجلا جامع امرأته ناسيا في رمضان فتذكر ذلك وهو مخالطها فقام عنها أو جامعها ليلا فانفجر الصبح وهو مخالطها فقام عنها من ساعته فلا قضاء عليه في الوجهين جميعا وقال زفر رحمه الله تعالى عليه القضاء في الوجهين لوجود جزء من المجامعة بعد التذكر وانفجار الصبح إلى أن نزع نفسه منها وذلك يكفي لا فساد الصوم ولكنا نقول ذلك مما لا يستطاع الامتناع عنه ومما لا يمكن التحرز عنه فهو عفو وأصل هذه المسألة فيما إذا حلف لا يلبس هذه الثوب وهو لابسه فنزعه من ساعته فهو حانث في القياس وهو قول زفر رحمه الله تعالى بوجود حرمة من اللبس بعد اليمين وفى الاستحسان لاحنث لان
[ 141 ]
مالا يستطاع الامتناع عنه فهو عفو يوضحه ان نزع النفس كف عن المجامعة والكف عن المجامعة ركن الصوم فلم يوجد منه بعد انفجار الصبح ولا بعد التذكر الا ما هو ركن الصوم وذلك غير مفسد لصومه. ألا ترى أن اللقمة لو كانت في فيه فألقاها بعد التذكر أو بعد انفجار الصبح لم يفسد صومه الا أن زفر رحمه الله تعالي يفرق فيقول الموجود هناك جزء من امساك اللقمة في فيه إلى أن يلقيها وذلك غير مفسد للصوم والموجود هنا جزء من الجماع وذلك مفسد للصوم. وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال في الناسي لا يفسد صومه إذا نزع نفسه كما تذكر وإذا انفجر الصبح فعليه القضاء وان نزع نفسه لان آخر الفعل من جنس أوله وأول الفعل من الناسي غير مفسد للصوم مع مصادفته وقت الصوم فكذلك آخره وأول انفعل في حق الذى انفجر له الصبح عمد مفسد للصوم إذا صادف وقت الصوم فكذلك آخره يوضحه ان الشروع في الصوم يكون عند طلوع الفجر فاقتران المجامعة بطلوع الفجر يمنع صحة الشروع في الصوم فيلزمه القضاء وفى حق الناسي شروعه في الصوم صحيح ولم يوجد بعده ما يفسد الصوم فلهذا لا يلزمه القضاء ولم يذكر في الكتاب أنه بعد ما نزع نفسه لو امني هل يلزمه القضاء أم لا قال رضى الله عنه والصحيح انه لا يفسد صومه لان مجرد خروج المنى لا يفسد الصوم وان كان على وجه الشهوة كما لو احتلم ولم يوجد بعد التذكر وطلوع الفجر الا ذلك وإذا أتم الفعل بعد التذكر وطلوع الفجر فعليه القضاء دون الكفارة عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى عليه القضاء والكفارة لوجود المجامعة بعد التذكر وطلوع الفجر والموجب للكفارة عنده الجماع المعدم للصوم وقد وجدنا فاما عندنا الموجب للكفارة هو الفطر على وجه تتكامل به الجناية وذلك لم يوجد فيما إذا طلع الفجر وهو مخالط لاهله فداوم على ذلك لان شروعه في الصوم لم يصح مع المجامعة والفطر انما يكون بعد الشروع في الصوم ولم يوجد ولئن كان الموجب للكفارة الجماع المعدم للصوم فالجماع هو ادخال الفرج في الفرج ولم يوجد منه بعد التذكر ولا بعد طلوع الفجر ادخال الفرج في الفرج وانما وجد منه الاستدامة وذلك غير الادخال الا ترى ان من حلف لا يدخل دار فلان وهو فيها لم يحنث وان مكث في الدار ساعة فهذا مثله ولو انه نزع نفسه ثم أولج ثانيا فعليه الكفارة بالاتفاق لانه وجد منه ابتداء المجامعة بعد صحة الشروع في الصوم مع التذكر فيكون عليه القضاء والكفارة وهذا على الرواية الظاهرة فيما إذا جامع ثانيا وهو يعلم ان
[ 142 ]
صومه لم يفسد به ثم أفطر بعد ذلك متعمدا فانه تلزمه الكفارة فاما على الرواية التى رويت عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انه لا يلزمه الكفارة وان كان عالما لشبهة القياس فهنا أيضا يقول لا تجب الكفارة (قال) ولو ان صائما ابتلع شيئا كان بين اسنانه فلا قضاء عليه سمسمة كانت أو أقل منها لان ذلك مغلوب لاحكم له كالذباب يطير في حلقه وان تناول سمسمة وابتلعها ابتداء فهو مفطر لان هذا يقصد ابطال صومه ومعنى هذا انه إذا أدخل سمسمة في فمه فابتلعها فقد وجد منه القصد إلى ايصال المفطر إلى جوفه وذلك مفسد لصومه فاما إذا كان باقيا بين اسنانه فلم يوجد منه القصد إلى ايصال المفطر إلى جوفه والذى بقى بين اسنانه تبع لريقه ولو ابتلع ريقه لم يفسد صومه فهذا مثله بوضح الفرق انه لا يمكنه التحرز عن اتصال ما بقى بين اسنانه إلى جوفه خصوصا إذا تسحر بالسويق وما لا يمكنه التحرز عنه فهو عفو الا ترى ان الصائم إذا تمضمض فانه يبقى في فمه بلة ثم تدخل بعد ذلك حلقه مع ريقه وأحد لا يقول بان ذلك يفطره وذكر الحسن بن أبي مالك عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى انه لو بقى لحم بين أسنان الصائم فابتلعه فعليه القضاء قال وهذا إذا كان قدر الحمصة أو أكثر فان كان دون ذلك فلا قضاء عليه فبهذه الرواية يظهر الفرق بين القليل الذى لا يستطاع الامتناع عنه وبين الكثير الذى يستطاع الامتناع عنه ثم في قدر الحمصة أو أكثر إذا ابتلعه فعليه القضاء دون الكفارة عند أبى يوسف رحمه الله تعالى وهو قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أيضا وعند زفر رحمه الله تعالى عليه القضاء والكفارة لان ذلك مما يتغذى به ولو أدخله في فميه وابتلعه كان عليه القضاء والكفارة فكذلك إذا كان باقيا بين اسنانه فابتلعه وليس فيه أكثر من انه متغير وذلك لا يمنع وجوب الكفارة عليه كما لو أفطر بلحم منتن ولكنا نقول ما بقى بين الاسنان مما لا يتغذى به ولا يتداوى به في العادة مقصودا فالفطر به لا يوجب الكفارة كالفطر بتناول الحصاة يوضحه انه لم يوجد منه ابتداء الاكل في حالة الصوم لان ابتداء الاكل بادخال الشئ في فيه واتمامه بالاتصال إلى جوفه وحين أدخل هذا في فيه لم يكن فعله جناية على الصوم فتتمكن الشبهة في حقه في فعله والكفارة تسقط بالشبهة ولو أن مسافرا صام في رمضان عن واجب آخر اجزأه من ذلك الواجب في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وعليه قضاء رمضان وفى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يقع صومه عن رمضان ولا يكون عن غيره بنيته مريضا كان أو مسافرا ولم يذكر قول أبى
[ 143 ]
حنيفة رحمه الله تعالى في المريض نصا ولكن أطلق الجواب في حق من كان مقيما أنه يكون صومه عن فرض رمضان وهو الصحيح لانه لا فرق في ذلك بين المريض والصحيح لان المريض انما يباح له الترخص بالفطر إذا كان عاجزا عن الصوم فاما إذا كان قادرا على الصوم فهو والصحيح سواء فيكون صومه عن فرض رمضان واما المسافر إذا نوى التطوع في رمضان فلا إشكال في قولهما انه يكون صومه عن فرض رمضان وعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان وجه قولهما ان المسافر انما يفارق المقيم في الترخص بالفطر فإذا ترك هذا الترخص كان هو والمقيم سواء وصوم المقيم لا يكون الا عن رمضان لانه لم يشرع في هذا الزمان الا هذا الصوم فنيته جهة أخرى تكون لغوا فكذلك في حق المسافر ولابي حنيفة رحمه الله تعالى حرفان أحدهما ان اداء صوم رمضان غير مستحق على المسافر في هذا الوقت ولكنه مخير بين الصوم والفطر مع قدرته على الصوم كالمقيم في شعبان ثم هناك يتأدى صومه عما نوى فكذلك هنا وعلى هذا الطريق يقول إذا نوى التطوع يكون صومه عن التطوع والطريق الآخر انه ما ترك الترخص حين نوى واجبا آخر كان مؤاخذ به ولكنه صرف صومه إلى ما هو أهم عليه لان الواجب الآخر دين في ذمته لو مات قبل ادراك عدة من أيام أخر كان مؤاخذا به فيكون هو مترخصا بصرف الصوم إلى ما هو الاهم فانه في رمضان لو مات قبل ادراك عدة من أيام أخر لم يكن مؤاخذا به وعلى هذا الطريق يقول إذا نوى التطوع كان صائما عن الفرض لانه ترك الترخص حين لم يصرف الصوم إلى ما هو الاهم عنده وإذا ترك الترخص كان هو والمقيم سواء فيكون صومه عن رمضان ولو قال لله على أن أصوم هذا اليوم شهرا فعليه ان يصوم ذلك اليوم كلما دار إلى تمام ثلاثين يوما منذ قال هذا القول فيكون صومه في أربعة أيام أو خمسة أيام من الشهر لان معنى كلامه لله على ان أصوم هذا اليوم كلما دار في شهر ويتعين له الشهر الذى يعقب نذره بمنزلة ما لو أجر داره شهرا ولو قال لله على ان أصوم هذا الشهر يوما كان عليه ان يصوم ذلك الشهر متى شاء وهو في سعة ما بينه وبين ان يموت لان معنى كلامه لله على ان أصوم هذا الشهر وقتا من الاوقات فيكون موسعا عليه في مدة عمره وحقيقة الفرق ان اليوم قد يكون بمعنى الوقت قال الله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره والمراد منه الوقت والرجل يقول انتظر يوم فلان أي وقت اقباله أو ادباره وقد يكون عبارة عن بياض النهار
[ 144 ]
على ضد الليل وهذا ظاهر فإذا قرنه بذكر الصوم عرفنا ان المراد بياض النهار لانه وقت للصوم ومعيار له ففي المسألة الاولى قرن اليوم بالصوم فقال أصوم هذا اليوم فحملناه على بياض النهار ثم ذكر الشهر لبيان مقدار الايام التى تناولها نذره وفى المسألة الثانية قرن الشهر بذكر اليوم فصار مقدار الصوم بذكر الشهر معلوما ثم ذكر اليوم بعد ذلك من غير ان جعله معيارا للصوم فعرفنا ان المراد به الوقت فجعلنا كانه قال أصوم هذا الشهر وقتا (قال) ولو قال لله على صوم هذا اليوم غدا فان قال هذا قبل الزوال ولم يكن أكل فيه شيئا فعليه صوم هذا اليوم وان قال بعد الزوال أو بعد ما أكل فلا شئ عليه ولو قال لله على صوم غد اليوم كان عليه الصوم غدا لانه ذكر الوقتين من غير أن ذكر بينهما حرف العطف فيكون المعتبر من كلامه أول الوقتين ذكرا ويلغو آخر الوقتين ذكرا وقد بينا هذا الاصل في الطلاق إذا قال لامرأته أنت طالق اليوم غدا فهى طالق اليوم ولو قال غدا اليوم تطلق غدا ففي المسألة الاولى المعتبر من كلامه ذكر اليوم فكأنه اقتصر على قوله لله على صوم هذا اليوم فان كان قبل الزوال ولم يكن أكل صح نذره والا فلا وفي المسألة الثانية المعتبر من كلامه قوله غدا فيكون ملتزما صوم الغد بنذره وذلك صحيح فان أفطر في الغد فعليه القضاء (قال) ولو قال لله على صوم الايام ولا نية له ففى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى عليه صوم عشرة أيام وفي قولهما عليه صوم سبعة أيام لان حرف اللام حرف العهد والمعهود هي الايام السبعة التى تدور عليها الشهور والسنون كلما مضت عادت فإليها ينصرف مطلق لفظه وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول ذكر الالف واللام دليل الكثرة فانما ينصرف كلامه إلى أكثر ما يتناوله اسم الايام في اللغة مقرونا بالعدد وذلك عشرة أيام لانه يقال لما بعد العشرة أحد عشر يوما وانما قلنا ان الالف واللام دليل الكثرة لانهما لاستغراق الجنس وقد بينا هذا في كتاب الايمان وعلى هذا الاصل إذا قال لله على صيام الشهور فعليه في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى عشرة أشهر لانه أكثر ما يتناوله لفظ الجمع مقرونا بالعدد فانه يقال عشرة أشهر أو شهور ثم يقال لما بعده أحد عشر شهرا وعندهما يلزمه صوم اثنى عشر شهرا باعتبار المعهود قال الله تعالى ان عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا وهى التى تدور عليها السنون وان قال لله على صيام شهور فعليه صيام ثلاثة أشهر لانه أدنى ما يتناوله اسم الجمع لانه ليس في كلامه حرف العهد ولا ما يدل على الكثرة ولو قال لله على صوم الجمع فعند أبى حنيفة رحمه الله
[ 145 ]
تعالي هذا على عشر جمع وعندهما على جمع العمر ولو قال لله على صوم جمع هذا الشهر فعليه أن يصوم كل جمعة تمر عليه في ذلك الشهر لان الجمع جمع جمعة وهو اسم لليوم الذى تقام فيه صلاة الجمعة وقد روى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه يلزمه صوم جميع ذلك الشهر لان الجمعة تذكر بمعنى الاسبوع في العادة يقول الرجل لغيره لم القك منذ جمعة وانما يريد به الاسبوع قال رضى الله عنه والاصح ما ذكر في ظاهر الرواية لانه لا يلزمه بالنذر الا القدر المتيقن به وكل واحد من هذين المعنيين من محتملات كلامه فيلزمه المتيقن ولو قال لله على صوم أيام الجمعة كان عليه صوم سبعة أيام لان الايام اسم جمع فيه يتبين أن مراده الاسبوع دون اليوم الذى تقام فيه الجمعة خاصة ولو قال لله على صوم جمعة فهذا على وجهين قد يقع على أيام الجمعة السبعة وقد يقع على الجمعة بعينها فأى ذلك نوى عملت نيته وان لم تكن له نية فهذا على أيام الجمعة سبعة أيام وهذا يؤيد رواية أبى يوسف رحمه الله تعالى في الفصل الاول فانه لم يعتبر المتيقن هنا واعتبر ما تعارفه الناس ولكن الفرق بينهما في ظاهر الرواية أن هنا ذكر الجمعة مطلقا ولو كان المراد بهذا اللفظ اليوم الذى تقام فيه الجمعة لقيد بذكر اليوم فترك التقييد هنا دليل على ان مراده الايام السبعة وفى الفصل الاول وان لم يذكر اليوم ففي لفظه ما يدل على أنه هو المراد لانه أضاف الجمع إلى الشهر فذلك دليل على أن مراده أيام الجمعة التى تدور في الشهر (قال) ولو قال لله على صوم كذا كذا يوما فان نوى عددا هو من محتملات لفظه كان على ما نوى وان لم يكن له نية فهو على أحد عشر يوما لان كذا اسم لعدد مبهم فقد ذكر عددين مبهمين ليس بينهما حرف العطف وأقل عددين مفسرين ليس بينهما حرف العطف أحد عشر فعلى ذلك يحمل ما ذكر من العددين المبهمين ولو قال كذا وكذا يوما لزمه صوم احد وعشرين يوما لانه ذكر حرف العطف بين العددين المبهمين وأقل عددين مفسرين بينهما حرف العطف احد وعشرون فعلى ذلك يحمل مبهم كلامه إذا لم ينو شيئا آخر (قال) ولو قال لله على صوم بضعة عشر يوما لزمه صيام ثلاثة عشر يوما لان البضع أدناه الثلاثة على ما روى انه لما نزل قوله تعالى وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين خاطر أبو بكر مع قريش على ان الروم تغلب فارس في ثلاث سنين إلى ان قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كم تعدون البضع فيكم فقال من الثلاث إلى سبع فقال عليه الصلاة والسلام زد في الخطر وأبعد في الاجل فقد بين ان أدنى ما
[ 146 ]
يتناوله اسم البضع ثلاثة فانما يلزمه القدر المتيقن فلهذا كان عليه صيام ثلاثة عشر يوما (قال) ولو قال لله على صوم السنين فهو على عشر سنين في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى للاصل الذي بينا له وفى قولهما ان نوى شيئا فهو على ما نوى وان لم يكن له نية فهو على جميع العمر لانه ليس في السنين شئ معهود فيحمل لفظه على استغراق الجنس وذلك جميع عمره في حقه (قال) ولو قال لله على صوم زمان أو صوم الزمان فهذا على ستة أشهر لان الزمان والحين يستعملان استعمالا واحدا فان الرجل يقول لغيره لم ألقك منذ زمان لم ألقك منذ حين ولفظ الحين يتناول ستة أشهر سواء قرن به الالف واللام أو لم يقرن فكذلك لفظ الزمان وانما حملنا لفظ الحين على ستة أشهر لقوله تعالى تؤتى أكلها كل حين باذن ربها. قال ابن عباس رضى الله تعالى عنه المراد ستة أشهر ثم لفظ الحين في كتاب الله تعالى ورد بمعنى أشياء بمعنى الوقت قال الله تعالى حين تمسون وحين تصبحون والمراد وقت الصلاة وبمعنى أربعين سنة. قال الله تعالى هل أتى على الانسان حين من الدهر والمراد أربعون سنة وبمعنى قيام الساعة قال الله تعالى فذرهم في غمرتهم حتى حين يعنى قيام الساعة وقد علمنا أنه لم يرد بنذره ساعة واحدة ولا أربعين سنة لان بقاء الآدمى إلى هذه المدة الطويلة للصوم فيها نادر فعرفنا أن المراد ستة أشهر وهو المتوسط في هذه الاعداد وخير الامور أوسطها ولو قال لله على صوم أبد أو الابد فهو على جميع العمر لان الابد مالا غاية له ولكن علمنا أنه لم يرد به زيادة على مدة عمره وان قال صوم الدهر فأبو حنيفة رحمه الله تعالى لم يوقت فيه شيئا وقال لا أدري ما الدهر وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى جعلا لفظ الدهر كلفظ الحين والزمان وقد بينا ذلك في كتاب الايمان والنذور والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب (بسم الله الرحمن الرحيم) (كتاب الحيض) (قال) الشيخ الامام الاجل الزاهد شمس الائمة أبو بكر محمد بن أبى سهل السرخسى رحمه الله تعالى املاء اعلم بأن ما اختصره الحاكم من تصنيف محمد بن الحسن في الحيض قاصر مبهم لا يتم المقصود به فوقعت الحاجة لهذا إلى الاستعانة بما خرجه المشايخ وما
[ 147 ]
اختاروا من الاقاويل فيه فذكرت ذلك في شرح الكتاب فوقع في البيان بعض البسط لهذا فنقول وبالله التوفيق الحيض في اللغة هو الدم الخارج ومنه يقال حاضت الارنب وحاضت الشجرة إذا خرج منها الصمغ الاحمر وفى الشريعة اسم لدم مخصوص وهو أن يكون ممتدا خارجا من موضع مخصوص وهو القبل الذى هو موضع الولادة والمباضعة بصفة مخصوصة فان وجد ذلك كله فهو حيض والا فهو استحاضة والاستحاصة استفعال من الحيض قالت فاطمة بنت قيس رضى الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم انى أستحاض فلا أطهر فقال صلى الله عليه وسلم ليس ذلك دم حيض انما هو عرق امتد أو داء اعترض توضئي لكل صلاة أشار إلى انه فاسد لا يتعلق به ما يتعلق بالصحيح والفرق بين الصحيح والفاسد من الدماء من أهم ما يحتاج إلى معرفته في هذا الكتاب فنقول الفاسد من الدماء أنواع فمنها ما نقص عن أقل مدة الحيض لان التقدير الشرعي يمنع ان يكون لما دون المقدر حكم المقدر وينبنى على هذا اختلاف العلماء في أقل مدة الحيض عندنا ثلاثة أيام ولياليها وقال ابن سماعة عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى يومان والاكثر من اليوم الثالث وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى ثلاثة أيام بما يتخللها من الليالى وذلك ليلتان وقال الشافعي رحمه الله تعالى يوم وليلة وقال مالك رحمه الله تعالى بقدر ما يوجد ولو ساعة احتج بأن هذا نوع حدث فلا يتقدر أقله بشئ كسائر الاحداث أقربها دم النفاس لكنا نقول في الفرق بينهما ان دم النفاس يخرج عقيب خروج الولد فيستدل بما تقدمه على انه من الرحم فلا حاجة إلى التقدير فيه بالمدة. فاما الحيض فليس يسبقه علامة يستدل بها على انه من الرحم فجعلنا العلامة فيه الامتداد ليستدل به على انه ليس بدم عرق ثم قدره الشافعي رحمه الله تعالى بيوم وليلة تحرزا عن الكبر فقال لما استوعب السيلان جميع الساعات عرفنا انه من الرحم فلا حاجة إلى الاستظهار بشئ آخر ونحن قدرنا بثلاثة أيام بالنص وهو ما روى أبو أمامة الباهلى رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام وهو مروي عن عمر وعلى وابن مسعود وابن عباس وعثمان بن أبى العاص الثقفي وأنس بن مالك رضى الله عنهم والمقادير لا تعرف قياسا فما نقل عنهم كالمروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابي يوسف رحمه الله تعالى أن الاكثر من اليوم الثالث يقام مقام الكمال لمعنى وهو أن الدم من المرأة لا يسيل على الولاء لان ذلك يضنيها ويجحفها ولكنه يسيل تارة وينقطع أخرى. وجه رواية
[ 148 ]
الحسن رحمه الله تعالى أن في الآثار ذكر التقدير بالايام فجعلنا الثلاثة من الايام أصلا وما يتخللها من الليالى يتبعها ضرورة ومن الدماء الفاسدة أن يتجاوز أكثر مدة الحيض فان أكثره مقدر شرعا فلا يكون لما زاد عليه حكمه إذ يفوت به فائدة التقدير الشرعي واليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله المستحاضة تدع الصلاة أيام اقرائها وعلى هذا ينبنى اختلافهم في أكثر مدة الحيض فعندنا عشر أيام ولياليها لما روينا من الآثار. وقال الشافعي رحمه الله تعالى خمسة عشر يوما لقوله صلى الله عليه وسلم في نقصان دين المرأة تقعد احداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلى والمراد زمان الحيض والحيض والطهر يجتمعان في الشهر عادة ولهذا جعل الله تعالى عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء فيتعين شطر كل شهر للحيض وذلك خمسة عشر يوما ولكنا نقول ليس المراد حقيقة الشطر ففى عمرها زمان الصغر ومدة الحبل وزمان الاياس ولا تحيض في شئ من ذلك فعرفنا أن المراد ما يقارب الشطر وإذا قدرنا بالعشرة فقد جعلنا ما يقارب الشطر حيضا فأما أقل مدة الطهر خمسة عشر يوما عندنا والشافعي رحمه الله تعالى. وقال عطاء تسعة عشر يوما قال لان الشهر يشتمل على الحيض والطهر عادة وقد يكون الشهر تسعة وعشرين يوما فإذا كان أكثر الحيض عشرة بقى الطهر تسعة عشر ولكنا نقول ان مدة الطهر نظير مدة الاقامة من حيث انها تعيد ما كان سقط من الصوم والصلاة قد ثبت بالاخبار ان أقل مدة الاقامة خمسة عشر يوما فكذلك أقل مدة الطهر ولهذا قدرنا أقل مدة الحيض بثلاثة أيام اعتبارا بأقل مدة السفر فان كل واحد منهما يؤثر في الصوم والصلاة وقد ثبت لنا ان أقل مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها فكذلك هذا فأما أكثر مدة الطهر فلا غاية له الا إذا ابتليت بالاستمرار حتى ضلت أيامها ووقعت الحاجة إلى نصب العادة لها فحينئذ فيه اختلاف قال أبو عصمة سعد بن معاذ المروزى لا يتقدر أكثر طهرها بشئ ولا تنقضي عدتها أبدا لان نصب المقادير بالتوقيف لا بالرأى وكان محمد بن ابراهيم الميداني يقول يتقدر أكثر الطهر في حقها بستة أشهر الا ساعة قال لان الطهر المتخلل بين الدمين دون مدة الحبل عادة وأدنى مدة الحبل ستة أشهر فقدرنا أكثر مدة الطهر بستة أشهر الا ساعة فإذا طلقها زوجها تنقضي عدتها بتسعة عشر شهرا وعشرة أيام الا ثلاث ساعات لجواز أن يكون الطلاق في أول الحيض وهذه الحيضة لا تحسب من العدة فتحتاج إلى عشرة أيام وثلاثة أطهار كل طهر ستة
[ 149 ]
أشهر الا ساعة وثلاث حيض كل حيضة عشرة أيام وكان الزعفراني يقول أكثر الطهر يتقدر في حقها بسبعة وعشرين يوما لان الشهر يشتمل على الحيض والطهر وأقل الحيض ثلاثة فبقى الطهر سبعة وعشرين يوما وكان أبو سهل الغزالي يقول بأنه يتقدر أكثر الطهر في حقها بشهرين فقد لا ترى المرأة الحيض في كل شهر عادة. ومن الدماء الفاسدة ما جاوز أكثر مدة النفاس وينبني عليه اختلاف العلماء في أكثر مدة النفاس فعندنا أربعون يوما. وقال الشافعي رحمه الله تعالى ستون يوما. وقال مالك رحمه الله تعالى سبعون يوما وانما قدرنا بالاربعين لحديث عبد الله بن باباه رضي الله عنه وكان من التابعين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال تقعد النفساء ما بينها وبين أربعين يوما الا ان ترى طهرا قبل ذلك وفى حديث أم سلمة رضى الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال تنتظر النفساء ما بينها وبين أربعين صباحا الا ان ترى طهرا قبل ذلك وفي الحقيقة بيننا وبين الشافعي رحمه الله تعالى اتفاق لان أكثر النفاس أربعة أمثال أكثر الحيض الا ان عنده أكثر الحيض خمسة عشر يوما فأربعة أمثاله ستون يوما وعندنا أكثر الحيض عشرة فأربعة أمثاله أربعون يوما. ومن الدماء الفاسدة ما تراه الحامل فقد ثبت لنا ان الحامل لا تحيض وذلك مروى عن عائشة رضى الله عنها وعرف انها إذا حبلت انسد فم رحمها فالدم المرئى ليس من الرحم فيكون فاسدا. ومن الدماء الفاسدة ما تراه الصغيرة جدا لانه سبق أو انه فلا يعطى له حكم الصحة إذ لو جعلناه حيضا حكمنا ببلوغها به ضرورة وذلك محال في الصغيرة جدا واختلف مشايخنا في أدنى المدة التى يجوز الحكم فيها ببلوغ الصغيرة فكان محمد بن مقاتل الرازي رحمه الله تعالى يقدر ذلك بتسع سنين لان النبي صلى الله عليه وسلم بني بعائشة رضى الله عنها وهي بنت تسع سنين والظاهر انه بني بها بعد البلوغ وكان لابي مطيع البلخى ابنة صارت جدة وهي بنت تسعة عشرة سنة حتى قال فضحتنا هذه الجارية ومن مشايخنا من قدر ذلك بسبع سنين لقوله صلى الله عليه وسلم مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا والامر حقيقة للوجوب وذلك بعد البلوغ وسئل أبو نصر محمد بن سلام رحمهما الله تعالى عن ابنة ست سنين إذا رأت الدم هل يكون حيضا فقال نعم إذا تمادى بها مدة الحيض ولم يكن نزوله لآفة وأكثر المشايخ على ماله محمد بن مقاتل رحمه الله تعالى لان رؤية الدم فيما دون ذلك نادر ولا حكم للنادر. ومن الدماء الفاسدة ما تراه الكبيرة جدا الا ان محمدا رحمه الله تعالى ذكر في نوادر الصلاة ان العجوز الكبيرة إذا رأت الدم مدة
[ 150 ]
الحيض كان حيضا وكان محمد بن مقاتل الرازي رحمه الله تعالى يقول هذا إذا لم يحكم باياسها أما إذا انقطع عنها الدم زمانا حتى حكم باياسها وكانت بنت تسعين سنة أو نحو ذلك فرأت الدم بعد ذلك لم يكن حيضا وكان محمد بن ابراهيم الميداني رحمه الله تعالى يقول ان رأت دما ساثلا كما تراه في زمان حيضها فهو حيض وان رأت بلة يسيرة لم يكن ذلك حيضا بل ذلك بلل من فم الرحم فكان فاسدا لا يتعلق به حكم الحيض فهذا بيان أنواع الدماء الفاسدة. (فصل ألوان ما تراه المرأة فم أيام الحيض) ستة السواد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والتربية أما السواد فغير مشكل انه حيض لقوله صلى الله عليه وسلم دم الحيض اسود عبيط محتدم والحمرة كذلك فهو اللون الاصلى للدم الا ان عند غلبة السوداء يضرب إلى السواد وعند غلبة الصفراء يرق فيضرب إلى الصفرة ويتبين ذلك لمن افتصد والصفرة كذلك حيض لانها من ألوان الدم إذا رق وقيل هو كصفرة السن أو كصفرة التبن أو كصفرة القز واما الكدرة فلون كلون الماء الكدر وهو حيض في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى سواء رأت في أول أيامها أو في آخر أيامها وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى ان رأت الكدرة في أول أيامها لم يكن حيضا وان رأت في آخر أيامها يكون حيضا قال لان الكدرة من كل شئ تتبع صافيه فإذا تقدمه دم أمكن جعل الكدرة حيضا تبعا فاما إذا لم يتقدمها دم لو جعلناه حيضا كان مقصودا لا تبعا وهما يقولان ما يكون حيضا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة لان جميع مدة الحيض في حكم وقت واحد وما قاله أبو يوسف رحمه الله تعالى فيما إذا كان النقب من أعلى الظرف فأما إذا كان النقب من أسفله فالكدرة يسبق خروجها الصافى وهنا النقب من أسفل فجعلنا الكدرة حيضا وان رأته ابتداء وأما الخضرة فقد أنكر بعض مشايخنا وجودها حتى قال أبو نصر بن سلام حين سئل عن الخضرة كأنها أكلت قصيلا على طريق الاستبعاد وذكر أبو على الدقاق ان الخضرة نوع من الكدرة والجواب فيها على الاختلاف الذى بينا وأما التربية فهو ما يكون لونه كلون التراب وهو نوع من الكدرة. وقد روى عن أم عطية وكانت غزت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنتى عشرة غزوة قالت كنا نعد التربية حيضا والاصل فيه قوله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى وجميع هذه الالوان في حكم
[ 151 ]
الاذى سواء. وروى أن النساء كن يبعثن بالكرسف إلى عائشة رضى الله عنها لتنظر فكانت إذا رأت كدرة قالت لا حتى ترين القصة البيضاء يعنى البياض الخالص والقصة الطين الذى يغسل به الرأس وهو أبيض يضرب لونه إلى الصفرة فانما أرادت أنها لا تخرج من الحيض حتى ترى البياض الخالص والله سبحانه وتعالى أعلم (فصل) اعلم بأن حكم الحيض والنفاس والاستحاضة لا يثبت الا بظهور الدم وبروزه وقد روى عن محمد رحمه الله تعالى في غير الاصول أن حكم الحيض والنفاس يثبت إذا أحست بالبروز وان لم يظهر وحكم الاستحاضة لا يثبت الا بالظهور وفرق بينهما فقال للحيض والنفاس وقت معلوم فيمكن اثبات حكمهما باعتبار وقتهما إذا أحسنت بالبروز والاستحاضة حدث كسائر الاحداث ليس له وقت معلوم لاثبات حكمه فلا يثبت حكمه الا بالظهور والفتوى على القول الاول لما روى أن امرأة قالت لعائشة رضى الله تعالى عنا إن فلانة تدعو بالمصباح ليلا لتنظر إلى نفسها فقالت ما كانت احدانا تتكلف لذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها تعرف ذلك بالمس فهو اشارة منها إلى الظهور ولان ما لم يظهر فهو في معدنه والشئ في معدنه لا يعطى له حكم الظهور ما لم يظهر إذا عرفنا هذا فنقول للمرأة فرجان داخل وخارج فالفرج الخارج بمنزلة الاليتين من الدبر فإذا وضعت الكرسف فاما أن تضعه في الفرج الداخل أو في الفرج الخارج فإذا وضعته في الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل من الكرسف كان ذلك حيضا وان لم ينفذ إلى الجانب الخارج لانه صار ظاهرا بهذا القدر من الخروج وان وضعته في الفرج الداخل فابتل الجانب الداخل من الكرسف لم يكن حيضا فان نفذت البلة إلى الجانب الخارج نظر فان كانت القطنة عالية أو محاذية لحرف الفرج كان حيضا لظهور البلة وان كانت متسفلة لم يكن حيضا وعلى هذا لو حشى الرجل احليله بقطنة فابتل الجانب الداخل من القطنة لم ينتقض وضوءه وان تعدت ابلة إلى الجانب الخارج نظرنا فان كانت القطنة عالية أو محاذية لرأس الاحليل انتقض وضوءه وان كانت متسفلة لم ينتقض وضوءه وهذا كله ما لم تسقط القطنة فان سقطت فهو حيض وحدث سواء ابتل الخارج أو الداخل لظهور البلة ولو أن حائضا وضعت الكرسف في أول الليل ونامت فلما أصبحت نظرت إلى الكرسف فوجدت البياض الخالص فعليها صلاة العشاء لانا تيقنا بطهرها من حين وضعت الكرسف فلو كانت طاهرة حين وضعت الكرسف ونامت ثم انتبهت بعد طلوع الفجر
[ 152 ]
فوجدت البلة على الكرسف فانه يجعل حيضا من أقرب الاوقات وذلك بعد طلوع الفجر أخذا باليقين والاحتياط حتى يلزمها قضاء العشاء ان لم تكن صلت (فصل) وأما الاحكام التى تتعلق بالحيض عشرة أو أكثر. منها أن الحائض لا تصوم ولا تصلى لقوله صلى الله عليه وسلم تقعد احداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي يعنى زمان الحيض. ومنها أنه يلزمها قضاء الصوم دون الصلاة لما روى أن امرأة قالت لعائشة رضى الله عنها ما بال احدانا تقضى صيام أيام الحيض ولا تقضي الصلاة فقالت أحرورية أنت كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقضي صيام أيام الحيض ولا نقضى الصلاة أنكرت عليها السؤال لشهرة الحال ونسبتها إلى حرور وهى قرية كان أهلها يسألون سؤال التعنت في الدين. ومنها أنه لا يأتيها زوجها لقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض الآية فذلك تنصيص على حرمة الغشيان في أول الحيض وآخره قال صلى الله عليه وسلم من أتى امرأته الحائض أو أتاها في غير مأتاها أو أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ومراده إذا استحل ذلك الفعل. ومنها أنها لا تمس المصحف ولا اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن لقوله تعالى لا يمسه الا المطهرون وهذا وان قيل في تأويله لا ينزله الا السفرة الكرام البررة فظاهره يفيد منع غير الطاهر من مسه وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض القبائل لا يمس القرآن حائض ولا جنب. ومنها أنها لا تقرأ القرآن إلا على قول مالك رحمه الله تعالى فانه كان يجوز للحائض قراءة القرآن دون الجنب قال لان الجنب قادر على تحصيل صفة الطهارة بالاغتسال فيلزمه تقديمه على القراءة والحائض عاجزة عن ذلك فكان لها أن تقرأ (ولنا) حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى الحائض والجنب عن قراءة القرآن ثم عجزها عن تحصيل صفة الطهارة يدل على تغلظ ما بها من الحدث فلا يدل على اطلاق القراءة لها وذكر الطحاوي رحمه الله تعالى انها انما تمنع عن قراءة آية تامة ولا تمنع عن قراءة ما دون ذلك. وقال الكرخي رحمه الله تعالى تمنع عن قراءة ما دون الآية أيضا على قصد قراءة القرآن كما تمنع عن قراءة الآية التامة لان الكل قرآن. وجه قول الطحاوي رحمه الله أن المتعلق بالقرآن حكمان جواز الصلاة ومنع الحائض عن قراءته ثم في حق أحد الحكمين يفصل بين الآية وما دونها وكذلك في الحكم الآخر. ومنها أنها لا تطوف بالبيت لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها حين
[ 153 ]
حاضت بسرف اصنعي جميع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. ومنها أن لا تدخل المسجد لان ما بها من الاذى أغلظ من الجنابة والجنب ممنوع من دخول المسجد فكذلك الحائض وهذا لان المسجد مكان الصلاة فمن ليس من أهل اداء الصلاة ممنوع من دخوله. ومنها انه يلزمها الاغتسال إذا انقطع عنها الدم لقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن والاطهار بالاغتسال. ومنها أنه يتقرر به الاستبراء قال صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتي يضعن ولا الحيالى حتى يستبر أن بحيضة. ومنها أن العدة تنقضي به لقوله تعالى ثلاثة قروء والقرء الحيض بيانه قوله تعالى واللائى يئسن من المحيض من نسائكم نقل الحكم إلى الاشهر عند عدم الحيض وذلك دليل على ان أصل ما تنقضي به العدة الحيض والنفاس كالحيض فيما ذكرنا من الاحكام الا في حكم الاستبراء وانقضاء العدة حتى لو اشترى جارية بعد ما ولدت فإذا طهرت من نفاسها لم يكن له أن يطأها حتى يستبرئها بحيضة وكذلك النفاس لم يعتبر من أقراء العدة (فصل) مراهقة رأت الدم فجاءت تستفتي قبل أن يتمادى بها الدم هل تؤمر بترك الصوم والصلاة كان الشيخ الامام أبو حفص ومحمد بن سلمة رحمهما الله تعالى يقولان بأنها تؤمر بذلك. وقد روى عن محمد رحمه الله تعالى في غير رواية الاصول انها لا تؤمر بذلك حتى يستمر بها الدم ثلاثة أيام وهو اختيار بشر بن غياث ووجهه انها على يقين من الطهارة وفي شك من الحيض لجواز أن ينقطع فيما دون الثلاث فلا يكون حيضا واليقين لا يزال بالشك فتؤمر بالصوم والصلاة فان استمر بها الدم ثلاثة أيام علم بأنها كانت حائضا فعليها قضاء الصيام إذا طهرت والاصح هو الاول فان الله تعالى وصف الحيض بأنه اذى وقد تيقنت به في وقته فيتعلق به حكمه وانما يخرج المرئى من أن يكون حيضا إذا انقطع لما دون الثلاث وفي هذا الانقطاع شك فحكمنا بهذا الظاهر وتركنا المشكوك وجعلناها حائضا لا تصوم ولا تصلى فإذا انقطع دمها لتمام عشرة أيام فهو حيض كله فان جاوز العشرة واستمر بها الدم فحيضها عشرة أيام من أول ما رأت الدم وطهرها عشرون يوما لان أمر الحيض مبنى على الامكان لتأيده بسبب ظاهر وهو رؤية الدم والى العشرة الامكان موجود فجعلناها حيضا وإذا انقطع لتمام العشرة كان الكل حيضا فبزيادة السيلان لا ينتقص الحيض وإذا كانت العشرة حيضا فبقية الشهر وذلك عشرون يوما طهرها لان الشهر
[ 154 ]
يشتمل على الحيض والطهر عادة. وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنها تأخذ بالاحتياط فتغتسل بعد ثلاثة أيام ثم تصوم وتصلى سبعة أيام بالشك ولا يقربها زوجها حتى تغتسل بعد تمام العشرة وتقضى صيام الايام السبعة لان الاحتياط في باب العبادات واجب ومن الجائز ان حيضها أقل الحيض فتحتاط لهذا وهو ضعيف فانا قد عرفناها حائضا ودليل بقائها حائضا ظاهر وهو سيلان الدم فلا معنى لهذا الاحتياط وكان ابراهيم النخعي رحمه الله تعالى يقول ترد إلى عادة نسائها يعنى نساء عشيرتها وهذا ضعيف أيضا لان طباع النساء مختلفة حتى لا تجد أختين أو أما وابنة على طبع واحد وكذلك المرأة يختلف طبعها في كل فصل فكيف يستقيم اعتبار حال نسائها في معرفة مدة حيضها وللشافعي قولان أحدهما ان حيضها يوم وليلة أقل مدة الحيض أخذا باليقين والثانى ان حيضها سبعة أيام بناء على العادة الظاهرة واليه أشار رسول الله عليه صلى الله في قوله تحيضي يعلم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر وتطهر وهذا ضعيف أيضا فان اعتبار العادة عند عدم ظهور ما يخالفها وقد ظهر هنا ما يضاد الطهر وهو سيلان الدم فكان الحكم له الا إذا تعذر الامكان هذا إذا كانت مبتدأة فاما صاحبة العادة إذا استمر بها الدم فحيضها أيام عادتها عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى يحكم لون الدم فما دام على لون واحد من السواد والحمرة فهو حيض واستدل بالحديث الذى روينا دم الحيض اسود عبيط محتدم والمراد به البيان عند الاشتباه (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم المستحاضة تدع الصلاة أيام اقرائها وهذه مستحاضة فترد إلى أيام اقرائها وبهذا اللفظ تبين ان أقل مدة الحيض ثلاثة أيام لان الايام اسم جمع وأقله ثلاثة ومراده صلى الله عليه وسلم من الحديث الآخر بيان لون الدم في أصل الخلقة وقد يختلف ذلك باختلاف الاغذية والطباع كما بينا وقال مالك رحمه الله تعالى المستحاضة تستظهر بثلاثة أيام بعد أيامها للاختبار فان طهرت والا اغتسلت وصلت وما روينا من الحديث حجة عليه فقد اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام اقرائها من غير زيادة وقال لفاطمة بنت أبى حبيش حين استحيضت انتظري الايام التي كنت تحيضين فيها فإذا مضت فاغتسلي وصلى ولم يأمرها بالاستظهار بعدها بشئ (فصل هو دائرة الكتاب) الاصل عند أبى يوسف وهو قول أبى حنيفة رحمهما الله تعالى الآخر ان الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوما لا يصير
[ 155 ]
فاصلا بل يجعل كالدم المتوالى ومن أصله أنه يجوز بداية الحيض بالطهر ويجوز ختمه به بشرط أن يكون قبله وبعده دم فان كان بعده دم ولم يكن قبله دم يجوز ختم الحيض بالطهر ولا يجوز بدايته به وان كان قبله دم ولم يكن بعده دم يجوز بداية الحيض بالطهر ولا يجوز ختمه به ومن أصله انه يجعل زمانا هو طهر كله حيضا باحاطة الدمين به وحجته في ذلك أن الطهر الذى هو دون خمسة عشر يوما لا يصلح للفصل بين الحيضتين فكذلك للفصل بين الدمين وبيانه ان أقل مدة الطهر الصحيح خمسة عشر يوما فما دونه فاسد وبين صفة الصحة والفساد منافاة والفاسد لا تتعلق به أحكام الصحيح شرعا فكان كالدم المتوالى وبيانه من المسائل مبتدأة رأت يوما دما وأربعة عشر طهرا ويوما دما فالعشرة من أول ما رأت عنده حيض يحكم ببلوغها به وكذلك إذا رأت يوما دما وتسعة طهرا ويوما دما واحتج محمد رحمه الله تعالى في الكتاب على أبى يوسف رحمه الله تعالى فقال الدم المرئى في اليوم الحادى عشر لما كان استحاضة كان بمنزلة الرعاف فلو جاز أن تجعل أيام الطهر حيضا بالدم الذى ليس بحيض لجاز بالرعاف ولان ذلك الدم ليس بحيض بنفسه فكيف يجعل باعتباره زمان الطهر حيضا والجواب لابي يوسف رحمه الله تعالى انه خارج من الفرج فلا يكون كالرعاف الا ترى ان المرأة إذا كانت عادتها في الحيض خمسة فرأت ستة دما ثم أربعة طهرا ثم يوما دما فانها تصير مستحاضة في اليوم السادس باعتبار المرئى في اليوم الحادى عشر ولو كان ذلك كالرعاف ما صارت به مستحاضة في اليوم السادس وكذلك لو أرت بعد ستة دما أربعة عشر طهرا ثم ثلاثة دما فهذه الثلاثة تكون استحاضة فلو كان الدم المرئى في اليوم السادس الذى هو استحاضة بمنزلة الرعاف لكانت الثلاثة حيضا لتمام الطهر خمسة عشر قال أبو يوسف رحمه الله تعالى وقد يجوز ان يجعل الزمان الذى هو حيض كله صورة طهرا حكما فكذلك يجوز ان يجعل الزمان الذى هو طهر كله صورة حيضا باحاطة الدمين به وإذا ثبت جواز هذا في جميع المدة ثبت في أوله وآخره بطريق الاولى لكن إذا وجد شرطه وهو ان يكون قبله دم وبعده دم ليكون الدم محيطا بالطهر وبيان هذا الاصل من المسائل على قوله في امرأة عادتها في أول كل شهر خمسة فرأت قبل أيامها بيوم دما ثم طهرت خمستها ثم رأت يوما دما فعنده خمستها حيض إذا جاوز المرئى عشرة لاحاطة الدمين بزمان عادتها وان لم تر فيه شيئا وكذلك لو رأت قبل خمستها يوما دما ثم طهرت أول يوم من خمستها ثم رأت ثلاثة دما ثم
[ 156 ]
طهرت آخر يوم من خمستها ثم استمر الدم فحيضها خمستها عنده وان كان ابتداء الخمسة وختمها بالطهر لوجود الدم قبله وبعده وروى محمد عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى ان الشرط ان يكون الدم محيطا بطرفي العشرة فان كان كذلك لم يكن الطهر المتخلل فاصلا بين الدمين والا كان فاصلا وعلى هذه الرواية لا يجوز بداية الحيض ولا ختمه بالطهر قال لان الطهر ضد الحيض فلا يبدأ الشئ بما يضاده ولا يختم به ولكن المتخلل بين الطرفين يجعل تبعا لهما كما قلنا في الزكاة ان كمال النصاب في أول الحول وآخره شرط لوجوب الزكاة ونقصانه في خلال الحول لا يضر وبيان هذا من المسائل لو رأت يوما دما وثمانية طهرا ويوما دما أو رأت ساعة دما وعشرة أيام غير ساعتين طهرا وساعة دما فالعشرة كلها حيض لاحاطة الدم بطرفي العشرة ولو رأت يوما دما وسبعة طهرا ويوما دما لم يكن شئ منه حيضا على هذه الرواية بخلاف الرواية الاولى. وروى ابن المبارك عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى مع هذا شرطا آخر وهو أن يكون المرئى في أكثر الحيض مثل أقله فان وجد هذا الشرط فالطهر المتخلل لا يكون فاصلا وان لم يوجد كان فاصلا ولم يكن شئ منه حيضا وهو قول زفر رحمه الله تعالى ووجه ان الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام وهو اسم للدم فإذا بلغ المرئى هذا المقدار كان قويا في نفسه فجعل أصلا وما يتخلله من الطهر تبعا له وان كان الدم دون هذا كان ضعيفا في نفسه لا حكم له إذا انفرد فلا يمكن جعل زمان الطهر حيضا تبعا وبيان هذا من المسائل لو رأت يوما دما وثمانية طهرا ويوما دما لم يكن شئ منه حيضا على هذه الرواية لان المرئى من الدم دون الثلاث ولو رأت يومين دما وسبعة طهرا ويوما دما فالعشرة حيض لان المرئى بلغ أقل مدة الحيض وكذلك ان رأت يوما دما وأربعة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما فالعشرة حيض على ما بينا والاصل عند محمد رحمه الله تعالى وهو الاصح وعليه الفتوى ان الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلا فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام أو أكثر نظر فان استوى الدم بالطهر في أيام الحيض أو كان الدم غالبا لا يصير فاصلا وان كان الطهر غالبا يصير فاصلا فحينئذ ينظر ان لم يكن أن يجعل واحد منهما بانفراده حيضا لا يكون شئ منه حيضا وان أمكن أن يجعل أحدهما بانفراده حيضا إما المتقدم أو المتأخر يجعل ذلك حيضا وان أمكن أن يجعل كل واحد منهما بانفراده حيضا يجعل الحيض أسرعهما امكانا ولا يكون كلاهما حيضا إذ لم يتخللهما طهر تام وهو
[ 157 ]
لا يجوز بداية الحيض بالطهر ولا ختمه به سواء كان قبله وبعده دم أو لم يكن ولا يجعل زمان الطهر زمان الحيض باحاطة الدمين به ووجهه ان الطهر معتبر بالحيض فكما ان ما دون الثلاث من الحيض لا حكم له ويجعل كحال الطهر فكذلك ما دون الثلاث من الطهر لا حكم له فيجعل كالدم المتوالى وإذا بلغ ثلاثة أيام فصاعدا فان كان الدم غالبا فالمغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب وان كان سواء فكذلك لوجهين أحدهما قياس وهو ان اعتبار الدم يوجب حرمة الصوم والصلاة واعتبار الطهر يوجب حل ذلك فإذا استوى الحلال والحرام يغلب الحرام الحلال كما في التحرى في الاواني إذا كانت الغلبة للنجاسة أو كانا سواء لا يجوز التحرى فهذا مثله والثانى وهو الاستحسان ان المرأة لا ترى الدم على الولاء لان ذلك يضنيها فيقتلها فباعتبار هذه القاعدة لابد ان يجعل بعض الزمان الذى لم يكن فيه الدم معتبرا بالحيض وعند ذلك يغلب الدم على الطهر عند التساوى فلهذا جعلناه كالدم المتوالى فاما إذا غلب الطهر الدم يصير فاصلا لان حكم الغالب ظاهر شرعا وإذا صار فاصلا بقى كل واحد من الدمين منفردا عن صاحبه فيعتبر فيه امكان جعله حيضا كانه ليس معه غيره وان وجد الامكان فيهما جعل المتقدم حيضا لانه أسرعهما امكانا وأمر الحيض مبنى على الامكان ثم لا يجعل المتأخر حيضا لانه ليس بينهما طهر خمسة عشر يوما ولابد ان يتخلل بين الحيضتين طهر تام وأقل الطهر التام خمسة عشر يوما وبيان مذهبه من المسائل مبتدأة رأت يوما دما ويومين طهرا ويوما دما فالاربعة حيض لان الطهر المتخلل دون الثلاث ولو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما لم يكن شئ منه حيضا لان الطهر بلغ ثلاثة أيام وهو غالب على الدمين فصار فاصلا وكذلك ان زادت في الطهر فان رأت يوما وثلاثة طهرا ويومين دما فالستة كلها حيض لان الدم استوى بالطهر في طرفي الستة فصار غالبا ولو رأت يوما دما وأربعة طهرا ويوما دما لم يكن شئ منه حيضا لان الطهر غالب وكذلك لو رأت يومين دما وخمسة طهرا ويوما دما لم يكن شئ منه حيضا لان الطهر غالب ولو رأت ثلاثة دما وأربعة طهرا أو يوما دما فالثمانية حيض لاستواء الدم بالطهر ولو رأت ثلاثة دما وخمسة طهرا ويوما دما فحيضا الثلاثة الاولى لان الطهر غالب فصار فاصلا والمتقدم يمكن ان يجعل بانفراده حيضا فجعلناه حيضا ولو رأت يوما دما وخمسة طهرا وثلاثة دما فحيضها الثلاثة الاخيرة لما بينا فان رأت ثلاثة دما وستة طهرا وثلاثة دما فحيضها الثلاثة الاولى لانه أسرعها امكانا فان قيل قد استوى الدم بالطهر هنا فلما إذا لم يجعل كالدم المتوالى قلنا استواء الدم بالطهر انما يعتبر في مدة الحيض وأكثر مدة الحيض
[ 158 ]
عشرة والمرئي في العشرة ثلاثة دم وستة طهر ويوم دم فكان الطهر غالبا فلهذا صار فاصلا والاصل عند الحسن بن زياد رحمه الله تعالى ان الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلا فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام كان فاصلا على كل حال ثم ينظر ان أمكن ان يجعل أحدهما بانفراده حيضا يجعل ذلك حيضا كما بينا قبل من مذهب محمد وانما خالفه في حرف واحد وهو انه لم يعتبر غلبة الدم ولا مساواة الدم بالطهر وبيانه من المسائل مبتدأة رأت يوما دما ويومين طهرا ويوما دما فالاربعة حيض وكذلك لو رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعة طهرا وساعة دما فالكل حيض فان رأت يومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما لم يكن شئ منه حيضا على قوله لان الطهر المتخلل بلغ ثلاثة أيام وواحد منهما بانفراده لا يمكن ان يجعل حيضا وان رأت يوما دما وثلاثة طهرا وثلاثة دما فعنده الثلاثة الاخيرة حيض ولو كانت رأت أولا ثلاثة دما كان الحيض هذه الثلاثة وان رأت ثلاثة دما وثلاثة طهرا وثلاثة دما فالحيض عنده الثلاثة الاولى لانه أسرعهما امكانا والله أعلم (فصل) أشكل فيه مذهب محمد رحمه الله تعالى من هذه الجملة مبتدأة رأت يومين دما وخمسة طهرا ويوما دما ويومين طهرا ويوما دما فجواب محمد رحمه الله تعالى أنه يلغي اليومين والخمسة ويجعل الاربعة المتأخرة حيضها لانا لو اعتبرنا حيضها من أول اليومين كان ختم العشرة بالطهر وذلك لا يجوز عنده وطعنوا عليه في هذا الجواب فقالوا ينبغى أن يلغى أحد اليومين الاولين ويجعل العشرة بعده حيضا لان الطهر الثاني قاصر فهو كالدم المتوالى فإذا جعلناه كالدم استوى الدم بالطهر في العشرة فيكون الكل حيضا لان ابتداءه وختمه بالدم قالوا وليس لاحد أن يعيب علينا في الغاء أحد اليومين لانكم ألغيتم اليومين والخمسة بعده وما قلناه أولى لان أمر الحيض مبنى على الامكان فإذا أمكن جعل العشرة حيضا بهذا الطريق ينبغى أن يجعل. والجواب عن هذا الطعن أن اليومين كشئ واحد لاتصال بعضهما ببعض فلا يجوز الغاء أحدهما واعتبار الآخر مع ان جهات الالغاء بهذا الطريق تكثر فانك إذا ألغيت ربع اليوم الاول أو ثلثه أو نصفه يحصل به هذا المقصود وعند كثرة الجهات لا يترجح البعض على البعض من غير دليل فلم يبق الا القول بالغاء اليومين والخمسة وجعل الاربعة حيضا (فصل) من هذه الجملة اختلف فيه المشايخ على قول محمد رحمه الله تعالى وهو أنه إذا
[ 159 ]
اجتمع طهران معتبران وصار أحدهما حيضا مغلوبا كالدم المتوالى هل يتعدى حكمه إلى الطهر الآخر قال أبو زيد الكبير يتعدى وقال أبو سهل الغزالي لا يتعدى وبيان ذلك مبتدأة رأت يومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما فعلى قول أبى زيد رضى الله عنه كلها حيض عند محمد رحمه الله تعالى لان في الثلاثة الاول الدم في طرفيه استوى بالطهر فيجعل كالدم المتوالى فكأنها رأت ستة دما وثلاثة طهرا ويوما دما وعلى قول ابى سهل حيضها الستة لاولى لانه تخلل العشرة طهران كل واحد منهما تمام ثلاثة أيام فإذا لم يميز أحدهما عن الآخر كان الطهر غالبا فلم يمكن جعله حيضا فلهذا ميزنا وجعلنا الستة الاولى حيضا لاستواء الدم بالطهر فيها وكذلك لو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما على قول أبى زيد العشرة حيض وعلى قول أبى سهل حيضها الستة الاولى وكذلك لو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما فعلى قول أبى زيد العشرة حيض وعلى قول أبى سهل حيضها الستة الاخيرة بعد اليوم والثلاثة فان رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول أبى زيد يضاف يومان من أول الاستمرار إلى ما سبق فتكون العشرة كلها حيضا وعلى قول أبى سهل حيضها عشرة بعد اليوم والثلاثة لاولى فمن أول الاستمرار ستة حيض على قوله ولو رأت يومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول أبى زيد حيضها من أول ما رأت عشرة فيكون أول يوم من الاستمرار من جملة حيضها وبه تتم العشرة وعلى قول أبى سهل حيضها ستة أيام من أول ما رأت فلا يكون شئ من أول الاستمرار حيضا لها فيصل إلى موضع حيضها الثاني وكذلك لو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب فصل في بيان الاوقات والساعات وأجزاء النهار (اعلم) بأن الوقت الواحد لا يتكرر في يوم واحد وذلك كطلوع الفجر وطلوع الشمس فان كان ابتداء الوقت من عند طلوع الشمس فتمام اليوم والليلة قبيل طلوع الشمس من الغد لان قبيل اسم لوقت يتصل به الوقت المذكور بخلاف قبل بيانه فيمن قال لامرأته وقت
[ 160 ]
الضحوة أنت طالق قبيل غروب الشمس لم تطلق حتى تغرب الشمس إذا عرفنا هذا فنقول إذا قيل امرأة رأت الدم عند طلوع الشمس ثم انقطع قبل طلوع الشمس من اليوم الرابع فالجواب أن الثلاثة كلها حيض لان الكل ثلاثة أيام والطهر فيه قاصر فهو كالدم المتوالى وكذلك لو رأت في اليوم الرابع عند طلوع الشمس فالجملة ثلاثة أيام وساعة والطهر فيه قاصر عن الثلاثة فكان الكل حيضا وان رأت من اليوم الرابع بعد طلوع الشمس لم يكن شئ منه حيضا لان الطهر ثلاثة أيام فصار فاصلا بين الدمين فان رأت عند طلوع الشمس ثم رأت من اليوم الرابع عند طلوع الشمس أيضا ثم رأت من اليوم السابع بعد طلوع الشمس فالكل حيض لان الطهر الاول لما كان دون الثلاث فهو كالدم المتوالى فيصير الدم غالبا حكما فان رأت عند طلوع الشمس ثم رأت من اليوم الرابع قبل طلوع الشمس ثم من اليوم السابع عند طلوع الشمس ثم من العاشر بعد طلوع الشمس فعلى قول أبى زيد رحمه الله تعالى الكل حيض لان الطهر الاول دون الثلاث فهو كالدم المتوالى فصار الطهر الثاني مغلوبا به فيتعدى أثره إلى الطهر الثالث كما بينا وعند أبي سهل رحمه الله تعالى الستة الاولى حيض لان الطهر الثاني كان ثلاثة أيام وان صار مغلوبا بالدم فلا يتعدى أثره إلى الطهر الثالث. وأما الساعة ففى لسان الفقهاء اسم لجزء من الزمان بخلاف ما يقوله المتجمون انه وقت ممتد حتى يشتمل اليوم والليلة عندهم على أربعة وعشرين ساعة فتارة ينتقص الليل حتى يكون تسع ساعات ويزداد النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة وتارة ينتقص النهار حتى يزداد الليل ويثبتون ذلك بطريقهم فاما في لسان الفقهاء الساعة عبارة عن جزء من الزمان فإذا قيل مبتدأة رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعتين طهرا وساعة دما فالكل حيض لان الكل ثلاثة أيام والطهر قاصر وان رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ثلاث ساعات طهرا وساعة دما لم يكن شئ منه حيضا لان الكل دون ثلاثة أيام الا على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى فانه يقول الكل حيض لان الاكثر من اليوم الثالث بمنزلة كما له عنده وان رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعة طهرا وساعة دما فالكل حيض لان الكل ثلاثة أيام وساعة والطهر فيه قاصر وان رأت ساعة دما وثلاثة أيام طهرا وساعة دما لم يكن شئ من ذلك حيضا عند محمد رحمه الله تعالى لان الطهر لما بلغ ثلاثة أيام صار فاصلا فان رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعتين طهرا وساعة دما وثلاثة أيام طهرا وساعة دما وثلاثة أيام طهرا وساعة
[ 161 ]
دما فعلى قول أبى زيد الكل حيض لان الطهر الاول لقصوره عن الثلاث كالدم المتوالى فصار الطهر الثاني مغلوبا به ثم يتعدى أثره إلى الطهر الثالث وعلى قول أبى سهل حيضها ستة أيام وساعة لان الطهر الثاني كامل وان صار مغلوبا فلا يتعدى أثره إلى الطهر الثالث كما هو أصله. وأما أجزاء النهار فبحسب ما يذكر من ثلث أو ربع أو غيره فإذا قيل مبتدأة رأت ربع يوما دما ثم يومين وثلث يوم طهرا ثم ربع يوم دما لم يكن شئ منه حيضا لان الكل قاصر عن الثلاث بسدس يوم وان قيل رأت يوم ربع دما ويومين ونصف يوم طهرا وربع يوم دما فالكل حيض لانها بلغت ثلاثة أيام والطهر قاصر وان رأت ربع يوم دما وثلاثة أيام طهرا وربع يوم دما لم يكن شئ منه حيضا لان الطهر كامل فصار فاصلا بين الدمين وعلى هذا فقس ما تسأل عنه من هذا النوع فان هذا النوع لا يدخل في الواقعات انما وضعوه لتشحيذ الخواطر وامتحان المتبحرين في العلم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب (باب نصب العادة للمبتدأة) (قال) رضى الله عنه اعلم بأن بلوغ المرأة قد يكون بالسن وقد يكون بالعلامة والعلامة اما الحيض واما الحبل فنبتدئ بالحيض فنقول إذا رأت المبتدأة دما صحيحا وطهرا صحيحا مرة واحدة ثم ابتليت بالاستمرار يصير ذلك عادة لها في زمان الاستمرار بخلاف ما يقوله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى في صاحبة العادة أنها لا تنتقل عادتها برؤية المخالف مرة واحدة لان هنا الانتقال عن حالة الصغر وذلك عادة في النساء فيحصل بالمرة فأما في صاحبه العادة الانتقال عن العادة الثابتة إلى ما ليس بعادة فلا يحصل بالمرة حتى يتأكد بالتكرار يوضح الفرق أن الحاجة هناك إلى نسخ العادة الاولى واثبات الثانية فلا يحصل بالمرة فأما هنا الحاجة إلى اثبات العادة دون النسخ فيحصل بالمرة. وبيان هذا مبتدأة رأت خمسة دما وخمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فانه تترك من أول الاستمرار خمسة وتصلى خمسة عشر يوما وذلك دأبها ثم تفسير الدم الصحيح أنه لا ينتقص عن ثلاثة أيام ولا يزاد على عشرة أيام ولا يصير مغلوبا بالطهر وتفسير الطهر الصحيح أن لا يكون دون خمسة عشر يوما ولا تصلى المرأة في شئ منه بدم من أوله أو وسطه أو آخره وكان بين الحيضتين
[ 162 ]
ثم بعد هذا أربعة فصول إما أن يفسد الدم والطهر جميعا أو يفسد الدم ويصح الطهر أو يصح الدم ويفسد الطهر أو يكون الدم صحيحا والطهر صحيحا في الظاهر ولكنه يفسد بطريق الضرورة فلا يصلح لنصب العادة أما بيان الفصل الاول مبتدأة رأت أربعة عشر يوما دما وأربعة عشر يوما طهرا ثم استمر بها الدم فهنا الدم والطهر فاسدان فكأنها ابتليت بالاستمرار ابتداء فكان حيضها من أول ما رأت عشرة وطهرها بقية الشهر عشرون ومعنا ثمانية وعشرون فمن أول الاستمرار تصلى يومين ثم تدع عشرة وتصلى عشرين فان كان الدم خمسة عشر والطهر أربعة عشر فكذلك الجواب تصلى من أول الاستمرار يوما واحدا تمام عشرين وان كان الدم ستة عشر فأول الاستمرار يوافق ابتداء حيضها فتدع عشرة وتصلي عشرين ثم نسوق المسألة هكذا إلى ان يكون الدم ثلاثة وعشرين والطهر أربعة عشر ثم استمر بها الدم فالعشرة من أول ما رأت حيض وقد صلت ثلاثة عشر يوما بالدم ثم طهرت أربعة عشر ثم من أربعة عشر طهر سبعة تمام الطهر وسبعة من موضع حيضها الثاني لم تر فيه ثم جاء الاستمرار وقد بقى من موضع حيضها الثاني ثلاثة فالثلاثة حيض كامل فتدع من أولا الاستمرار ثلاثة ثم تصلى عشرين ثم تدع عشرة وتصلى عشرين وذلك دأبها فان كان الدم أربعة وعشرين والمسألة بحالها فنقول ستة من طهر أربعة عشر بقية طهرها بقى ثمانية أيام من موضع حيضها الثاني لم تر فيه ثم جاء الاستمرار وقد بقى من موضع حيضها يومان ويومان لا يكون حيضا فهذه لم تر مرة فتصلى إلى موضع حيضها الثاني وذلك اثنان وعشرون يوما من أول الاستمرار ثم تدع عشرة وتصلى عشرين وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فأما قول أبى يوسف رحمه الله تعالى بخلاف هذا فانه ينقل العادة بعد الرؤية مرة وكذلك قول محمد رحمه الله تعالى بخلاف هذا فانه يرى الابدال على ما نذكره في باب الانتقال وبيان الفصل الثاني مبتدأة رأت أحد عشر يوما دما وخمسة عشر يوما طهرا ثم استمر بها الدم فنقول الدم هنا فاسد لانه زاد على العشرة وبفساده يفسد الطهر لانها صلت في أول يوم منه بالدم فأما على قول محمد بن ابراهيم الميداني رحمهما الله تعالى حيضها عشرة أيام وطهرها عشرون فجاء الاستمرار وقد بقى من طهرها أربعة فتصلى أربعة أيام ثم تدع عشرة وتصلى عشرين وعلى قول أبى على الدقاق طهرها ستة عشر فتدع من أول الاستمرار عشرة وتصلى ستة عشر لان فساد الدم في اليوم الحادى عشر لما لم يؤثر في الدم حتى كانت
[ 163 ]
العشرة حيضا فلان لا يؤثر في الطهر أولى والاصح ما قاله محمد بن ابراهيم الميداني رحمه الله تعالى لان اليوم الحادى عشر من الطهر لا من الحيض فرؤية الدم الفاسد فيه تؤثر في الطهر وبيان الفصل الثالث وهو ان يكون الدم صحيحا والطهر فاسدا بان نقول مبتدأة رأت خمسة أيام دما وأربعة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فحيضها خمسة وطهرها بقية الشهر وذلك خمسة وعشرون يوما فجاء الاستمرار وقد بقى من طهرها احد عشر يوما فتصلى احد عشر يوما ثم تدع خمسة وتصلى خمسة وعشرين وكذلك دأبها وبيان الفصل الرابع مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ويوما دما ويومين طهرا ثم استمر بها الدم فهنا الدم في الثلاثة صحيح والطهر خمسة عشر صحيح في الظاهر ولكنها لما رأت بعده يوما دما ويومين طهرا فهذه الثلاثة لا يمكن ان تجعل حيضا لان ختمها بالطهر ولا وجه إلى الابدال فتصلى في هذه الايام ضرورة فيفسد به ذلك الطهر ويخرج من ان يكون صالحا لنصب العادة فيكون حيضها ثلاثة وطهرا بقية الشهر سبعة وعشرون يوما وقد مضى ثمانية عشر فتصلى تسعة من أول الاستمرار ثم تترك ثلاثة أيام وتصلى سبعة وعشرين يوما ولو رأت في الابتداء أربعة دما وخمسة عشر طهرا ثم يوما دما ويومين ثم استمر بها الدم فهنا الطهر صحيح صالح لنصب العادة لان بعده دم يوم وطهر يومين ثم يوم من أول الاستمرار تمام الاربعة فابتداء الحيض الثاني وختمه بالدم فلهذا كان الطهر خمسة عشر خالصا فتدع من أول الاستمرار يوما وتصلى خمسة عشر ثم تدع أربعة وتصلى خمسة عشر وذلك دأبها فان رأت الدم عشرة والطهر خمسة عشر ثم الدم يوما والطهر ثلاثة أيام والدم يوما والطهر ثلاثة ثم استمر الدم فعلى قول أبي زيد رحمه الله تعالى الطهر خالص هنا صالح لنصب العادة لانه يجر من أول الاستمرار يومين إلى ما رأت بعد خمسة عشر فتجعل العشرة كلها حيضا فكان الطهر خمسة عشر خالصا فاما على قول أبى سهل رحمه الله تعالى اليوم والثلاثة بعد الخمسة عشر لا يكون حيضا وانما حيضها سبعة أيام بعد ذلك فيفسد طهرا خمسة عشر لانها صلت في شئ منه بدم فكان حيضها عشرة وطهرها عشرون وقد مضى خمسة عشر يوما ثم يوم دم وثلاثة طهر قد صلت فيه فذلك تسعة عشر ثم يوم دم قد صلت فيه وذلك عشرون ثم ثلاثة أيام طهر ولا يبتدئ الحيض بالطهر فقد جاء الاستمرار. والباقي من أيام حيضها سبعة فتدع سبعة وتصلى عشرين وعلى هذا فقس ما يكون من هذا النوع من المسائل
[ 164 ]
(فصل) في نصب العادة أيضا وإذا ابتليت المبتدأة بالاستمرار بعد ما يكون منها الصحاح من الدماء والاطهار فهو على خمسة أوجه. أحدها أن ترى دمين وطهرين متفقين على الولاء ثم الاستمرار. والثانى أن يكونا مختلفين ثم الاستمرار. والثالث أن ترى ثلاثة دما وثلاثة اطهار مختلفة ثم الاستمرار. والرابع أن ترى متفقين بعدهما مخالف لهما ثم الاستمرار والخامس أن ترى متفقين بينهما ما يخالفهما ثم الاستمرار. فصورة الفصل الاول إذا رأت الدم ثلاثة والطهر خمسة عشر والدم ثلاثة والطهر خمسة عشر ثم استمر بها الدم فالجواب أنها تدع من أول الاستمرار ثلاثة وتصلى خمسة عشر لان ما رأت صار عادة قوية بالتكرار وقد بينا أنه لو رأته مرة صار عادة لها فإذا رأته مرتين أولى. وبيان الفصل الثاني مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وأربعة دما وستة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن ابراهيم الميداني رحمه الله تعالى تبنى ما رأت في المرة الثانية على ما رأته في المرة الاولى وعلى قول ابى عثمان سعيد بن مزاحم السمرقندى لا تبنى ولكنها تستأنف من أول الاستمرار وتفسير قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى أنها لما رأت أربعة دما فثلاثة منها مدة حيضها واليوم الرابع من حساب طهرها ولكنها تترك الصلاة فيه لرؤية الدم فلما طهرت ستة عشر فأربعة عشر منها تمام طهرها ويومين من مدة حيضها ولكنها لم تر فيه فلا تترك الصوم والصلاة لان بداية الحيض لا يكون بالطهر ثم جاء الاستمرار وقد بقى من مدة حيضها يوم وذلك لا يكون حيضا فتصلى إلى موضع حيضها الثاني وذلك ستة عشر يوما ووجهه ان ما رأت في في المرة الاولى صار عادة لها بالمرة الواحدة لما بينا وصاحبة العادة تبنى ما ترى على عادتها ما لم يوجد ما ينقضها ألا ترى أنها لو أرت ذلك مرتين بنت عليه ما ترى بعدهما فكذلك إذا رأته مرة وجه قول أبى عثمان ان ما رأت ثانيا في صفة الصحة مثل ما رأته أولا وانما تبنى الفاسد على الصحيح فأما الصحيح لا يبنى على الصحيح لان البناء للحاجة والضرورة وانما أثبتنا العادة للمبتدأة بالمرة الواحدة لاجل الضرورة فأما العادة في الاصل مشتقة من العود وذلك لا يحصل بالمرة ولا ضرورة في بناء الصحيح على الصحيح لما بينهما من المعارضة والمساواة بخلاف إذا ما رأت أولا مرتين متفقتين لان ذلك تأكد بالتكرار وترجح به ثم على قول أبي عثمان رحمه الله تعالى إذا استأنفت من أول الاستمرار تبنى على أقل المدتين لانها عائدة إليها فالاقل موجود في الاكثر فتترك من أول الاستمرار ثلاثة وتصلى خمسة عشر
[ 165 ]
وذلك دأبها وبيان الفصل الثالث مبتدأة رأت الدم ثلاثة والطهر خمسة عشر والدم أربعة والطهر ستة عشر والدم خمسة والطهر سبعة عشر ثم استمر بها الدم فهنا لا خلاف بينهما أنه لا تبنى بعض الصحاح على البعض ومحمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى يفرق بين هذا وبين ما سبق فيقول هنا رأت مرتين خلاف ما رأت أولا والعادة تنتقل برؤية المخالف مرتين فلهذا لا تبنى على الاول وهناك انما رأت خلاف العادة مرة واحدة فلا تنتقل به العادة فلهذا تبنى الثاني على الاول ثم في هذه المسألة يقول محمد بن ابراهيم تبنى على أوسط الاعداد وهو قول أبى عبد الله بن أبى حفص رحمه الله تعالى وعبد الله بن النجم رحمه الله تعالى فاما على قول أبى عثمان رحمه الله تعالى تبنى على أقل المرتين الاخيرتين فلا يظهر هذا الخلاف فيما ذكرنا من الصورة فان أوسط الاعداد أربعة وستة عشر وهكذا أقل المرتين الاخيرتين انما يظهر الخلاف فيما إذا قلبت الصورة فقلت رأت في الابتداء خمسة وسبعة عشر ثم أربعة وستة عشر ثم ثلاثة وخمسة عشر فعلى قول من يقول باوسط الاعداد تدع من أول الاستمرار أربعة وتصلى ستة عشر يوما وذلك دأبها وعلى قول من يقول بأقل المرتين الاخيرتين تدع من أول الاستمرار ثلاثة وتصلى خمسة عشر وذلك دأبها وجه قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى ان عند التعارض العدل هو الوسط قال صلى الله عليه وسلم خير الامور أوسطها ولهذا قلنا إذا تزوج امرأة على عبد يلزمه عبد وسط وكذلك هنا عند التعارض تبنى في زمان الاستمرار على أوسط الازمان وجه قول أبي عثمان ان أقل المرتين الاخيرتين تأكد بالتكرار لان القليل موجود في الكثير فيصير ذلك عادة لها في زمان الاستمرار والفتوى على قول أبى عثمان رحمه الله تعالى لانه أيسر على النساء فان على ما قاله محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى تحتاج إلى حفظ جميع ما ترى ليتبين الاوسط من ذلك وعلى ما قاله أبو عثمان لا تحتاج الا إلى حفظ مرتين لتبني على أقلهما ولليسر أخذوا بهذا القول في الفتوى كما ان في مسائل الانتقال أفتوا بقول أبى يوسف رحمه الله تعالى في ان العادة تنتقل برؤية المخالف مرة لان ذلك أيسر على النساء وبيان الفصل الرابع مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وأربعة دما وستة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى تصلى من أول الاستمرار ستة عشر لانهما يقولان العادة لا تنتقل برؤية المخالف مرة فكان البناء باقيا فحين رأت أربعة فثلاثة من
[ 166 ]
ذلك مدة حيضها ويوم من حساب طهرها ومن ستة عشر أربعة عشر تمام طهرها ويومان من حساب حيضها لم ترفيه فتصلى إلى موضع حيضها الثاني وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى العادة تنتقل برؤية المخالف مرة فتترك من أول الاستمرار أربعة وتصلى ستة عشر وذلك دأبها وبيان الفصل الخامس مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وأربعة دما وستة عشر طهرا وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فالجواب أنها تدع من أول الاستمرار ثلاثة وتصلى خمسة عشر وذلك عادة جعلية لها فانها لو رأت متفقين على الولاء كانت عادة أصلية لها فإذا كان بينهما مخالف صار ما رأت مرتين متفقتين عادة جعلية لها ومعنى هذه التسمية انا جعلنا ما رأته آخرا كالمضموم إلى ما رأته أولا لما بينهما من الموافقة في العدد فتأكد بالتكرار وصار عادة لها تبنى عليه في زمان الاستمرار (فصل) مبتدأة بلغت بالحبل بأن حبلت من زوجها قبل أن تحيض فولدت واستمر بها الدم فنفاسها أربعون يوما. وقال الشافعي رحمه الله تعالى نفاسها ساعة وهو بناء على ما بيناه في الحيض أن المعتبر هناك أكثر الحيض عند الامكان فكذلك هنا المعتبر أكثر النفاس وعنده هناك المعتبر أقل الحيض يوم وليلة فكذا نفاسها أقل النفاس وذلك ساعة ثم بعد الاربعين يجعل طهرها عشرون لانه كما لا يتوالى حيضتان ليس بينهما طهر لا يتوالى حيض ونفاس ليس بينهما طهر وانما قدرنا طهرها بعشرين يوما لان حيض المبتدأة إذا ابتليت بالاستمرار أكثر الحيض وذلك عشرة وطهرها بقية الشهر وذلك عشرون فلا فرق بين ان تكون البداءة من الحيض أو من الطهر في مقدار العدد فلهذا جعلنا طهرها عشرين وحيضها بعد ذلك عشرة وذلك دأبها وكذلك لو طهرت بعد الاربعين أربعة عشر يوما فهذا طهر قاصر لا يصلح للفصل بين الحيض والنفاس فكان كالدم المتوالى فان طهرت بعد الاربعين خمسة عشر يوما ثم استمر بها الدم فانها تترك من أول الاستمرار عشرة لان طهرها خمسة عشر طهر صحيح فيصير عادة لها بالمرة الواحدة ولا عادة لها في الحيض فيكون حيضها عشرة فلهذا تدع من أول استمرار عشرة وتصلى خمسة عشر فدورها في كل خمسة وعشرين يوما ثم نسوق المسألة إلى أن نقول طهرت بعد الاربعين احدا وعشرين يوما ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى تدع من أول الاستمرار تسعة ثم تصلى احدا وعشرين يوما وذلك دأبها لانها لما طهرت في الحادى والعشرين فلا يمكن جعل
[ 167 ]
ذلك حيضا بل هو طهر صحيح وعادتها بالطهر والحيض يجتمع في الشهر فإذا صار احدا وعشرين طهرا لها لم يبق لحيضها الا تسعة فجعلنا حيضها تسعة ألا ترى أنها لو حاضت خمسة في الابتداء ثم طهرت أربعة عشر واستمر بها الدم جعلنا حيضها خمسة وطهرها بقية الشهر وذلك خمسة وعشرون فهذا مثله. وقال أبو عثمان رحمه الله تعالى تدع من أول الاستمرار عشرة وتصلى احدا وعشرين وذلك دأبها فيكون دورها في كل احد وثلاثين يوما قال لانا انما قدرنا الطهر بما بقى من الشهر لانه ليس لاكثره غاية معلومة وذلك لا يوجد في الحيض فأكثره معلوم وهو عشرة فكان طهرها احدا وعشرين يوما كما رأت وحيضها عشرة ثم نسوق هذه المسألة إلى أن نقول طهرت سبعة وعشرين ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى حيضها من أول الاستمرار ثلاثة لانه هو الباقي من الشهر ويمكن أن يجعل حيضها وعلى قول أبى عثمان رحمه الله تعالى حيضها من أول الاستمرار عشرة ودورها في كل سبعة وثلاثين يوما فان طهرت ثمانية وعشرين يوما ثم استمر بها الدم فهنا حيضها من أول الاستمرار عشرة بالاتفاق ودورها في كل ثمانية وثلاثين يوما لانه لم يبق من الشهر ما يمكن أن يجعل حيضا لها فلاجل التعذر رجعنا إلى اعتبار أكثر الحيض وتركنا معنى اجتماع الحيض والطهر في شهر واحد فان رأت احدا وأربعين يوما دما كما ولدت ثم خمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى نفاسها أربعون وطهرها عشرون لانها صلت في اليوم الحادى والاربعين بالدم فيفسد به طهر خمسة عشر ولا يصلح لنصب العادة فلهذا كان طهرها عشرين فمن أول الاستمرار تصلى أربعة تمام طهرها ثم تدع عشرة وعلى قول أبى على الدقاق طهرها ستة عشر كما بينا فمن أول الاستمرار تدع عشرة وتصلى ستة عشر يوما وذلك دأبها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب باب الاستمرار (قال) رضى الله عنه اعلم بأن الاستمرار نوعان متصل ومنقطع فالمتصل أن يستمر الدم بالمرأة في جميع الاوقات وحكم هذا ظاهر انها ان كانت مبتدأة فحيضها من أول ما رأت عشرة وطهرها عشرون إلى أن تموت أو تطهر وان كانت صاحبة عادة فأيام عادتها في الحيض
[ 168 ]
تكون حيضا لها وأيام عادتها في الطهر تكون مستحاضة فيها فأما الاستمرار المنقطع وهو مقصود هذا الباب ان نقول مبتدأة رأت يوما دما ويوما طهرا واستمر بها كذلك أشهرا فعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى الجواب في جنس هذه المسائل ظاهر لانه يرى ختم الحيض بالطهر وبدايته بالطهر فحيضها عشرة من أول ما رأت وطهرها عشرون وهو والاستمرار المتصل سواء فاما على قول محمد رحمه الله تعالى فحيضها من أول ما رأت تسعة وطهرها احد وعشرون لان اليوم العاشر كان طهرا وهو لا يرى ختم الحيض بالطهر ويحتاج على قوله إلى معرفة ختم العشرة والى معرفة الشهر ليتبين به حكم بداية الحيض في الشهر الثاني وفى معرفته طريقان أحدهما ان الاوتار من أيامها حيض والشفوع طهر واليوم العاشر من الشفوع فعرفنا انه كان طهرا وكذلك اليوم الثلاثين ختم الشهر من الشفوع فكان طهرا وتستقبلها في الشهر الثاني مثل ما كان في الشهر الاول والثانى طريق الحساب وعليه تخرج المسائل لانه أقرب إلى الفهم فنقول السبيل ان يأخذ يوما دما ويوما طهرا وذلك اثنان فيضربه فيما يوافق العشرة وذلك خمسة واثنان في خمسة يكون عشرة وآخر المضروب طهر ومعرفة ختم الشهر ان يأخذ دما وطهرا وذلك اثنان يضربه فيما يوافق الشهر وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر ويستقبلها في الشهر الثاني مثل ما كان في الشهر الاول فكان دورها في كل شهر تسعة حيضا واحدا وعشرين طهرا فان رأت يومين دما ويوما طهرا واستمر كذلك فالعشرة من أوله حيض لان ختم العشرة بالدم وإذا أردت معرفة ذلك فالسبيل أن تأخذ دما وطهرا وذلك ثلاثة فتضربه فيما يقارب العشرة لانك لا تجد الموافق وذلك ثلاثة وثلاثة في ثلاثة تسعة وآخر المضروب طهر ثم بعده يوم دم فعرفت ان ختم العشرة كان بالدم ومعرفة ختم الشهران تأخذ دما وطهرا وذلك ثلاثة فتضربه فيما يوافق الشهر وذلك عشرة فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر ثم استقبلها في الشهر الثاني مثل ذلك فيكون دورها في كل شهر عشرة حيضا وعشرين طهرا وكذلك ان رأت يوما دما ويومين طهرا فهو على هذا التخريج فان رأت يومين دما ويومين طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت عشرة لان ختم العشرة بالدم ومعرفة ذلك ان تأخذ دما وطهرا وذلك أربعة فتضربه فيما يوافق العشرة وذلك اثنان فيكون ثمانية وآخر المضروب طهر ثم بعده يومان دم تمام العشرة فعرفنا ان ختم العشرة كان بالدم إلى ان ينظر ان ختم
[ 169 ]
الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك أربعة فتضربه فيما يقارب الشهر وذلك سبعة فيكون ثمانية وعشرين وآخر المضروب طهر ثم بعده يومان دم تمام الشهر واستقبلها في الشهر الثاني يومان طهر ويومان دم فهذه الستة تكون حيضا لها في الشهر الثاني لان ختم العشرة في الشهر الثاني بيومين طهر ولا يختم الحيض بالطهر إلى ان ينظر ان ختم الشهر الثاني بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك أربعة فيضربه فيما يوافق الشهرين وذلك خمسة عشر فيكون ستين وآخر المضروب طهر ثم استقبلها في الشهر الثالث يومان دم فاستقام أمرها فكان دورها في كل شهرين في الشهر الاول عشرة حيض ثم اثنان وعشرون طهر ثم ستة حيض ثم اثنان وعشرون طهر فان رأت ثلاثة دما ويومين طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت ثمانية لان ختم العشرة بالطهر إلى ان ينظر ان ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك خمسة فيضربه فيما يوافق الشهر وذلك ستة فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر فكان دورها في كل شهر ثمانية حيضا واثنين وعشرين طهرا وكذلك ان قلبت وقلت رأت يومين دما وثلاثة طهرا فهو على هذا التخريج الا أن حيضها هنا من أول كل شهر سبعة فان رأت ثلاثة دما وثلاثة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت تسعة إلى أن ينظر ان ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك ستة فيضربه فيما يوافق الشهر وذلك خمسة فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر فاستقام أمرها وكان دورها في كل شهر الحيض تسعة والطهر واحد وعشرون فان رأت أربعة دما وثلاثة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت عشرة لان ختم العشرة بالدم إلى أن ينظر إلى ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب الشهر وذلك أربعة فيكون ثمانية وعشرين وآخر المضروب طهر ثم بعده دم أربعة يومان تمام الشهر الاول ويومان من أول الشهر الثاني فيكون حيضا وفى الشهر الثاني حيضها تسعة لان اليوم العاشر كان طهرا إلى أن ينظر ان ختم الشهرين بما ذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب الشهرين وذلك تسعة فيكون ثلاثة وستين وآخر المضروب طهر فقد مضى من أيام حيضها في الشهر الثالث ثلاثة كان طهرا وبداءة الحيض بالطهر لا يكون ثم بعده أربعة دم وثلاثة طهر فما وجدت في الشهر الثالث من أيام الحيض الا اربعة فذلك حيضها إلى أن ينظر ان ختم الشهر الثالث بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب تسعين يوما
[ 170 ]
وذلك ثلاثة عشر فيكون احدا وتسعين وآخر المضروب طهر فقد مضى من الشهر الرابع يوم لم ترى فيه ثم بعده أربعة دم وثلاثة طهر ويومان تمام العشرة دم فوجدت تسعة أيام في الشهر الرابع فذلك حيضها إلى أن ينظر ان ختم الشهر الرابع بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب مائة وعشرين يوما وذلك سبعة عشر فيكون مائة وتسعة عشر وآخر المضروب طهر ثم بعده يوم دم تمام الشهر الرابع وفى الشهر الخامس ثلاثة دم وثلاثة طهر وأربعة دم فهذه العشرة حيضها إلى أن ينظر أن ختم الشهر الخامس بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب مائة وخمسين يوما وذلك احد وعشرون فيكون مائة وسبعة وأربعين وآخر المضروب طهر ثم بعده أربعة دم ثلاثة من ذلك تمام الشهر الخامس تصلى فيه ثم في الشهر السادس رأت يوما دما وثلاثة طهرا وأربعة دما فهذه الثمانية تكون حيضا لها لان ختم العشرة في الشهر السادس كان بالطهر إلى أن ينظر ان ختم الشهر السادس بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب مائة وثمانين وذلك ستة وعشرون فيكون مائة واثنين وثمانين وآخر المضروب طهر فقد مضى من الشهر السابع يومان من أيام حيضها لم تر فيه ثم بعده أربعة دم وثلاثة طهر وأربعة دم فختم العشرة في الشهر السابع كان بالدم فيكون حيضها ثمانية أيام بعد يومين مضت من الشهر السابع إلى أن ينظر أن ختم الشهر السابع بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يوافق سبعة أشهر وذلك ثلاثون فتكون مائتين وعشرة وآخر المضروب طهر فاستقام وكان دورها في كل سبعة أشهر حيضها وطهرها في كل شهر ما ذكرنا لانه استقبلها في الشهر الثامن مثل ما كان في الشهر الاول أربعة دم وثلاثة طهر وكذلك ان قلبت فقلت رأت ثلاثة دما وأربعة طهرا فهو في التخريج مثل ما سبق واستقام دورها في كل سبعة أشهر الا أنه ربما يزداد وينقص في هذه المدة بعض أيام حيضها ويتبين ذلك إذا خرجت فان رأت أربعة دما وأربعة طهرا واستمر كذلك أشهرا فحيضها من أول ما رأت عشرة لان ختمها بالدم والدم غالب على الطهر فيها إلى أن ينظر ان ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك ثمانية ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك أربعة فيكون اثنين وثلاثين وآخر المضروب طهر فقد مضي من أيام حيضها في الشهر الثاني يومان لم ترفيها ثم استقبلها أربعة دم وأربعة طهر فحيضها في هذا الشهر أربعة لانها لم تجد في العشرة الا هذا إلى ان ينظر ان ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا
[ 171 ]
وذلك ثمانية فيضربه فيما يقارب الشهرين وذلك ثمانية فيكون أربعة وستين يوما وآخره طهرا فقد مضى من الشهر الثالث أربعة أيام لم تر فيها ثم استقبلها دم أربعة فهذه الاربعة حيضها في الشهر الثالث لان ختم العشرة بالطهر إلى ان ينظر ان ختم الشهر الثالث بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك ثمانية فيضربه فيما يقارب ثلاثة أشهر وذلك احد عشر فيكون ثمانية وثمانين وآخره طهر ثم استقبلها أربعة دم يومان تمام الشهر الثالث تصلى فيهما وفى الشهر الرابع وجدت عشرة يومان دم وأربعة طهر وأربعة دم فهذه العشرة حيضها إلى ان ينظر ان ختم الشهر الرابع بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك ثمانية فيضربه فيما يوافق أربعة أشهر وذلك خمسة عشر فيكون مائة وعشرين يوما وآخره طهر فاستقام أمرها واستقبلها في الشهر الخامس أربعة دم كما كان في الشهر الاول فيكون دورها في كل أربعة الشهر في الشهر الاول عشرة حيض وفى الشهر الثاني أربعة بعد يومين مضيا حيض وفى الشهر الثالث أربعة حيض بعد أربعة مضت منه وفى الشهر الرابع عشرة حيض فان رأت خمسة دما وأربعة طهرا واستمر كذلك فحيضها في الشهر الاول عشرة لان ختم العشرة بالدم إلى أن ينظر ان ختمه بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك تسعة فيضربه فيما يقارب الشهر وذلك ثلاثة فيكون سبعة وعشرين وآخره طهر ثم بعده دم خمسة ثلاثة منها تمام الشهر وتصلى فيها ثم يومان من أول الشهر الثاني رأت فيهما وبعدهما طهر أربعة ودم خمسة فالعشرة من أول الشهر الثاني حيض إلى أن ينظر ان ختمه بماذا يكون فيضرب تسعة فيما يقارب الشهر وذلك سبعة فيكون ثلاثة وستين وآخره طهر فقد مضى من الشهر الثالث ثلاثة لم تر فيها ثم استقبلها دم خمسة فهذا حيضها في الشهر الثالث لان ختم العشرة بالطهر إلى أن ينظر ان ختم الشهر الثالث بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك تسعة فيضربه فيما يوافق ثلاثة أشهر وذلك عشرة فيكون تسعين وآخره طهر فاستقام أمرها لانه استقبلها في الشهر الرابع مثل ما كان في الشهر الاول فعلمنا أن دورها في كل ثلاثة أشهر كما بينا وكذلك ان قلبت فقلت رأت أربعة دم وخمسة طهرا فهو في التخريج كما بينا فإذا رأت خمسة دما وخمسة طهرا واستمر كذلك فحيضها خمسة من أول ما رأت لان ختم العشرة بالطهر إلى أن ينظر ان ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك عشرة ويضربه فيما يوافق الشهر وذلك ثلاثة فيكون ثلاثين وآخره طهر فاستقام أمرها في كل شهر الحيض خمسة والطهر خمسة وعشرون فان رأت خمسة دما وستة طهرا
[ 172 ]
واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت خمسة لان ختم العشرة بالطهر وتصير هذه الخمسة عادة لها بالمرة الواحدة لانها مبتدأة إلى أن ينظر ان ختم الشهر الثاني بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك أحد عشر ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك ثلاثة فيكون ثلاثة وثلاثين آخر المضروب طهر فقد مضى في الشهر الثاني من أيام عادتها ثلاثة وبقى يومان ويومان لا يكون حيضا ومن أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان العادة لا تنتقل بالمرة الواحدة وتخرج هذه المسألة على قولهما دون قول أبى يوسف رحمه الله تعالى كما بينا في أول الكتاب فأما على قول من لا يرى البدل وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فانها لا تترك الصلاة في شئ من الشهر الثاني إلى أن ينظر أنها هل ترى في الشهر الثالث في أيام عادتها فتأخذ دما وطهرا وذلك أحد عشر فتضربه فيما يقارب الشهرين وذلك ستة فيكون ستة وستين وآخره طهر فقد مضى من أيام عادتها في الشهر الثالث لم تر فيه شيئا وصاحبة العادة ان لم تر مرتين على الولاء يستأنف لها في موضع الرؤية لان العادة كما تنتقل برؤية المخالف مرتين تنتقل بعدم الرؤية في أيامها مرتين وإذا استأنف في موضع الرؤية كان حيضها خمسة واستقام أمرها على أن يكون دورها في كل ستة وستين يوما الحيض خمسة والطهر احد وستون يوما وأما على قول من يرى البدل وهو قول محمد رحمه الله تعالى فانه يقول يبدل لها خمسة بعد ثلاثة مضت من الشهر الثاني لوجود شرط الابدال لانه يبقى بعده طهر تام وهو ثمانية وعشرون على ما نثبته في بابه فتيرك هذه الخمسة إلى أن ينظر ان ختم الشهرين بماذا يكون فيأخذ احد عشر ويضربه فيما يقارب الشهرين وذلك ستة فيكون ستة وستين فلم تر مرتين على الولاء فيستأنف لها من موضع الرؤية واستقام دورها في كل ستة وستين تدع خمسة وتصلى ثمانية وعشرين ثم تدع خمسة بحساب البدل ثم تصلى ثمانية وعشرين وهذا دأبها وان استمر بها الدم بعد شهور استمرارا متصلا فكان محمد بن ابراهيم الميداني رحمه الله تعالى يقول حيضها في أيام الاستمرار خمسة وطهرها بقية الشهر خمسة وعشرون لانها كانت تصلى في ثمانية وعشرين لاجل الضرورة لا لانه كان طهرا صحيحا يصلح لنصب العادة فإذا ارتفعت الضرورة باتصال الاستمرار عادت إلى ما هو الاصل وهو أن يكون باقي الشهر بعد أيام عادتها في الحيض طهرا لها وذلك خمسة وعشرون وكان أبو عثمان يقول حيضها عشرة في زمان الاستمرار وطهرها عشرون لان الطهر لما فسد فسد الدم أيضا وانما كنا لا نجعل العشرة حيضا لان ختمها بالطهر وقد
[ 173 ]
زال ذلك المعنى فحيضها عشرة وطهرها عشرون كما لو ابتليت بالاستمرار ابتداء وكان أبو سهل يقول حيضها خمسة وطهرها ثمانية وعشرون لانها قد رأت كل واحد منهما مرات وحكمنا بأن الخمسة حيض وطهرها ثمانية وعشرون فعلى ذلك تبنى في زمان الاستمرار لان المحكوم بصحته شرعا بمنزلة ما هو صحيح حقيقة فان رأت ستة دما وخمسة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت ستة وباقي الشهر طهر إلى أن ينظر ان ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك احد عشر ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك ثلاثة فيكون ثلاثة وثلاثين وآخر المضروب طهر فقد مضى من أيامها في الشهر الثاني ثلاثة لم تر فيها ثم رأت سنة دما وقد بقى من أيام حضيها ثلاثة وذلك يكفيها فكان حيضها في الشهر الثاني هذه الثلاثة إلى أن ينظر ان ختمه بما ذا يكون فيأخذ احد عشر ويضربه فيما يقارب الشهرين وذلك ستة فيكون ستة وستين وآخره طهر فقد مضت أيامها في الشهر الثالث لم ترفيها فتصلى إلى موضع حيضها الآخر على قول من لا يرى البدل وعلى قول محمد رحمه الله تعالى يبدل لها ستة بعد ستة مضت من الشهر الثالث لانه يبقى بعدها من الشهر الثالث ثمانية عشر وذلك طهر تام إلى أن ينظر ان ختم الشهر الثالث بما ذا يكون فيضرب احد عشر فيما يقارب ثلاثة أشهر وذلك ثمانية فيكون ثمانية وثمانين يوما وآخره طهر ثم رأت ستة دما يومان تمام الشهر الثالث تصلى فيهما وأربعة وجدته في أيامها فذلك حيضها في الشهر الرابع إلى أن ينظر ان ختمه بماذا يكون فيأخذ أحد عشر ويضربه فيما يقارب أربعة أشهر وذلك احد عشر فيكون مائة واحدا وعشرين وآخره طهر ثم الدم بعده ستة وجدتها في أيامها فذلك حيضها في الشهر الخامس إلى أن ينظر أن ختمه بماذا يكون فيضرب أحد عشر في أربعة عشر فيكون مائة وأربعة وخمسين وآخره طهر فقد مضى من أيامها في الشهر السادس أربعة بقى يومان وذلك لا يكون حيضا فتصلى إلى موضع حيضها الآخر عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ويبدل لها عند محمد رحمه الله تعالى ستة بعد أربعة مضت من الشهر السادس إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيضرب أحد عشر فيما يقارب ستة أشهر وذلك ستة عشر فيكون مائة وستة وسبعين وآخر المضروب طهر ثم بعده دم ستة أربعة تمام الشهر السادس تصلى فيه وانما رأت في الشهر السابع يومين في أيامها وذلك لا يكون حيضا فتبين أنها لم تر مرتين على الولاء فيستأنف لها من وقت الابدال وتجعل تلك الستة يعنى الستة التى جعلت
[ 174 ]
بدلا عند محمد رحمه الله تعالى حيضا لها بطريق انتقال العادة إليه حتى إذا كانت لم تصل فيها أخذا بقول محمد رحمه الله تعالى فليس عليها قضاء تلك الصلوات أيضا عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى واستقام أمرها على أن يكون دورها في كل ستة أشهر على ما بينا فتنتقل عادتها من حيث المكان والعدد على حاله فان رأت ستة دما وستة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت ستة إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك اثنى عشر ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك ثلاثة فيكون ستة وثلاثين وآخره طهر فقد مضت أيامها في الشهر الثاني لم تر فيها فتصلى إلى موضع حيضها الثاني عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ويبدل لها ستة بعد ستة مضت من الشهر الثاني عند محمد رحمه الله تعالى تترك فيها الصلاة إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيضرب اثنى عشر فيما يوافق الشهرين وذلك خمسة فيكون ستين وآخره طهر فاستقام أمرها واستقبلها في الشهر الثالث مثل ما كان في الشهر الاول فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى تترك ستة من أول كل شهرين وتصلى أربعة وخمسين وعند محمد رحمه الله تعالى تترك ستة من أول الشهر وتصلى ثلاثين ثم تترك ستة بحساب البدل ثم تصلى ثمانية عشر وذلك دأبها وعلى هذا الطريق يخرج ستة وسبعة وقلبها وثمانية وثمانية وثمانية وقلبها وتسعة وتسعة وتسعة وعشرة وقلبها إلى أن يقول رأت في الابتداء عشرة دما وعشرة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت عشرة إلى ان ينظر ان ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك عشرون ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك اثنان فيكون أربعين وآخره طهر فقد مضت أيامها في الشهر الثاني لم تر فيها شيئا والابدال غير ممكن الا على قول من يقول بالجر أو الطرح على ما نبينه في بابه لان بعد الابدال لا يبقى إلى موضع حيضها الثاني طهر تام فتصلى إلى موضع حيضها الثاني حتى ينظر إلى ان ختم الشهرين بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك عشرون ويضربه فيما يوافق الشهرين وذلك ثلاثة فيكون ستين وآخره طهر فاستقام أمرها واستقبلها في الشهر الثالث مثل ما كان في الشهر الاول فيكون دورها في كل شهرين تترك عشرة وتصلى خمسين يوما وذلك دأبها والله أعلم (باب الانتقال) قال رحمه الله تعالى الانتقال على ضربين انتقال موضع وانتقال عدد ولا يحصل الانتقال
[ 175 ]
بالمرة الواحدة في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ما لم تر مرتين وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى بالمرة الواحدة يحصل انتقال العادة قال لان ابتداء العادة يحصل بالمرة فيكون كذلك انتقالها لان المرأة صاحبة بلوى وفي الانتقال بالمرة الواحدة تيسير عليها فكان القول به أولى لقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولان المرة الاخيرة متصلة بالاستمرار والبناء على العادة في زمان الاستمرار فترجح ما كان متصلا بالاستمرار على ما كان قبله لان هذه المرة لصحتها صارت فاصلة بين زمان الاستمرار وما تقدم وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا العادة مشتقة من العود ولن يحصل العود بدون التكرار ولان الشئ لا ينسخه الا ما هو مثله أو فوقه قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها والاول متأكد بالتكرار فلا ينسخه الا ما هو مثله في التأكد وقد بينا الفرق بين ابتداء العادة وانتقالها ثم نبدأ ببيان انتقال الموضع فنقول هو نوعان تارة يكون بالرؤية في غير موضع عادتها مرتين وتارة يكون بعدم الرؤية مرتين وبيان ذلك امرأة حيضها عشرة وطهرها خمسة عشر طهرت مرة خمسة وعشرين يوما ثم رأت الدم عشرة فهذه العشرة حيض عند أبى يوسف رحمه الله تعالى وتنتقل عادتها في الحيض إلى موضع الرؤية وفي الطهر إلى خمسة وعشرين وعند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا تكون هذه العشرة حيضا لها ولكن يتوقف أمرها على الرؤية في أيام عادتها في الثاني فان رأت تبين أن ما سبق لم يكن حيضا وان لم تر بان طهرت خمسة وعشرين بعد هذه العشرة ثم رأت الدم الدم عشرة تبين أن العشرة الاولى كانت حيضا لانها رأت خلاف عادتها في الموضع مرتين والعدد بحاله فانتقلت عادتها إلى موضع الرؤية ولو كانت عادتها في الحيض ثلاثة وفي الطهر خمسة عشر فطهرت ستة عشر يوما فهذه لم تر مرة لانه لم يبق من أيام عادتها ما يمكن ان يجعل حيضا لها فتصلى إلى موضع حيضها وموضع حيضها الاول من خمسة عشر إلى ثمانية عشر وموضع حيضها الثاني من ثلاثة وثلاثين إلى ستة وثلاثين حتى إذا طهرت ثلاثة وثلاثين ثم استمر بها الدم فقد وافق الاستمرار ابتداء حيضها الثاني فيجعل ثلاثة حيضا وخمسة عشرا طهرا وان طهرت أربعة وثلاثين فلم تر مرتين على الولاء لان الباقي من أيامها الثاني لا يمكن ان يجعل حيضا فانتقلت عادتها إلى أول الاستمرار لعدم الرؤية مرتين فتكون الثلاثة من أول الاستمرار حيضا لها ألا ترى ان امرأة عادتها في الحيض في أول كل شهر عشرة وفى الطهر عشرين فحبلت ثم
[ 176 ]
ولدت وقد بقى من الشهر عشرة واستمر بها الدم فهذه العشرة والشهر الذى يليها نفاسها ثم بعده عشرون طهرها ثم عشرة حيضها فقد انتقلت عادتها في الحيض من أول الشهر إلى آخره لعدم الرؤية مرارا في زمان الحبل فعرفنا ان العادة تنتقل بعدم الرؤية مرتين والله أعلم بالصواب (فصل) في بيان البدل على قول محمد رحمه الله تعالى صاحبة العادة المعروفة إذا لم ترفى أيامها ما يصلح ان يكون حيضا ورأت بعد أيامها ما يصلح ان يكون حيضا فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يتوقف حكم ما رأت على ما ترى في المرة الثانية فان رأت في موضع عادتها تبين ان ما سبق لم يكن حيضا وان رأت في الشهر الثاني مثل ما رأت في الشهر الاول تبين ان ما سبق كان حيضا وانتقلت عادتها وكان لا يجوز الابدال لان في الابدال ايهام نقل العادة بالمرة الواحدة وذلك لا يجوز فاما محمد قال إذا رأت بعد أيامها ما يمكن ان يجعل حيضا جعل حيضا بدلا عن أيامها إذا أمكن الابدال والامكان بان يبقى إلى موضع حيضها الثاني بعد الابدال اقل مدة الطهر وذلك خمسة عشر يوما أو أكثر سواء كان الطهر خالصا أو فيه استمرار فان كان الباقي بعد الابدال من طهرها دون خمسة عشر نظر فان أمكن ان يجر من موضع حيضها الثاني ما يضم إلى ما في الطهر فيكون ذلك خمسة عشر ويبقى بعد الجر من موضع حيضها الثاني ما يمكن ان يجعل حيضا يبدل لها أيضا وان كان الباقي دون ذلك فحينئذ لا يبدل لها وتصلى إلى موضع حيضها الثاني لان الحيض مبنى على الامكان والامكان موجود إذا بقي بعد الابدال مدة طهر تام أو أمكن تتميمه بالجر لان عادة المرأة لا تبقى على صفة واحدة ولكنها تتقدم تارة وتتأخر أخرى وكان أبو حفص الكبير ومحمد بن مقاتل يقولان بالبدل على قول محمد رحمه الله تعالى بطريق الطرح لا بطريق الجر وبيانه إذا كان الباقي بعد الابدال أقل من خمسة عشر يوما فان أمكن ان يطرح من أيام البدل ما يضم إلى باقي الطهر فيتم خمسة عشر يوما ويبقى من موضع البدل ما يمكن ان يجعل حيضا يبدل لها وان كان الباقي دون ذلك لا يبدل لها وقالا هذا الوجه أولى لان التغيير فيه في موضع واحد وفي الجر التغيير في موضعين وجواز التغيير لاجل الضرورة فإذا كان يرتفع ذلك بالمرة لا يجوز اثباته في موضعين وعدد البدل دون عدد الاصل وبيانه في التيمم مع الوضوء وكان أبو زيد الكبير وأبو يعقوب الغزال يقولان بالبدل إذا كان
[ 177 ]
يبقى بعد الابدال إلى موضع حيضها الثاني خمسة عشر يوما فان كان الباقي دون ذلك لا يبدل لها لان اثبات البدل ليكون الدم المرئى بين طهرين تامين فإذا وجد بهذه الصفة يبدل لها وإلا فلا وبيانه من المسائل امرأة عادتها في الحيض خمسة وطهرها عشرون طهرت مرة اثنين وعشرين يوما ثم استمر بها الدم يجعل حيضها من أول الاستمرار ثلاثة لانها رأت في أيامها ما يمكن ان يجعل حيضا فان طهرت ثلاثة وعشرين ثم استمر بها الدم فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى تصلى إلى موضع حيضها الثاني وذلك اثنان وعشرون يوما وعند محمد رحمه الله تعالى يبدل لها خمسة من أول الاستمرار لان الباقي بعد الابدال إلى موضع حيضها الثاني سبعة عشر يوما وكذلك ان طهرت أربعة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين ثم استمر بها الدم فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى تصلى إلى موضع حيضها الثاني وذلك اثنان وعشرون يوما وعند محمد رحمه الله تعالى يبدل لها خمسة من أول الاستمرار لان الباقي بعد الابدال إلى موضع حيضها الثاني سبعة عشر يوما وكذلك ان طهرت أربعة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين واستمر بها الدم يبدل لها خمسة لان الباقي بعد خمسة عشر يوما فتدع خمسة وتصلي خمسة عشر ثم تدع خمسة وتصلي عشرين فان طهرت ستة وعشرين يوما ثم استمر بها الدم فعلى قول أبى زيد وأبى يعقوب لا يبدل لها لان الباقي بعد الابدال أربعة عشر يوما ولكنها تصلى من أول الاستمرار تسعة عشر يوما ثم تدع خمسة وتصلى عشرين وعلى قول محمد رحمه الله تعالى يبدل لها خمسة لان الابدال بطريق الجر ممكن فيجر من موضع حيضها الثاني يوما إلى بقية طهرها ليتم خمسة عشر فتدع من أول الاستمرار خمسة بطريق البدل ثم تصلى خمسة عشر ثم تدع أربعة ثم تصلى عشرين ثم تدع خمسة وتصلى عشرين وعلى قول أبى حفص ومحمد بن مقاتل رحمهما الله تعالى يبدل لها بطريق الطرح فتدع من أول الاستمرار أربعة ثم تصلى خمسة عشر ثم تدع خمسة وتصلى عشرين وكذلك ان طهرت سبعة وعشرين ثم استمر بها الدم فهو في التخريج كما بينا وان طهرت ثمانية وعشرين ثم استمر بها الدم لا يبدل لها بالاتفاق لان بعد الابدال يبقى من الطهر اثنى عشر فان جررت إليه ثلاثة لا يبقى من موضع حيضها الثاني ما يمكن ان يجعل حيضا وان ضممت من أيام البدل ثلاثة لا يبقى ما يمكن أن يجعل حيضا فلا يبدل لها ولكنها تصلى إلى موضع حيضها الثاني وذلك سبعة عشر يوما ثم تدع خمسة وتصلي عشرين وكما يجوز الابدال بعد أيامها عند
[ 178 ]
محمد رحمه الله تعالى يجوز قبل أيامها بشرط أن يكون دما عقيب طهر صحيح لا استمرار فيه حتى إذا صلت في شئ من الطهر المتقدم بالدم لا يبدل لها قبل أيامها بيانه امرأة حيضها خمسة وطهرها عشرون طهرت خمسة عشر ثم رأت خمسة دما ثم طهرت أيامها فعند محمد رحمه الله تعالى تجعل الخمسة المتقدمة حيضا بدلا عن أيامها ولو طهرت أربعة عشر ثم رأت ستة دما ثم طهرت أيامها لم يبدل لها شئ من المتقدم لانها صلت في يوم منه بالدم وهو اليوم الخامس عشر وعند محمد رحمه الله تعالى يبدل لها مثل أيامها أو أقل من أيامها بقدر الممكن ولا يجوز أن يبدل لها أكثر من أيامها الا بشرط أن يكون بين طهرين صحيحين لا استمرار فيهما لان الحاجة إلى جعل الزيادة حيضا ابتداء فما لم يكن مرئيا بين طهرين صحيحين لا يمكن جعله حيضا ابتداء فان أمكن الابدال قبل أيامها وبعد أيامها يبدل لها قبل أيامها لانه أسرعهما امكانا وبيانه إذا كانت عادتها في الحيض ثلاثة وفي الطهر سبعة وعشرون فطهرت خمسة عشر يوما ثم رأت الدم ثلاثة ثم طهرت اثنى عشر يوما ثم رأت الدم فانها لم تر في أيامها شيئا فتبدل لها الثلاثة التي رأتها بعد خمسة عشر لانها مرئية بعد طهر صحيح فكان امكان البدل فيه قائما فلهذا يبدل لها تلك الثلاثة دون ما رأته بعد أيامها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب (باب الزيادة والنقصان) في أيام الحيض (قال) رحمه الله تعالى اعلم بأن صاحبة العادة المعروفة إذا رأت الدم زيادة على عادتها المعروفة يجعل ذلك حيضا ما لم يجاوز أكثر الحيض فان جاوز ردت إلى أيام عادتها فيجعل ذلك حيضها وما سواه استحاضة لان طبع المرأة لا يكون على صفة واحدة في جميع الاوقات فيزداد حيضها تارة باعتبار قوة طبعها وينقص أخري بضعف طبعها وأمر الحيض مبنى على الامكان فإذا لم تجاوز العشرة فالامكان قائم في الكل وان جاوز العشرة فقد صارت مستحاضة لما رأت زيادة على العشرة قال صلى الله عليه وسلم المستحاضة تدع الصلاة أيام اقرائها ولان ما رأته بعد معروفها تبع لمعروفها إذا لم يجاوز العشرة وحكم التبع حكم المتبوع فأما بعد المجاوزة تجاذبه جانبان فان اعتباره بأيامها يجعله حيضا واعتباره بما زاد على العشرة يجعله استحاضة فيترجح هذا الجانب لان ما ظهر الا عند ظهور هذه الاستحاضة فالظاهر انه
[ 179 ]
كان لداء في باطنها فان جاءت المرأة تستفتى فقالت كانت عادتي في الحيض خمسة والآن أرى الدم في اليوم السادس فقد اختلف فيه مشايخنا قال أئمة بلخ انها تؤمر بالاغتسال والصلاة لان حال الزيادة متردد بين الحيض والاستحاضة فلا تترك الصلاة مع التردد ولان هذه الزيادة لا تكون حيضا الا بشرط وهو الانقطاع قبل ان يجاوز العشرة وذلك موهوم فلا تترك الصلاة باعتبار أمر موهوم وكان محمد بن ابراهيم الميداني رحمه الله تعالى يقول لا تؤمر بالاغتسال والصلاة وهو الاصح لانها عرفناها حائضا بيقين وفى خروجها من الحيض شك ودليل بقائها حائضا ظاهر وهو رؤية الدم وهذه الزيادة لا تكون استحاضة الا بشرط الاستمرار حتى تجاوز العشرة وذلك الشرط غير ثابت فتيقناها حائضا لا تؤمر بالاغتسال والصلاة حتى يتبين أمرها فان جاوز العشرة فحينئذ تؤمر بقضاء ما تركت من الصلوات بعد أيام عادتها واعتبر هذا بالمبتدأة لا تؤمر بالاغتسال والصلاة مع رؤية الدم ما لم تجاوز العشرة ومما ذكر محمد رحمه الله تعالى في هذا الباب من المسائل امرأة عادتها في الحيض خمسة في أول كل شهر فرأت ثلاثة أيام دما في أيامها ثم انقطع سبعة أيام أو ستة أيام ثم رأته يوما أو أكثر فخمستها المعروفة هي الحيض في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى بناء على جواز ختم الحيض بالطهر وان طهر ما دون خمسة عشر كالدم المتوالى عنده وعلى قول محمد رحمه الله تعالى الثلاثة الاولى هي الحيض لانه لا يرى ختم الحيض بالطهر ولو انها رأت في أول العشرة يومين دما وفي آخرها يومين دما فذكر الشيخ الامام برهان الدين رحمه الله تعالى ان قوله خمستها حيض إذا كان اليومان الآخران هما اليوم العاشر والحادي عشر اما إذا كان اليومان التاسع والعاشر فالكل حيض عند أبي يوسف رحمه الله تعالى ولم يكن شئ من ذلك حيضا في قول محمد رحمه الله تعالى لان الطهر غالب فصار فاصلا بين الدمين وواحد منهما بانفراده لا يمكن ان يجعل حيضا فان لم تر في أولها يومين دما لم يكن شئ من ذلك حيضا عندهم جميعا وان رأت في أولها يومين دما ورأت اليوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر دما كانت خمستها هي الحيض في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لان الطهر قاصر فهو كالدم المتوالى وعند محمد الثلاثة الاخيرة هي الحيض بطريق البدل فان الابدال ممكن لانه يبقى بعده إلى مدة حيضها الثاني مدة طهر كامل فان رأت في أول خمستها يوما دما ويوما طهرا حتى جاوز العشرة كانت خمستها حيضا في قولهم جميعا لان ابتداء الخمسة
[ 180 ]
وختمها كان بالدم والطهر المتخلل قاصر فان طهرت أول يوم من الشهر ثم رأت يوما دما ويوما طهرا حتى جاوز العشرة فاليوم الاول ليس بحيض عندهم جميعا لانه لم يسبقه دم وهو في نفسه طهر وانما جوز أبو يوسف رحمه الله تعالى ابتداء الحيض بالطهر بشرط ان يتقدمه دم الاستحاضة والاربعة الباقية من أيامها حيض في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لانه لا يرى ختم الحيض بالطهر الا إذا تعقب دما وعلى قول محمد حيضها ثلاثة وهى الثاني والثالث والرابع من أيامها فان الخامس كان طهرا وهو لا يرى ختم الحيض بالطهر وان وقف على العشرة كان ما بعد اليوم الاول حيضا كله وان رأت يوما دما قبل رأس الشهر ومن أول الشهر يوما طهرا ويوما دما إلى تمام العشرة فاليوم الاول وجميع ذلك حيض إلى اليوم العاشر فانها لم تر فيه دما ولا بعده وما سوى ذلك وجد فيه شرط الامكان فجعل حيضا وان جاوز العشرة فخمستها المعروفة هي الحيض في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى وقال محمد حيضها ثلاثة أيام وهي الثاني والثالث والرابع من معروفها لانها طهرت في اليوم الاول والخامس وهو لا يرى بداية الحيض ولا ختمه بالطهر وبعض هذه المسائل يأتي بيانه في فصل يفرض له (باب في تقديم الحيض وتأخيره) اعلم أن صاحبة العادة إذا رأت قبل عادتها دما فهو على ثلاثة أوجه في وجه هو حيض بالاتفاق وفى وجه اختلفوا فيه وفي وجه روايتان عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أما الوجه الاول وهو انها إذا رأت قبل أيامها ما لا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده ورأت في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا بانفراده ولم يجاوز الكل عشرة فالكل حيض بالاتفاق لان ما رأته قبل أيامها غير مستقل بنفسه فيجعل تبعا لما رأته في أيامها وذكر في نوادر الصلاة عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى مطلقا ان المتقدم لا يكون حيضا ولكن تأويله إذا كان بحيث لا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده وبعض أئمة بلخ أخذوا بالظاهر فقالوا المتقدم عنده لا يكون حيضا على حال لانه مستنكر مرئى قبل وقته واما الوجه الذي اختلفوا فيه فثلاثة فصول. أحدها أن ترى قبل خمستها المعروفة خمسة أو ثلاثة أو لا تري في خمستها شيئا أو رأت قبل خمستها يوما أو يومين ومن أول خمستها يوما أو يومين بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما بانفراده حيضا ما لم يجتمعا ففي كتاب الصلاة قال الكل حيض وهو قول أبى يوسف ومحمد
[ 181 ]
رحمهما الله تعالى ولم يذكر قول أبى حنيفة وقد نص على الخلاف في نوادر الصلاة ان عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا يكون شئ من ذلك حيضا وجه قولهما ان الحيض مبنى على الامكان والمتقدم قياس المتأخر فكما جعل المتأخر عند الامكان حيضا فكذلك المتقدم وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول المتقدم دم مستنكر مرئى قبل وقته فلا يكون حيضا كالصغيرة جدا إذا رأت الدم وهذا لان الحاجة إلى اثبات الحيض لها ابتداء ولا يحصل ذلك بما ليس بمعهود لها ما لم يتأكد بالتكرار لان الدلالة قامت على ان العادة لا تنتقل بالمرة الواحدة بخلاف المتأخر فان الحاجة هناك إلى إبقاء ما ثبت من صفة الحيض والا بقاء لا يستدعى دليلا موجبا والوجه الثالث إذا رأت قبل أيامها ما يكون حيضا بانفراده ورأت أيامها مع ذلك فعلى قولهما لا يشكل ان الكل حيض إذا لم يجاوز العشرة اعتبارا للمتقدم بالمتأخر وعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى روايتان فيه روى المعلى عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى ان الكل حيض وما رأت في أيامها يكون أصلا لكونه مستقلا بنفسه فيستتبع ما تقدم كما لو كان المتقدم يوما أو يومين وروي محمد عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى ان أيامها حيض فأما المتقدم فحكمه موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فان رأت مثل ما رأته في الشهر الاول تبين انه كان حيضا وانتقلت عادتها بالتكرار وان رأت في الشهر الثاني في أيامها ولم تر قبل أيامها تبين ان المتقدم لم يكن حيضا لانه مستنكر مرئى قبل وقته وهو في نفسه مستقل فلا يمكن جعله تبعا لايامها بخلاف اليوم واليومين فإذا جاءت المرأة تستفتى انها ترى الدم قبل أيامها فعند هما تؤمر بترك الصلاة إذا كان الباقي من أيام طهرها ما لو ضم الي أيامها لم يجاوز العشرة لانها ترى الدم عقيب طهر صحيح فكان حيضا للامكان وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان كان الباقي من طهرها ثلاثة أيام أو أكثر لم تؤمر بترك الصلاة لان هذا المتقدم ليس بحيض لكونه مستقلا في نفسه فلا تستتبعه أيام حيضها وان كان يوما أو يومين فعلى قول أئمة بلخ تؤمر بترك الصلاة وعلى قول أئمة بخارى لا تؤمر به عند أبى حنيفة لان هذا المتقدم عنده لا يكون حيضا الا بشرط ان ترى في أيامها ما يمكن ان يجعل حيضا بانفراده ولم يثبت هذا الشرط بعد فلا تؤمر بترك الصلاة وهو نظير الاختلاف الذى بيناه في الباب المتقدم فاما في المتأخر ان رأت أيامها ورأت بعد أيامها أيضا ولم يجاوز العشرة فالكل حيض بالاتفاق لان ما بعد أيامها في حكم التبع لايامها ويستقيم اثبات التبع بعد ثبوت الاصل بخلاف
[ 182 ]
المتقدم عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وان لم تر في أيامها ورأت بعد أيامها ما يمكن ان يجعل حيضا أو رأت في أيامها يوما أو يومين وبعد أيامها مثل ذلك بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما بانفراده حيضا ويمكن جعل ذلك كله حيضا ففى ظاهر الرواية ان ذلك حيض عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى للامكان وذكر أبو سهل الفرائضي رحمه الله تعالى رواية أخرى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انه موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فان رأت في الشهر الثاني في أيامها تبين ان ذلك لم يكن حيضا وانتقلت به عادتها وان رأت قبل أيامها وفى أيامها وبعد أيامها فعلى أصل أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى حكم المتقدم والمتأخر سواء لا يفصل البعض عن البعض ولكن ان لم يجاوز الكل عشرة فالكل حيض وان جاوز كان حيضها أيام عادتها دون ما تقدم وما تأخر روي الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى ان أيامها تصير فاصلة بين المتقدم والمتأخر ومعنى هذا انه لا يعتبر المتقدم انما تعتبر أيامها وما تأخر فان لم يجاوز العشرة فالكل حيض وان جاوز فحيضها أيامها وظاهر المذهب عن أبى حنيفة انه ينظر إلى قدر المتقدم فان كان يوما أو يومين لا يفصل عن أيامها والجواب فيه كما قالا ان لم يجاوز الكل العشرة فالكل حيض وان كان المتقدم ثلاثة أيام أو أكثر يصير فاصلا فينظر إلى أيامها وما تأخر خاصة وهذا بناء على أصله ان المتقدم إذا كان لا يستقل بنفسه يجعل حيضا تبعا لها بخلاف ما إذا استقل بنفسه واما إذا رأت قبل أيامها ولم تر في أيامها شيئا ورأت بعد أيامها فعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى إذا جاوز الكل العشرة فحيضها أيامها لانه يجعل زمان الطهر حيضا باحاطة الدمين به وعلى قول محمد رحمه الله تعالى حيضها ما تقدم ان أمكن وان لم يمكن فحيضها ما تأخر وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان في ظاهر الرواية يجعل المتأخر حيضا وعلى ما ذكر أبو سهل الفرائضى رحمه الله تعالى يكون موقوفا على ما ترى في الشهر الثاني وعلى هذا بنى محمد رحمه الله تعالى أول الباب فقال امرأة كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر فرأت قبلها خمسة دما وطهرت أيامها ثم رأت بعد ذلك يوما أو يومين أو ثلاثة فايامها المعروفة هي الحيض في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى المتقدم هو الحيض وكذلك ان كانت رأت يومين دما من أول أيامها مع ذلك أو من آخر أيامها لان ما رأته في أول أيامها لا يمكن ان يجعل حيضا بانفراده وان رأت ثلاثة دما في أيامها مع ذلك من أولها أو من آخرها كانت هذه الثلاثة هي الحيض في
[ 183 ]
قول محمد رحمه الله تعالى لانها رأت في أيامها ما يمكن ان يجعل حيضا بانفراده وان كان حيضها ثلاثة أيام من أول كل شهر فتقدم حيضها قبل ذلك احد عشر يوما ثم طهرت أيامها فلم تر فيها ولا فيما بعدها دما فعلى قياس قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان ذلك استحاضة الا أن يعاودها لدم في مثل تلك الحالة احد عشر يوما أخر فان عاودها كانت ثلاثة أيام من الايام الاول من أولها حيضا وثلاثة أيام من هذه الاحد عشر يوما الاخرى حيضا من أولها لانه لا يرى الابدال فجعل حكم ذلك موقوفا فان تأكد بالتكرار انتقلت به العادة لما بينا ان انتقال العادة يحصل بعدم الرؤية في أيامها مرتين فاما عند محمد رحمه الله تعالى ثلاثة أيام من أول الاحد عشر يوما الاول حيض بطريق البدل لانه مرئى عقيب طهر صحيح وحكم انتقال العادة به يكون موقوفا على ما ترى في الشهر الثاني كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى فان كان حيضها خمسة أيام من أول الشهر فحاضتها ثم استمر بها الدم إلى تمام الشهر ثم انقطع في خمستها ثم استمر بعدها ففي قول أبى يوسف رحمه الله تعالى حيضها خمستها لاحاطة الدم بجانبيها وقال محمد رحمه الله تعالى حيضها خمسة أيام بعد أيامها لان شرط الابدال في المتقدم ان يكون مرئيا عقيب طهر صحيح لا استمرار فيه ولم يوجد فكان الابدال بعد أيامها لانه يبقي بعد الابدال إلى موضع حيضها الثاني مدة طهر تام وان كان فيه استمرار وان لم تر كذلك ولكنها رأت خمسة قبل أيامها دما وطهرت أيامها فتلك الخمسة هي الحيض في قول محمد رحمه الله تعالى لوجود شرط الابدال في المتقدم فان رأت في المرة الثانية تلك الخمسة وأيامها المعروفة وزيادة يوم دما فحيضها الخمسة المعروفة لان انتقال العادة لا يحصل بالمرة الواحدة فان لم تر في المرة الثانية كذلك ولكنها رأت الخمسة التى قبل أيامها وطهرت أيامها وطهرت بعد أيامها ثم رأت في المرة الثالثة تلك الخمسة وخمستها وزيادة يوم فحيضها هي الخمسة الاولى لان انتقال العادة حصل بعدم الرؤية في أيامها مرتين وكذلك ان طهرت في أيامها مرتين ولم تر في غيرها دما ثم رأت الدم خمسة قبل أيامها وفى أيامها وزيادة يوم فحيضها خمسة من أول ما رأت لانتقال العادة في الموضع لعدم الرؤية مرتين وان كانت طهرت في أيامها مرة واحدة فحيضها هي الخمسة المعروفة لان الانتقال لا يحصل بعدم الرؤية مرة الا في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى فان كانت لم تر قبل أيامها ولا في أيامها ورأت بعدها خمسة دما ثم في المرة الثانية طهرت خمستها وهذه الخمسة ثم استمر بها الدم فأيامها خمسة
[ 184 ]
من حين استمر بها الدم لانتقال العادة إلى موضع الرؤية بعدم الرؤية في أيامها مرتين (قال) في الكتاب وما بعدها طهر إلى تمام الشهر من حين استمر بها الدم ثم تكون حائضا وأكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى على أن هذا الجواب غلط والصحيح أن بعد ما تترك خمسة من أول الاستمرار تصلى ثلاثين يوما لان عادتها في الطهر قد انتقلت إلى ثلاثين يوما برؤيته مرتين على الولاء ففي الشهر الاول طهرت خمستها بعد ما مضى من طهرها خمسة وعشرون فذلك ثلاثون يوما ثم رأت خمسة ثم طهرت بقية الشهر وذلك عشرون يوما وطهرت خمستها وخمسة بعد خمستها في الشهر الثالث فذلك ثلاثون يوما فعلمنا أنها طهرت مرتين على الولاء ثلاثين فانتقلت عادتها في الطهر إلى هذا فعليه تبنى في زمان الاستمرار (قال) الحاكم رحمه الله تعالى ويحتمل أن يكون وجه جواب محمد رحمه الله تعالى أنها لما طهرت أيامها المعروفة مرتين كان حيضها منتقلا إلى حيث ترى الدم فلما رأته في الخمسة الثالثة من الشهر صار ذلك الموضع وقتها وكان حكمها كالتى تدرك فحيضها من أول الادراك أو كالتى انتقلت عادتها بالحبل عن عادتها فإذا استمر بها الدم حتى ينتهي إلى هذه الخمسة من الشهر الآخر فقد انتهت إلى معروفها وهي ترى الدم فلا بد من أن يجعل ذلك حيضا ولم يحصل بين هذه الخمسة وبين الخمسة الاولى من حساب الطهر الا خمسة وعشرون يوما فلذلك أجاب بما أجاب به وهذا الذى قاله ضعيف لان في حق المبتدأة ليس لها في الطهر عادة تبنى على تلك العادة ولهذه في الطهر عادة متأكدة بالتكرار وذلك ثلاثون يوما فلا يجوز النقصان عنه في زمان الاستمرار ومن أصحابنا من قال مراده مما قال وما بعدها طهر إلى تمام الشهر خمسة عشر يوما لانه انما استمر بها الدم بعد ما مضى عشرة أيام من الشهر فان تركت خمسة بقى إلى تمام الشهر خمسة عشر يوما فتصلى فيها ثم تدع خمسة من أول الشهر وهذا أيضا ضعيف فقد قال في الكتاب وما بعدها طهر إلى تمام الشهر من حين استمر بها الدم فانما جعل أول الشهر في حقها من وقت الاستمرار والاصح انه غلط لما بينا (فصل في بيان أصول مسائل انتقال العدد) اعلم بأن العادة نوعان أصلية وجعلية فصورة العادة الاصلية ان ترى المرأة دمين وطهرين
[ 185 ]
متفقين صحيحين على الولاء أو أكثر من ذلك وصورة العادة الجعلية ان ترى المرأة دمين وطهرين متفقين بينهما مخالف لهما أو ترى اطهارا مختلفة أو دماء مختلفة فينصب أوسط الاعداد لها عادة على قول من يقول باوسط الاعداد وأقل المرتين على قول من يقول بأقل المرتين الاخيرتين فتكون هذه عادة جعلية لها في زمان الاستمرار سميت جعلية لانه جعل عادة لها للضرورة ولم يوجد فيها دليل ثبوت العادة حقيقة فان رأت العاده الجعلية بعد العادة الاصلية قال أئمة بلخ رحمهم الله تعالى لا تنتقض به العادة الاصلية لانها دونها والشئ لا ينقضه ما هو دونه انما ينقضه ما هو مثله أو فوقه ولان ما ثبت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة وقد تحققت الضرورة في اثبات عادة لها ولا ضرورة في نقض العادة التى كانت لها ومشايخ بخارى رحمهم الله تعالى يقولون تنقض العادة الاصلية بالعادة الجعلية لانه لابد من التكرر في العادة الجعلية بخلاف ما كان في العادة الاصلية مثاله إذا كانت العادة الاصلية في الحيض خمسة لا تثبت الجعلية الا برؤية ستة أو سبعة أو ثمانية فالتكرار فيها خلاف العادة الاصلية مرارا لان سبعة وثمانية يتكرر فيها ستة فبالتكرار بخلاف العادة الاصلية تنتقض تلك العادة ولكن لكونها متفاوتة في نفسها تكون العادة الثانية جعلية لا أصلية ثم قد بينا ان العادة الاصلية لا تنتقض برؤية المخالف مرة واحدة الا على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى حتى إذا كانت عادتها في الحيض خمسة وفى الطهر عشرين فطهرت خمسة عشر ثم استمر بها الدم فعلى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى تصلى من أول الاستمرار خمسة تمام عادتها في الطهر وعلى قول أبى يوسف رحمه الله تدع من أول الاستمرار خمسة وقد انتقلت عادتها في الطهر إلى خمسة عشر بالرؤية مرة واحدة فاما العادة الجعلية تنتقض برؤية المخالف مرة واحدة بالاتفاق لانها أضعف من العادة الاصلية وثبوتها ما كان بسبب التكرار فكذلك انتقاضها لا يتوقف على وجود التكرار فيما يخالفها بخلاف العادة الاصلية ثم المبتدأة إذا رأت اطهارا مختلفة ودماء مختلفة فوقعت الحاجة إلى نصب العادة لها فالبناء على أوسط الاعداد عند محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى وعلى أقل المرتين الاخيرتين عند أبي عثمان رحمه الله تعالى وصاحبة العادة والمتبدأة في هذا الحكم سواء وقد تكون عادة المرأة في الحيض والطهر جميعا أصلية وقد تكون جعلية فيهما وقد تكون أصلية في أحدهما جعلية في الآخر بحسب ما يتفق وذلك كله ينبنى على معرفة الاطهار الصحيحة والدماء الصحيحة
[ 186 ]
فالطهر الصحيح على الاطلاق ان لا ينتقص عن أدني مدته وان لا تصلى المرأة في شئ منه بالدم فان صلت في أول يوم منه بالدم ثم كان الطهر بعده خمسة عشر أو أكثر فهذا صالح لجعل ما بعده من الدم حيضا غير صالح لنصب العادة به وان صلت في شئ منه بالدم ثم كان الطهر بعده دون خمسة عشر فهو غير صالح لنصب العادة ولا يجعل ما بعده حيضا والدم الصحيح ان لا ينتقص عن أدني مدته وان يكون بين طهرين كاملين وبيان هذا انه لو كانت عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرين فرأت الدم أحد عشر يوما ثم طهرت خمسة عشر يوما ثم استمر بها الدم فنقول عشرة من أول ما رأت حيضها واليوم الحادى عشر أول طهرها فتصلى فيه بالدم ثم الطهر خمسة عشر فقد جاء الاستمرار وقد بقى من زمان طهرها أربعة فتصلى هذه الاربعة ثم تترك عشرة وتصلى عشرين وان كان بعد طهر خمسة عشر رأت خمسة دما ثم طهرت خمسة عشر فهذه الخمسة تكون حيضا لها لانه مرئى عقيب طهر خمسة عشر فيمكن جعله حيضا ولكن لا تنتقل عادتها في الطهر إلى خمسة عشر لان الطهر الاول قد صلت في أول يوم منه بالدم فلا يصلح لنصب العادة ولو كانت رأت الدم احد عشر ثم الطهر أربعة عشر ثم الدم خمسة ثم الطهر خمسة عشر ثم استمر فان الخمسة لا تجعل حيضا لها لانها غير مرئية عقيب طهر كامل بل بتلك الخمسة يتم طهرها ثم طهرت خمسة عشر فعشرة من ذلك مدة حيضها لم تر فيه ثم جاء الاستمرار وقد بقى من طهرها خمسة عشر فتصلى من أو ل الاستمرار خمسة عشر ثم تدع عشرة وتصلى عشرين وأما بيان البناء على أوسط الاعداد أو على أقل المرتين الاخيرتين ان نقول امرأة حيضها خمسة وطهرها عشرون رأت الدم سبعة والطهر خمسة عشر والدم ستة والطهر سبعة عشر ثم استمر بها الدم فعلى قول من يقول بأوسط الاعداد تبنى على ستة في الحيض وعلى سبعة عشر في الطهر لان المعتبر أوسط الاعداد فيما رأت لا أوسط ما ترى وأوسط الاعداد في الحيض ستة لان قبله كان خمسة وبعده كان سبعة وأوسط الاعداد في الحيض لان الطهر سبعة عشر فانه كانت عادتها في الطهر عشرين وقد رأت مرة خمسة عشر فأوسط الاعداد سبعة عشر وعلى قول من يقول بأقل المرتين الاخيرتين انما تبنى على ستة في الحيض وخمسة عشر في الطهر لانها أقل المرتين الاخيرتين فقد رأت مرة سبعة ومرة ستة وفى الطهر مرة سبعة عشر ومرة خمسة عشر فلهذا بنت في زمان الاستمرار على أقل المرتين الاخيرتين وأصل آخر انه
[ 187 ]
متى كان لها عادة أصلية فوقعت الحاجة إلى نصب العادة لها برؤية أطهار مختلفة أو دماء مختلفة فينصب لها أوسط الاعداد على قول من يقول به وأقل المرتين على قول من يقول به مما يوافق العادة الاصلية فانه يطرح المأخوذ ثم ينظر إلى أوسط الاعداد من الباقي أو إلى أقل المرتين فان كان يوافق العادة الاصلية عرفت أنها باقية فتبنى عليها الفساد وان لم تكن موافقة للعادة الاصلية عرفت ان العاده الاصلية قد انتقضت والمطروح يصير عادة جعلية لها فتبنى على ذلك في زمان الاستمرار وبيانه امرأة عادتها في الحيض عشرة وفى الطهر عشرون طهرت ثلاثين يوما ثم رأت الدم عشرة ثم الطهر أربعين ثم الدم عشرة ثم الطهر خمسة عشر ثم الدم عشرة ثم الطهر عشرين ثم استمر فنقول أوسط الاعداد في الطهر عشرون لانها رأت مرة ثلاثين ومرة أربعين ومرة خمسة عشر فأوسط الاعداد عشرون وهو موافق للعادة الاصلية فيطرح ذلك يبقى بعده خمسة عشر وثلاثون وأربعون فأوسط الاعداد ثلاثون فلم يكن موافقا للعادة الاصلية فعرفنا ان العادة الاصلية قد انتقضت به وانما تبنى في زمان الاستمرار على ما هو المطروح وهو دم عشرة وطهر عشرين ولو رأت الدم عشرة والطهر ثلاثين والدم عشرة والطهر خمسة عشر والدم عشرة والطهر عشرين ثم استمر فأوسط الاعداد في الطهر عشرون فيطرح ذلك يبقى بعده خمسة عشر وثلاثون وما كان في الاصل عادة لها وذلك عشرون فأوسط الاعداد من ذلك عشرون فلما وافق أوسط الاعداد من الباقي بعد الطرح العادة الاصلية عرفنا أنها لم تنتقض فتبنى عليها ما بعدها فحين طهرت ثلاثين فعشرون منها زمان طهرها وعشرة من حساب حيضها ثم رأت الدم عشرة وهو ابتداء طهرها ثم الطهر خمسة عشر عشرة تمام مدة طهرها وخمسة من حساب حيضها ثم الدم عشرة خمسة بقية مدة حيضها وخمسة من حساب طهرها ثم الطهر عشرين خمسة عشر بقية مدة طهرها وخمسة من حساب حيضها فجاء الاستمرار وقد بقى من مدة حيضها خمسة فتدع خمسة من أول الاستمرار ثم تصلى عشرين ثم تدع عشرة ثم تصلى عشرين وذلك دأبها والمسائل المخرجة على هذا الاصل كثيرة في السؤالات ومن أحكم الاصول فهما ودراية تيسر عليه تخريجها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب
[ 188 ]
(باب في التقدم والتأخر بالافراد والشفوع) (قال) رضى الله عنه الاصل ان التقدم متى كان بفرد فانها لا ترى في أيامها الاول ولا في أيامها الثواني ومتى كان التقدم بشفع فانها ترى في أيامها الاول والثواني والتأخر متى كان بفرد فانها لا ترى في أيامها الاول ولا الثواني ومتى كان بشفع فانها لا ترى في أيامها الاول وترى في أيامها الثواني وبيان هذا امرأة حيضها ثلاثة من أول الشهر وطهرها سبعة وعشرون فرأت من أول الشهر يوما دما ويوما طهرا واستمر كذلك فانها من أول الشهر حيض لان ابتداءه وختمه كان بالدم إلى أن ينظر ان ختم هذا الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا ذلك اثنان فيضربه فيما يوافق الشهر وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر فعرفنا أنها وجدت أيامها في الشهر الثاني كما وجدت في الشهر الاول وهكذا في كل مرة فان تقدم بيوم بأن طهرت ستة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فاليوم الاول تمام طهرها ثم كان أيامها ابتداؤه وختمه بالطهر فلم تجد أيامها في هذا الشهر فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يتوقف حكمها على ما ترى في الشهر الثاني وعند محمد رحمه الله تعالى تجعل ثلاثة من أول ما رأت حيضا لها بدلا عن أيامها وحكم انتقال العادة موقوف علي ما ترى في المرة الثانية فانظر ان ختم الشهر الثاني بماذا يكون فخذ دما وطهرا وذلك اثنان فاضربه فيما يقارب أحدا وثلاثين وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين وآخره طهر ثم يوم دم تتم به مدة طهرها ثم استقبلها في المرة الثانية يوم طهر ويوم دم ويوم طهر فلم تجد في هذه المرة أيضا فانتقلت عادتها إلى موضع الابدال لعدم الرؤية في أيامها مرتين فان تقدم بشفع بأن طهرت خمسة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا واستمر كذلك فقدم طهرها بيومين واستقبلها زمان الحيض يوم دم ويوم طهر ويوم دم فقد وجدت في هذه المدة إلى أن ينظر ان ختم الشهر بماذا يكون فتأخذ دما وطهرا وذلك اثنان فيضرب فيما يوافق اثنين وثلثين وذلك ستة عشر فيكون اثنين وثلاثين وآخره طهر ثم استقبلها في أيامها في الشهر الثاني دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت أيامها وهكذا تجد في كل مرة ثم تسير والمسألة في التقدم فردا أو شفعا إلى ان تقول طهرت ستة عشر يوما ثم رأت يوما دما ويوما طهرا كذلك فقد بقى من زمان طهرها احد عشر فخذ دما وطهرا وذلك اثنان فاضربه فيما يقارب احد عشر وذلك خمسة فتكون عشرة
[ 189 ]
وآخره طهر ثم دم يتم به طهرها ثم استقبلها في أيامها طهر يوم ودم يوم وطهر يوم فلم تجد في أيامها في هذه المرة أيضا وانتقلت عادتها إلى موضع الابدال لعدم الرؤية في أيامها مرتين ثم تجد ذلك في كل مرة فان طهرت خمسة عشر ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فقد بقى من طهرها اثنى عشر فخذ دما وطهرا وذلك اثنان فاضربه فيما يوافق اثنى عشر وذلك ستة فيكون اثنى عشر وآخر المضروب طهر فاستقبلها في أيامها يوم دم ويوم طهر ويوم دم فقد وجدت في أيامها إلى أن ينظر انها هل تجد في المرة الثانية فخذ دما وطهرا واضربه فيما يوافق اثنين وأربعين وذلك احد وعشرون فيكون اثنين وأربعين وآخره طهر ثم استقبلها في أيامها دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت وهكذا تجد في كل مرة فان تأخر بيوم بأن طهرت ثمانية وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فنقول انها لم تجد في هذه المرة أيامها فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى تصلي إلى موضع حيضها الثاني وحكمها موقوف على ما ترى في المرة الثانية وعند محمد رحمه الله تعالى تجعل الثلاثة من أول ما رأت حيضا لها بدلا وحكم انتقال العادة موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فخذ دما وطهرا واضربه فيما يقارب تسعة وعشرين وذلك أربعة عشر فيكون ثمانية وعشرين وآخره طهر ثم يوم دم به يتم طهرها فيستقبلها في الشهر الثاني طهر يوم ودم يوم وطهر يوم فلم تجد وانتقلت عادتها لعدم الرؤية مرتين إلى موضع الابدال فتجد بعد ذلك في كل مرة فان تأخر بيومين بأن طهرت تسعة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى تصلى إلى موضع حيضها الثاني وعند محمد رحمه الله تعالى تدع من أول ما رأت ثلاثة بطريق البدل إلى أن ينظر أنها هل ترى في الشهر الثاني فيأخذ دما وطهرا وذلك اثنان ويضربه فيما يوافق ثمانية وعشرين وذلك أربعة عشر فيكون ثمانية وعشرين وآخره طهر ثم استقبلها في الشهر الثاني دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت في هذه المرة وهكذا تجد في كل مرة فان رأت بعد طهرها سبعة وعشرين يومين دما ويوما طهرا واستمر كذلك فعند أبى يوسف رحمه الله تعالى حيضها من أول ما رأت ثلاثة لانه يرى ختم الحيض بالطهر وعلى قول محمد رحمه الله تعالى حيضها من أول ما رأت خمسة وطهرها خمسة وعشرون (قال) الحاكم رحمه الله تعالى وهذا غير مطرد على أصل محمد رحمه الله تعالى غير أنه اضطر إلى هذا الجواب ومعنى هذا أن الابدال زيادة على أيام عادتها لا يجوز عنده الا أن يكون بين طهرين صحيحين لا استمرار فيهما ولم
[ 190 ]
يوجد ذلك الشرط هنا ولكنه قال انها لم تجد أيامها في المرة الاولى لان ختم الثلاثة بالطهر وهكذا لا تجد في كل مرة وإذا أردت معرفة ذلك فخذ دما وطهرا وذلك ثلاثة واضربه فيما يوافق الشهر وذلك عشرة فيكون ثلاثين وآخره طهر ثم استقبلها في الشهر الثاني يومان دم ويوم طهر فلم تجد وهكذا لا تجد في كل مرة فلو لم نزد في أيامها أدى ذلك لا ان لا تكون حائضا في شئ من عمرها مع رؤيتها الدم في أكثر عمرها وذلك الا يجوز فلهذه الضرورة زدنا في أيامها فجعلناها خمسة من أول ما رأت يومان دم ويوم طهر ويومان دم فهذه الخمسة حيضها وباقى الشهر طهرها خمسة وعشرون فتجد بعد ذلك في كل مرة وكان أبو سهل الفرائضى رحمه الله تعالى يقول الاصح عندي ان يجعل حيضها أربعة لان الزيادة على أيامها لاجل الضرورة وهذه الضرورة تندفع بزيادة يوم واحد ليكون ابتداء حيضها وختمه بالدم فلا يزاد أكثر من يوم واحد فكان حيضها أربعة وكان أبو عبد الله الزعفراني رحمه الله تعالى يقول الاصح عندي ان يجعل حيضها ثلاثة أيام وساعة فان الزيادة للضرورة فتتقدر بقدر الضرورة وترتفع هذه الضرورة بزيادة ساعة من أيام الدم فلا يزاد أكثر من ذلك فيكون حيضها ثلاثة أيام وساعة ولم يعتبر محمد رحمه الله تعالى شيئا من هذا لان كل دور من الدم وذلك يومان في حكم شئ واحد لاتصال بعضه بالبعض فإذا وجب زيادة شئ منه يزاد كله فيجعل حيضها خمسة أيام من أول كل شهر فان رأت يومين دما ويوما طهرا واستمر بها الدم فثلاثة أيام من حين استمر بها الدم حيض وما قبله استحاضة في قول محمد رحمه الله تعالى لانا لو اعتبرنا من أول الرؤية كان ختم أيامها بالطهر فلا يجد بدا من أن يزيد في أيامها حيضها وإذا اعتبرنا من أو ل الاستمرار أمكن جعل الثلاثة حيضا لها من غير حاجة إلى الزيادة والغاء يومي دم ويوم طهر قبل الاستمرار أهون من الزيادة في أيامها فلهذا يلغي ذلك ويجعل حيضها من أول الاستمرار ثلاثة وكان الزعفراني رحمه الله تعالى يقول انما يلغي من أول اليومين ساعة فيبقى يومان الا ساعة دم ويوم طهر فيضم إليه ساعة من أول الاستمرار حتى تتم ثلاثة أيام ويمكن جعل هذه الثلاثة حيضا لان ابتداءه وختمه بالدم والالغاء لاجل الضرورة فإذا ارتفعت الضرورة بالغاء ساعة لا يجوز الغاء ثلاثة أيام فان رأت بعد طهر سبعة وعشرين يوما دما ويومين طهرا واستمر كذلك فنقول انها لم تجد أيامها في المرة الاولى لان ختم الثلاثة كان بالطهر وهكذا لا تجد في كل مرة لما بينا أنه يستقبلها في الشهر الثاني مثل ما كان
[ 191 ]
يستقبلها في الشهر الاول يوم دم ويومان طهر فلا بد من الزيادة في مدة حيضها فيجعل حيضها من أول ما رأت أربعة ليكون ابتداؤه وختمه بالدم والطهر في خلاله قاصر ثم طهرها بقية الشهر وذلك ستة وعشرون وعلى قول الزعفراني رحمه الله تعالى انما يزاد ساعة واحدة من اليوم الرابع لان الضرورة به ترتفع كما بينا والمسائل المخرجة على هذا الاصل كثيرة وفيما بيناه كفاية فان كان حيضها عشرة أيام من أول الشهر وطهرها عشرين فطهرت ثلاثين يوما ثم استمر بها الدم فعشرة من أول الدم المستمر حيض عند محمد رحمه الله تعالى بطريق البدل لانها لم تر في أيامها شيئا والابدال بطريق الجر ممكن فانا إذا أبدلنا هذه العشرة يبقى من زمان طهرها عشرة فيجر خمسة من أيام الحيض إلى باقى الطهر ليتم خمسة عشر فلهذا أبدل لها وقال تترك من أول الاستمرار عشرة ثم تصلى خمسة عشر ثم تترك خمسة ثم تصلى عشرين ثم تترك عشرة وتصلى عشرين وكذلك ان طهرت اثنين وثلاثين يوما لانا إذا ابدلنا لها من أول الاستمرار عشرة يبقى من الطهر ثمانية فيجر من أيامها الثاني سبعة إليه ليتم خمسة عشر فانه يبقى بعده ثلاثة أيام وذلك حيض تام فأما إذا طهرت ثلاثة وثلاثين فالآن لا يبدل لها من أول الاستمرار لانا لو أبدلنا لها عشرة يبقى من زمان طهرها سبعة فلا يمكن ان يجر من الحيض الثاني إليه ما يتم به الطهر خمسة عشر لان ذلك ثمانية والباقى بعدها يومان ويومان لا يمكن ان يجعل حيضا فلهذا لم يبدل لها ولكنه قال تصلى إلى موضع حيضها الثاني والله أعلم بالصواب (فصل في بيان التاريخ) امرأة كان أيام حيضها عشرة وأيام طهرها عشرين ثم استمر بها الدم يوم الاحد لاربع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى سنة أربع وسبعين وأربعمائة ثم جنت وبقيت كذلك مدة طويلة ثم أفاقت والدم مستمر كذلك فجاء اليوم وهو يوم الخميس السابع والعشرين من ذى القعدة سنة سبع وسبعين واربعمائة إلى فقيه تستفتيه انها حائض اليوم أم طاهر فان كانت حائضا فهذا أول حيضها أو آخره وان كانت طاهرا فكذلك فالسبيل لذلك الفقيه ان ينظر من تاريخ الاستمرار إلى يوم السؤال فيأخذ السنين الكوامل والشهور الكوامل والايام التي لم تبلغ شهرا فيجعل السنين شهورا والشهور أياما ثم يطرح من الجملة العدد
[ 192 ]
الناقص من الشهور فنقول من تاريخ الاستمرار إلى وقت السؤال ثلاث سنين وستة أشهر وثلاثة عشر يوما فاجعل السنين شهورا بأن تضرب ثلاثة في اثنى عشر فيكون ستة وثلاثين وتضم إليه ستة أشهر فيكون اثنين وأربعين يضرب ذلك في ثلاثين فيكون ألفا ومائتين وستين يضم إليه ثلاثة عشر يوما فيكون ألفا ومائتين وثلاثة وسبعين الا أن في الاشهر كوامل ونواقص فاجعل النصف كوامل والنصف نواقص واطرح بعدد نصف الشهور من الجملة وذلك احد وعشرون يوما يبقي ألف ومائتان واثنان وخمسون ثم انظر إلى ماله ثلث صحيح وعشر صحيح فاطرحه لان دورها في كل ثلاثين عشرة حيض وعشرون طهر فألف وماتان وثلاثون تطرح من هذه الجملة يبقى اثنان وعشرون وليس له ثلث صحيح ولا عشر صحيح فعرفت ان عشرة من أول هذا الباقي حيضها واثنى عشر طهرها فيقال لها قد بقى من مدة طهرك ثمانية فتصلى ثمانية الا أنه يبقى فيه شبهة وهو أنه من الجائز ان عدد الكوامل من الشهور كان أقل وعدد النواقص كان أكثر فان أردت ازالة هذه الشبهة فاحسبه بالاسابيع لان كل أسبوع سبعة أيام من غير زيادة فان وافق العدد بالاسابيع ما كان معك علمت أن النواقص والكوامل كانا سواء فان فضل يوم علمت أن النواقص كان أكثر بشهر وان انتقص يوم علمت أن الكوامل أكثر بشهر فانظر إلى ماله سبع صحيح فاطرحه من أصل الحساب ولالف ومائة وتسعين سبع صحيح يبقى اثنان وستون ولستة وخمسين سبع صحيح فاطرحه من الباقي بقى معك ستة فابتداء الاستمرار كان يوم الاحد ومنه إلى وقت السؤال خمسة أيام لانها سألت يوم الخميس وقد فضل يوم فعلمت أن النواقص كان أكثر بشهر فاطرح من الباقي معك وذلك اثنان وعشرون واحدا بقى احد وعشرون حيضها من ذلك عشرة وطهرها أحد عشر فيقال لها هذا يوم الحادى عشر من طهرك فصلى تسعة أيام تمام طهرك ثم اتركى عشرة وصلى عشرين وما كان من هذا الجنس تخرجه على هذا الوجه والله سبحانه وتعالى أعلم (فصل) امرأة جاءت إلى فقيه فأخبرته عن طهر خمسة عشر يوما ولا تحفظ شيئا سوى ذلك فهذا لا يكفيها لنصب العادة ولا الاستئناف لتوهم الاستحاضة قبلها أو بعدها فيقال لها تذكري فان لم تتذكر شيئا فحكمها حكم الضالة على ما يأتي بيانه في بابه فان أخبرته عن طهر صحيح ودم صحيح ولا تحفظ شيئا آخر فهذا أيضا لا يكفيها لنصب العادة لتوهم
[ 193 ]
الاستحاضة قبلها أو بعدها فان قالت اعلم أنى لم أكن مستحاضة فعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى يكفيها لنصب العادة لانه يرى انتقال العادة بالمرة الواحدة وعلى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا يكفيها لنصب العادة لان عندهما لا تنتقل العادة بالمرة الواحدة فان أخبرت عن دمين صحيحين وطهرين صحيحين متفقين وعلمت أنها لم تكن مستحاضة قبلهما ولا بعدهما فهذا يكفيها لنصب العادة ولا يكفيها للاستئناف لان العادة تنتقل بوؤية المخالف مرتين ولكن لا يكفيها للاستئناف لتوهم الطهر الطويل قبلهما أو بعدهما فان أخبرت عن دمين صحيحين مختلفين في العدد وعن طهرين صحيحين مختلفين في العدد فعلى قول من يقول باقل المرتين هذا يكفيها لنصب العادة ولكن لا يكفيها للاستئناف لتوهم الطهر الطويل وعلى قول من يقول باوسط الاعداد هذا لا يكفيها لنصب العادة فان أخبرت عن ثلاثة أطهار ودماء مختلفة فان لم تعلم انها هل كانت مستحاضة قبلها أو بمدها فهذا لا يكفيها لنصب العادة على قول من يقول باوسط الاعداد لان الخالص من هذه الثلاثة دمان وطهران وان علمت انها لم تكن مستحاضة قبلها ولا بعدها فهذا يكفيها لنصب العادة بالبناء على أوسط الاعداد ولا يكفيها للاستئناف لتوهم الطهر الطويل وعلى هذا القياس يخرج ما كان من هذا الوجه والله أعلم (باب الاضلال) (قال) وإذا كانت امرأة تحيض في كل شهر حيضة فاستحيضت وطبقت بين الفريقين ونسيت عدد أيامها وموضعها فانها تبني على أكبر رأيها لان الطهارة شرط لصحة الصلاة كاستقبال القبلة فكما ان عند اشتباه أمر القبلة عليها تتحرى فكذا اشتباه حالها في الحيض والطهر عليها تتحرى فكل زمان يكون أكبر رأيها انها حائض فيه تترك الصلاة وكل زمان أكثر رأيها علي انها فيه طاهرة تصلى فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك وكل زمان لم يستقر رأيها فيه على شئ بل تردد بين الحيض والطهر والدخول في الحيض فانها تصلى فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك وكل زمان لم يستقر رأيها على شئ بل تردد رأيها فيه بين الحيض والطهر والخروج عن الحيض فانها تصلى فيه بالغسل لكل صلاة بالشك والقياس فيما إذا لم يكن لها رأى ان تغتسل في كل ساعة لانه ما من ساعة الا ويتوهم انه وقت خروجها من
[ 194 ]
الحيض ولكن لو أخذنا بهذا كان فيه حرج بين فانها لا تتفرغ عن الاغتسال لشغل آخر ديني أو دنيوي فأمرناها بالاغتسال لكل صلاة لهذا وكان أبو على الدقاق رحمه الله تعالى يقول هذا قياس أيضا والاستحسان انها تغتسل لوقت كل صلاة وزعم ان هذا هو قول محمد رحمه الله تعالى لان في أمرنا اياها بالاغتسال لكل صلاة من الحرج مالا يخفي فكما أن في المستحاضة التي تعرف أيامها يقام الوقت مقام الصلاة حتى يكفيها في كل وقت وضوء واحد فكذلك في الاغتسال ولكن الاصح ما ذكر في الكتاب انها تغتسل لكل صلاة لان اعتبار الحرج فيما لا نص فيه بخلافه والاثر جاء هنا بالاغتسال لكل صلاة فان حمنة بنت جحش رضى الله تعالى عنها لما استحيضت سبع سنين أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة فان كانت فيه قد نسيت أيامها فهو نص وان كانت تحفظ أيامها فلما أمرنا بالاغتسال لكل صلاة من حفظت أيامها فلمن نسيت أولى وبه أمر حمنة بنت جحش وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وبه أمر سلمة بنت سهيل وكانت تحت أبى حذيفة رضى الله تعالى عنه فشق عليها ذلك فأمرها أن تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ثم تصلى الظهر في آخر الوقت والعصر في أول الوقت بغسل واحد ثم تؤخر المغرب إلى آخر الوقت فتغتسل وتصلى المغرب في آخر الوقت والعشاء في أول الوقت بغسل واحد ثم تغتسل للفجر وبه أخذ ابراهيم النخعي رحمه الله تعالى وتأويله عندنا انها تذكرت ان خروجها من الحيض كان يكون في آخر هذه الاوقات. وقال سعيد ابن جبير رحمه الله تعالى رفع فتوى إلى ابن عباس رضى الله عنهما بعد ما كف بصره فدفعه إلى فقرأته عليه فإذا فيه انى امرأة من المسلمين ابتليت بالدم وقد سألت عليا رضى الله تعالى عنه فأمرني أن أغتسل لكل صلاة فقال وأنا أرى لها مثل ما رأى على رضى الله تعالى عنه فلهذه الآثار أمرناها بالاغتسال لكل صلاة وكان أبو سهل رحمه الله تعالى يقول تغتسل في وقت وتصلى ثم تغتسل في الوقت الثاني لاداء صلاة الوقت وتعيد ما صلت قبل هذا الوقت لتتيقن أداء أحدهما بصفة الطهارة لان الاحتياط في باب العبادات واجب وانما تصلى المكتوبات والسنن المشهورة لانها تبع للمكتوبات شرعت لجبر النقصان المتمكن فيها وكذلك تصلى الوتر لانها واجبة أو سنة مؤكدة ولا تصلى شيئا من التطوعات سوى هذا لان أداء التطوع في حالة الطهر مباح وفي حاله الحيض حرام
[ 195 ]
وما تردد بين المباح والبدعة لا يؤتى به فان التحرز عن البدعة واجب وفيما تصلى تقرأ في كل ركعة آية واحدة عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وثلاث آيات عندهما قدر ما يتم به فرض القراءة ومن مشايخنا رحمهم الله تعالى من يقول تقرأ الفاتحة في الاوليين من المكتوبة وفي السنن في كل ركعة لان الفاتحة تعينت واجبة في حق العمل فلا تترك قراءتها ولا تقرأ السورة معها كما لا تقرأ خارج الصلاة آية تامة من القرآن لان ما ترد بين السنة والبدعة لا يؤتى به وكذلك لا تمس المصحف ولا تدخل المسجد لانها في كل وقت على احتمال انها حائض وليس للحائض مس المصحف ولا دخول المسجد ولا قراءة آية تامة من القرآن فان سمعت سجدة فسجدت كما سمعت سقطت عنها لانها ان كانت طاهرة فقد أدت ما لزمها وان كانت حائضا فلا تجب السجدة على الحائض بالسماع وان سجدت بعد ذلك يلزمها ان تعيدها بعد عشرة أيام لجواز ان سماعها كان في حالة الطهر فلزمتها السجدة ثم أدت في حالة الحيض فلا تسقط عنها فإذا اعادت بعد عشرة أيام تيقنت ان أحداهما كانت في حالة الطهر وان حجت فلا تأتى بطواف التحية أصلا لانه سنة وما تردد بين السنة والبدعة لا يؤتي به فاما طواف الزيارة فركن الحج لابد أن تأتى به ثم تعيده بعد عشرة أيام لتتيقن أن احدهما حصل في حالة الطهر فتتحلل به بيقين وتأتى بطواف الصدر ثم لا تعيده لان طواف الصدر واجب على الطاهر دون الحائض فان كانت حائضا فليس عليها ذلك وان كانت طاهرة فقد أتت به ولا يطؤها زوجها لان الوطئ لا تتحقق فيه الضرورة ولكنه اقتضاء للشهوة وهو حرام في حالة الحيض. وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى للزوج أن يتحرى ويطأها بالتحرى لانه حقه في حالة الطهر وزمان الطهر أكثر من زمان الحيض وعند غلبة الحلال يجوز التحرى كالمساليخ إذا اختلطت والحلال غالب على الميتة ولكن هذا غير صحيح فان التحرى في باب الفروج لا يجوز نص عليه في كتاب التحرى في الجوارى وانما التحرى فيما يحل تناوله بالاذن دون الملك ولا تفطر في شئ من شهر رمضان ثم بعد مضي شهر رمضان يلزمها قضاء أيام الحيض وأكثر ما كان حيضها في الشهر عشرة أيام سواء كان الشهر كاملا أو ناقصا لان باقى الشهر بعد أيام الحيض طهر فان انتقص الشهر فظهور ذلك النقصان في الطهر لا في الحيض ثم المسألة على ثلاثة أوجه اما أن تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل أو تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار أو لا تتذكر
[ 196 ]
شيئا من ذلك فان علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها قضاء عشرين يوما لان أكثر ما فسد صومها فيه في الشهر عشرة وربما وافق ابتداء حيضها ابتداء القضاء فلا يجزيها صومها في عشرة أيام ثم يجزيها في عشرة أخرى فإذا صامت عشرين يوما خرجت مما عليها من القضاء بيقين وان علمت ان ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها ان تصوم اثنين وعشرين يوما احتياطا لان أكثر ما فسد صومها فيه في الشهر أحد عشر يوما فان ابتداء الحيض إذا كان من عند طلوع الشمس فتمام عشرة أيام في مثل هذا الوقت من اليوم الحادى عشر فيفسد صومها فيه ثم عليها قضاء ضعف ذلك لجواز ان ابتداء القضاء وافق أول يوم من حيضها فلا يجزيها الصوم في احد عشر ثم يجزيها في أحد عشر أخرى وان كانت لا تدرى ان ابتداء حيضها كان يكون بالليل أو بالنهار فاكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى يقولون يلزمها قضاء عشرين يوما لان الحيض لا يكون اكثر من عشرة وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقول تقضى اثنين وعشرين يوما لتوهم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار والاحتياط في باب العبادات واجب ويستوى ان قضت موصولا بالشهر أو مفصولا عنه وهذا كله إذا علمت ان دورها كان يكون في كل شهر وان لم تعرف ذلك أيضا فعليها الاخذ بالاحتياط فلا تفطر في شئ من الشهر وعليها ان كانت تعرف ان ابتداء حيضها كان يكون بالليل قضاء خمسة عشر يوما لان من الجائزان حيضها كان عشرة وطهرها خمسة عشر يوما فانما فسد صومها في خمسة عشر يوما إما عشرة من أول الشهر وخمسة من آخره أو خمسة من أول الشهر بقية حيضها وعشرة من آخر الشهر فإذا عرفنا ان عليها قضاء خمسة عشر يوما فاما ان تقضى موصولا بالشهر أو مفصولا عنه فان قضت موصولا فعليها ان تقضى خمسة وعشرين يوما لانه ان كان فسد صومها من أول الشهر عشرة ومن آخر الشهر خمسة فيوم الفطر هو السادس من حيضها لا تصوم فيه ثم تصوم بعده تسعة عشر يوما فلا يجزيها في أربعة أيام بقية حيضها ثم يجزيها في خمسة عشر وان كان انما فسد من آخر الشهر عشرة فيوم الفطر أول يوم من طهرها لا تصوم فيه ثم يجزيها الصوم في أربعة عشر يوما ثم لا يجزيها في عشرة ثم يجزيها في يوم آخر فمن هذا الوجه عليها ان تصوم خمسة وعشرين يوما ومن الوجه الاول تسعة عشر فتحتاط وتصوم خمسة وعشرين وكذلك ان قضت مفصولا فانما تقضى خمسة وعشرين يوما لتوهم ان ابتداء القضاء وافق أول يوم من حيضها فلا يجزيها الصوم في عشرة أيام ثم يجزيها في خمسة عشر
[ 197 ]
يوما وان علمت ان ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فاكثر ما فسد من صومها في الشهر ستة عشر يوما إما أحد عشر من أوله وخمسة من آخره أو خمسة من أول الشهر بقية الحيض وأحد عشر من آخره واما أن تقضى ذلك موصولا برمضان أو مفصولا عنه فان قضت موصولا فعليها أن تصوم اثنين وثلاثين يوما لانه ان كان أول الشهر ابتداء حيضها فيوم الفطر هو السادس من حيضها لا تصوم فيه ثم لا يجزئها الصوم بعده في خمسة أيام ويجزئها في أربعة عشر يوما ثم لا يجزئها في أحد عشر يوما ثم يجزئها في يومين فتكون الجملة اثنين وثلاثين وان كان ابتداء شوال أول طهرها بأن كان ختم حيضها في آخر رمضان فلا تصوم في يوم العيد ثم يجزئها الصوم بعده في ثلاثة عشر يوما ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في ثلاثة فتكون الجملة سبعة وعشرين فمن هذا الوجه عليها قضاء سبعة وعشرين يوما ومن الوجه الاول عليها قضاء اثنين وثلاثين فتأخذ بالاحتياط وتصوم اثنين وثلاثين لتخرج مما عليها بيقين وان قضت مفصولا فعليها قضاء ثمانية وثلاثين لانه يتوهم أن يوافق ابتداء القضاء أول يوم من حيضها فلا يجزئها الصوم في أحد عشر يوما ثم يجزئها في أربعة عشر ثم لا يجزئها في احد عشر ثم يجزئها في يومين فتكون الجملة ثمانية وثلاثين يوما فإذا صامت هذا المقدار تيقنت بجواز صومها في ستة عشر يوما وذلك القدر كان واجبا عليها وان كانت لا تدرى أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار أو بالليل فعلى قول عامة مشايخنا رحمهم الله تعالى تصوم خمسة وعشرين يوما وعلى قول الفقيه أبى جعفر رحمه الله تعالى تأخذ بأحوط الوجهين فان قضت موصولا بالشهر صامت اثنين وثلاثين يوما وان قضت مفصولا عن الشهر صامت ثمانية وثلاثين يوما وهذا كله إذا كان شهر رمضان كاملا فان كان ناقصا فالواجب عليها قضاء خمسة عشر يوما لانا تيقنا بجواز صومها في أربعة عشر فيتعين للفساد خمسة عشر فإذا أرادت القضاء صامت سبعة وثلاثين يوما لان من الجائز أن يوافق ابتداء صومها ابتداء حيضها فلا يجزئها في أحد عشر يوما بأن كان حيضها بالنهار ويجزئها في أربعة عشر ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في يوم فجملة ذلك سبعة وثلاثون يوما فلهذا صامت هذا القدر لتخرج مما عليها بيقين ولو وجب على هذه المرأة صوم شهرين متتابعين في كفارة القتل أو في كفارة الفطر بأن كانت أفطرت قبل هذه الحالة إذ في هذه الحالة لا تلزمها الكفارة لتمكن الشبهة في كل يوم بالتردد بين الحيض والطهر ثم هذا على وجهين اما ان كانت
[ 198 ]
تعلم أن حيضها كان يكون في كل شهر أولا تعلم ذلك وكل وجه على وجهين أما ان كانت تعلم أن ابتداء حيضها بالليل أو بالنهار أو لا تعلم ذلك فأما الفصل الاول وهو ما إذا كان دورها في كل شهر فان علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها أن تصوم تسعين يوما لان الواجب عليها صوم ستين يوما متتابعة فمن كل ثلاثين يتيقن بجواز صومها في عشرين فإذا صامت تسعين يوما تيقنت بجواز صومها في ستين يوما فتسقط به الكفارة عنها وان علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها أن تصوم مائة يوم وأربعة أيام لجواز أن يكون ابتداء صومها يوافق ابتداء حيضها فلا يجزئها في أحد عشر يوما ثم يجزئها في تسعة عشر يوما ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في تسعة عشر ثم في الشهر الثالث كذلك فيبلغ العدد تسعين يوما وانما جاز صومها منه في سبعة وخمسين ثم لا يجزئها في احد عشر ثم يجزئها في ثلاثة تتمة ستين فبلغ عدد الجملة مائة يوم وأربعة أيام فلهذا صامت هذا المقدار وان كانت لا تدرى أن حيضها كان يكون بالليل أو بالنهار فعلى قول أكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى تصوم تسعين يوما وعلى ما ذكره الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى تأخذ بأحوط الوجهين فتصوم مائة وأربعة أيام وأما الفصل الثاني وهو ما إذا كانت لا تدرى ان دورها في كم يكون فان علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها أن تصوم مائة يوم لان من كل خمسة وعشرين يتيقن بجواز صومها في خمسة عشر بأن كان حيضها عشرة وطهرها خمسة عشر فإذا صامت مائة يوم جاز صومها في ستين يوما بيقين فتسقط عنها الكفارة به وان كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها أن تصوم مائة وخمسة عشر يوما لان من الجائز أن يوافق ابتداء الصوم ابتداء الحيض فلا يجزئها في احد عشر ثم يجزئها في أربعة عشر ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في أربعة عشر فيبلغ العدد مائة وانما جاز صومها في ستة وخمسين يوما لا يجزئها في أحد عشر يوما ثم يجزئها في أربعة من أربعة عشر يوما تتمة ستين فبلغ مائة وخمسة وعشرين وانما جاز صومها فيه في ستين يوما وان كانت لا تدرى كيف كان ابتداء حيضها فهو على الاختلاف الذى بينا ولو وجب عليها صوم ثلاثة أيام في كفارة يمين فان كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها أن تصوم خمسة عشر يوما لانه ان وافق ابتداء صومها ابتداء الحيض لم يجزئها في عشرة ثم يجزئها في ثلاثة بعدها وذلك ثلاثة عشر فان كانت حين افتتحت الصوم بقى من طهرها يوم أو يومان جاز
[ 199 ]
صومها فيهما ثم لم يجز في عشرة وانقطع به التتابع فان صوم ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعة وعذر الحيض فيه لا يكون عفوا لانها تجد ثلاثة أيام خالية عن الحيض بخلاف الشهرين وقد بينا هذا في كتاب الصوم فعليها أن تحتاط بصوم خمسة عشرين يوما حتى إذا كان الباقي من طهرها يومين حين افتتحت الصوم لم يجزها صومها فيهما عن الكفارة لانقطاع التتابع في العشرة بعدهما لعذر الحيض وجاز صومها في ثلاثة بعدها فكانت الجملة خمسة عشر يوما وان شاءت صامت ثلاثة أيام ثم بعد عشرة أيام تصوم ثلاثة أيام أخرى فتيقن ان إحدى الثلاثتين وافقت زمان طهرها وجاز صومها فيها عن الكفارة وان كانت تعلم ان ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها ان تصوم ستة عشر يوما لان من الجائز ان الباقي من طهرها حين افتتحت الصوم يومان فلا يجزيها الصوم فيهما عن الكفارة لانقطاع التتابع ثم لا يجزيها في أحد عشر يوما بسبب الحيض ثم يجزيها في ثلاثة أيام فتكون الجملة ستة عشر يوما صامت ثلاثة أيام ثم أفطرت أحد عشر ثم صامت ثلاثة أيام فتيقن ان احدى الثلاثتين في زمان طهرها فيجزيها وعلى هذا قال في قضاء رمضان أيضا إذا كان الواجب عليها قضاء عشرة أيام بان كان دورها في كل شهر فان شاءت صامت عشرين يوما كما بينا وان شاءت صامت عشرة أيام في شهر ثم في شهر آخر عشرة أخرى سوى العشرة الاولى لتتيقن ان احدى العشرتين موافق زمان طهرها وكذلك ان كانت تعلم ان ابتداء حيضها كان يكون في كل شهر ثلاثة أو أربعة فعليها بعد مضى رمضان قضاء ضعف عدد أيامها وان شاءت صامت عدد أيامها في عشر من شهر ثم في الشهر آخر صامت مثل ذلك في عشر آخر لتتيقن ان احداهما موافق زمان طهرها فيجزيها من القضاء الا انا لم نشتغل بهذا في قضاء رمضان لانه ليس فيه تخفيف عليها بنقصان العدد وبيناه في صوم كفارة اليمين لان التخفيف فيه يتحقق ولو وجب عليها قضاء صلاة تركتها في زمان طهرها صلت تلك الصلاة بعد الاغتسال ثم اعادتها بعد عشرة أيام لتخرج مما عليها بيقين فان احد الوقتين زمان طهرها بيقين ولو أن هذه المرأة طلقها زوجها بعد الدخول بها فعلى قول أبى عصمة سعد بن معاذ رضى الله عنه لا تنقضي عدتها في حكم التزوج بزوج آخر ابدا لما بينا أنه لا يقدر أكثر الطهر بشئ فان التقدير بالرأى لا يجوز وعلى قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى إذا مضى من وقت الطلاق تسعة عشر شهرا وعشرة أيام غير أربع ساعات يجوز لها ان تتزوج لانه يقدر أكثر مدة الطهر بستة أشهر غير ساعة كما بينا
[ 200 ]
ومن الجائز ان الطلاق كان بعد مضى ساعة من حيضها فلا تحتسب هذه الحيضة من العدة وذلك عشرة أيام غير ساعة ثم بعد ثلاثة اطهار كل طهر ستة أشهر غير ساعة وثلاثة حيض كل حيضة عشرة أيام فإذا جمعت الكل بلغ تسعة عشر شهرا وعشرة أيام غير أربع ساعات فيحكم بانقضاء عدتها بهذه المدة ولها ان تتزوج بعدها وعلى قول من يقدر مدة الطهر في حقها بتسعة وعشرين يوما كما بينا تتزوج بعد أربعة أشهر ويوم واحد غير ساعة لان من الجائز أن الطلاق كان بعد مضى ساعة من حيضها فلا تحسب هذه الحيضة من العدة وهو عشرة أيام غير ساعة ثم بعد ثلاثة اطهار كل طهر سبعة وعشرين يوما وثلاث حيض كل حيضة عشرة فيبلغ عدد الجملة مائة واحدا وعشرين يوما غير ساعة فلهذا كان لها ان تتزوج بعد هذه المدة فاما في حكم انقطاع الرجعة فإذا مضى تسعة وثلاثون يوما من وقت الطلاق انقطعت الرجعة لان بابها مبنى على الاحتياط ومن الجائز ان حيضها كان ثلاثة وطهرها خمسة عشر وكان وقوع الطلاق في آخر جزء من أجزاء طهرها فتنقضى عدتها بتسع وثلاثين يوما فلهذا حكمنا بانقطاع الرجعة بهذا القدر احتياطا وهو نظير ما قلنا في امرأة تحفظ أيامها طهرت من الحيضة الثالثة وأيامها دون العشرة فاغتسلت بسؤر الحمار انقطعت به الرجعة ولا تحل للازواج ما لم تتيمم معه أو تصلى بعد التيمم ولو ان هذه المبتلاة كانت أمة فاشتراها انسان فمدة استبرائها على قول أبي عصمة رحمه الله تعالى لا تقدر بشئ لما بينا وعلى قول محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى تقدر بستة أشهر وعشرين يوما غير ساعتين لجواز ان الشراء كان بعد ما مضى من حيضها ساعة فلا تحسب هذه الحيضة من الاستبراء وهو عشرة أيام الا ساعة ثم بعده طهر ستة أشهر الا ساعة ثم بعده الحيض عشرة أيام فتكون الجملة ستة أشهر وعشرين يوما غير ساعتين يستبرئها بها وانما هذا كالبناء على قول من يجوز وطأها بالتحرى لان المقصود من الاستبراء استباحة الوطئ فاما على قول من لا يبيح وطأها أصلا وهو الاصح فلا حاجة إلى هذا التكلف وما كان من أحكامها فعلى هذا الوجه تخريجه والله أعلم (فصل في اضلال عدد في عدد) فان سأل سائل عن امرأة أضلت أيامها فيما هو دونها من العدد فهذا محال بان قال أيامها
[ 201 ]
عشرة فاضلت ذلك في أسبوع لان العشرة لا توجد في الاسبوع فكيف تضل فيه وكذلك لو قال أضلت في مثلها من العدد فهو محال أيضا بأن قال أيامها سبعة فأضلت ذلك في أيام الجمعة لانها واجدة عالمة بحالها وان قال أضلت أيامها فيما هو فوقها من العدد فالسؤال مستقيم ثم الاصل فيه ان كل زمان يتيقن فيه بالحيض تترك الصلاة والصوم ولا يأتيها زوجها فيه بيقين وكل زمان تيقنت فيه بالطهر تصلى فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين ولا يأتيها زوجها فيه وكل زمان تردد بين الحيض والطهر تصلى فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها فيه وكل زمان تردد بين الحيض والطهر والخروج من الحيض تصلى فيه بالاغتسال لكل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها فيه وأصل آخر انها متى أضلت أيامها في ضعفها من العدد أو أكثر من الضعف فلا يتيقن بالحيض في شئ منه نحو ما إذا كانت أيامها ثلاثة فضلت ذلك في ستة أو ثمانية لانها لا تتيقن بالحيض في شئ من أوله وآخره ومتى ضلت أيامها فيما دون ضعفه يتيقن بالحيض في بعضه نحو ما إذا كانت أيامها ثلاث فضلت ذلك في خمسة فانها تتيقن بالحيض في اليوم الثالث فانه أول الحيض أو آخره أو الثاني منه بيقين فتترك الصلاة فيه لهذا إذا عرفنا هذا جئنا إلى بيان المسائل فنقول ان كانت تعلم أن أيامها كانت ثلاثة في العشر الآخر من الشهر ولا تدرى في أي موضع من العشر كانت ولا رأى لها في ذلك فهذه أضلت أيامها في أكثر من ضعفها فتصلى ثلاثة أيام من أول العشر بالوضوء لوقت كل صلاة لانه تردد حالها في هذه المسألة بين الحيض والطهر ثم بعد ذلك تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشر لانه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض الا أنها ان كانت تذكر أن خروجها من الحيض في أي وقت من اليوم كان يكون تغتسل في كل يوم في ذلك الوقت مرة وان كانت لا تعرف ذلك تغتسل لكل صلاة فان كانت أيامها أربعة فأضلت ذلك في العشرة فانها تتوضأ أربعة أيام من أول العشرة لوقت كل صلاة لانه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم بعد ذلك تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشرة لانه تردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض وان كانت أيامها خمسة فاضلت ذلك في عشرة فانها تصلى خمسة أيام من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة لانه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تصلى إلى آخر العشرة بالاغتسال لكل صلاة لانه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من
[ 202 ]
الحيض فان كانت أيامها ستة فاضلت ذلك في عشرة فانها تصلي من أول العشرة أربعة أيام بالوضوء لوقت كل صلاة ثم تدع يومين ثم تصلي في أربعة أيام بالاغتسال لكل صلاة لان الاربعة الاولى ترددت بين الحيض والطهر فأما اليوم الخامس والسادس فهو حيض بيقين لانه ان كانت أيامها من أول العشر فهذا آخر حيضها وان كانت من آخر العشر فهذا أول حيضها فلهذا تركت الصلاة فيهما بيقين ثم في الاربعة الاواخر تردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض فتصلى فيه بالاغتسال لكل صلاة وان كانت أيامها سبعة فأضلت ذلك في عشرة فانها تصلى ثلاثة من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع أربعة بيقين لان هذه الاربعة فيها يقين الحيض فانها آخر الحيض ان كانت البداية من أول العشرة وأول الحيض ان كانت أيامها في آخر العشرة ثم تصلى ثلاثة أيام بالاغتسال لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض وان كانت أيامها ثمانية فأضلت ذلك في عشرة فانها تصلى في يومين من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع الصلاة ستة لان فيها يقين الحيض ثم تصلى في اليومين الآخرين بالاغتسال لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض فان كانت أيامها تسعة فأضلتها في عشرة فانها تصلى في يوم من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع الصلاة ثمانية أيام لان فيها يقين الحيض ثم تصلى في اليوم الآخر بالاغتسال لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض فان كانت أيامها عشرة فهى واجدة لان اضلال العشرة لا يتحقق فان كانت تذكر انها كانت تطهر في آخر الشهر ولا تدرى كم كانت أيامها توضأت إلى تمام سبعة وعشرين يوما من الشهر ثم أمسكت عن الصلاة ثلاثة أيام ثم اغتسلت غسلا واحدا وهذا الجواب صحيح لكن فيه بعض الابهام فانه لم يميز وقت التيقن بالطهر من وقت الشك وتمام الجواب في أن نبين ذلك فنقول إلى عشرين من الشهر لها يقين الطهر فتتوضأ فيها لوقت كل صلاة ويأتيها زوجها ثم في سبعة أيام بعد ذلك تردد حالها بين الحيض والطهر فان كان حيضها ثلاثة فهذه السبعة من جملة الطهر وان كان حيضها عشرة فهذه السبعة من جملة حيضها فتصلى فيها بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها ثم في ثلاثة أيام تتيقن بالحيض فتترك الصلاة فيها ووقت الخروج من الحيض معلوم
[ 203 ]
لها وهو انسلاخ الشهر فاغتسلت عند ذلك غسلا واحدا فان كانت تذكر أنها كانت ترى الدم إذا جاوزت عشرين يوما ولا تدرى كم كانت أيامها فانها تدع بعد العشرين الصلاة ثلاثة أيام بيقين لان الحيض لا يكون أقل منها ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض وتعيد صوم هذا العشر في عشر آخر من شهر آخر لان فيها يقين الطهر وهذا الجواب مستقيم إذا كانت تعلم أن ابتداء رؤية الدم كان بعد مجاوزة العشرين فأما إذا كانت تعلم أنها كانت ترى الدم يوم الحادى والعشرين ولا تتذكر سوى ذلك شيئا فالجواب أنها تتيقن بالطهر إلى الحادى والعشرين من الشهر فتصلى فيها بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين ويأتيها زوجها ثم تصلى في تسعة أيام بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك لانه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر فمن الجائز أن اليوم الحادى والعشرين آخر حيضها وأيامها عشرة ولا يأتيها زوجها فيه لتردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض وان كانت تستيقن أنها كانت ترى الدم بعد ما مضى سبعة عشر من الشهر ولا تدرى كم كانت أيامها فقد ذكر في بعض نسخ الحيض أنها تدع ثلاثة أيام بعد ستة عشر لان فيها يقين الحيض والطهر والخروج من الحيض ثم تصلى في سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لان فيه تردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض ولكن تأويل هذا أنها كانت تذكر أن ابتداء حيضها كان يكون بعد سبعة عشر وفى عامة النسخ قال انها تصلى بالوضوء ثلاثة أيام ثم بالاغتسال سبعة أيام وهذا الذى ذكره الحاكم في المختصر وقال انما خالف بين الجواب في هذه والجواب في الاولى لانها لا تعلم ان حيضها كان متصلا بمضي سبعة عشر من الشهر وانما تعلم كونه في العشرة التي بعدها فإذا كان موضوع المسألة هذا فهذه امرأة أضلت أيامها في العشرة بعد سبعة عشر من الشهر ولا تدرى كم كانت أيامها فأقلها ثلاثة بيقين وقد بينا فيمن أضلت ثلاثة في عشرة انها تتوضأ لوقت كل صلاة وإذا كان على المستحاضة صلوات فائتة ولا تذكر شيئا من أمرها فانها تقضى ما عليها في يوم ان قدرت عليه وان لم تقدر ففي يومين بالاغتسال لكل صلاة ثم تعيدها بعد مضى عشرة أيام في اليوم الحادى عشر والثانى عشر لتتيقن بالاداء في زمان الطهر في احدى المرتين فان كانت تذكر أنها ترى الدم يوم الحادى عشر في الشهر ولا تذكر أوله وآخره فانها تتوضأ إلى الحادى عشر بيقين الطهر ويأتيها زوجها فيه ثم تتوضأ لوقت كل
[ 204 ]
صلاة في تسعة أيام بالشك لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع اليوم الحادى والعشرين ثم تغتسل في تسعة أيام لكل صلاة بالشك لا يأتيها زوجها فيه لتردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض وان كانت تعلم أنها كانت تحيض في كل شهر مرة في أوله أو في آخره ولا تدرى كم كان حيضها ولا تدخل شهرا في شهر فانها تتوضأ من أول الشهر ثلاثة أيام لوقت كل صلاة لتردد حالها في هذه الثلاثة بين الحيض والطهر ولا يأتيها زوجها ثم تغتسل سبعة أيام لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض ولا يأتيها زوجها أيضا ثم تتوضأ إلى آخر الشهر ولم يميز في هذا الجواب الزمان الذى فيه يقين الطهر ولابد من ذلك فنقول في العشر الاوسط تتوضأ لوقت كل صلاة لانها تتيقن بالطهر فيها ويأتيها زوجها وفى العشر الاواخر تتوضأ لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ولا يحتمل الخروج من الحيض في هذه العشرة انما تردد حالها بين الحيض والطهر والدخول في الحيض لانه لو تصور الخروج من الحيض في هذه العشرة كان فيه ادخال شهر في شهر وقد نصت على انها كانت لا تدخل شهرا في شهر فلهذا تتوضأ في العشرة لوقت كل صلاة ثم تغتسل مرة واحدة لاحتمال خروجها من الحيض لتمام الشهر ان كان حيضها في هذه العشرة الاخيرة فان كانت تعرف انها كانت ترى الدم عشرة أيام من الشهر ولا تدرى أوله وآخره فانها تتوضأ من أول الشهر إلى تمام العشرة لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل مرة ثم تتوضأ وتصلى إلى آخر الشهر ولكن في العشر الاوسط يقين الطهر فتتوضأ لوقت كل صلاة بيقين ويأتيها زوجها وفى العشر الآخر تتوضأ لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل مرة واحدة لاحتمال خروجها من الحيض عند تمام الشهر ان كان حيضها العشر الآخر فان كانت تعلم ان أيامها خمسة وانها كانت ترى الدم في اليوم العشرين من الشهر ولا تحفظ شيئا سوى هذا فمن أول الشهر إلى تمام خمسة عشر تصلى بالوضوء لوقت كل صلاة باليقين ويأتيها زوجها لانها تتيقن بالطهر فيها ثم في أربعة أيام تتوضأ لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها لتردد حالها بين الحيض والطهر وفى اليوم العشرين تترك بيقين وتغتسل بعدها أربعة أيام بالشك لان كل ساعة من هذه الاربعة الايام فيها توهم خروجها من الحيض (قال) وإذا كانت لها أيام معلومة من
[ 205 ]
كل شهر فانقطع عنها الدم أشهرا ثم عاودها واستمر بها وقد نسيت أيامها فانها تمسك عن صلاة ثلاثة أيام من أول الاستمرار لانها يتيقن فيها بالحيض فان عادتها في الموضع قد انتقلت بعدم الرؤية مرتين أو أكثر فاول عادتها من وقت الاستمرار وتتيقن بالحيض في ثلاثة أيام فتترك الصلاة فيها ثم تغتسل لكل صلاة في سبعة أيام لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض وتتوضأ عشرين يوما لوقت كل صلاة لانها تتيقن فيها بالطهر ويأتيها زوجها وذلك دأبها وتأويل هذه المسألة إذا كانت تعلم ان دورها في كل شهر وانها كانت لا تدخل شهرا في شهر فان كانت لا تعرف ذلك فلم يتعرض لهذا الفصل في الكتاب ولابد من بيانه فنقول هو على ثلاثة أوجه اما ان كانت لا تدرى كم كان حيضها وطهرها أو كانت تذكر مقدار طهرها ولا تذكر مقدار حيضها أو كانت تذكر مقدار حيضها ولا تذكر مقدار طهرها فاما الفصل الاول فنقول انها تدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة أيام بيقين ثم تصلى سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض ولا يأتيها زوجها في هذه العشرة ثم تصلى ثمانية أيام بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين ويأتيها زوجها فيها لانها بيقين الطهر في هذه الثمانية فانه ان كان حيضها ثلاثة أيام فهذا آخر طهرها وان كان حيضها عشرة فهذا أول طهرها ثم تصلى ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ولا يأتيها زوجها فبلغ الحساب احدا وعشرين ثم تصلى بعد ذلك بالاغتسال لكل صلاة بالشك لانه لم يبق لها يقين بالطهر ولا بالحيض بعد هذا فما من ساعة بعد هذا الا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض اما بالزيادة في حيضها على الثلاثة أو في طهرها على خمسة عشر واما الفصل الثاني وهو إذا علمت ان طهرها خمسة عشر ولا تدرى كم حيضها فانها تترك الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة أيام ثم تغتسل سبعة أيام بالشك ثم تصلى ثمانية أيام بالوضوء بيقين ثم تصلى ثلاثة أيام بالوضوء بالشك فبلغ الحساب احدا وعشرين ولو كان حيضها ثلاثة فابتداء طهرها بعد احد وعشرين وان كان حيضها عشرة فابتداء طهرها الثاني بعد خمسة وثلاثين ففي هذه الاربعة عشر تصلى بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض ثم تصلى يوما واحدا بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين وذلك بعد ما تغتسل عند تمام خمسة وثلاثين يوما لان في هذا اليوم يقين الطهر ثم تصلى ثلاثة أيام بالوضوء بالشك
[ 206 ]
لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة أبدا لانه لم يبق لها يقين في شئ بعدها فما من ساعة الا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض وأما الفصل الثالث وهو ما إذا كانت تعلم ان حيضها ثلاثة ولا تدرى كم كان طهرها فانها تدع ثلاثة من أول الاستمرار بيقين ثم تصلى خمسة عشر يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين ويأتيها زوجها تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر فإذا بلغ الحساب احدا وعشرين فبعد ذلك تغتسل لكل صلاة أبدا لانه لم يبق لها يقين في شئ وما من ساعة الا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض فتغتسل لكل صلاة ولا يأتيها زوجها وان كانت تذكر ان طهرها خمسة عشر وتردد رأيها في الحيض بين الثلاثة والاربعة فانها تترك من أول الاستمرار ثلاثة ثم تغتسل غسلا واحدا ثم تصلى في اليوم الرابع بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تغتسل عند مضى اليوم الرابع مرة أخرى ثم تصلى بالوضوء أربعة عشر يوما باليقين فبلغ الحساب ثمانية عشر ثم تصلى في اليوم التاسع عشر بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع اليوم العشرين والحادي والعشرين بيقين ثم تغتسل وتصلى اليوم الثاني والعشرين بالوضوء بالشك ولا تغتسل في اليوم الثالث والعشرين وتغتسل عند تمام الثالث والعشرين لانه ان كان حيضها ثلاثة فأوان خروجها من الحيضة الثانية عند تمام الحادى والعشرين وان كان حيضها أربعة فأوان خروجها من الحيضة الثانية عند تمام الثالث والعشرين فلهذا تغتسل عند ذلك ثم تصلى ثلاثة عشر يوما بالوضوء لوقت كل صلاة باليقين فبلغ الحساب ستة وثلاثين ثم تصلى في يومين بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تدع يوما واحدا لان هذا اليوم آخر حيضها ان كان حيضها ثلاثة وأول حيضها ان كان حيضها أربعة فتتيقن فيه بالحيض فبلغ الحساب تسعة وثلاثين ثم تغتسل لجواز أن هذا وقت خروجها من الحيض ثم تصلى ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها بين الحيض والطهر فبلغ الحساب اثنين وأربعين ثم تغتسل لان هذا أوان خروجها من الحيض إذا كانت أيامها أربعة ثم تصلى اثنى عشر يوما بالوضوء لوقت كل صلاة باليقين لانها تتيقن بالطهر فيها فبلغ الحساب أربعة وخمسين ثم تصلى بعد ذلك ثلاثة أيام بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تغتسل مرة أخرى ولم يبق لها يقين الترك في شئ بعد أربعة وخمسين فنسوق المسألة هكذا ونأمرها
[ 207 ]
بالاغتسال في كل وقت يتوهم أنه وقت خروجها من الحيض الا أن لا يبقى لها يقين الطهر في شئ أيضا فحينئذ تغتسل لكل صلاة أبدا وعلى هذا النحو يخرج ما إذا علمت ان حيضها ثلاثة وتردد رأيها في الطهر بين خمسة عشر وستة عشر فمن فهم الفصل الاول تيسر عليه تخريج الثاني (قال) وإذا كانت المستحاضة لا تذكر أيامها غير أنها تتيقن بالطهر يوم العاشر ويوم العشرين ويوم الثلاثين فانها تتوضأ من أول الشهر ثلاثة أيام ثم تغتسل لكل صلاة ستة أيام لاحتمال خروجها من الحيض في كل ساعة منها ثم تصلى اليوم العاشر بالوضوء بيقين الطهر ثم تصلى اليوم الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تغتسل ستة أيام إلى تمام تسعة عشر ثم تتوضأ وتصلى يوم العشرين بيقين ثم ثلاثة أيام بعده تصلى فيها بالوضوء بالشك ثم تغتسل ستة أيام إلى تمام تسعة وعشرين يوما لكل صلاة ثم تصلى اليوم الثلاثين بالوضوء بيقين الطهر ولا يجزيها صومها في تسعة أيام من شهر رمضان فلتصم ضعفها ثمانية عشر يوما لما بينا قال الحاكم رحمه الله تعالى فان قضت الصوم في هذه الايام الثلاثة العاشر والعشرين والثلاثين كفاها تسعة أيام وهو صحيح لانها تتيقن بالطهر في هذه الايام فيصح صومها فيها عن القضاء والتتابع في صوم القضاء ليس بشرط وما قضت من الفوائت في غير هذه الايام الثلاثة اعادتها في هذه الايام الثلاثة ولا يقربها زوجها الا في هذه الايام لانها تتيقن فيها بالطهر وان كانت تعلم ان أيام حيضها كانت ثلاثة في العشر الآخر من الشهر ولا تدرى إذا مضى عشرون من الشهر أو إذا بقى ثلاثة من الشهر فانها إلى تمام العشرين تصلى بالوضوء بيقين ثم تصلى ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ إلى آخر الشهر ولكن في أربعة أيام لها يقين الطهر فيأتيها زوجها فيها وفى الثلاثة تردد حالها بين الحيض والطهر فتتوضأ فيها بالشك ولا يأتيها زوجها ثم تغتسل غسلا واحدا وان كانت أيامها ثلاثة في وسط العشر الآخر ولا تدرى غير ذلك فانها تصلى بالوضوء إلى تمام ثلاثة وعشرين بيقين الطهر ثم تصلى في اليوم الرابع والعشرين بالوضوء بالشك لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع الصلاة يوم الخامس والعشرين والسادس والعشرين لانها تتيقن بالحيض وتغتسل يوم السابع والعشرين لكل صلاة لتوهم خروجها من الحيض فيه وفي الحقيقة هذه المرأة أضلت أيامها الثلاثة في أربعة أيام وقد بينا حكمها فيما سبق والله سبحانه وتعالى أعلم
[ 208 ]
باب حل الوطئ بانقطاع الدم قبل وقته (قال) رضى الله عنه إذا انقطع دم المرأة دون عادتها المعروفة في حيض أو نفاس اغتسلت حين تخاف فوت الصلاة وصلت وتجنبها زوجها احتياطا حتى تأتى على عادتها لان حيض المرأة لا يبقى على صفة واحدة في جميع عمرها بل يزداد تارة وينقص أخرى فالانقطاع قبل تمام عادتها طهر ظاهر على احتمال أن لا يكون طهرا بأن يعاودها الدم فان الدم لا يسيل في زمان الحيض على الولاء فينبغي لها أن تأخذ بالاحتياط فتنتظر آخر الوقت لانها لا يفوتها بهذا القدر من التأخير شئ فإذا خافت فوت الوقت اغتسلت وصلت احتياطا لان الانقطاع طهر ظاهرا ومضى الوقت على الطاهر يجعل الصلاة دينا في ذمتها وذلك لا يكون الا بتفويت منها بترك الاداء في الوقت فعليها أن لا تفوت ولانه يفحش أن يمضي عليها وقت صلاة وليس فيها مانع من أداء الصلاة ظاهرا ولا تصلى فيه ويجتنبها زوجها احتياطا لاحتمال أنها حائض بعد بأن يعاودها الدم وتأثير هذا الاحتمال بعادتها المعروفة ولكن لا تتزوج بزوج آخر ان كان هذا آخر عدتها احتياطا لتوهم أنها حائض بعد وكذلك ان كانت مستبرأة لا يطؤها المولى حتى تمضى أيام عادتها احتياطا وان كانت استكملت عادتها في الدم ثم انقطع اغتسلت في آخر الوقت وصلت وهذا أظهر من الاول لان الاعتبار بما سبق يدل على أن هذا الانقطاع طهر لانها تنتظر آخر الوقت إذا كانت أيامها دون العشرة لاحتمال أن يعاودها الدم وليس في هذا التأخير تفويت شئ وانما تؤخر إلى آخر الوقت المستحب دون المكروه نص عليه محمد رحمه الله تعالى في آخر الكتاب فقال إذا انقطع الدم عنها في وقت العشاء فانها تؤخر الصلاة إلى وقت يمكنها أن تغتسل فيه وتصلى قبل انتصاف الليل ووقت العشاء يبقى إلى طلوع الفجر ولكن التأخير إلى ما بعد نصف الليل مكروه وكذلك لو انقطع عنها الدم في وقت العصر فانها تؤخر إلى وقت يمكنها أن تغتسل فيه وتصلى قبل تغير الشمس لان تأخير الصلاة إلى ما بعد تغير الشمس مكروه وبالتوهم لا يحل لها ارتكاب المكروه ولا بأس لزوجها أن يطأها هنا لان انقطاع الدم طهر من حيث الظاهر والاستدلال بما قبله واحتمال توهم العود لم يتأيد بدليل هنا فلا يمنعه من الوطئ وكذلك لها أن تتزوج ان كان هذا آخر عدتها لانها قد طهرت ظاهرا والمعلوم الظاهر لا يترك العمل
[ 209 ]
به بالمحتمل وهذا إذا كانت أيامها دون العشرة فان كانت أيامها عشرة فكما تمت العشرة اغتسلت وصلت ولا تؤخر سواء انقطع عنها الدم أو لم ينقطع لانا تيقنا بخروجها من الحيض فان الحيض لا يكون أكثر من عشرة وان لم يكن لها قبل ذلك عادة وكانت مبتدأة وانقطع دمها على الخمس أو في النفاس وانقطع دمها على العشرين وسعها ان تمكن زوجها من نفسها وان تتزوج لان في حق المبتدأة العادة تحصل بالمرة الواحدة فالتحقت بصاحبة العادة غير ان قوله وان تتزوج ان لم يكن لها زوج كلام مختل لانها ان لم تكن معتدة فقد كان لها ان تتزوج في حالة الحيض والنفاس وان كانت معتدة فلا يتصور انقضاء عدتها بالحيضة الاولى لان الصغيرة إذا اعتدت شهرين ثم حاضت يلزمها استئناف العدة لقدرتها على الاصل قبل حصول المقصود بالبدل فدل انه كلام مختل ذكره بالقياس على ما سبق من غير تأمل فيه ولو كانت نصرانية تحت مسلم فانقطع عنها الدم فيما دون العشرة وسع الزوج ان يطأها ووسعها ان تتزوج لانه لا اغتسال عليها فانها لا تخاطب قبل الاسلام بأحكام الشرع وكذلك لو كانت مطلقة رجعية فانقطع عنها الدم قبل تمام العشرة في الحيضة الثالثة فانه لا اغتسال عليها فان أسلمت بعد انقطاع الدم فليس للزوج ان يراجعها أيضا ولها ان تتزوج لانا حكمنا بطهارتها بنفس انقطاع الدم فلا تعود فيه بالاسلام بخلاف ما إذا عاودها الدم فرؤية الدم مؤثر في إثبات الحيض به ابتداء فكذلك يكون مؤثرا في البقاء بخلاف الاسلام وان كانت أيامها عشرة فكما انقطع الدم عند تمام العشرة انقطعت الرجعة ولها ان تتزوج لانها خرجت من الحيض بيقين ولكنها لا تقرأ القرآن ما لم تغتسل وهي بمنزلة الجنب في وجوب الاغتسال عليها وللجناية تأثير في المنع من قراءة القرآن دون بقاء العدة (قال) عجوز كبيرة حكم باياسها ثم رأت الدم بعد ذلك فقد ذكر الزعفراني رحمه الله تعالى في كتاب الحيض انها لا تكون حائضا ولو كانت اعتدت بالشهور وتزوجت لم يبطل نكاحها لان الظاهر ان الدم في هذه الحالة من فساد الرحم أو الغذاء فلا يبطل به ما تقدم من الحكم باياسها وكان محمد بن ابراهيم الميداني رحمه الله تعالى يقول ان رأت حمرة وتمادى بها إلى مدة الحيض كان حيضا استدلالا بما ذكر محمد رحمه الله تعالى في نوادر أبى سلمان رحمه الله تعالى فانه قال بنت ثمانين أو تسعين إذا رأت الدم فهو حيض فان كانت كدرة لم يكن حيضا لان الظاهر انه من فساد الرحم أو الغذاء ثم المعتبر في اللون في حقها عند رفع
[ 210 ]
الخرقة فان الرطوبة على الخرقة قد تتغير من الحمرة إلى الكدرة أو من الكدرة إلى الخضرة قبل الرفع أو بعد الرفع ولا معتبر بواحد من الحالين انما المعتبر عند الرفع لان الظهور عند ذلك يحصل وكذلك في حق الحائض إذا تغير اللون من الحمرة إلى البياض أو من البياض إلى الحمرة فالعبرة بحالة الرفع فان رأت البياض عند الرفع ثم تغير إلى الحمرة بعد ذلك أو إلى الخضرة أو إلى الصفرة فهذا انقطاع وان كانت كدرة عند الرفع ثم تغيرت إلى البياض فهى حائض بعد لان الخروج عند رفع الخرقة يكون فيعتبر اللون في تلك الحالة وان كان حيضها مرة ستا ومرة خمسا فانقطع عنها الدم لتمام الخمسة فانها تغتسل وتصلى احتياطا ولا يأتيها زوجها حتى يمضى اليوم السادس لتوهم معاودة الدم وقد تأيد هذا التوهم بدليل معتبر كان قبل هذا ولو كانت معتدة انقطعت الرجعة بمضي خمسة أيام من الحيضة الثالثة وليس لها ان تتزوج حتى يمضى اليوم السادس وعند مضيه يلزمها ان تغتسل فتأخذ بالاحتياط في كل حكم وانما يتصور لزوم الاغتسال عند مضى اليوم السادس فاما إذا انقطع دمها التمام الخمسة ولم تبتل بالاستمرار فانها تغتسل لتمام الخمسة ولا يلزمها ان تغتسل لتمام الستة إذا لم يعاودها الدم هذا في حق من ليست لها عادة معروفة ولكنها ابتليت بالاستمرار وتردد رأيها في الحيض بين الخمس والست وقد بينا هذا فيما سبق والله أعلم بالصواب (باب النفاس) (قال) رضي الله عنه النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة قيل أنه مشتق من تنفس الرحم به وقيل هو من النفس الذى هو عبارة عن الدم وقيل هو من النفس التى هي الولد فخروجه لا ينفك عن دم يتعقبه وأكثر مدته أربعون يوما عندنا وقد بينا اختلاف العلماء فيه واعتمادنا فيه على السنة فقد روى عن أم سلمة رضى الله عنها قالت كانت النفساء يقعدن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما وكنا نطلى وجوهنا بالورس من الكلف وفى حديث أبى الدرداء وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفساء أربعين صباحا الا أن ترى الطهر قبل ذلك ولا غاية لا قلة لعموم قوله الا أن ترى الطهر قبل ذلك حتى إذا رأت الدم يوما ثم طهرت فذلك اليوم نفاس لها بخلاف الحيض فان أقله مقدر لان دم الحيض والنفاس ما يكون من الرحم ولدم النفاس دليل
[ 211 ]
يستدل به على أنه من الرحم وهو تقدم خروج الولد فلا حاجة إلى الاستدلال عليه بالامتداد بخلاف دم الحيض والذى ذكره أبو موسى رحمه الله تعالى في مختصره ان أقل النفاس عند أبى حنفية رحمه الله تعالى خمسة وعشرون يوما وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى احد عشر يوما ليس المراد به أنه إذا انقطع فيما دون ذلك لا يكون نفاسا ولكن المراد به إذا وقعت الحاجة إلى نصب العادة لها في النفاس لا ينقص ذلك من خمسة وعشرين يوما عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى إذا كانت عادتها في الطهر خمسة عشر لانه لو نصب لها دون هذا القدر أدى إلى نقض العادة فمن أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان الدم إذا كان محيطا بطرفي الاربعين فالطهر المتخلل لا يكون فاصلا طال أو قصر فلو قدر نفاسها باقل من خمسة وعشرين يوما فعاودها الدم قبل تمام الاربعين كان الكل نفاسا فلهذا قدر بخمسة وعشرين في الاخبار بانقضاء العدة قدر مدة نفاسها بخمسة وعشرين على ما سنبينه وكذلك أبو يوسف رحمه الله تعالى انما قدر باحد عشر يوما في الاخبار بانقضاء العدة فأما إذا انقطع الدم دون ذلك فلا خلاف في أنه نفاس ثم أبو حنيفة رحمه الله تعالى مر على أصله فقال الاربعون للنفاس كالعشرة للحيض ثم الطهر المتخلل في العشرة عنده لا يكون فاصلا وإذا كان الدم محيطا بطرفي العشرة يجعل الكل كالدم المتوالى فكذلك في النفاس إذا أحاط الدم بطرفي الاربعين وأبو يوسف رحمه الله تعالى مر على أصله ان الطهر المتخلل إذا كان أقل من خمسة عشر لا يصير فاصلا ويجعل كالدم المتوالى فإذا بلغ خمسة عشر يوما صار فاصلا بين الدمين فهذا مثله ومحمد رحمه الله تعالى فرق بين النفاس وبين ما تقدم في الحيض فقال هناك إذا كانت الغلبة للطهر يصير فاصلا بين الدمين وان كان دون الخمسة عشر وهنا لا يصير فاصلا لانه لا يتصور هنا في مدة الاربعين طهر ما دون خمسة عشر وهو غالب على الدم انما يتصور ذلك في مدة الحيض ثم هناك الدم قد يتقدم وقد يتأخر فلو لم يعتبر غلبة احدهما على الآخر أدي إلى القول يجعل زمان هو طهر كله حيضا وذلك لا يجوز بخلاف النفاس وانما قال ان الطهر خمسة عشر هنا يصير فاصلا بين الدمين لان طهر خمسة عشر صالح للفصل بين الحيضتين فكذلك للفصل بين الحيض والنفاس فكان المتقدم نفاسا والمتأخر حيضا وبيان هذا إذا رأت الدم يوما بعد الولادة ثم طهرت ثمانية وثلاثين يوما ثم رأت الدم يوما فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى الاربعون كلها نفاس وعندهما النفاس هو اليوم الاول فقط ثم
[ 212 ]
يخرج على هذا الاصل المسائل إلى ان يقول رأت الدم خمسة بعد الولادة والطهر خمسة عشر يوما والدم خمسة والطهر خمسة عشر ثم استمر بها الدم فعندهما نفاسها الخمسة الاولى وعادتها في الطهر خمسة عشر لانها رأت مرتين وحيضها الخمسة التى بعد العشرين وصار ذلك عادة لها بالمرة الواحدة لانها مبتدأة وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى نفاسها خمسة وعشرن والطهر الاول غير معتبر لاحاطة الدم بطرفيه في مدة الاربعين فاما الطهر الثاني فهو صحيح معتبر لان به تتم الاربعون فيصير ذلك عادة لها في الطهر بالمرة الواحدة ولا عادة لها في الحيض فيجعل أول الاستمرار حيضها عشرة وطهرها خمسة وعندهما يجعل حيضها من أول الاستمرار خمسة وطهرها خمسة عشر وعادتها في النفاس عندهما تكون خمسة وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى خمسة وعشرون لان العادة في النفاس في حق المبتدأة تثبت بالمرة الواحدة كالعادة في الحيض ويختلفون في أول وقت النفاس فقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى وقت الولادة أول وقت النفاس وقال محمد زفر رحمهما الله تعالى وقت فراغ رحمها أول وقت النفاس وانما يتبين ذلك فيما إذا ولدت ولدا وفى بطنها ولد آخر فعند أبى حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى تصير نفساء وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى لا تصير نفساء ما لم تضع الولد الثاني قالا لانها حامل بعد والحامل كما لا تحيض فكذلك لا تصير نفساء لان النفاس أخو الحيض واستدلا بحكم انقضاء العدة فانه لا يثبت الا بوضع آخر الولدين فكذلك حكم النفاس وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قال النفاس هو الدم الخارج عقب الولادة وقد تحقق ذلك وانما لا يجعل لما تراه المرأة الحامل من الدم حكم الحيض لانه ليس من الرحم فان الله تعالى أجرى العادة ان المرأة إذا حبلت انسد فم رحمها وهذا المعنى غير موجود هنا لان فم الرحم قد انفتح بوضع أحد الولدين فالدم المرئي من الرحم كان نفاسا وهذا بخلاف حكم انقضاء العدة لانه متعلق بفراغ الرحم ولا فراغ مع بقاء شئ من الشغل وهنا حكم النفاس للدم الخارج من الرحم بعد الولادة وقد تحقق ذلك فان كان بعين الولدين عشرة أيام واستمر بها الدم وهي مبتدأة في النفاس فعند أبي حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى تترك الصوم والصلاة بعد ولادة الولد الاول ونفاسها بعد وضع الولد الثاني ثلاثون يوما وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى لا تترك الصوم والصلاة ما لم تضع الولد الثاني ونفاسها بعد ذلك أربعون يوما وحكى أن أبا يوسف قال لابي حنيفة رحمه الله تعالى أرأيت لو كان بين الولدين
[ 213 ]
أربعون يوما قال هذا لا يكون قال فان كان قال لا نفاس لها من الولد الثاني وان رغم أنف أبى يوسف ولكنها تغتسل كما تضع الولد الثاني وهذا صحيح لانه لا يتوالى نفاسان ليس بينهما طهر كما لا تتوالى حيضتان ليس بينهما طهر (قال) فان خرج بعض الولد ثم رأت الدم فروى خلف بن أيوب عن أبى يوسف وهو قول أبى حنيفة رحمهم الله تعالى أنه ان خرج الاكثر منه فهي نفساء لان بقاء الاقل لا يمنع خروج الدم من الرحم وكذلك لو انقطع الولد فيها فإذا خرج الاكثر كانت نفساء لان للاكثر حكم الكمال فاما إذا أسقطت سقطا فان كان قد استبان شئ من خلقه فهى نفساء فيما ترى من الدم بعد ذلك وان لم يستبن شئ من خلقه فلا نفاس لها ولكن ان أمكن جعل المرئى من الدم حيضا يجعل حيضا وان لم يمكن بان لم يتقدمه طهر تام فهو استحاضة وقال الشافعي رحمه الله تعالى يمتحن السقط بالماء الحار فان ذاب فيه فليس بولد فلا نفاس لها وان لم يذب فهو ولد وتصير به نفساء وهذا من باب الطب ليس من الفقه في شئ فلم نقل به لهذا ولكن حكمنا السيما والعلامة فان ظهر فيه شئ من آثار النفوس فهو ولد والنفاس هو الدم الخارج بعقب خروج الولد وان لم يستبن فيه شئ من الآثار فهذه علقة أو مضغة فلم يكن للدم المرئى بعدها حكم النفاس ثم المسألة على وجهين اما ان ترى الدم قبل إسقاط السقط أولا تراه فان رأت الدم قبل اسقاط السقط فان كان السقط مستبين الخلق لا تترك الصلاة والصوم بالدم المرئى قبله وان كانت تركت الصلاة فعليها قضاؤها لانه تبين انها كانت حاملا حين رأت الدم وليس لدم الحامل حكم الحيض وهي نفساء فيما تراه بمد السقط وان لم يكن السقط مستبين الخلق فما رأته قبل السقط حيض ان أمكن ان يجعل حيضا بان وافق أيام عادتها وكان مرئيا عقيب طهر صحيح لانه تبين انها لم تكن حاملا ثم ان كان ما رأت قبل السقط مدة تامة فما رأت بعد السقط استحاضة وان لم تكن مدة تامة تكمل مدتها مما رأت بعد السقط ثم هي مستحاضة بعد ذلك فان كانت أيامها ثلاثة فرأت قبل السقط ثلاثة دما ثم استمر بها الدم بعد السقط فحيضها الثلاثة التى رأتها قبل السقط وهى مستحاضة فيما رأت بعد السقط وان كان ما رأت قبل السقط يوما أو يومين تكمل مدتها ثلاثة أيام مما تراه بعد السقط ثم هي مستحاضة بعد ذلك وان لم ترد ما قبل السقط ورأته بعده فان كان السقط مستبين الخلق فهى نفساء وان لم يكن مستبين الخلق فان أمكن جعل ما تراه بعد السقط حيضا يجعل حيضا لها بعدل
[ 214 ]
أيام عادتها وان لم يمكن جعله حيضا فهى مستحاضة في ذلك فان أسقطت في بئر المخرج سقطا لا تدرى أنه كان مستبين الخلق أو لم يكن فهذا أيضا على وجهين اما أن ترى الدم قبل السقط أولا تراه الا بعد السقط فان لم تر الدم الا بعد السقط وايامها في الحيض عشرة وفى الطهر عشرون فنقول إذا كان السقط مستبين الخلق فلها نفاس أربعين لانها مبتدأة في النفاس وقد استمر بها الدم فيكون نفاسها أكثر النفاس كالمبتدأة بالحيض إذا استمر بها الدم وان لم يكن السقط مستبين الخلق فحيضها عشرة فتترك الصلاة عقيب السقط عشرة أيام بيقين لانها في هذه العشرة اما حائض واما نفساء ثم تغتسل وتصلى عشرين يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك لانه تردد حالها فيها بين الطهر والنفاس ثم تترك عشرة بيقين لانها في هذه العشرة اما حائض أو نفساء ثم تغتسل لتمام مدة النفاس والحيض ثم بعده طهرها عشرون وحيضها عشرة وهكذا دأبها أن تغتسل في كل وقت تتوهم انه وقت خروجها من الحيض والنفاس فان كانت قد رأت قبل اسقاط السقط دما فان كان ما رأت قبل الاسقاط مستقلا لا تترك الصلاة بعد الاسقاط وان لم يكن مستقلا تركت بعد الاسقاط قدر ما تتم به مدة حيضها ولا تترك الصلاة فيما رأت قبل الاسقاط على كل حال ولو تركت فعليها قضاؤها لانه ان كان السقط مستبين الخلق لم يكن ما رأت قبله حيضا وان لم يكن مستبين الخلق كان ذلك حيضا فتردد حالها فيما رأت قبل السقط بين الحيض والطهر فلا تترك الصلاة بالشك ثم ان كان حيضها عشرة وطهرها عشرون فان رأت قبل الاسقاط عشرة ثم أسقطت اغتسلت وصلت عشرين يوما بعد السقط لانه تردد حالها فيه بين الطهر والنفاس ثم تترك عشرة بيقين لانها فيه نفساء أو حائض ثم تغتسل وتصلى عشرين يوما عشرة بالشك لانه تردد حالها فيها بين النفاس والطهر ثم تغتسل عشرة أخرى بيقين الطهر ثم تصلى عشرة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل وهكذا دأبها وان كانت رأت قبل السقط خمسة أيام دما ثم أسقطت كما بينا فانها تترك الصلاة خمسة أيام بعد السقط لان السقط ان لم يكن مستبين الخلق فهذه الخمسة تتمة مدة حيضها وان كان مستبين الخلق فهذا أول نفاسها فتترك الصلاة في هذه الخمسة بيقين ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك لتردد حالها فيه بين النفاس والطهر ثم تترك عشرة بيقين لانها في هذه العشرة إما حائض أو نفساء فبلغ الحساب خمسة
[ 215 ]
وثلاثين ثم تغتسل وتصلى خمسة أيام بالوضوء بالشك ثم تغتسل لتمام الاربعين لانه وقت خروجها من النفاس ان كان السقط مستبين الخلق ثم تصلى خمسة عشر يوما بالوضوء بيقين لانه طهرها فبلغ الحساب خمسة وخمسين ثم تصلى خمسة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين أول الحيض ان لم يكن السقط مستبين الخلق وبين آخر الطهر ان كان السقط مستبين الخلق فبلغ الحساب ستين ثم تترك خمسة لانها تتيقن بأن هذه الخمسة إما أول حيضها أو آخر حيضها ثم تغتسل وتصلى خمسة أيام بالوضوء بالشك ثم تغتسل مرة أخرى لان هذا آخر حيضها ان كان السقط مستبين الخلق ثم تصلى خمسة عشر يوما بالوضوء بيقين وهكذا دأبها ان تترك في كل مرة الصلاة في كل خمسة فيها يقين الحيض وأن تغتسل في كل وقت تتوهم أنه وقت خروجها من الحيض. وان ولدت ولدا أو أسقطت سقطا مستبين الخلق واستمر بها الدم وشكت في حيضها أو طهرها فهذه المسألة على ثلاثة أوجه إما ان شكت في حيضها أنه خمسة أو عشرة وتيقنت بأن طهرها عشرون أو شكت في طهرها أنه خمسة عشر أو عشرون وعلمت أن حيضها عشرة أو شكت فيهما جميعا فان شكت في الحيض انه خمسة أو عشرة ولم تشك في الطهر فانها بعد الاربعين التى هي نفاسها تغتسل وتصلي عشرين يوما باليقين لانها عالمة بمدة طهرها ثم تدع خمسة بيقين لانها حائض فيها ثم تغتسل فبلغ الحساب خمسة وعشرين ولها حسابان الاقصر والاطول ففى الحساب الاقصر استقبلها طهر عشرين وفي الحساب الاطول بقى من حيضها خمسة فتصلى خمسة أيام بالوضوء بالشك ثم تغتسل وتصلى خمسة عشر بالوضوء بيقين الطهر فبلغ الحساب خمسة وأربعين وفى الحساب الاقصر استقبلها الحيض خمسة وفي الاطول بقى من طهرها خمسة فتصلى خمسة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب خمسين ثم تغتسل وفى الحساب الاقصر استقبلها الطهر عشرون وفي الاطول الحيض عشرة فتصلى عشرة بالوضوء بالشك ثم تغتسل فبلغ الحساب ستين ثم في الحساب الاقصر بقى من طهرها عشرة وفي الاطول استقبلها طهر عشرين فتصلى عشرة بيقين فبلغ الحساب سبعين ثم في الحساب الاقصر استقبلها الحيض خمسة وفي الاطول بقى من طهرها عشرة فتصلى خمسة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب خمسة وسبعين فتغتسل ثم في الحساب الاقصر استقبلها طهر عشرين وفي الاطول بقى من طهرها خمسة فتصلى خمسة بالوضوء بيقين فبلغ الحساب ثمانين ثم في
[ 216 ]
الحساب الاقصر بقى من طهرها خمسة عشر وفي الاطول استقبلها عشرة فتصلى عشرة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب تسعين فتغتسل ثم في الحساب الاقصر بقى من طهرها خمسة وفى الاطول استقبلها طهر عشرين فتصلى بالوضوء بيقين خمسة فبلغ خمسة وتسعين ثم في الاقصر استقبلها الحيض خمسة وفى الاطول بقى من طهرها خمسة عشر فتصلى خمسة بالوضوء بالشك ثم تغتسل فبلغ الحساب مائة ثم في الاقصر لستقبلها طهر عشرين وفى الاطول بقى من طهرها عشرة فتصلى عشرة بيقين فبلغ الحساب مائة وعشرة ثم في الاقصر بقى من طهرها عشرة وفي الاطول استقبلها الحيض عشرة فتصلي عشرة ثم تغتسل فبلغ الحساب مائة وعشرين ثم في الاقصر استقبلها الحيض خمسة وفى الاطول استقبلها طهر عشرين فتصلى خمسة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب مائة وعشرين ثم في الاقصر استقبلها الطهر عشرين وفى الاطول بقى من طهرها خمسة عشر فتصلى خمسة عشر بالوضوء بيقين فبلغ الحساب مائة وأربعين ثم في الاقصر بقى من طهرها خمسة وفى الاطول استقبلها الحيض عشرة فتصلى خمسة بالوضوء بالشك بلغ الحساب ومائة وخمسة وأربعين ثم في الاطول بقى من حيضها خمسة وفي الاقصر استقبلها الحيض خمسة فتترك هذه الخمسة بيقين ثم تغتسل فبلغ الحساب مائة وخمسين واستقام دورها في ذلك وعلى هذا النحو يخرج ما إذا كان الشك في الطهر أنه خمسة عشر أو عشرون واستقام دورها فيه أيضا في مائة وخمسين ثم تخرج على هذا النحو ما إذا شكت فيهما في الحيض أنه خمسة أو عشرة وفي الطهر أنه خمسة عشر أو عشرون وانما يستقيم دورها في هذا الفصل في ثلثمائة يوم (قال) امرأة ولدت وانقطع دمها بعد يوم أو يومين أو ثلاثة انتظرت إلى آخر الوقت ثم اغتسلت وصلت فالانتظار لتوهم أن يعاودها الدم والاغتسال في آخر الوقت لانها طاهرة ظاهرا وقد بينا نظيره في الحيض فان كانت طلقت حين ولدت صدقت على انقضاء العدة في أربعة وخمسين يوما وزيادة ما في قول محمد رحمه الله تعالى وفى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوما وفي قول أبى حنيفة في رواية محمد رحمهما الله تعالى لا تصدق في أقل من خمسة وثمانين يوما وفى رواية الحسن رحمه الله تعالى لا تصدق في أقل من مائة يوم وذكر أبو سهل الفرائضى رحمه الله تعالى في كتاب الحيض رواية عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انها لا تصدق في أقل من مائة وخمسة عشر يوما وهذه المسألة تنبنى
[ 217 ]
على فصلين أحدهما ما بينا أن عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى إذا كان الدم محيطا بطرفي الاربعين فالطهر المتخلل لا يكون فاصلا وان طال والثانى أن المطلقة إذا كانت تعتد بالاقراء في كم تصدق إذا أخبرت بانقضاء العدة فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا تصدق في أقل من ستين يوما. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تصدق في تسعة وثلاثين يوما وتخريج قولهما أنه يجعل كانه طلقها في آخر جزء من أجزاء الحيض وحيضها أقل الحيض ثلاثة وطهرها أقل الطهر خمسة عشر فثلاث مرات ثلاثة يكون تسعة وطهران كل واحد منهما خمسة عشر يكون ثلاثين فلهذا صدقت في تسعة وثلاثين يوما لانها أمينة فإذا أخبرت بما هو محتمل يجب قبول خبرها وقيل على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى ينبغى أن تصدق في سبعة وثلاثين يوما ونصف وأربع ساعات لانا قد بينا أن أقل الحيض عنده يومان والاكثر من اليوم الثالث فيجعل كل حيضة يومان ونصف وساعة فذلك سبعة ونصف وثلاث ساعات وساعة الاخبار والاغتسال فتصدق في سبعة وثلاثين يوما ونصف وأربع ساعات للاحتمال فاما تخريج قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فعلى ما ذكره محمد رحمه الله تعالى يجعل كأنه طلقها من أول الطهر تحرزا عن ايقاع الطلاق في الطهر بعد الجماع وطهرها خمسة عشر لانه لا غاية لاكثر الطهر فيقدر بأقله وحيضها خمسة لان من النادر أن يكون حيضها أقل أو يمتد إلى أكثر الحيض فيعتبر الوسط من ذلك وذلك خمسة فثلاثة أطهار كل طهر خمسة عشر يكون خمسة وأربعين وثلاث حيض كل حيضة خمسة يكون خمسة عشر فذلك ستون يوما وعلى ما رواه الحسن رحمه الله تعالى يجعل كأنه طلقها في آخر جزء من الطهر لان التحرز عن تطويل العدة واجب وايقاع الطلاق في آخر الطهر أقرب إلى التحرز عن تطويل العدة ثم الحيض لها عشرة لانا لما قدرنا طهرها بأقل المدة نظر إليها يقدر حيضها بأكثر الحيض نظرا للزوج فثلاث حيض كل حيضة عشرة يكون ثلاثين وطهران كل طهر خمسة عشر يوما يكون ثلاثين فذلك ستون قال ولا معنى لما قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لانه لا احتمال لتصديقها في تلك المدة الا بعد أمور كلها نادرة منها أن يكون الايقاع في آخر جزء من أجزاء الطهر ومنها أن يكون حيضها أقل مدة الحيض ومنها أن يكون طهرها أقل مدة الطهر ومنها أن لا تؤخر الاخبار عن ساعة الانقضاء والامين إذا أخبر بما لا يمكن تصديقه فيه الا بأمور هي نادرة لا يصدق كالوصي إذا قال أنفقت على الصبي في يوم مائة درهم لا يصدق
[ 218 ]
وما قاله محتمل بأن يشترى له نفقة فتسرق ثم مثلها فتحرق ثم مثلها فتتلف فلا يصدق لكون هذه الامور نادرة فكذلك هنا فان كانت المطلقة أمة فعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تصدق في احد وعشرين يوما لان حيضها ثلاثة وطهرها خمسة عشر فحيضتان تكون ستة وطهرها بينهما يكون خمسة عشرة فذلك احد وعشرون يوما وعند أبى حنيفة في رواية محمد رحمهما الله تعالى تصدق في أربعين يوما ويجعل كأنه طلقها في أول الطهر فطهران كل واحد منهما خمسة عشر يكون ثلاثين وحيضتان كل واحدة منهما خمسة يكون عشرة فذلك أربعون وعلى رواية الحسن رحمه الله تعالى تصدق في خمسة وثلاثين يوما ويجعل كأنه طلقها في آخر الطهر فحيضتان كل واحدة منهما عشرة وطهرها خمسة عشر بينهما يكون خمسة وثلاثين يوما إذا عرفنا هذا جئنا إلى بيان مسألة الكتاب إذا قال لامرأته الحامل إذا ولدت فأنت طالق فاما تخريج قول أبى حنيفة على رواية محمد رحمهما الله تعالى أن يجعل نفاسها خمسة وعشرين يوما تحرزا عن معاودة الدم بعد الطهر قبل كمال الاربعين وطهرها خمسة عشر فذلك أربعون ثم حيضها خمسة وطهرها خمسة عشر فثلاث حيض كل حيضة خمسة وطهران بينها كل واحد منهما خمسة عشر يكون خمسة وأربعين فإذا ضممته إلى الاربعين يكون خمسة وثمانين فتصدق في هذا القدر وعلى رواية الحسن رحمه الله تعالى التخريج هكذا الا أن حيضها بعد الاربعين عشرة فثلاث حيض كل حيضة عشرة وطهران بينها يكون ستين يوما إذا ضممتها إلى الاربعين يكون مائة يوم وعلى رواية أبى سهل الفرائضى رحمه الله تعالى قال يجعل نفاسها أربعين يوما لان أكثر مدة النفاس معلوم كاكثر مدة الحيض وكما قدرنا حيضها بأكثر المدة كذلك قدرنا نفاسها باكثر المدة ثم بعد النفاس طهر خمسة عشر فذلك خمسة وخمسون إذا ضممت إليه ستين يوما كما بينا كان مائة يوم وخمسة عشر يوما فلهذا لا تصدق فيما دون هذا القدر فاما على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى يجعل نفاسها احد عشر يوما لان أدنى مدة النفاس هذا وذلك لان العادة ان مدة النفاس تزيد على مدة الحيض والساعات لا يمكن ضبطها وكذلك الايام لا غاية لاكثرها فقدرنا الزيادة بيوم واحد فكان نفاسها احد عشر يوما وعابه محمد رحمه الله تعالى في ذلك فقال هو يقول إذا انقطع عن النفساء دمها في أقل من احد عشر يوما اغتسلت وصلت فهذا ينقض قوله في المعتدة ولكن أيو يوسف رحمه الله تعالى في هذا الحرف اعتبر
[ 219 ]
العادة دون الاحتمال ثم طهرها خمسة عشر فذلك ستة وعشرون ثم بعده تسعة وثلاثون يوما لثلاث حيض كما بينا فذلك خمسة وستون يوما فلهذا صدقها في هذا القدر وعلى قول محمد رحمه الله تعالى تصدق في أربعة وخمسين يوما وزيادة لانه لا غاية لاقل النفاس فإذا قالت كان ساعة وجب تصديقها للاحتمال والطهر بعده خمسة عشر ثم تسعة وثلاثون يوما لثلاث حيض فذلك أربعة وخمسون يوما وساعة فصدقت في هذا المقدار للاحتمال فان كانت المرأة أمة وال‍ مسألة بحالها فعلى تخريج محمد لقول أبى حنيفة رحمهما الله تعالى تصدق في خمسة وستين يوما نفاسها خمسة وعشرون وطهرها خمسة عشر وحيضها خمسة فحيضتان بعد الاربعين وطهر بينهما يكون خمسة وعشرين إذا ضممته إلى الاربعين يكون خمسة يوما لثلاث حيض كما بينا فذلك خمسة وستون يوما فلهذا صدقها في هذا القدر وعلى قول محمد رحمه الله تعالى تصدق في أربعة وخمسين يوما وزيادة لانه لا غاية لاقل النفاس فإذا قالت كان ساعة وجب تصديقها للاحتمال والطهر بعده خمسة عشر ثم تسعة وثلاثون يوما لثلاث حيض فذلك أربعة وخمسون يوما وساعة فصدقت في هذا المقدار للاحتمال فان كانت المرأة أمة وال‍ مسألة بحالها فعلى تخريج محمد لقول أبى حنيفة رحمهما الله تعالى تصدق في خمسة وستين يوما نفاسها خمسة وعشرون وطهرها خمسة عشر وحيضها خمسة فحيضتان بعد الاربعين وطهر بينهما يكون خمسة وعشرين إذا ضممته إلى الاربعين يكون خمسة وستين يوما وعلى رواية الحسن رحمه الله تعالى تصدق في خمسة وسبعين لانه يجعل حيضها عشرة فحيضتان بعد الاربعين وطهر بينهما يكون خمسة وثلاثين يوما إذا ضممتها إلى الاربعين يكون خمسة وسبعين وعلى رواية أبى سهيل الفرائضى رحمه الله تعالى تصدق في تسعين يوما نفاسها أربعون وحيضها عشرة فطهران وحيضتان يكون خمسين يوما إذا ضممته إلى الاربعين يكون تسعين وعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى تصدق في سبعة وأربعين يوما نفاسها احد عشر والطهر بعده خمسة عشر فذلك ستة وعشرون إذا ضممته إلى احد وعشرين كما بينا يكون سبعة وأربعين وعلى قول محمد رحمه الله تعالى تصدق في ستة وثلاثين يوما وساعة لانه يجعل نفاسها ساعة وطهرها خمسة عشر ثم بعد ذلك احد وعشرون كما بينا من قوله فذلك ستة وثلاثون يوما وساعة تصدق في هذا المقدار إذا أخبرت بانقضاء العدة للاحتمال والله أعلم بالصواب تم الجزء الثالث من المبسوط ويليه الجزء الرابع (وأوله كتاب المناسك)

قائمة التصفح