تعاليتَ من فاتحِ خاتمِ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

تعاليتَ من فاتحِ خاتمِ

تعاليتَ من فاتحِ خاتمِ
المؤلف: حيدر بن سليمان الحلي



تعاليتَ من فاتحِ خاتمِ
 
عليمٍ بما كانَ مِن عالمِ
فيا صفوة َ اللهِ من هاشِم
 
"تخيَّرك اللهُ من آدمِ
بك الكونُ آنسَ منهُ مجيئا
 
وفيكَ غدا لا بِه مُستضيئا
لأنَّك مد جاء طَلقاً وضيئا
 
"بجبهتِه كنت نوراً مُضيئا
فمِن أجلِ نورِك قد قَرَّبا
 
إلهُ السما آدماً واجتبى
نعم والسجودَ له أوجَبا
 
«لذلك إبليسُ لمَّا أبى
وساعة َ أغراهُ في إفكِه
 
بأكلِ الذي خُصَّ في تَركِه
عصى فنجى بك من هُلكِه
 
«ومَع نوح إذ كنتَ في فُلكِه
وسارة ُ في ظِلِّك المُستطيل
 
غداة َ غدا حمُلها مستَحيل
باسحاقَ بشَّرهاجبرئيل
 
«وخلَّل نورُك صلبَ الخليل
حُملتَ بصلبِ أمينٍ أمين
 
إلى أن بُعثتَ رسولاً مُبين
وهل كيف تُحمَلُ في المشركين
 
«ومنكَ التقلُّبُ في الساجدين
بَراكَ المهيمنُ إذ لا سماء
 
ولا أرضَ مدحوَّة ً لا فضاء
ومُذ خُلِقَ الخلقُ والأنبياء
 
«سواكَ من الرسلِ في ايلياء
وكلٌّ رأى الله لم يُحذِه
 
عُلاكَ وعلمَكَ لم يُغذِه
فنزَّه عهدَك عن نبذِه
 
«فجئت من الله في أخذِه
صدعتَ به والورى في عماء
 
فخفَّت بمجِدكَ جُندُ السماء
ورفَّ عليك لواءُ الثناء
 
«وفي الحشرِ للحمدِ ذاكَ اللِواء
وحينَ عرجتَ لأسنا مُقام
 
وأدناك منهُ إلهُ الأنام
أصبتَ بمرقاكَ أعلى المرام
 
«وعن غرضِ القربِ منك السهام
وقِدماً بنوركِ لمَّا أضاء
 
رأت ظلمة ُ العدمِ الإنجلاء
فمِن فضلِ ضوئك كانَ الضياء
 
"لقد رَمَقت بك عينُ العماء
أضاءَ سناكَ لها مُبرِقا
 
وقابل مرآتَها مُشرِقا
إلى أن أشاعَ لها رَونَقا
 
«فكنتَ لمرآتِها زَيبَقا
بك الأرضُ مدَّت ليوم الورود
 
وأضحت عليها الرواسي رُكود
وسقفُ السمِا شيدَ لا في عَمود
 
"فلولاكَ لا نطمَّ هذا الوُجود
ولولاكَ ما كانَ خَلقٌ يَعود
 
لذات النعيمِ وذات الوَقود
ولا بهما ذاقَ طعمَ الخُلود
 
"ولا شمَّ رائحة ً للوجود
ولو لم تجدك لمولودِه
 
أباً أمُّ أركانِ موجودِه
إذاً عَقُمت دونَ توليده
 
«ولولاكَ طفلُ مواليده
ولولاك ثوبُ الدجى ما انسدل
 
ونورُ سراجِ الضُحى ما اشتعل
ولولاك غيثُ السما ما نزل
 
«ولولاك رتقُ السموات والـ
ففيك السماءَ علينا بَنى
 
وذي الأرضَ مدَّ فراشاً لنا
فلولاك ما انحَفَظت تحتنا
 
"ولولاك مارفعَت فوقنا
ولا كانَ بينهما من ولوج
 
لغيثٍ تحمَّل ماءً يموج
ولا انتظمَ الأرض ذات الفروج
 
«ولا نثَرت كفُّ ذات البروج
ولا سيَّر الشهبَ ذات الضياء
 
بنهرِ المجرَّة ِ ربُّ العَلاء
ولا يُنش نوتيُّ زنجِ المسَاء
 
«ولا طافَ من فوقِ موج السماء
ولولاك وشيُ الرياض اضمحل
 
ولا طرَّز الطلُّ منه حُلَل
وفيهنٌ جسمُّ الثرى ما اشتمَل
 
"ولولاك ما كلَّلت وجنة الـ
ولولاك ما فلَّت الغاديات
 
بأنملِ قطرٍ نواصي الفَلاة
ولا الرعدُ ناغى جنينَ العضات
 
"ولا كَست السحب طُفل النبات
ولا صدغُ آسٍ بدى في رُبى
 
على وردِ خدٍّ غَدا مُذهَبا
ولا ربَّحت قدَّ غصنٍ صَبا
 
«ولا اختال نبتُ رُبى ً في قبا
أفضتَ نطاقَ نَدى ً دافِقات
 
بها اخضرَّ غَرسُ رَجا الكائنات
فلولاك ما سالَ وادي الهبات
 
«ولولاك غصنُ نَقى المكرمات
لك الأرضَ أَنشأَ علاَّمها
 
وقد نُصبت لك أعلامُها
فلولاك لم ينخفِض هامُها
 
«وسبعُ السمواتِ أجرامُها
ولولاك يُونسُ ما خُلِّصا
 
من الحوتِ حين دعا مُخلِصا
وعيسى لمّا أبرءَ الأبرصا
 
"ولولاك مثعنجرٌ بالعصا
ولا يومُ حربٍ على الشركِ فاظ
 
بسيفِ هدى ً مستطيرَ الشُواظ
ولا أنفس الكفر أضحت تفاظ
 
«ولولاك سوقُ عكاظِ الحفاظ
بحبلِ الهدى كم رقابٍ رَبَقت
 
وكم لبني الشركِ هاماً فَلَقت
وكم في العُروجِ حجاباً خرقت
 
"وأسرى بك الله حتى طرقت
لقد كنت حيثُ تَحير العقول
 
بشأوِ عُلى ً ما إليه وصول
فأنزلك الله هادٍ رسول
 
"ورقّاك مولاك بعد النزول
لك الله أنشا من الأُمهات
 
كرائم ما مثلها مُحصنات
ومذ زُوِّجت بالكرامِ الهداة
 
«بمثلك أرحامها الطاهرات
لحقتَ وإن كنت لم تَعنِق
 
بشأوٍ به الرسلُ لم تعلِق
وأحرزتَ قِدماً مدى الأسبق
 
«فيا لاحقاً قطُّ لم يُسبَق
خُلقتَ لدين الهُدى باسطا
 
لنا، وبأَحكامه قاسِطا
وحيثُ صعدَتُ عَلى ً شاحطا
 
"تصوَّبتَ من صاعدٍ هابطا
هبطَت بأمرِ العليِّ الودود
 
إلى عالمٍ عالم بالسعود
ونوُرك سامٍ لأعلى الوجود
 
"فكان هبوُطك عينَ الصعود