انتقل إلى المحتوى

تاريخ غزة (1973)/كلمة المؤلف

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات ١–٢
 

كلمة المؤلف

الوحدة العربية و الاستقلال ..... تلك هي أمنيتي التي حملتها بين أضلعي، وسرت على هداها في أعمالي، مذ تعلمت وعرفت معنى (حب الوطن). وإنه ليسرني أن أرى هذه الأمنية التي كانت تعد في يوم من الأيام ضرباً من الخيال أو حلماً من الأحلام، أخذت في هذه الأيام تطل من وراء سحاب. وإني لا أشك قط في أنها ستصبح عما قليل حقيقة واقعة لا ريب فيها، وان غدا لناظره قريب. غير أنه لا يزال بيننا وبينها بعض العقبات لا مناص من اجتيازها، وبعض الصعاب لا بد من العمل على تذليلها. وتذليلها ليس بالأمر العسير إذا ما تعارفنا، وعرفنا مواطن القوة والضعف فينا. واليكم البيان:

أنا امرؤ طوحت به يد الأقدار في هذه الديار: ديار غزة وبئر السبع. ولقد عشت في هذه البقعة من البقاع العربية ردحاً من الزمن، تيسر لي خلاله أن أدرسها دراسة تامة. فرأيت من واجبي — كعربي يحب قومه وبلاده، ووطني يتمنى من صميم فؤاده أن تستقل بلاده وتتحد — أن أنقل ما عرفته عن هذه البقعة من المبادىء الأخلاقية، والفوارق الاجتماعية، والعوامل الاقتصادية، والحوادث التاريخية إلى أبناء قومي الآخرين الذين يعيشون في سوريا وشرق الاردن والعراق ونجد والحجاز واليمن والكويت والبحرين وحضرموت ومصر وطرابلس الغرب وتونس والجزائر وسائر أنحاء البلاد العربية. وحبذا لو حذا كل قطر من هذه الاقطار هذا الحذو فحدثنا ابناؤه الأحرار عن بلادهم اطرف الأحاديث وأصدق الأخبار.

أنا إذا ما اخترنا هذا السبيل القويم، وسرنا فيه بقدم ثابتة إلى الأمام،اهتدينا إلى ضالتنا المنشودة في أقصر ما يكون من الوقت. وإلا فان دون الوصول اليها خرط القتاد. بهذه الروح كتبت كتابي الأول في (القضاء بين البدو)، وبها أيضاً كتبت كتابي الثاني في (تاريخ بئر السبع وقبائلها)، وبها لا بغيرها وضعت كتابي هذا في (تاريخ غزة). وليس لي من فضل فيما فعلت سوى أنني تصفحت من أجله عدداً كبيراً من الكتب والأسفار -عربية وأفرنجية- وجمعت ما تبعثر في بطون هذه الكتب والأسفار من أحاديث وأخبار، فصنفتها بعد أن محصتها، وأوردتها حسب تاريخ حدوثها. ثم استنطقت الطلول والآثار، وقرأت ما حدثتني به هذه عن مفاخر الآباء والأجداد -وهي الصادقة فيها تحدث -. ثم وضعت في آخر الكتاب فصلا أسميته (غزة في يومنا هذا).

فالفضل إذاً، إن كان ثمة فضل، يرجع إلى اولئك الادباء والمؤلفين والكتاب المتقدمين الذين سبقوني في هذا المضمار، وإلى الذين آزروني في عملي فأمدوني بصادق معونتهم وارشادهم، وإلى أبناء غزة انفسهم الذين احبوني واحببتهم، ووثقوا بي فغمروني بصادق عطفهم طيلة السنوات التي مكثتها بين ظهرانيهم. فلم أجد ما أقابلهم به سوى هذا الكتاب الذي يبحث عن تاريخهم، متمثلا بقول الشاعر العربي الكريم:

لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

هذا هو قصدي، وتلك هي أمنيتي. فإذا كنت قد أصبت المرمى كان ذلك ما أبغي. وإلا فشفيعي في خطئى أنني ما كنت لاقترفه لو لا حبي لبلادي. والله من وراء القصد.

عارف العارف