انتقل إلى المحتوى

تاريخ غزة (1973)/غزة: أهميتها التاريخية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
 

غزة

اهميتها التاريخية. اسماؤها المختلفة. معناها. أين كانت في العهود الغابرة؟


(غزة) مدينة تاريخية قديمة. لا، بل انها من اقدم المدن التي عرفها التاريخ.انها ليست بنت قرن من القرون، أو وليدة عصر من العصور؛ وإنما هي بنت الأجيال المنصرمة كلها، ورفيقة العصور الفائتة كلها: من اليوم الذي سطر التاريخ فيه صحائفه الاولى إلى يومنا هذا.

وإنه لتاريخ مجيد، تاريخها. ذلك لانها صمدت لنوائب الزمان يجميع انواعها، وطوارىء الحدثان بجميع ألوانها. حتى انه لم يبق فاتح من الفاتحين، أو غاز من الغزاة المتقدمين والمتأخرين الذين كانت لهم صلة بالشرق إلا ونازلته: فاما أن يكون قد صرعها، أو تكون هي قد صرعته.

٢- ولقد تبدل اسمها بتبدل الامم التي صارعتها. فقد كان العرب ولا يزالون يسمونها (غزة) أو (غزة هاشم). والعبرانيون (عزة) עזה. والكنعانيون (هزاتي) Hazzati. والمصريون (غازاتو) Ghasàtu، و (غاداتو) Ghadatu. والآشوريون (عزاتي) Azzati واليونانيون ΓAZA. وقد جاء في المعجم اليوناني انها اعطيت في العصور المختلفة عدة اسماء منها إيوني، ومينووا، وقسطنديا. والصليبيون Gadres. والأتراك (غزة). والانكليز (غازا ) Gaza. وكذلك قل عن كثير من الامم في يومنا هذا.

٣ - ولقد تضاربت الآراء واختلفت التفاسير في معنى كلمة (غزة): فهناك من يقول أن هذه الكلمة مشتقة من (العزة) والمنعة والقوة. ومن القائلين بهذا القول المؤرخ أوسابيوس Eusabus في كتابه Onomostica Sacra. وكذلك ويليام سمث في قاموس العهد القديم. ويعلل هذا الفريق قوله بالحروب الكثيرة التي جرت فيها وحولها، والتي صمدت لها صمود الجبابرة. وهناك من يقول أن معناها (الخزينة) أو (الثروة) . ومن القائلين بالقول الثاني من يعزو ذلك إلى أصل فارسي وهو المتروبوليت صفرونيوس في كتابه قاموس العهد الجديد المطبوع في مطبعة البطريركية الارثوذكسية بالإسكندرية سنة ١٩١٠. ويقول أن (غازا) كلمة فارسية معناها الكنز الملكي. وهناك من يقول انها يونانية الأصل، وأن معناها باللغة اليونانية أيضاً هو الثروة أو الخزينة. ويعلل هذا الفريق رأيه برواية وردت في كتب التاريخ من أن ملكاً من ملوك الفرس دفن فيها ثروته، وغاب عنها؛ ثم رجع إليها، فوجدها فيها. وعلى قول أن هذا العمل تكرر في عهد الرومان. وقد جاء في معجم البلدان عند تفسير كلمة (غزة) أن «العرب تقول قد غز فلان بفلان واعتز به إذا اختصه من بين اصحابه». ومعنى ذلك أن الذين بنوا غزة قد اختصوا هذا الموقع لبنائها من بين المواقع الاخرى الواقعة على حوض البحر الابيض المتوسط. وقال ابو المنذر أن «غزة» كانت امرأة صور الذي بنى مدينة صور. وإياها اراد الشاعر بقوله:

میت بردمان و میت بـلـ
مان وميت عند غزات


وعندي أن الرأي الاول هو الاصوب. وأما الآراء الاخرى فانها ضعيفة للغاية. ولا صحة في نظري للقول القائل بان هذا الاسم اطلقه المهاجرون وجوابو الامصار على القبائل النازلة بالقرب من غزة لشدتهم وبطشهم اثناء الغزو: إذ أن (غزة) ذكرت بهذا الإسم قبل أن يحتلها الفرس واليونان والرومان بأحقاب، وقبل أن يدفن هذا الملك أو ذاك فيها ثروته، وقبل أن يكون ثمة سياح وجوابو امصار يعرضون انفسهم لخطر الغزو.

٤- ولا بد لي بهذه المناسبة من الإشارة إلى أنه يوجد فوق الكرة الارضية ثلاث مدن بهذا الإسم: الأولى في جزيرة العرب. وهي التي ذكرها ابو منصور، فقال: ورأيت في بلاد بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم رملة يقال لها غزة، فيها احساء جمة ونخل. وقد نسب الاخطل الوحش الى غزة، فقال يصف ناقته:

كأنها بعد ضم السير خيلها
من وحش غزة موشي الشوى لهق

والثانية بلد بافريقية، بينها وبين القيروان نحو ثلاثة أيام. تنزلها القوافل القاصدة الى الجزائر. وقد ذكرها ابو عبيد البكري، والحسن بن محمد المهلبي في كتابهما. والثالثة: (غزة) من أعمال فلسطين، وهي موضوع كتابنا هذا.

٥- ترى هل المدينة الحالية قائمة على انقاض المدينة القديمة، أم أنها بنيت على بقعة من الارض غير البقعة التي انشئت فوقها من قبل ؟ هنا أيضاً تضاربت الآراء: فمن قائل وهو العالم الأثري المشهور السر فلندرس بتري أن غزة القديمة انشئت قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة، وانها كانت يومئذ قائمة فوق التل المعروف بتل العجول وأن سكانها الاقدمين هجروها بسبب الملاريا التي اجتاحتها يومئذ، فحطوا رحالهم في بقعة من الارض تبعد عن الاولى ثلاثة أميال، وانشأوا غزة التي نعيش فيها في يومنا هذا. ويقول واضع هذه الفكرة أن المراكب كانت ترسو على شاطيء غزة القديمة، وأن البحر عندما انسحب بسبب الجزر تكونت هناك مستنقعات عشش البعوض فيها، فسطا على سكانها، وراح قسم كبير منهم ضحية الملاريا والأمراض الفتاكة الاخرى؛ الأمر الذي جعل البقية الباقية منهم ينزحون إلى المكان الذي فيه غزة الآن. وهناك من يؤيد هذا القول ويضيف اليه أن ذلك جرى على عهد الهيكسوس (أو الملوك الرعاة) الذين سيطروا على هذه البلاد قبل المسيح بألفي سنة. وقد أيد هذا القول البحاثة ستاركي، والقديس ايرونيموس، ودنكان ماكنزي Duncan Mackenzie وغيرهم.

وهناك من يدحض هذا الرأي ويقول أن غزة كانت من القديم في موقعها الحالي، وأن تل العجول لم يكن يومئد سوى ثغرها التجاري الذي كانت ترسو فيه السفن والمراكب التجارية. ومن قائل أن غزة الجديدة وإن كانت لا تقوم على أساس المدينة القديمة بالضبط إلا أنها لم تنشأ في مكان بعيد عنها كالبعد الذي يتصوره السر فلندرس بتري. وزعيم هذه النظرية هو سترابون. وهو يقول أن غزة الجديدة انشئت بالقرب من المدينة القديمة التي راحت طعمة الخراب في عهد الاسكندر، يوم فتحها هذا وخربها) عام ٣٣٢ قبل الميلاد). ولكن ديودوروس وارمانوس وغيرهما من المؤلفين يدحضون هذا الرأي أيضاً، ويقولون أن غزة ظلت قائمة في مكانها الأول، لم تنتقل عنه لا إلى مسافة بعيدة ولا إلى مسافة قريبة، ومن القائلين بهذا القول الراهب النمساوي الاب جورج غات الذي قضى في غزة ثلاثين عاماً، درس خلالها تاريخها دراسة تامة، وأسس الدير المشهور بدير اللاتين، ونشر لاول مرة الرسالة اللاتينية فيها.

ويعتقد الاستاذ غارستنغ[١] أن القسم القديم من مدينة غزة الحالية هو المكان الذي كانت تقوم عليه غزة القديمة في عهد الفلسطينيين من القرن السادس إلى القرن الثاني قبل الميلاد.




  1. Palestine Exploration Fund Vo. 52(1920)