انتقل إلى المحتوى

تاريخ غزة (1973)/بناة غزة الأقدمون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
 

بناة غزة الأقدمون

المعينيون .. السبائيون .. العوبون .. الكفتاريون .. العناقيون.. المديانيون .. الادوميون .. العموريون ..

كانت غزة، على مر الدهور، ذات صلة وثقى بالعرب والحياة العربية. وإذا لم يكن (المعينيون) هم الذين وضعوا الحجر الاساسي فيها، فانهم أول من ارتادها وغشي اسواقها من العرب الاوائل الذين وصلت إلينا أخبارهم. فقد كان هؤلاء يحملون إليها بضائعهم وسلعهم التجارية: كالطيب، والبهار، والبخور، واللبان؛ فينقلونها عبر الصحراء إلى غزة. إذ كانت هذه أهم فرضة تجارية واقعة على شواطيء البحر الابيض المتوسط. وكانت البضائع والسلع المتقدم ذكرها تصرف فيها، فاما أن ينهلكها أهلها أو يصدرونها إلى البلاد المجاورة. وكانت مصر في مقدمة تلك البلدان، لأن المصريين كانوا يستعملون اللبان والتوابل والافاويه في طقوسهم الدينية وفي تحنيط أجساد موتاهم.

٢— أضف إلى ذلك أن غزة كانت واقعة على الطريق الصحراوية التي تربط مصر بالهند. ذلك لأن الملاحة في البحر الأحمر كانت صعبة للغاية، ولا سيما في القسم الشمالي منه. ولهذا كانت أفضل طريق تجارية في العالم القديم هي التي تبدأ جنوب بلاد العرب، في حضرموت واليمن، حيث تجتمع تجارة البلاد وتجارة الهند. ثم تسير شمالا إلى مكة والمدينة والبتراء. ومن هنا كانت تتفرع إلى فرعين: أحدهما في غزة على البحر المتوسط، ويمتد الثاني في طريق الصحراء إلى ينتهي تيماء ودمشق وتدمر.

٣— ولقد عرف المعينيون هذه الطرق كلها، ولا سما الطريق الاولى. وعرفوا قيمتها التجارية، فارتادوها؛ فكان من وراء ارتيادهم لها أن تأسست مدينة (غزة) واكتسبت شهرتها التاريخية الأولى. فمن هم هؤلاء يا ترى؟ ذكرهم[١] مؤرخو اليونان فقالوا انهم من الامم العربية التي كانت تعيش في القسم الجنوبي من جزيرة العرب، وكانت عاصمتهم في بادىء الأمر (معين) الواقعة شرقي صنعاء، ثم صارت (قرنا). ذات تجارة واسعة وشأن كبير. جاءوا من العراق إلى اليمن. وقد كانوا امة عظيمة، وأسسوا فيها دولة أمتد نفوذها وسلطانها إلى شواطيء البحر المتوسط (٣٧٥٠ ق م) وشواطيء خليج العجم. وظلوا يتعاطون التجارة زمناً طويلا حتى فقدوا استقلالهم، وغلبوا على أمرهم من قبل بني سبأ.

٤— و(السبائيون) أيضاً من الامم العربية التي كانت تعيش في القسم الجنوبي من جزيرة العرب. إنهم من العرب المتعربة. ويرجعون بنسبهم إلى قحطان. وقد كانوا امة عظيمة، ذات تجارة واسعة وشأن كبير. وأسسوا دولة سبأ التي كانت عاصمتها (مأرب). وقد استدل الاستاذ غلازر من نقش أثري عثر عليه في جنوب جزيرة العرب على أن السبأيين حاربوا المعينيين، وغلبوهم على أمرهم. وكان ذلك في أواسط القرن الثاني قبل الميلاد.

ولقد وصلت هذه الدولة إلى أوج عزها ومجدها التجاري في أواخر القرن العاشر قبل الميلاد. وذكرت ملكة سبأ في ايام سليمان أي في القرن التاسع قبل الميلاد، وظلت قائمة حتى سيل (العرم). وأن غزة من أهم المدن التي كان السبائيون يؤمونها بقوافلهم التجارية. ولم يكن عالم التجارة ليستغني عنهم. فزهت بلادهم، واتسعت ثروتهم، وامتدت سيادتهم إلى اطراف الجزيرة شمالا وشرقا؛ فحفروا الترع، وبنوا السدود، وحولوا الرمال إلى تربة خصبة، وبنوا القصور والمحافد والهياكل، وشادوا حولها الاسوار، وغرسوا الحدائق، حتى صارت البادية جنة عامرة. وما زالوا كذلك في عز وثروة إلى أن أتى سيل العرم. ثم تحولت طرق التجارة من البر إلى البحر فزالت دولتهم من الوجود.


٥— ويقول المستر غلازر أن المعينيين وجدوا في غزة وما جاورها من البلاد حوالي القرن السابع عشر قبل الميلاد. وأن بني سبأ جاءوا من بعدهم فاحتلوا ديارهم. وقد استنتج مما تقدم أن المعينيين وبني سبأ، هم أول من أنشأ غزة، أو انهم أول من احتلها من العرب الأوائل الذين وصلت إلينا أخبارهم. وقد أيده في استنتاجه هذا الاستاذ ماير الذي درس تاريخ هذه المدينة دراسة مطولة. ويفهم من هذا كله أن غزة العربية كانت قائمة في هذا الوجود حوالي سنة ٣٧٥٠ قبل الميلاد.


٦— ومن أقدم الامم التي استوطنت غزة (العويون ) الذين ذكرهم موسى، فقال انهم مقيمون بالقرى إلى غزة. وقد ابادهم (الكفتاريون)، إذ جاءهم هؤلاء من الجنوب، فاكتسحوا بلادهم، وارجعوهم إلى الشمال، وأقاموا مكانهم. وعلى قول أن الكفتاريين جاؤا من كريت واحتلوا القسم الجنوبي من فلسطين منذ القديم، وانشأوا المدن الكبرى فيها.

ثم نزح (العناقيون) عن مساكنهم في الجبال، وهبطوا الساحل واستوطنوا غزة. وقد اشتهر هؤلاء بطول قامتهم وبأسهم في الحروب، حتى أن بني اسرائيل كانوا يرهبونهم ويخافون شرهم. ويقال أن العويين وبني عناق هم الفلسطينيون القدماء الذين جاء ذكرهم في أسفار العهد القديم بأنهم هم أول من استوطن غزة.

وقد استوطنها أيضاً (المديانيون) أحفاد إبراهيم، و(الأدوميون) و(العموريون) و(الكنعانيون) وغيرهم كثيرون سنأتي على ذكرهم في الفصول التالية.



  1. العرب قبل الاسلام لجورجي زيدان.