تاريخ الدولة السعودية/المجلد الأول/نجد في التاريخ
نجد في التاريخ
دخلت قبائل نجد في الاسلام مع قبائل الحجاز واليمن واهتدت بهديه، وحملت رايته إلى أقصى الأرض وأدناها، وقاتلت في سبيله أصدق قتال، وكان لها جهد وجهاد في حروب العراق والشام ومصر، وقد انتهت بانتصار ساحق للجيوش الإسلامية العربية.
وأهملت الدولة الأموية نجد والحجاز (قلب الجزيرة العربية) إهمالاً سائناً معيباً، وصارت تكتفي، بعد أن انتقل مقر الحكم للشام، بابعاد ولاة يمثلونها، فكان لها في المدينة والي أو عامل، ومثله في مكة، وثالث في الطائف، وكان الاخير يشرف بطبيعة موقع المنطقة الجغرافي، على أجزاء نجد الغربية «عالية نجد» وعلى السراة وعسير، وقد جرى بعض خلفاء الدولة على أن يزور الحجاز حاجاً فيهب بعض الأموال لمن يمشي في موكبه من المغنين والمرتزقة، أما الشعب ومصالحه ومرافقه فقل ان كان يهتم بها، أو يسأل عنها.
واتبع العباسيون حينما انتقل الأمر اليهم في النصف الأول من القرن الثاني (هـ) الطريقة نفسها، بدون تغيير ولا تبديل إلا في الطريق الذي يسلكونه، فكان العباسيون يأتون الحجاز من الشمال بطريق حائل، أما الأمويون فكانوا يغدون من الجنوب بطريق البلقاء وتبوك، وكانوا كالأمويين يوزعون الهبات والعطايا على المغنين والمرتزقة، على أن ورودهم انقطع منذ أواسط القرن الثالث (هـ) أي منذ سرى الضعف إلى جسم الدولة مما أطمع فيها ولاتها وحكامها، فصاروا يستقلون بالحكم مع احتفاظهم بسيادة اسمية للخليفة القابع في قصره، القانع بما يرسل إليه.
واغتنم الشريف أبو محمد الموسوي، فرصة هذا الضعف فأنشأ في مكة في القرن الرابع (هـ) شبه حكم مستقل شمل معظم أنحاء الحجاز وكان النواة الأولى لحكم الأشراف الهاشميين مع خضوع اسمي السلاطين القاهرة، أيوبيين ومماليك وأتراك.
وأوفد الشريف بركات نجله إلى القاهرة في سنة ٩٢٣ يحمل بيعته إلى السلطان سليم العثماني حينما بلغها، وأرسل معه مفاتيح الكعبة علامة الخضوع والاستلام وأرسل إليه يقول أنه خطب باسمه على منبر البيت الحرام، فسر السلطان وأبلغه بأنه أقره فيما كان عليه.
على أن الحكم العثماني الجديد، اتجه في العصور الحديثة، وبعد أن استقرت قواعده، ورسخت أركانه، إلى تقليم أظافر الأشراف حكام الحجاز والحد من سلطانهم، فصار يرسل إلى مكة والياً يمثل السلطان إلى جانب قائد عسكري برتبة «باشا» لقيادة الفرقة العسكرية التي جعلوا مكة قاعدة لها توطيداً لنفوذه، وكان هنالك «محافظ» تركي يقيم في المدينة المنورة، وكانت أيضاً قاعدة الفرقة عسكرية تركية، مع قائم مقام تركي يتولى الحكم في جدة، وآخر في الطائف وثالث في ينبع. وهكذا ضمن الترك السيطرة على مدن الحجاز الكبرى وحواضره، أما البوادي فتركوا أمرها للأشراف يقومون على إدارتها أي ادارة القبائل العربية، على أنهم ما كانوا يتأخرون عن التدخل في جميع الأمور عند الحاجة، والوقوف في طريق الأشراف مما كان يسبب كثيراً من الاضطراب والقلاقل ، فقد كان كل فريق يحاول الاحتفاظ بسلطانه. وقد عانى الحجاز الكثير من هذا الحكم الثنائي المزدوج ما كان بعد من جملة عوامل تدنيه وانحطاطه.
ولقد حاولنا كثيراً في خلال دراساتنا لتاريخ الدولتين الأموية والعباسية وتاريخ الايوبيين والمماليك في مصر ثم تاريخ العثمانيين الذين جاؤوا بعدهم وورثوهم، أن نعثر على اسم والٍ أو حاكم ارسله هؤلاء أو اولئك أو احدهم إلى نجد أو احدى مقاطعاتها الوسطى أو الشمالية أو الغربية أو الجنوبية، فلم تقع على شيء، مما يدل على مزيد من الاهمال تحمل تبعته هذه الدول ويحمل اصره رؤساؤها والذين قاموا بالأمر عليها.
على ان الذي استنتجناه في النهاية هو انهم تركوا امر مقاطعات نجد الوسطى والغربية إلى الاشراف الهاشميين حكام الحجاز الذين جروا على أن يشرفوا على قبائلها اشرافاً جزئياً، يؤيد هذا الاستنتاج ما وقفنا عليه في تاريخ ابن بشر المسمى «عنوان المجد في تاريخ نجد» فهو وان كان يبدأ بتدوين الحوادث من سنة ١١٥٨ وهي السنة التي لجأ فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى محمد بن سعود في الدرعية، فإنه كثيراً ما أورد اخبار الغارات المتتابعة التي كان اشراف الحجاز يشنونها على عربان نجد وقبائلها منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، حتى ظهور الدعوة الدينية في نجد، وكان اشراف الحجاز أول من قاتلها وحاول صدها عن سبيلها. فقد شعروا من اليوم الأول بأن نجاحها وفوزها معناه ادالة دولتهم، والقضاء على نفوذهم، وهو ما حدث بالفعل بعد حروب امتدت نيفاً ومئة واربعين سنة، وقد سجلنا اخبارها تفصيلا في تضاعيف المجلدين الاول والثاني من كتابنا هذا.