انتقل إلى المحتوى

تاريخ الدولة السعودية/المجلد الأول/مقدمة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الجزء 1، الصفحات 15–20

​

مقدمة

دارت يوم ١٥ رجب سنة ٩٢٢ معركة فاصلة بجوار مدينة أعزاز شمالي حلب، بين الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم سلطان الدولة العثمانية، وبين جيش المماليك الشراكسة بقيادة السلطان الأشرف قانصوه الغوري انتهت بمقتل الثاني وفوز الأول، فواصل سيره إلى دمشق ومنها إلى القدس وغزه، وبلغ القاهرة يوم ٣ محرم سنة ٩٢٣ فدخلها، فكان ذلك نهاية حكم المماليك الشراكسة وبداية حكم الترك العثمانيين.

وأسرع الشريف بركات بن أبي تمي، شريف مكة يومئذ، وكان الحجاز كاليمن مشمولاً بنفوذ دولة المماليك، فأوفد نجله إلى القاهرة يحمل مفاتيح الكعبة إلى السلطان العثماني دليل الخضوع والطاعة، وأبلغه أنهم خطبوا باسمه على منبر الحرم المكي، فشكره وأقر والده فيما كان عليه.

وخيب الحكم الجديد الآمال التي عقدها عليه العرب، اذ كان شراً من الحكم المملوكي القديم فأبقى المماليك في الحكم وترك حبلهم على غاربهم، واكتفى بأن ​أقام «باشا» في قلعة القاهرة بمثله، وحوله عدد من الضباط الترك الذين سرعان ما تفاهموا مع المماليك واندفعوا اندفاعهم في السلب والنهب، وظلم الناس وأضطهادهم، مهملين كل مشروع للاصلاح والنهوض.

واستسلم العرب للأقدار، وارتضوا بما قسم لهم وظلت بلادهم هادئة ساكنة حتى أواسط القرن الثاني عشر، أي حتى ظهر في قلب نجد شيخ في مقتبل العمر، فرفع صوته بالدعوة إلى الاصلاح والى ترك البدع والخرافات والرجوع إلى الاسلام الصحيح المبرأ من الشوائب، المنزه عن العيوب، فكان أول صوت يرتفع في العالم العربي بالدعوة إلى الاصلاح والنهوض، بعد الاحتلال التركي، كما كان أول بشير ببشر بالقومية العربية، ويدعو إلى أحيائها وتعزيزها، وهي التي جار عليها الترك وحاربوها حرب إبادة وإفناء، فيقظة العرب ونهوضهم، معناه في عرفهم ظهور الدولة العربية، ومعنى ظهورها جلاؤهم عن بلاد العرب وهو ما كانوا يحاذرونه، ويبذلون كل شيء في سبيل اتقائه واجتنابه.

وأيد آل سعود، الدعوة الجديدة، دعوة الاصلاح الديني واليقظة القومية وساروا في طليعتها قنمت و ازدهرت، وشرقت وغربت، وذاع أمرها في العالمين العربي والإسلامي، وتحدث عنها الناس في كل مكان، وسارت بذكرها الركبان، رغم مقاومة الترك الشديدة لها، واقامتهم الحواجز والسدود في طريقها، ولكن الأفكار النافعة لا تقاوم ولا تصادم، ولعل المقاومة تزيدها قوة واندفاعاً.

وصرت جراثيم النهضة الجديدة، جراثيم اليقظة والإصلاح إلى البلاد العربية المجاورة فتأثرت بها، وتفاعلت معها، فحفل النصف الأول من القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر بأحداث جسام هزت بلاد العرب الشرقية، وأيقظت شعوبها وطوائفها، فاندفعت تحارب الحكم التركي الفاسد وتسمى لاحلال حكم عربي ​قومي اسلامي محله، ومصدر ذلك كله تلك الشرارة التي انطلقت فلمعت في آفاق نجد فأنارت السبيل أمام أبناء مصر والشام وشقت أمامهم الطريق.

لقد كانت سلسلة احداث متشابكة الحلقات، وثيقة الارتباط، شهدها العرب في مصر والشام خلال تلك المرحلة، ولولاها لما كانت هذه النهضة القومية الكبرى التي شملت العالم العربي كله في هذا القرن، وأنشأت له هذه الدول التي تملأ الرحاب، ونهز اعطاف كل عربي وتملأه عزة وافتخاراً، والاحداث دائماً تبدأ صغيرة ثم تكبر وتنمو وتؤلف كلاً واحداً، وثيق الصلة، متين الارتباط.

لقد ظهرت والنضال على أشده في قلب نجد بين أنصار الدعوة وخصومها حركة قومية في فلسطين سنة (١١٨٠) ١١٧٠ قادها الشيخ ظاهر العمر فقاتل الترك وهزمهم وسيطر على صيدا وطبريا ويافا وعكا وغزة ونابلس اي على فلسطين الشمالية والوسطى

وإلى جانب هذه المعركة التي تدور في فلسطين، كانت هنالك حركة أكبر تتمخض عنها مصر بدأت سنة ١١٦٩ بخلع نير الترك وإلغاء السيادة العثمانية، فتسلم علي بك، كبير المماليك زمام السلطة وتفرد بالحكم، واضعاً نصب عينيه إحياء دولة المماليك القديمة وبعثها بعثاً جديداً.

وأعد هذا حملة عسكرية تضم ثلاثة الآف جندي ومعها ٣٠ مدفعاً وأرسلها إلى الحجاز فنزلت في جدة ثم تقدمت إلى مكة فدخلتها بدون مقاومة تقريباً وأقالت الشريف أحمد بن سعيد أميرها وأبدلته بآخر اسمه الشريف حسين بن بركات وأبقت لديه حامية عسكرية.

وسجل الشيخ عثمان بن بشر صاحب كتاب تاريخ نجد هذا الحادث باقتضاب فقال وهو يورد اخبار سنة ١١٨٤ أن محمد بك أبا الذهب (نائب وزير مصر علي ​بك) وصل ومعه الجند إلى مكة وأجلى احمد بن سعيد اميرها وولي الشريف حسين بن بركات وترك عنده عسكراً وخرب بيت السعادة.

وأعد علي بك حملة عسكرية أخرى أوفدها إلى سورية لمحاربة الترك وطردهم وذلك بالاتفاق والتعاون مع الشيخ ظاهر العمر زعيم حركة فلسطين، فواصلت التقدم حتى دمشق فدخلتها يوم ٦ حزيران سنة ١٧٧٢ بدون مقاومة تذكر فكانت أول حملة عسكرية عربية تدخلها بعد معركة مرج مدابق سنة ١٥١٦.

وفجأة وعلى حين غرة، وفيما كانت الأمور تسير في هذا الإتجاه، وبلاد الشام لابسة حلل الزينة، ابتهاجاً بالعهد الجديد، وفرحاً بالخلاص من الحكم التركي السيء الممقوت، أصدر محمد ابو الذهب القائد العام للحملة أمراً إلى قواده بالانسحاب والرجوع إلى مصر، وذلك بعد أربعة أيام فقط من وصولها. ولئن اختلفت آراء المؤرخين في تعليل أسباب هذا الانسحاب، الذي أثار دهشة عظيمة في جميع الأوساط، فان الذي نراه أن الحد لا سواه ، والرغبة في الحلول محل على بك والجلوس في مجلسه، هو العامل الأول والآخر، فقد اعتقد هذا أن في استطاعته، بعد الفوز الذي أدركه في الحجاز والشام مقروناً بتأييد الحملة التي كان يقودها، أن يقصي سيده عن الحكم ويحل محله، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك، فقد سقط علي بك اسيراً يوم ٩ نيسان (أبريل) ١٧٧٣ في المعركة التي دارت بينه وبين مملوكه هذا في الصالحية (شرقي القاهرة) ومات بعد قليل مسموماً بأمره.

وقيل ان ينسى الناس ثورة علي بك وأحداثها، وصلت إلى الاسكندرية يوم ٦ محرم سنة ١٢١٣ (١٧٩٨) حملة الفرنسية بقيادة الجنرال نابوليون بونابرت لغزو مصر وانشاء امبراطورية فرنسية في الشرق العربي وشمالي افريقيا فقاومها الشعب المصري وقاتلها بقيادة الأزهر، فقد سار شيوخه وعلماؤه بالمقدمة وبذلوا ​أرواحهم في سبيل مقاومة الاحتلال الأجنبي الجديد الذي جاء يستعبدهم ويستحي نساءهم وأبناءهم، شأن كل احتلال، في كل زمان وعهد ومكان وارض.

وصهرت هذه الأحداث الشعب المصري وبعثت فيه روحاً جديدة، فنهض بعد جلاء الفرنسيين يقاوم الترك والمماليك الذين حاولوا أن يعيدوه إلى حكمهم وإرغمهم على تعيين محمد علي الالباني والياً على مصر بمساعدة قادة الحركة الوطنية الجديدة في مصر، بيد أنه ما لبث أن اندفع ينكل بهم بعدما استتب له الأمر كما اندفع في قتال جيرانه أبناء جزيرة العرب وأبناء السودان، ثم الدفع في قتال الدولة العثمانية في الشام محاولاً أن يرثها ويحل محلها، فانبرت له دول أوروبا ووقفت في طريقه وصدته عن سبيله واعادته إلى السيادة العثمانية فكان ذلك أول تدخل لأوروبا في شؤون الشرق العربي وأول مرة تملي فيهـا إرادتها على شعربه وسكانه.

وقبل أن يسدل الستار على هذه الأحداث الكبرى هاجم الفرنسيون الجزائر[١]، ثم كانت ثورة عرابي في مصر[٢]، وثورة المهدي في السودان[٣]، وكان لكل منها تأثيرها الكبير في عالمنا كله.

تلك خلاصة وجيزة لأخبار الثورات التي تفجرت في البلدات العربية خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر والثالث عشر بعد ثورة نجد ونهضتها، فهي منها بمثابة الرائد، شق لها الطريق، وفتح لها الأبواب فدخلتها وواصلت سيرها.

​ولقد سجلنا في هذا الكتاب أخبار الدولة السعودية الأولى، وليدة حركة الاصلاح الديني التي دعا اليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتبناها وقادها آل سعود فعملوا رايتها، وقاتلوا في سبيلها، فأثمرت اطيب الثمار، ونفحت العرب بهذه الدولة العربية السعودية فكانت اول دولة مستقلة كبرى ينشؤونها في داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين فوحدت ما بين اجزائها وضمت اليها الاقطار المجاورة لها ، وجعلت لها كياناً ومقاماً.

لقد كانت نجد، قبل هذه النهضة المباركة مقسمة إلى مشيخات وإمارات، لا رابطة تربط بين شيوخها، ولا تعاون ولا تآزر، الجار يفتك بجاره، والأخ يقتل أخاه، الأموال منهوبة، والأمن مفقود، والفوضى عامة، والبدع متفشية، والخرافات منتشرة، فكأن عهد الجاهلية قد بعث وتجدد، وكأن الناس قد عادوا يتسكعون في دياجيرها، ويخوضون في غمارها، فجاءت دعوة الاصلاح فأراحتهم من جميع أمراضهم، وشفتهم من أوصابهم، ومنحتهم أمناً شاملا، واستقراراً كاملاً، ومجتمعاً متضامناً، ودولة قوية، رفعت شأن نجد، وعززت مكانتها، وبرأنها مقاماً رفيعاً في العالمين العربي والدولي، ما كانت لتبلغه لولاها.

ويؤرخ هذا الكتاب لهذه الدعوة الكريمة التي كانت مصدر خير وبركة لنجد خاصة والعرب والمسلمين عامة فقد أيقظتهم، وأنهضتهم، وأعادتهم إلى جادة الدين الصحيح، ويسجل أخبارها من ساعة الميلاد حتى يوم الناس هذا، ويربط بين اجزائها، ويفسرها تفسيراً صحيحاً يقربها من متناول العقول والافهام.


  1. ↑ هاجمت فرنسا الجزائر سنة ١٨٣٠ فانبري الجزائريون لمقاومتها وقاتلوها اصدق قتال بقيادة الامير عبد القادر الحسني.
  2. ↑ ثار المصريون بقيادة احمد عرابي باشا على الحكم السيء الذي أقامه الخديوي سنة ١٨٨٢
  3. ↑ ثار السودانيون سنة ١٨٨١ بقيادة المهدي على الحكم المصري السيء وسعياً وراء إنشاء حكم ديني إسلامي فكان لهم ما أرادوا.