تاريخ الدولة السعودية/المجلد الأول/دعوة الاصلاح الديني
دعوة الإصلاح الديني
و لنجد مزية أخرى يحق لها أن تفخر بها، فهي الأرض التي أشرقت منها أنوار دعوة التوحيد والاصلاح الديني، وانطلقت منها صبيحة النهوض واليقظة القومية، فأيقظت العرب والمسلمين، وكانت طليعة ومقدمة لهذه النهضة العامة الشاملة التي تلف أقطار العالم العربي في هذا العهد.
والمزية الكبرى للإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي، صاحب هذه الدعوة وحامل لوائها انه كان أول من تنبه لحالة الجمود والتأخر التي كان يجب فيها سكان نجد، والعرب والمسلمون مثلهم، وأول من أدرك أن السبب المباشر لكل ما هم فيه من جمود وانحطاط هو ابتعاد جمهورهم عن جوهر الدين وروحه، وأخذه بالقشور والحشويات، وتمسكه بالبدع والخرافات، ينغمس فيها وينجرف بنيارها.
لقد ولد هذا الامام العظيم سنة ١١١٥ هـ، ونشأ نشأة دين وتقوى في كنف والده الشيخ سليمان بن عبد الوهاب التميمي قاضي مدينة «العينة» احدى مدن مقاطعة العارض (وسط نجد) فأخذ عنه العلوم الدينية والعربية، وقرأ عليه بعض المطولات والامهات. ثم رحل بعد أن بلغ أشده، واستقام عوده، واكتمل عقله، وتفتح ذهنه، إلى الحجاز فشهد موسم الحج وأدى فروضه ومناسكه، ثم زار المدينة واجتمع الى من فيها من العلماء اسوة بما فعله من قبل في أم القرى.
واتجه بعد ذلك صوب العراق ونزل مدينة البصرة، وأقام فيها فترة طويلة باحثاً مستطلعاً، وساعده هذا الترحال، وهيأ له أسباب الاتصال بطائفة من المفكرين فدرس معهم حالة العالم الاسلامي، وما يعانيه من امراض وعلل وأسقام.
وفتحت هذه الرحلات ذهنه، وأضافت معلومات إلى معلوماته، والأسفار فوائد لا تشكر مدلول عليها بما يشاهده المسافر من مشاهد، ويسمعه من آراء وأفكار، ما كان يصل اليها لو أقام ببلده ولزم منزله.
وقاده تفكيره العميق، وهداه ذهنه الثاقب، إلى حقيقة آمن بها كل الايمان وهي أنه لا خلاص إلا بالرجوع الى حظيرة الدين والأخذ بما اخذ به اللف الصالح الذي اقام عمود الدين وآمن بما جاء به ايماناً صحيحاً صادقاً نابعاً من القلب والضمير
وما تردد الشيخ وما خام، بل انطلق، بعد عودته إلى نجد، واستقراره في حريملا الى جوار والده قاضيها، يجهر بدعوته، دعوة الاسلام الصحيح، ويعلم الناس معنى كلمة التوحيد، وما تنطوي عليه من معان سامية، وحكم رفيعة، ويحضهم على ترك عبادة القبور، ونبذ البدع والخرافات والعمل بكلمة التوحيد.
ويقول الشيخ حافظ وهبة في كتابه «٥٠ عاماً في جزيرة العرب» ص ٧ وهو يتحدث عن عهد طلبه العلم في الازهر: و انه سمع الشيخ محمد عبده يتني في دروسه بالازهر على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويلقبه بالمصلح العظيم وياقي تبعة وقف دعوته الاصلاحية على الاتراك وعلى محمد علي الألباني الجهلهم ومسايرتهم لعلماء عصرهم من ساروا على سنة من سبقهم من مؤيدي البدع والخرافات و مجافاتهم حقائق الاسلام».
وسمعت مثل هذا القول عن الشيخ محمد كامل القصاب، وقد نشأ في أوائل هذا العصر في دمشق، وسمع من شيخيها الكبيرين الشيخ جمال الدين القاسمي والشيخ عبد الرزاق البيطار، وأخذ عنها أنها كانا يتبعان طريق الشيخ ويأخذان بما اخذ به، فكثر عدد اتباعهما وأنصارهما، وكان ذلك بدء الحركة القومية في الشام.
والاقوال في ذلك كثيرة، والاجماع معقود على ان الدعوة شملت العالم الاسلامي، بعد العربي، وهزته هزة عنيفة، فكثر عدد أنصارها ومؤيديها، وزاد تبعاً لذلك تأثيرها، وتمت منافعها وفوائدها.