تاريخ الدولة السعودية/المجلد الأول/حالة تركيا وبلاد العرب حين ظهور الدعوة
حالة تركیا وبلاد العرب حين ظهور الدعوة
استكملت أوروبا نهضتها منذ القرن السابع عشر الميلادي (الحادي عشر هـ) فأنشأت صناعاتها، ونظمت جيوشها، وكونت أساطيلها وبرزت تجوب الشرق باحثة عن أسواق لتصريف مصنوعاتها ومنتوجاتها، وبلاد تستولي عليها، او مغانم تغنيها.
ونشاء الاقدار ان يقع ذلك في نفس الوقت الذي نام فيه الشرق من أدناه الى اقصاء، نوماً عميقاً، وسرى الضعف في كيان دوله وشعوبه، وعم الجهل ابناءه وسكانه، فاستسلموا الأقدار ورضوا بما تجيء به.
وكان الإنكليز حين ظهور الدعوة يوغلون في أحشاء الهند يستصفون ولاياتها وأماراتها، وكانت أساطيلهم وأساطيل البرتغاليين والهولنديين والفرنسيين تجوب الخليج العربي باحثة عن الغنائم والنفائس، تخرب وتدمر، وتنهب وتسلب.
وقد أشرنا إشارة عابرة في المقدمة الى الحملة الفرنسية التي قادها نابوليون الى مصر، وتلك التي أرسلتها فرنسا الى الجزائر، كما لخصنا في الصفحات الآتية خبر الاتفاق الذي عقدته أربع من دول أوروبا الكبرى وهي انكلترا والنمسا وروسيا وبروسيا (ألمانيا) لإخراج محمد علي من البلاد العربية والشامية والمناطق الأخرى التي كان يحتلها في الأناضول باستثناء مصر التي قررت ابقاءها له في ظل السيادة العثمانية. وبدهي ان هذه الاحداث وهي كبيرة وخطيرة، أثرت تأثيراً كبيراً في عالمنا العربي وهزته هزة عنيفة، وسهلت مهمة الدعوة في المرحلة الأولى، على أن ما جري كان فاتحة تدخل أوروبي واسع النطاق في شؤون شرفنا العربي، وما يزال، مع الأسف قائماً ومستمراً حتى الآن، ولعل دولنا العربية بعد ان وصلت الى ما وصلت اليه تتعاون على اجتنائه، فتوقف دول أوروبا وأميركا عند حدها، وتعيد للشرق العربي مكانته وسيادته.
حالة تركيا عند ظهور الدعوة
كانت حالة الدولة العثمانية، عند ظهور الدعوة، وانتشارها في أواخر القرن الحادي عشر مشوشة مرتبكة، بسبب الانكسارات المتوالية التي منيت بها في شرق أوروبا، فقد اجتمعت شعوبها وحكوماتها لمنازلتهـا وطردها من قارة اوروبا، وقادت روسيا المعركة، وأنزلت بالترك أفدح الخسائر ومـا زالت وراءهم حتى طردوا نهائياً من تلك القارة في أوائل هذا القرن ولم تبق بأيديهم سرى منطقة صغيرة، ولاية أدرنة، بجرار عاصمتهم.
حالة البلاد العربية
وكانت البلاد العربية ما تزال في معظم اجزائها خاضعة للدولة العثمانية، مشمولة بسيادتها، تتلقى منها الأوامر والتعليمات، فمصر كانت خاضعة للماليك الذين يتوارثون حكمها في ظل سيادة اسمية ووهمية للدولة العثمانية التي كانت تكتفي منهم باتاوة سنوية مقطوعة ملقية حبلهم على غاربهم، ينهبون ويسلبون، ويسرمون الناس سوء العذاب.
وكان الاشراف الهاشميون يسيطرون على الحجاز وكان نفوذهم يشمل عالية نجد وكان الاشراف من آل خيرت يسيطرون على تهامة. أمـا عسير والسراء فكان الامر فيهما لشيوخهما.
وكان العراق خاضعاً للدولة العثمانية يتولاه « باشا »، ببعثه السلطان ويقيم في بغداد. وكان الخليج في مناطقه الشمالية أيضا خاضعا لشيوخه ورؤسائه. وما كانت حالة اليمن تختلف عن ذلك كثيراً، والأئمة في صعدا عاصمتهم القديمة والباشا التركي في صنعاء يسيطر على بعض الأجزاء الساحلية. أما في الشام، فكان هنالك « باشاوات » أتراك يقيمون في المدن والعواصم الكبرى، ويحكم الشيوخ والرؤساء في المناطق النائية.
وكانت البلاد العربية كلها تعيش وسط ضباب كثيف من الجهل، والتعليم يوشك ان يكون مفقوداً ومعدوماً وكان عدد الذين يقرأون ويكتبون في داخل المدن لا يتجاوز العشرات. أما الاقتصاد ومشروعاته فلا وجود لها. ومثل ذلك الامن فهو مفقود، في حين ان الاقبال على البدع والخرافات كان مشهوداً بما سهل بالجملة مهمة الدعوة وفتح لها الأبواب.