انتقل إلى المحتوى

تاريخ الدولة السعودية/المجلد الأول/اتفاق الدرعية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الجزء 1، الصفحات 35–40

​

اتفاق الدرعية

يقول مدونو سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ان والده الشيخ سليمان نصحه بترك الدعوة، والعدول عنها، حينما شرع بها، خوفاً عليه فلا يصيبه أذى ولا يلحق به مكروه، فتردد قليلاً احتراماً له ورعاية المقامه، بيد انه ما لبث عقب وفاته سنة ١١٥٣ أن انطلق في نشرها، فأقبل عليه بعض ابناء مدينته وأيدوه وبايعوه على السمع والطاعة.

وزجر الشيخ، وكان في ابتداء أمره، بعض العبيد الذين كانوا يعيشون بالبلد بالفساد، بعدما ظهر فقهم، وكثر عدوانهم، وأنبهم فحاولوا تسور داره ليلاً لاغتياله، فشعر بهم الجيران وصاحوا بهم ففروا وتواروا.

ورأى الشيخ بعد هذا الحادث انه لا بقاء له في حريملاء فهجرها إلى مدينة العينة وهي غير بعيدة عنها، كما انها في الاصل دار نشأته، ومسقط رأسه، فكانت الهجرة الأولى، ياجرها في سبيل دعوته، دعوة الايمان والتوحيد.

ورحب به عثمان بن حمد بن معمر، أمير المينة ورئيسها، وأكرمه ورعاه، رعاية الصداقة قديمة تربط بينها وبين آلها، وتزوج هنـا من السيدة جوهرة كريمة عبدالله بن معمر من أقارب الأمير ورحمه.

​وعرض الشيخ دعوته عليه، وحثه على الدخول فيها، وقال له اني لأرجو ان أنت قمت بنصرة لا إله إلا الله ان يظهرك الله فتملك تجداً وأعرابها، فأقبل عليه وبشره بالنصر والتأييد، فكان أول من أيدها من ذوي السلطان وقد ظل هذا شأن آل معمر دائماً.

وتطورت الدعوة بعد انضمام ابن معمر اليها، واعلانه تأییدها، فازدادت قوة وزاد عدد الذين انضموا إليها ودخلوا فيها من ابناء العيينة أنفسهم.

وكانت في العيينة أشجار يعظمها العامة ويعلقون عليها قطعاً صغيرة مما يلبسونه، طلباً للبركة، فبعث اليها الشيخ من قطعها بعد ان نقده اجراً من ماله، وقطعت بدون مقاومة ولا حادث.

وكانت هنالك شجرة منعزلة في مكان آخر وكانت اعظم الكل شأناً عند العامة، فخرج اليها الشيخ سراً يريد ان يقطعها، فحاول راعي غنم لأهل البلد كان هنالك منعه، فأعطاه ما أسكته وصرفه، وقطعت الشجرة وزال أثرها وتأثيرها.

وخطا الشيخ خطوة كانت اكبر وأوسع، فاعتزم هدم القبة المقامة فوق ضريح زيد بن الخطاب، احد الصحابة الذين استشهدوا في حروب اهل الردة سنة ١٢ هـ، وهي بجوار مدينة «الجميلة»[١]، وفاتح ابن. بالأمر، وقال معمر له: ودعنا نهدم هذه القبة التي وضعت على الباطل وضل بها الناس عن الهدى، فأجاب موافقاً، فقال:«اني أخاف ان يوقع بنا اهل الجبيلة ان نحن هدمناها ولذلك اطلب ان تكون معي فوجودك اضمن للنجاح»، فصحبه اليها ومعه ٦٠٠ رجلا من قومه وبين المدينتين نحو ٢٥ كم.

​وحاول اهل الجبيلة المقاومة، وجمعوا جموعهم استعداداً للقتال واحتلوا المواقع العسكرية، بيد أنهم ما لبثوا أن تراخوا ولاتوا حينما رأوا أن الأمر ، وإن القوم مصممون، وهدمت القبة بالفعل دون أن تراق دماء وتسفك، وهدمها الشيخ بفأس اخذه بيده. وقد كان لهذا الحادث صداء الكبير، ودويه العظيم في انحاء نجد كلها، فتناقل الناس أخباره وتحدثوا عنه، ذلك أن كثيرين من الجهال كانوا يعتقدون ان هدمه القبة بيديه قد يجر عليه وبالأ، وقد يعرضه لنكبة تؤذيه، فلما انقضت أيام وأسابيع دون أن يمس بسوء، ارتفع شأنه عند العامة، وعظم أمره وكثر عدد الموالين له.

وجاءته وهو في العينة امرأة اعترفت له بالزنا وهي محصنة، فوايه أمرهـا وظن ان بها خبلا، فتحدث اليها وأخذ وأعطى معها، فوجدها سليمة العقل والادراك. ثم كررت الاعتراف وقالت انها لم تكن مغصوبة وأن ما فعلته يستوجب الرجم، فأمر بها، فرجمت.

وطارت شهرة الشيخ وكثر الحديث عنه وعن دعوته الاصلاحية، ووصل الخبر الى الحا متكبراً، فكتب سلمان بن عريعر الحميدي رئيس بني خالد وله الزعامة في الهفوف والقطيف، الى عثمان بن معمر يأمره بقتل الشيخ لمخالفته الدين وخروجه على اوامره، وهدده بقطع كل ما هنالك من صلات بينهما اذا تردد او تأخر، فدعاه هذا اليه عقب وصول الكتاب وأطلعه عليه، وقال له

«لا طاقة لنا بحرب ابن عريعر، وليس من مصلحتنـا اغضابه فانظر ماذا انت فاعل»، فقال له : ان ما قمت به وما فعلته، وما دعوت اليه، هو كلمة لا إله إلا الله، وإقامة اركان الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فان انت تمسكت به ونصرته، فالله مظهرك على أعدائك، فلا يزعمك سليان ولا يفزعك، واني لأرجو الله أن ترى من التمكين والغلبة ما تملك به بلاده و ما سواها وما دونها.

وسكت ابن معمر وأغضى.

​وجدد ابن عريعر انذاره ووعيده، بعدما علم أن كتابه لم يلد ولم يجد، وأرسل يطلب من عثمان أن يقتل الشيخ ويريح نجدأ منه، فأرسل فدعاه اليه وقال له : ان سليمان أرسل يطلب منا فتلك، وأنت تعرف انه لا مصلحة لنا في اغضابه، ولسنا في حالة تمكننا من مقاومته، كما أنه ليس من الشيم ولا من المروءة ان نقتلك وانت في بلدنا ومن اهلنـا، ولذلك أرجو أن ترحل عنا وتتركنا. ثم دعا بعض فرسانه وكافهم بمرافقته إلى المكان الذي يختار ويريد، فقال انه سيقصد الى الدرعية ويحط فيها رحاله.

وتقع الدرعية جنوبي العينة، ولا تبعد عنها اكثر من 30 كيلومتراً، وكلتاها في وادي حنيفة، أحد الأودية الكبرى، وبينها اتصالات وثيقة وروابط كثيرة.

ودخل الشيخ الدرعية في الأصيل. ويقول رواة سيرته انه دخلها خائفاً يترقب لعدم وجود اتصالات مسبقة، او روابط خاصة، على أنه كان متوكلا على الله ومؤمنا اشد الايمان بدعوته وواثقا من نجامها وفوزها، وهجرته الى الدرعية هي الثالثة، والاولى من حريلا، والثانية من العينة، والمتفق عليه انه لقي عناء في سفره اليها.

واتجه الى منزل عبدالله بن سالم العربني من سكانها وكان يعرفه من قبل وكان منتسبأ اليه، ومع انه رحب به الا ان امارات الخوف والجزع كانت تقرأ في أسارير وجهه، فسكن الشيخ روعه، وقال له : «لا تجزع، سيجعل الله لنا ولك مخرجاً».

وقال له أيضا:

نحن لا نبغي سوى الامن والأمان وحماية الدعوة.

ومع اننا لا تعرف اسم اليوم ولا الشهر الذي كانت فيه هذه المجرة، إلا اننا اعتماداً على ما سجله الشيخ ابن بشر في تاريخه، نقول انها كانت سنة ١١٥٨هـ (١٧٤٥ م) .

​وانطلق العربني، فزار مشاري وثنيان شقيقي الامير محمد بن سعود صاحب الدرعية وقص عليهما قصص الشيخ، وقال انه ينزل في بيته وانه يريد الحماية والامان، فذهبا إلى منزل شقيقها الكبير وقابلا اولاً زوجته و موضى بنت ابي وحطان، وكانت مشهورة بوفرة الذكاء وسعة المدارك والاحاطة بالأمور.

وتحدث الشقيقان مطولاً عن المهمة التي جاءا لاجلها، وذكرا خبر وصول الشيخ وأنه يبغي الحماية والرعاية والأمن والأمان، وتكلما مطولاً عن الدعوة التي يدعو بها، وهي اعلام كلمة التوحيد، ومحاربة البدع والخرافات، وقالا انهما لا يريان بأساً من حمايته، وتأييد دعوته.

ونقلت السيدة الى زوجها ما دار بينها وبين شقيقيه وأبلغته نبأ وصول الشيخ ودعته إلى تأييده ونصرته لأنه يدعو إلى الحق والى الاسلام الصحيح والرجوع إلى الله.

ولم يتردد في القبول والاضطلاع بالمهمة العظمى التي اختارته الاقدار لها.

ومما تم الاتفاق عليه في هذا الاجتماع بين اقطاب البيت السعودي ، ان يبدأ الأمير الشيخ بالزيارة، اكباراً لشأنه، وتعظيماً لقدره، ولكي يعلن جهراً الناس أنه على وفاق واتفاق معه، وانه صار في حماء وتحت جناحه، وذهب الامير بالفعل الى دار العريني، ولما دخل على الشيخ بادره قائلا:

أبشر بالخير والعز والمنعة.

ورد عليه الشيخ فقال: وأنت ابشر بالعز والتمكين، والغلبة على جميع بلاد نجد. انها كلمة لا إله إلا الله، من تمسك بها، وعمل لها، ونصرها، ملك بها البلاد والعباد، انها كلمة التوحيد، وانها أول ما دعا إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم.

وتناول الشيخ بعد ذلك الحديث، فأفاض في الكلام عن سيرة الرسول الاعظم، وما دعى إليه، وما قام به اصحابه بعده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وقال: «ان كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة ​في النار».

وأفاض في الحديث عن البدع المتفشية في نجد، وما عليه اهلها من الخلافات والجور والظلم.

وختم محمد بن سعود الاجتماع، فقال:

أيها الشيخ: ان هذا دين الله، ودين رسوله صلى الله عليه وسلم، لا شك فيه، فابشر بالنصرة لما أمرت به، وبالجهاد في من يخالفك، على أن لي عليك شرطين وهما: الأول: اذا نحن قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله تعالى، وفتح الله لنا البلاد فلا ترحل عنا، ولا تستبدل بنا غيرنا.

والثاني: ان لي على اهل الدرعية خراجاً أتناوله منهم وقت الثمار، فلا تمنعني عن أخذه.

وقال الشيخ: وأما عن الأول، فامدد يدك، فمدها، فقبضها وقال له: «والدم بالدم والهدم بالهدم».

وقال عن الثاني: «وأما هذه فلعل الله يفتح عليك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منه».

وهكذا تم الاتفاق بينهما على الجهاد في سبيل الله، واعلاء كلمة التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو اتفاق شرعي معقول، كان الاساس الذي رفعت عليه قواعد الدولة السعودية، وكان فاتحة هذا التطور العظيم في جزيرة العرب، فقد بدل خوفها أمناً، وجوعها شبعاً، ورفع شأنها وأعز شعبها.

لقد كان اتفاقاً كريماً، نافعاً ومفيداً، وضع الغاية من لشرف الغايات وأسماها، فحالفه النجاح شأن كل مبدأ شريف، فالبقاء دائماً للأصلح والافضل، وما ينفع الناس يمكث في الارض.


  1. ↑ «الجبيلة»، مدينة صغيرة في وادي حنيفة، تقع في منتصف الطريق تقريباً بين المبينة والدرعية، زارها المؤلف حين طوافه بنجد سنة ١٩٦٠ وشاهد الفريح نفسه (ضريح زيد بن الخطاب)، وهو محاط بسور صغير. ويقول المؤرخون الإسلاميون ان معركة الجبيلة كانت من أعنف ما دار في تلك الحرب ابان خلافة الصديق – ١٢ هـ.