تاريخ الإصلاح في الأزهر (مطبعة الاعتماد، 1943)/الأزهر من سنة ١٢٩٦ هـ إلى سنة ١٣١٤
الأزهر سنة ١٣٩٦ هـ إلى سنة ١٣١٤
الخلاف بين توفيق باشا وتلامذة جمال الدين الأفغاني
تولى توفيق باشا الحكم بعد عزل أبيه إسماعيل سنة ١٢٩٦ هـ ، وكان جمال الدين الأفغاني. قد عمل في عهد أبيه على نشر دعوة الإصلاح في مصر ، وكان توفيق باشا من أنصاره في عهد أبيه ، فلما آل الأمر إليه قربه منه ، وكان يقول له : أنت موضع أملي في مصر أيها السيد
ولكن الأجانب في مصر من الإنجليز وغيرهم كانوا ينظرون إلى جمال الدين الأفغاني بعين العداء ، لأنه ينبه أهل مصر إلى مطامعهم فيها ، ويعمل على النهوض بالمصريين وسائر المسلمين ، وهم لا يريدون هذا النهوض لهم ، لأنه يحول بينهم وبين مطامعهم في بلادهم ، فعملوا على الإفساد بينه وبين توفيق باشا ، حتى أدخلوا في نفس توفيق باشا أنه هو وأنصاره في مصر يسعون في إقامة حكومة جمهورية فيها ، على أن يكون جمال الدين رئيساً لها ، فسمع توفيق باشا لسعايتهم ، وأمر بنفي جمال الدين من مصر ، وابتدأ الخلاف بهذا بينه وبين طلاب الإصلاح من المصريين ، وكان جمال الدين قد غرس في نفوسهم حب الإصلاح ، فلم يسكتوا عنه بعد نفيه من مصر ، وقد انتهى ذلك الخلاف بتلك النكبة الكبرى ، نكبة احتلال الإنجليز لمصر سنة ١٢٩٩ هـ ، وكانت نكبة على المصريين جميعاً ، من طلاب الإصلاح الذين مضوا في ذلك الخلاف إلى أقصى حد ، و من توفيق باشا الذي آثر الاحتماء بالإنجليز من طلاب الإصلاح، فأوقع البلاد في قبضتهم ، وأضاع سلطانه في سلطانهم ، لأنهم استأثروا بحكم البلاد، ولم يبقوا له فيها إلا مظهر الحكم.
سعى توفيق باشا في إصلاح الأزهر بعد الاحتلال الإنجليزى :
فلم يبق لتوفيق باشا وحكومته إلا الأزهر والمعاهد الدينية والمحاكم الشرعية والأوقاف الخيرية والأهلية، فقد تركها الإنجليز لحكومة توفيق باشا ، لما لها من الصبغة الدينية ، ولم يمنع الاحتلال مصر من المضى في طريق الإصلاح الذي ابتدأه محمد علي باشا وإسماعيل باشا، وإن حاولوا تعويقه والمضي به إلى غاية تخضع المصريين لهم، وتمكنهم من الاستئثار بخيرات بلادهم دونهم.
فرأى أولو الأمر من المصريين أن يأخذوا بالإصلاح الديني الذي كان جمال الدين الأفغانى يدعو اليه ، لينهضوا بأهل مصر ، ويقضوا على ذلك الجمود الذي أضعفهم ، ومكن لأعدائهم منهم ، وقد سبق أن توفيق باشا كان يؤمن بما يدعو إليه جمال الدين الأفغانى من الإصلاح ، وأنه لم يعقه عن الأخذ به إلا سعي الإنجليز وغيرهم في الإفساد بينه وبين جمال الدين ، فلما رأى نوايا الإنجليز في استغلال تأخر المصريين أخذ يعمل على النهوض بهم ، ولم يجد أمامه وسيلة إلى هذا إلا إصلاح الأزهر ، والسعى في إزالة سوء ظنه بالعلوم الحديثة اللازمة لنهوض البلاد، ليمكن لها من الدخول فيه ، فيجمع بها أهله بين الثقافة القديمة والحديثة، ولا يقفوا حجر عثرة في سبيل النهوض.
فتوى الشيخ الأنبابي في العلوم الرياضية والفلسفية
وقد ذكر الأستاذ مصطفى بيرم سعي ولاة الأمور في ذلك في رسالته عن الأزهر لمؤتمر علماء اللغات الشرقية المنعقد بمدينة همبورج بألمانيا سنة ١٩٠٢ م . فقال بعد ذكر مجافاة أهل الأزهر لتلك العلوم :
"فبقيت تلك العلوم الرياضية والجغرافية والعقلية والفلسفية مهجورة من الأزهر ، ينظر إليها بعين السخط ، ويفر من سماعها فرار الصحيح من الأجرب ، ولكن بفضل الله وكرمه لم يطل الأمر على ذلك كثيرا ، حتى قيص الله لنا من أمرائنا الكرام ، ووزرائنا الفخام، وعلمائنا الأعلام ، من تنبه لأسباب تأخرنا العلمي ، وأخذوا في السعي لإعادة تدريس تلك العلوم النافعة المقوية للملكة الذهنية ، ولخشية المفاجأة بإعادة تدريسها للجامع بعد ما رسخ في أذهان الكثير من أن بها ما يعدو على الدين ، رأى ولاة الأمور أن يمهدوا السبيل لإدخالها في الجامع الأزهر بأخذ آراء أفاضل العلماء الأزهريين ، فكلفوا والدي المرحوم السيد محمد بيرم1 بهاته المهمة العلمية ، وبعد أخذ وعطاء بينه وبين المرحومين : العلامة الشيخ محمد الأنبابى شيخ الإسلام بمصر وشيخ الجامع الأزهر و الشيخ محمد البنا مفتي الديار المصرية في ذلك العهد ، استقر الرأي أن يكتب لها استفتاء صورته ( بعد الديباجة ، ما قولكم رضي الله عنكم ؟ هل يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية ؟ مثل الهندسة والحساب والهيئة والطبيعيات وتركيب الأجزاء المعبر عنها بالكيمياء ، وغيرها من سائر المعارف ، لاسيما ما ينبنى عليه منها من زيادة القوة في الأمة ، بما تجاري به الأمم المعاصرين لها في كل ما يشمله الأمر بالاستعداد2 بل يجب بعض تلك العلوم على طائفة من الأمة ، بمعنى أن يكون واجباً وجوبا كفائيا على نحو التفصيل الذي ذكره فيها الإمام حجة الإسلام الغزالى في إحياء العلوم ، و نقله علماء الحنفية أيضا وأقروه ، وإذا كان الحكم فيها كذلك ، فهل يجوز قراءتها مثل ما تجوز قراءة العلوم الآلية من نحو وغيره الرائجة الآن بالجامع الأزهر وجامع الزيتونة والقرويين3؟ أفيدوا الجواب ، لا زلتم مقصداً لأولي الألباب ) فأجابه العلامة الشيخ محمد الأنبابي بالفتوى الآتية بعد الديباجة : يجوز تعلم العلوم الرياضية مثل الحساب والهندسة والجغرافيا لأنه لا تعرض فيها لشيء من الأمور الدينية ، بل يجب منها ما تتوقف عليه مصلحة دينية أو دنيوية وجوبا كفائيا ، كما يجب علم الطب لذلك, كما أفاده
1 كان من مدرسيي جامع الزيتونة بتونس ثم انتقل إلى مصر فعين قاضيا فيها. 2ـ يعنى قوله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) 3ـ جامع الزيتونةوالقرويين بمراكش. الغزالي في مواضع من الإحياء، وإن ما زاد على الواجب من تلك العلوم مما يحصل به زيادة التمكن في القدر الواجب فتعلمه فضيلة ، ولا يدخل في علم الهيئة الباحث عن أشكال الأفلاك والكواكب وسيرها علم التنجيم المسمى بعلم أحكام النجوم ، وهو الباحث عن الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية ، فإنه حرام كما قال الغزالي ، وعلل ذلك بما محصله أنه يخشى من ممارسته نسبة التأثير للكواكب ، والتعرض للإخبار بالمغيبات ، مع كون الناظر قد يخطىء لخفاء بعض الشروط ، وأما الطبيعيات وهي الباحثة عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها وتغييرها - كما في الإحياء في الباب الثاني من كتاب العلم - فإن كان ذلك البحث على طريق أهل الشرع فلا منع منها ، كما أفاده العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في جزء الفتاوي الجامع للمسائل المنتشرة بل لها حينئذ أهمية بحسب أهمية ثمرتها ، كالوقوف على خواص المعدن والنبات المحصل للتمكن في علم الطب ، وكمعرفة عمل الآلات النافعة في مصلحة العباد ، وإن كان على طريقة الفلاسفة فالاشتغال بها حرام ، لأنه يؤدي للوقوع في العقائد المخالفة للشرع، كما أفاده العلامة المذكور ، نعم يظهر تجويزه لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة ، للأمن عليه مما ذكرنا ، قياسا على المنطق المختلط بالفلسفة ، على ما هو المعتمد فيه من أقوال ثلاثة ، ثانيها الجواز مطلقا ، ونسبه الملوي في شرح السّلم للجمهور ، وثالثها المنع مطلقا ، ونسبه صاحب السّلم لابن الصلاح والنووي ، قال الملوي : ووافقهما على ذلك كثير من العلماء . ولما كان الأمام النووي ممن يقول في المنطق بالمنع مطلقاً مشى على نظير ذلك في الطبيعة ، فعد في كتاب السير من الروضة من العلوم المحرمة علوم الطبيعيات بدون أن يفصل ، لكن حيث يعتمد التفصيل هناك فلنعتمده هنا ، إذ لافرق في ذلك ، فإن مظنة الضرر والنفع موجودة في كل منهما ، والظاهر أن موضوع كلام الروضة ما كان على طريقة الفلاسفة ، إذ غيره لا محظور فيه اتفاقاً كالمنطق الخالص ، كما يشعر بذلك تعبيرها بعلوم الطبائعيين دون علوم الطبيعة . وأما علم تركيب الأجزاء المعبر عنه بالكيمياء فإن كان المراد به البحث عن التركيب والتحليل بدون تعرض لما يخشى منه على العقيدة الاسلامية فلا بأس به، بل له أهمية حسب ثمرته ، وإلا جرت فيه الأقوال الثلاثة المتقدمة ، وأما العلم المعروف بعلم جابر ، ويسمى أيضاً علم الصنعةو علم الكاف ، وهو الذي ينصرف إليه علم الكيمياء عند غالب الناس ، فقد أفاد العلامة ابن حجر في شرحه على المنهاج أنه إن قلنا بالمعتمد من جواز انقلاب الجسم عن حقيقته وكان العلم الموصل لذلك يقينا جاز تعلمه والعمل به، وإلا حرم ، ولفقد هذا الشرط لم يتحصل المشتغلون به فيما رأينا إلا على ضياع الأموال ، وتشتت البال ، وتغيير الأحوال – فعلم أن العلوم الرياضية لا بأس من قراءتها كما تقرأ علوم الآلات، وكذا الطبيعيات وعلم تركيب الأجزاء ، حيث كانت تقرأ على طريقة لا يفهم منها منابذة الشرع بحال ، كبقية العلوم العقلية مثل المنطق والكلام والجدل ، بل يجب كفاية من هذه الثلاثة ما يحتاج إليه في الحجاج عن العقائد الدينية والله سبحانه وتعالى أعلم )1
وكتب العلامة الشيخ محمد البنا مفتي الديار المصرية في ذلك العهد بهذه الفتوى ( ما أفاده حضرة الأستاذ شيخ الإسلام موافق لمذهبنا ، وما استظهروه من أن الخلاف الجاري في علم المنطق يجري في علم الطبيعة أيضاً وجيه . والله سبحانه وتعالى أعلم "
وكانت فتوى الشيخ الأنبابي في غرة ذي الحجة سنة ١٣٠٥ هـ ، وكانت فتوى الشيخ البنا في ١٧ من هذا الشهر
تهرب الشيخ الأنبابي في فتواه من مقصود المستفتى
و من ينظر في فتوى الشيخ الأنبابي يجد أنه قد تهرب عن التصريح بالمقصود منها ، وهو إدخال تدريس تلك العلوم في الأزهر، وأطال في
1 ـ رسالة الأزهر لمصطفى بيرم ص - ٢٧،٢٦ ، ٢٩٠٢٨ مطبعة التمدن. الجواب عن دراسة هذه العلوم في ذاتها، مع أن المستفتى لا يسأل عنه ، لأنه حكم في سؤاله بأن دراستها من الواجب الكفائي ، وإنما يريد إلزام الشيخ الأنبابي بإدخال دراستها في الأزهر ، فما فعله لم يكن استفتاء في الحقيقة وإنما كان سؤالا من عالم إلى عالم ليلزمه بجواب معين يريد إلزامه به من سؤاله والحقيقة أن الشيخ الأنبابي كان على رأي جمهور أهل الأزهر في مجافاة النظر في تلك العلوم ، لأنها ليست من شأنهم ، وليسوا في حاجة اليها ، فكان يرى أن يبقى القديم في الأزهر على قدمه ، ولا يصح تغيير شيء فيه ، وقد روى السيد محمد رشيد رضا عن الشيخ محمد عبده أنه لما عاد من النفي إلى مصر حاول أن يقنع الشيخ الأنبابي بأن يأمر بتدريس مقدمة ابن خلدون في الأزهر ، ووصف له من فوائدها ما وصف ، فقال له : إن العادة لم تجر بذلك . فانتقل به الشيخ محمد عبده في شجون الحديث إلى ذكر الشيوخ ، ثم سأله : منذ كم مات الأشموني والصبان ؟ فقال : منذ كذا . فقال له : إنهما حديثا عهد بوفاة ، وهذه كتبهما تقرأ بعد أن لم تجر العادة بذلك . فسكت الشيخ الأنبابي وقطع الحديث1
ولهذا لم تؤد تلك الفتوى إلى الثمرة المطلوبة منها ، ومضى عهد توفيق باشا دون أن يدخل تغيير في نظام التعليم في الأزهر .
1 ـ تاريخ الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده ح ا ص ٤٢٦ مطبعة المنار.