بين مدّ و جزر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

بين مدّ و جزر

بين مدّ و جزر
المؤلف: إيليا أبو ماضي



سيّرت في فجر الحياة سفيتني
 
و اخترت " قلبي " أن يكون إمامي
فجّرت على الأمواج قصرا من رؤى
 
ملء الفضا، ملء المدى المترامي
و أقلّ منها البحر حين أقلّها
 
دنيا من الأضواء و الأنغام
و مشى الخيال على الحياة بسحره
 
فإذا الهوى في الماء و الأنسام
و إذا الرّمال أزاهر فوّاحة
 
و الشّطّ هيكل شاعر رسّام
و إذا العباب ملاعب و مراقص
 
و إذا أنا من صبوة لغرام
أتلقّف اللّذّات غير محاذر
 
و أعبّ في الزلاّت و الآثام
لا أكتفي و أخاف أكتفي
 
فكأنّما في الاكتفاء حمامي
و كأنّ هدبي أن تطول ضلالتي
 
و كأنّ ربّي أن يدوم أوامي
مرّت بي الأعوام تتلو بعضها
 
و أنا كأنّي لست في الأعوام
كالموج ضحكي، كالضّياء ترنّحي،
 
كالفجر زهوي، كالخضمّ عرامي
حتى إذا هتف المشيب بلمّتي
 
ودنت يد الماحي إلى أحلامي
صرخ " الحجى " بي ساخطا متهكّما:
 
" هذا الغنيّ شرّى من الإعدام "
" أسلمتني للقلب و هو مضلّل
 
فأضرّني و أضرّك استسلامي "
" يا صاحبي أطلقني من سجن الرؤى
 
أنا تائه! أنا جائع! أنا ظامي!"
و أراد " عقلي " أن يقود سفيتني
 
للشطّ في بحر الحياة الطامي
فطويت أعلام الهوى و هجرتها
 
و نسيت حتّى أنّها أعلامي!
و حسبت آلامي انتهت لمّا انتهى
 
فإذا النهاية أعظم الآلام
و إذا الطريق مخاوف ووساوس
 
و إذا أنا من هبوة لقتام
أبغي الثراء و لم يكن من مطلبي،
 
و أرى الجمال بناظر متعام
و أشيّد مثل الناس مجدا زائفا
 
و أشدّ حول الروح ثوب رغام
فإذا أنا، و الأرض ملكي و السما،
 
قد صرت عبد الناس، عبد حطامي
فتضايق القلب السجين و قال لي:
 
" يا أيّها الجاني قتلت هيامي! "
" ألقفر بالأحلام روض ضاحك
 
فإذا تلاشت فالرياض مومي "
" أين العيون تذيبني حركاتها
 
و تموت في سكناتها آلامي "
" و أطلّ من أهدابهاا السكرى على
 
ظلّ، و أنداء، وزهر نام "
" لمّا عصاني أن أشبّ ضرامها
 
أعيا عليها أن تشبّ ضرامي "
" ألخمر ملء الجام لكن قد مضى
 
شوقى إلى الخمر التي في الجام "
" أسلمتني " للعقل " و هو مضلّل
 
فأضرّني و أضرّك استسلامي "
" أنظر، ألست تراك في أوهامه
 
أشقى و أتعس منك في أوهامي؟ "
" ألمال! من ذا يشتريه كلّه
 
منّي بليل صبابة و غرام؟ "
" يا صاحبي أطلقني من سجن النهى
 
أنا تائه! أنا جائه! أنا ظامي "
لا تسألوني اليوم عن قيثارتي
 
قيثارتي خشب بلا أنغام!
يا شاعرا غنّي فردّ لي الصّبا
 
فإذا مواكبه تسير أمامي
إنّا التقينا في الشباب و في الهوى
 
في حومتين
و سنلتقي و إن افترقنا في غد
 
في حبّ لبنان و حبّ الشام
و ستلتقي روحي وروحك بعدما
 
تفنى الهياكل في الإله السامي
أهلا بذي الأدب الصراح المصطفى،
 
بالفاتح الرّوحيّ، بالمقدام
بالشاعر الغرّيد في ألحانه
 
عبق الربيع و نضرة الأكمام
هو إن ذكرت الشعر من أمرئه
 
و إذا ذكرت المجد فهو عصامي