المعاهدة العثمانية الفرنسية 1536
المظهر

ليكن معلومًا لدى العُمُوم أنه في شهر ...[١] سنة 942 من الهجرة المُحمَّديَّة (شهر فبراير سنة 1536) من الميلاد قد اتفق بمدينة الأستانة العليَّة كُلٌ من المسيو جان دي لافوري، مُستشار وسفير صاحب السعادة الأمير فرنسوا المُتعمِّق في المسيحية ملك فرنسا، المُعيَّن لدى الملك العظيم ذي القُوَّة والنصر السُلطان سُليمان خاقان[٢] التُرك إلى آخر ألقابه والأمير الجليل ذي البطش الشديد سرعسكر السُلطان بعد أن تباحثا في مضار الحرب وما ينشأ عنه من المصائب وما يترتب على السلم من الراحة والطمأنينة على البنود الآتية:
- البند الأول: قد تعاهد المُتعاقدان بالنيابة عن جلالة الخليفة الأعظم وملك فرانسا على السلم الأكيد والوفاق الصادق مُدَّة حياتهما وفي جميع الممالك والولايات والحُصُون والمُدُن والموانئ والثُغُور والبحار والجزائر وجميع الأماكن المملوكة لهم الآن أو التي تدخل في حوزتهم فيما بعد، بحيث يجوز لرعاياهما وتابعيهما السفر بحرًا بمراكب مُسلَّحة أو غير مُسلَّحة والتجوُّل في بلاد الطرف الآخر والمجيء إليها والإقامة بها أو الرُجُوع إلى الثُغُور والمُدُن أو غيرها بقصد الإتجار على حسب رغبتهم بكمال الحُريَّة بدون أن يحصل لهم أدنى تعدٍ عليهم أو على متاجرهم.
- البند الثاني: يجوز لرعايا وتابعي الطرفين البيع والشراء والمُبادلة في كافَّة السلع الغير ممنوع الإتجار فيها ولسيرها ونقلها برًا وبحرًا من مملكةٍ إلى أُخرى مع دفع العوائد والضرائب المُعتادة قديمًا بحيث يدفع الفرنساوي في البلاد العُثمانيَّة ما يدفعه الأتراك، ويدفع الأتراك في البلاد الفرنساويَّة ما يدفعه الفرنساويون بدون أن يدفع أيُّ الطرفين عوائد أو ضرائب أو مُكوسًا أُخرى.
- البند الثالث: كُلَّما يُعيِّن ملك فرنسا قُنصُلًا في مدينة القُسطنطينيَّة أو في بيرا[٣] أو غيرهما من مدائن المملكة العُثمانيَّة كالقُنصُل المُعيَّن الآن بمدينة الإسكندريَّة، يصير قبوله ومُعاملته بكيفيَّةٍ لائقةٍ ويكون له أن يسمع ويحكم ويقطع بمُقتضى قانونه في جميع ما يقع في دائرته من القضايا المدنيَّة والجنائيَّة بين رعايا ملك فرنسا بدون أن يمنعه من ذلك حاكم أو قاضي شرعي أو (صوباشي)[٤] أو أيّ موظفٍ آخر، ولكن لو امتنع أحد رعايا الملك عن إطاعة أوامر أو أحكام القُنصُل فله أن يستعين بموظفي جلالة السُلطان على تنفيذها وعليهم مُساعدته ومُعاونته، وعلى أي حال ليس للقاضي الشرعي أو أي موظفٍ آخر أن يحكم في المُنازعات التي تقع بين التُجَّار الفرنساويين وباقي رعايا فرنسا حتَّى لو طلبوا منه الحكم بينهم، وإن أصدر حكمًا في مثل هذه الأحوال يكون حكمه لاغيًا لا يُعمل به مُطلقًا.
- البند الرابع: لا يجوز سماع الدعاوى المدنيَّة التي يُقيمها الأتراك أو جُباة الخراج أو غيرهم من رعايا جلالة السُلطان ضدَّ التُجَّار أو غيرهم من رعايا فرنسا أو الحكم عليهم فيها ما لم يكن مع المُدَّعين سندات بخط المُدَّعي عليهم أو حُجَّة رسميَّة صادرة من القاضي الشرعي أو القنصل الفرنساوي، وفي حالة وُجُود سندات أو حجج لا تُسمع الدعوى أو شهادة مُقدِّمها إلَا بحُضُور ترجمان القُنصُل.
- البند الخامس: ولا يجوز للقضاة الشرعيين أو غيرهم من مأموري الحُكُومة العُثمانيَّة سماع أي دعوى جنائيَّة أو الحُكم ضدَّ تُجَّار ورعايا فرنسا بناءً على شكوى الأتراك أو جُباة الخراج أو غيرهم من رعايا الدولة العليَّة، بل على القاضي أو المأمور الذي تُرفع إليه الشكوى أو يدعو المُهتمين بالحُضُور بالباب العالي محل إقامة الصدر الأعظم الرسمي. وفي حالة عدم وجود الباب المُشار إليه (أي إذا حصلت الواقعة في محلٍ غير الأستانة) يدعوهم أمام أكبر مأموري الحُكُومة السُلطانيَّة وهُناك يجوز قبول شهادة جابي الخراج والشخص الفرنساوي ضدَّ بعضهما.
- البند السادس: لا يجوز مُحاكمة التُجَّار الفرنساويين ومُستخدميهم وخادميهم فيما يختص بالمسائل الدينيَّة أمام القاضي أو السنجق[٥] بيك أو الصوباشي أو غيرهم من المأمورين، بل تكون مُحاكمتهم أمام الباب العالي. ومن جهةٍ أُخرى يكون مُصرَّح لهم باتباع شعائر دينهم ولا يُمكن جبرهم على الإسلام أو اعتبارهم مُسلمين ما لم يُقرِّوا بذلك غير مُكرهين.
- البند السابع: لو تعاقد واحدٌ أو أكثر من رعايا فرانسا مع أحد العُثمانيين أو اشترى منه بضائع أو استدان منه نقودًا ثُمَّ خرج من الممالك العُثمانيَّة قبل أن يقوم بما تعهَّد به فلا يُسأل القنصل أو أقارب الغائب أو أيِّ شخصٍ فرنساوي آخر عن ذلك مُطلقًا، وكذلك لا يكون ملك فرانسا مُلزمًا بشيء، بل عليه أو يوفي طلب المُدعي من شخص المُدَّعى عليه أو أملاكه لو وُجدت بأراضي الدولة الفرنساويَّة أوكان له أملاكٌ بها.
- البند الثامن: لا يجوز استخدام التُجَّار الفرنساويين أو مُستخدميهم أو خُدَّامهم أو سُفُنهم أو (قواربهم) أو ما يوجد بها من اللوازمات أو المدافع أو الذخائر أو التجارة جبرًا عنهم في خدمة جلالة السُلطان الأعظم أو غيره في البرَّ والبحر ما لم يكن ذلك بطوعهم واخيارهم.
- البند التاسع: يكون لتُجَّار فرانسا ورعاياها الحق في التصرُّف في كافَّة مُتعلقاتهم بالوصيَّة بعد موتهم، وعند وفاة أحدٍ منهم وفاةً طبيعيَّة أو قهريَّة عن وصيَّة، فتُوزَّع أمواله وباقي مُمتلكاته على حسب ما جاء بها، ولو توفي ولو يُوصِّ فتُسلَّم تركته إلى وارثه أو الوكيل عنه بمعرفة القُنصل لو كان في محل وفاته قنصل وإلَّا فتُحفظ التركة بمعرفة قاضي الجهة بعد أن تعمل بها قائمة جرد على يد شُهُود. أمَّا لو كانت الوفاة في جهةٍ بها قُنصُل فلا يكون للقاضي أو مأمور بيت المال أو غيرهما حقُ في ضبط التركة مُطلقًا، ولو سبق ضبطها بمعرفة أحدٍ منهم يصير تسليمها إلى القُنصل أو من ينوب عنه لو طلبها قبل الوارث أو وكيله، وعلى القنصل توصيلها وتسليمها إلى صاحب الحق فيها.
- البند العاشر: بمُجرَّد اعتماد جلالة السُلطان وملك فرانسا لهذه المُعاهدة فجميع رعاياهما الموجودين عندهما أو عند تابعيهما أو على مراكبهما أو سُفُنهما أو في أي محلٍ أو إقليمٍ تابعٍ لسُلطتهما في حالة الرِّق، سواء أكان ذلك بشرائهم أو بأسرهم وقت الحرب، يصير إخراجهم فورًا من حالة الاسترقاق إلى بحبوحة الحُريَّة بمُجرَّد طلب وتقرير السفير أو القُنصُل أو أيِّ شخصٍ آخر مُعيَّن لهذا الخُصُوص، ولو كان أحدهم قد غيَّر دينه ومُعتقده فلا يكون ذلك مانعًا لإطلاق سراحه.
- ومن الآن فصاعدًا لا يجوز لجلالة السُلطان أو ملك فرنسا ولا لقبودانات[٦] البحر ورجال الحرب أو أي شخصٍ آخر تابع لأحدهما أو لمن يستأجرونهم لذلك سواء في البر والبحر أخذ أو شراء أو بيع أو حجز أسراء الحرب بصفة أرقَّاء ولو تجاسر قرصانٌ أو غيره من رعايا إحدى الدولتين المُتعاقدتين على أخذ أحد رعايا الطرف الآخر أو اغتصاب أملاكه أو أمواله يصير إخبار حاكم الجهة وعليه ضبط الفاعل ومُعاقبته على مُخالفة شُرُوط الصُلح عبرةً لغيره وردّ ما يوجد عنده من الأشياء المُغتصبة إلى من أُخذت منه. وإذا لم يُضبط الفاعل فيُمنع هو وجميع شُركائه من الدُخُول في البلاد وتُضبط مُمتلكاته لجانب الحُكُومة التابع إليها ويصير التعويض على ما حصل له من الضرر ممَّا يُصادر من أملاك الجاني. وهذا لا يمنع من مُجازاته لو صار ضبطه فيما بعد. وللمجني عليه أن يستعين على الحُصُول على ذلك بضامني هذا الصُلح وهم السرعسكر عن الجناب السُلطاني وأكبر القُضاة عن ملك فرانسا.
- البند الحادي عشر: لو تقابلت دوننمات[٧] إحدى الدولتين المُتعاقدين ببعض مراكب رعايا الدولة الأُخرى فعلى هذه المراكب تنزيل قُلُوعها ورفع أعلام دولتها حتَّى إذا علمت حقيقتها لا تحجوها أو تُضايقها السُفُن الحربيَّة أو أي تابع آخر للدولة صاحبة الدونانمة. وإذا حصل ضرر لأحدهما فعلى الملك صاحب الدونانمة تعويض هذا الضرر فورًا. وإذا تقابلت سُفُن رعايا الدولتين فعليهما رفع العلم وإبداء السلام بطلقة مدفع والمُجاوبة بالصدق لو سُئل رُبَّانها عن الدولة التابع إليها ولمَّا تُعلم حقيقتها لا يجوز لأحداها أن تُفتِّش الأُخرى بالقُوَّة أو تُسبب لها أي عائقٍ كان.
- البند الثاني عشر: إذا وصلت إحدى المراكب الفرنساوية سواء بطريق الصدفة أو غيرها إلى إحدى موانئ أو شُطُوط الدولة العليَّة تُعطى ما يلزمها من المأكولات وغيرها من الأشياء مُقابل دفع الثمن المُناسب بدون إلزامها تفريغ ما بها من البضائع لدفع الأثمان، ثُمَّ يُباح لها الذهاب أينما تُريد. وإذا وصلت إلى الأستانة وأرادت السفر منها بعد الاستحضار على جواز الخُرُوج من أمين الجمرك ودفع الرسم اللازم وتفتيشها بمعرفة الأمين المُشار إليه فلا يجوز ولا يُمكن تفتيشها في أيِّ محلٍ آخر إلَّا عند الحُصُون المُقامة بمدخل بوغاز جاليبولي (الدردنيل) بدون دفع شيء مُطلقًا لا عند هذا البوغاز ولا في أي مكانٍ آخر عند خُرُوجها خلاف ما صار دفعه، سواء كان الطلب باسم جلالة السُلطان أو أحد مأموريه.
- البند الثالث عشر: لو كُسرت أو أُغرقت مراكب إحدى الدولتين بالصُدفة أو غيرها عند البلاد التابعة للطرف الآخر فمن ينجو من هذا الخطر يبقى مُتمتعًا بحُريَّته لا يُمانع في أخذ ما يكون له من الأمتعة وغيرها، أمَّا لو غرق جميع من بها فما يُمكن تخليصه من البضائع يُسلَّم إلى القُنصُل أو نائبه لتسليمها لأربابها بدون أن يأخذ القبودان باشا أو السنجق بيك أو الصوباشي أو القاضي أو غيرهم من مأموري الدولة أو رعاياها شيئًا منها، وإلَّا فيُعاقب من يرتكب ذلك بأشد العقاب، وعلى هؤلاء المأمورين أن يُساعدوا من يُخصص لاستلام الأشياء المذكورة.
- البند الرابع عشر: لو هرب أحد الأرقَّاء المملوكين لأحد العُثمانيين واحتمى في بيت أو مركب أحد الفرنساويين فلا يُجبر الفرنساوي إلَّا على البحث عنه في بيته أو مركبه، ولو وُجد عنده يُعاقب الفرنساوي بمعرفة قُنصله ويُردّ الرقيق لسيِّده. وإذا لم يوجد الرقيق بدار أو مركب الفرنساوي فلا يُسأل عن ذلك مُطلقًا.
- البند الخامس عشر: كُل تابعٍ لملك فرانسا إذا لم يكن أقام بأراضي الدولة العليَّة مُدَّة عشر سنوات كاملة بدون انقطاع لا يُلزم بدفع الخراج أو أي ضريبةٍ أيًّا كان اسمها ولا يُلزم بحراسة الأراضي المُجاورة أو مخازن جلالة السُلطان ولا بالشغل في الترسانة أو أي عملٍ آخر، وكذلك تكون مُعاملة رعايا الدولة في بلاد فرانسا.
- وقد اشترط ملك فرانسا أن يكون للبابا وملك إنكلترا أخيه وحليفه الأبدي وملك إيقوسيا[٨] الحق في الاشتراك بمنافع هذه المُعاهدة لو أرادوا بشرط أنهم يُبلِّغون تصديقهم عليها إلى جلالة السُلطان ويطلب منه اعتماد ذلك في ظرف ثمانية شُهُور تمضي من هذا اليوم.
- البند السادس عشر: يُرسل كُلٌ من جلالة السُلطان وملك فرانسا تصديقه للآخر على هذه المُعاهدة في ظرف ستة شُهُور تمضي من تاريخ إمضائها مع الوعد من كليهما بالمُحافظة عليها والتنبيه على جميع العُمَّال والقُضاة والمأمورين وجميع الرعايا بمُراعاة كامل نُصُوصها بكُل دقَّة. ولكي لا يدَّعي أحد الجهل بهذه المُعاهدة يصير نشر صورتها في الأستانة والإسكندريَّة ومصر ومرسيليا وناربونة[٩] وفي جميع الأماكن الأُخرى الشهيرة في البر والبحر التابعة لكُلٍّ من الطرفين.
انتهت المُعاهدة.
حواشٍ
- ↑ يبدأ شهر شُباط - فبراير سنة 1536 في 8 شعبان وينتهي في 7 رمضان 942.
- ↑ خاقان: ملك المُلُوك
- ↑ پيره Pirée هي ميناء مدينة أثينا.
- ↑ صوباشي: هو المُحتسب أو مُدير الشُرطة
- ↑ السنجق: هو الحاكم المدني لمركزٍ إداريٍّ هو دون الولاية وفوق القضاء. والسنجق هو العلم، والسنجق بك معناها هُنا: السيِّد السنجق. والسنجق مركز إداري كان يُسمَى مُتصرِّفيَّة أيضًا، فقد كان العُثمانيُّون يقسمون المراكز الإداريَّة المدنيَّة إلى أربع مراتب، الأولى هي رُتبة الوالي ومركزه الولاية، والثانية هي رُتبة المُتصرِّف ومركزه المُتصرِّفيَّة أو السنجق، والثالثة هي رُتبة القائم مقام ومركزه القضاء، والرابعة هي رتبة مدير الناحية ومركزه الناحية. وهؤلاء الموظفون الإداريون يرتبط الأصغر منهم بالأكبر بحسب الترتيب المذكور ويرتبط الوالي بوزير الداخليَّة.
وهُناك مراكز كانت تُسمَّى سنجق مُستقل أو مُتصرِّفيَّة مُستقلَّة وهي مثل الولاية يرتبط حاكمها بوزير الداخليَّة، وكانت القدس كذلك، وكان هُناك أقاليم شبه مُستقلَّة يسمونها إيالة مثل مصر وتونس..
* لفظ بك يكته الأتراك من غير ياء، ولكن المغول الذين حكموا الهند وباكستان يكتبونه بيگ ومُؤنثه بيگم بالكاف الفارسية. - ↑ قبودان: ويقولون أحيانًا قُبطان هي تحريف كلمة كبتين Capitaine الإفرنسيَّة التي معناها قائد السفينة إذا جاءت لأمور تتعلق بالبحر.
- ↑ تكررت كلمة دوننمة أو دونانمة ويجمعها على دوننمات ومعناها الأُسطول.
- ↑ هي إيكوسيا Ecosse ويُسميها الإنكليز سكوتلاند Scotland، وهي الجزء الشمالي من أراضي المملكة المُتحدة - إنگلترا - وقد كانت آنذاك دولة مُستقلة.
- ↑ هي نوربون Norbonne: ميناء على البحر الأبيض المُتوسِّط جنوب غرب فرانسا.