الكمنجة المحطّة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الكمنجة المحطّة

الكمنجة المحطّة
المؤلف: إيليا أبو ماضي



شاهدتها كالميّت في اكفانه
 
فوجئت إلاّ عبرة أذريها
مهجورة كسفينة منبوذة
 
في الشّطّ غاب وراءه ماضيها
نسجت عليها خيوطها
 
و كسى الغبار غلالة تكسوها
أقوت و باتت كالمسامع بعدها
 
لا شيء يطربها و لا يشجيها
و كأنّها، في صمتها، مشدوهة
 
أن لا ترى بهتافها مشدوها
لاحسّ في أوتارها، لا شوق في
 
أضلاعها، لا حسن في باقيها
فارزح بحزنك، يا حزين، فإنّها
 
لا تنشر الشّكوى و لا تطويها
و إذا انفضى عهد التعلّل بالمنى
 
فالنّفس يشفقيها الذي يرديها
لله عهد مرّ لي ظلّها
 
أبكى عليه و تارة أبكيها
كانت كأنّ ضاوعها موصوله
 
بأضالعي و سرائري في فيها
كم مرّة حامت غرابيب الأسى
 
لتقيت من قلبي الجريح بنيها
فإذا الأغاريد اللّطيفة دونها
 
سور يصون حشاشتي و يقيها
كم هزّني الشّدو الرخيم فساقطت
 
نفسي همومما أوشكت تبليها
فإذا أنا مثل البنفسجية التي
 
ذبلت فباكرها النّدى يحييها
و لكم سمعت خفوق أجنحة المنى
 
و حفيفها في نغمة توحيها
فسكرت حتّى ما أوعى سكر امريء
 
بالخمر أترع كأسه ساقيها
ورأيتني من جنّة سحريّة
 
لا يرتوي من حسنها رائيها
و لمحت أحلام الشّباب مواكبا
 
تتلاى أمامي و الهوى حاديها
سرّ السعادة في الرّوءى إنّ الرءوى
 
لا كفّ تثبتها و لا تمحوها
و لكم سمعت دبيب أشباح الأسى
 
عند المسا في أنّه تزجيها
فذكرت ثمّ محاسنا الثرى
 
غابت و شوّهها البلى تشويها
فإذا أنا كالسنديانه شوشت
 
أغصانه الريح التي تلويها
أو كالسفينة في الضباب طريقها
 
ضلّت، و غابت أنجم تهديدها
شهد الدّجى و الفجر أنّي جازع
 
لسكونها جزع الغدير أخيها
ما أن سمعت أنينه و نشيجه
 
إلاّ و يعرو النفس ما يعروها
روّى الثرى، يا ليت روحي في الثرى
 
أو في النبات لعلّة يرويها
يا صاحبيّ، و في حنايا أضلعي
 
همّ يكظّ الروح بل يدميها
إنّ التي نقلت حكايات الهوى
 
لم يبق غير حكاية ترويها
كمدينة دكّ القضاء صروحها
 
دكّا و كفّن بالسكوت ذويها
نعيت فريع الفجر و ارتعش الدّجى
 
ما كان أهونها على ناعيها
لا تعجبا في الغاب من نوح الصّبا
 
و عويلها، إنّ الصّبا ترثيها
لو تسمعان نجّيها متمشّيا
 
كالسّحر في الأرواح يستهويها
لعلتما أنّ القضاء اغتالها
 
كيلا تبوح بكلّ سرّ فيها