الصديقة بنت الصديق (مطبعة المعارف، 1943)/عائشة
عائشة
ولدت عائشة لأبى بكر الصديق من زوجته « أم رومان » واسمها زينب أو دعد مختلف فيه ، كما اختلفوا فى نسبها واتفقوا على أنها من كنانة . وكانت قبل بناء الصديق بها زوجاً لصاحبه فى الجاهلية عبد الله بن الحارث بن سخبرة ، وولدت له ابنه الطفيل ، ثم مات فخلفه عليها أبو بكر ليحفظ بيت صاحبه وحليفه ومن المتفق عليه أنها كانت امرأة ذكية ، أسلمت وهاجرت ولقيت عنتاً شديداً فى سبيل دينها وزوجها ، ويروى عن النبى عليه السلام أنه قال : ( من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان » وقد اختلفوا فى سنة وفاتها، من قائل : إنها توفيت في حياة النبى عليه السلام إلى قائل إنها عاشت إلى أيام عثمان رضى الله عنه ، والأرجح فى رواية البخارى أنها عاشت إلى أيام عثمان ولا يعرف على التحقيق فى أى سنة ولدت السيدة عائشة رضى الله عنها . ولكن أقرب الأقوال إلى الصدق وأحراها بالقبول أنها ولدت فى السنة الحادية عشرة أو الثانية عشرة قبل الهجرة ، فتكون قد بلغت الرابعة عشرة من عمرها أو قاربتها يوم بنى بها الرسول عليه السلام وجملة ما يفهم من وصفها على التحقيق أنها كانت بيضاء ، فكان عليه السلام يلقبها بالحميراء ، وكانت أقرب إلى الطول لأنها كانت تعيب القصر كما مر فى كلامها عن السيدة صفية، وكانت فى صباها نحيلة أو أقرب إلى النحول حتى كان الذين يحملون هودجها خالياً يحسبونها فيه . قالت فى حديث لها مشهور : « ... وأقبل إلىّ الرهط الذين .: كانوا يرحلون لى - أى يحملون الرحل على البعير - فحملوا هو دجى وهم يحسبون أنى فيه ، وكانت النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلن ولم يغشهن . اللحم ، إنما يأكلن العلقة من الطعام . فلم يستكثر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه إذ كنت مع ذاك جارية حديثة السن ) تم مالت بعد سنوات إلى شيء من السمنة كما جاء فى كلامها فى حديث آخر : ... خرجت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم . فقال صلى الله عليه وسلم للناس : تقدموا ! فتقدموا . ثم قال : تعالى حتى أسابقك . مسابقته فسبقته فسكت . حتى إذا حملت اللحم وكنا فى سفرة أخرى قال صلى الله عليه وسلم للناس : تقدموا ! فتقدموا . ثم قال : تعالى حتى أسابقك مسابقته فسبقنى فجعل صلى الله عليه وسلم يضحك و يقول : هذه بتلك » وعلمنا من بعض أحاديثها أنها وعكت مرة فتمزق شعرها . فمن ثم وصيتها على ما يظهر بالشعر حيث تقول : ( إذا كان لأحدكم شعر فليكرمه » وعلمنا من رواة وقعة الجمل أنها كانت جهورية الصوت ، تخطب العسكر من هودجها فى ساحة الحرب فيسمع خطابها وعلمنا من جملة أوصافها وأخبارها أنها كانت حية الطبع موفورة النشاط كدأب العصبيين من النساء والرجال ، وكان أبوها رضى الله عنه من أصحاب هذا المزاج ولا مراء والظاهر أنها ورثت عنه كثيراً من خلقه وخلقه على السواء . فقد كان الصديق جميلا حتى جاء فى بعض الروايات أنه لقب بالعتيق لجماله ، وكان نحيلا دقيق التكوين كما هو مشهور ، وكانت فيه حدة طبع مع حدة ذكاء ، وكان كريماً سريعاً إلى نجدة المعوزين والضعفاء ، وكان صادق المقال لم يؤخذ عليه كذب قط فى الجاهلية ولا فى الإسلام، وكان ماضى اللسان قديراً على إفحام من يجترى عليه ، وتشبه السيدة عائشة فى هذه الخلائق شبها كان يوحى إلى النبى عليه السلام كلما سمعها تجيب من يساجلها أن يقول : إنها ابنة أبى بكر ! إنها ابنة أبى بكر ! وقد راضت حدتها زمناً كما كان أبوها يروض حدته طوال حياته ، ولكنها لم تبلغ من ذلك ما بلغه أبوها لمكان الرجل من القدرة والحاجة إلى سياسة الدنيا ، ومكان الفتاة . الضعف من ومن الحظوة التى تغنيها عن الصرامة فى مغالبة النفس ومراس الخطوب فى كفاح الحياة والمعهود فى أخلاق الناس أن الحدة تلازمها سرعة الغضب كما تلازمها سرعة الصفح والنسيان فى معظم الأحيان وليس فى أخبار السيدة عائشة ما يناقض هذه المشاهدة التى تعم النساء كما تعم الرجال ، فليس مما ينقضها أنها رضى الله عنها بقيت على موجدة من مسألة الإفك طوال حياتها فلم تنس قط مقالة أحد من القائلين أو الساعين فيها . إذ ليس أهول على نفس الفتاة خاصة ولا أوجع لضميرها من مطعن يهدم سمعتها ويعصف بهناءتها ويفقدها الرجل الذى تحبه والمكانة التى تبوأتها ، وأهول ما يكون ذلك على البريئة العزيزة التى يهولها الأمر على قدر ظلمها فيه وعلى قدر نكبتها بما تفقده من العزة والسمعة . فلا يقاس على موجدة السيدة عائشة فى مسألة الإفك سائر خلائقها ودوافع ضميرها . فليس فى غير هذه المسألة ما ينم على شيء يتجاوز الحدة العارضة إلى الضغينة الباقية حدث مسروق الهمداني قال : « دخلت على عائشة وعندها حسان وهو يرثى بنتا له ويقول :
فقالت عائشة : لكن أنت لست كذلك . فقلت لها : أيدخل عليك هذا وقد قال الله عز وجل ( والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) فقالت : أما تراه فى عذاب عظيم قد ذهب بصره ) وهذا لأن حسان بن ثابت كان ممن نسب إليه شعر فى مسألة الإفك لا يرضى السيدة عائشة على أنها قبلت عذره كما جاء فى رواية أخرى ونهت عن شتمه ، وذلك فيما رواه يوسف بن ماهك عن أمه حيث تقول : «كنت أطوف مع عائشة بالبيت فذكرت حسان فسببته فقالت : بئس ما قلت أتسبينه وهو الذى يقول :
فقلت : أليس ممن لعن الله فى الدنيا والآخرة بما قال فيك ؟ قالت : لم يقل شيئاً ولكنه الذي يقول : .
وقال هشام بن عروة عن أبيه : كنت قاعداً عند عائشة فمر بجنازة حسان بن ثابت فتلت منه ، فقالت : مهلا ! فذكرتها كلامه فقالت : فكيف بقوله :
ولا شك أن الذى ذكرته السيدة عائشة لحسان لا ينسى ، وأن الذى صفحت عنه بعد ذلك كثير ، وأن حمد الصفح هنا أولى من ملاحظة التذكير والتبكيت
أما كرم السيدة عائشة فهى فيه إلى النجدة أقرب منها إلى السخاء، . وهى فيه على آسال من أبيها العظيم رضى الله عنه ، تنقذ من الأسر وتغيث من البلاء وتعطى من هو فى حاجة إلى العون العاجل ما تيسر لها العطاء ، وكانت فى كرمها على حال سواء فى أيام النبي عليه السلام حين لا مال لديها إلا القليل الذى هى أحوج إليه ، أو فى أيام الفتوح التي تيسر لها فيها من المال ما لم يكن قبل بميسور كان لعتبة بن أبى المهلب جارية حبشية اسمها بريرة زوجها على غير رضاها عبداً من عبيد المغيرة فكرهته وأعرضت عنه ، وهى أهل لمن هو أصلح وآدب منه ، فرحمتها السيدة عائشة فاشترتها وأعتقتها ، وخاطبت فيها النبى عليه السلام فقال لها : ملكت نفسك فاختارى ! وكان زوجها يتعلق بها ويتبعها حيث سارت وهى معرضة عنه ، فتعجب النبى بين أصحابه يوما من فرط حبه لها وزهدها فيه ، وقال لها : اتقى الله فانه زوجك وأبو ولدك ! قالت : أتأمرنى ؟ قال : لا . إنما أنا شافع . فقالت : إذن لا حاجة بى إليه وما زالت بعد ذلك فى خدمة السيدة عائشة تخلص لها وتذكر لها عطفها عليها ولا تنسى لها جميلها
وقد أعانها على هذا الخلق السمح أنها رزقت القدوة القريبة بسيد المواسين للضعفاء ومعلم الجابرين لكسر القلوب ، فما من شأو بلغته في هذا المعراج الرفيع إلا ارتفع بها رسول الله إلى أعلى منه وأجمل . كانت عندها فتاة يتيمة اسمها الفارعة بنت أسعد فزوجتها لنبيط بن جابر الأنصارى وسارت معها في زفافها إلى بيت زوجها . فلما عادت سألها عليه السلام: ما كان معكم لهو فانه يعجب الأنصارى؟ هلا بعثتم جارية تضرب بالدف وتغنى ؟ فسألته : ماذا تقول يارسول الله ! قال : تقول : أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم . ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم، ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم . وحدثت مولاتها أم ذرة - وهى من الثقات - أن ابن الزبير بعث إلى السيدة عائشة بغرارتين فيهما مال يبلغ مائة ألف درهم ، وكانت صائمة قدمت بطبق فجعلت تقسم في الناس . ثم أمست فقالت : ياجار بة هاتي فطرى . قالت أم ذرة : أما استطعت فيها أنفقت أن تشترى بدرهم الحما تفطرين عليه ؟ فقالت : لا تصنفينى ! لو كنت أذكرتني لفعلت وقال ابن سعد عن عروة بن الزبير : رأيت عائشة تصدق بسبعين ألفا ، وإنها لترفع جانب درعها وأيسر ما يستفاد من هذه الروايات على اختلاف مكان رواتها من الثقة أنها رضى الله عنها كانت مشهورة بالكرم والاحسان إلى مستحقيه
وقد كانت بنت أبيها فى أكثر من خصلة واحدة من هذه الخصال النادرة بين الرجال والنساء ، ولكنها كانت أشبه ما تكون به في خصلة الصدق التى بها اشتهر ومن أجلها نعت بالصديق وغلب هذا النعت عليه حتى أوشك أن ينسى الناس اسمه الذي دعاه به أبواه . وقد امتحن صدقها فى مآزق عسيرة البلاء للنفوس فتمحصت عن معدن كريم وعرق سليم ودلت على أصالة هذا الميراث النفيس من أبيها العظيم . ففى الغاشية التي أطبقت على العالم الإسلامي من جراء الخلاف على الخلافة تطايرت الأحاديث الموضوعة من هنا وهناك وتعمد أناس أن يصوغوا من عندهم حديثاً لكل حزب ينصره ويرضيه ويكبت خصمه ويخزيه . وافتن الوضاع فى محاكاة الأحاديث النبوية ذلك الافتنان الذي شقى به المحققون للروايات بعد ذلك بسنين ، وكانت السيدة عائشة تشترك فى خصومات المتخاصمين على الخلافة باختيارها أو تساق إلى المشاركة فيها على كره منها ، وكانت هى أول من يسمع له إذا روت يدمع خصومها ويعزز أنصارها ، ولكنها لم تنقل قط في كل ما ثبتت نسبته إليها حديثاً واحداً تمسه الشبهات من قريب أو بعيد ولا تؤيده الأسانيد الأخرى ، ولم تحرف كلمة واحدة إلى غير موقعها طواعية لإغراء تلك النوازع النفسية التي تطيش بالألسنة وتضلل العقول ، وهو امتحان ليس أعسر منه امتحان فى هذا الباب ، ولهذا كانوا يروون عنها الأحاديث فيقولون : حدثتنا الصديقة بنت الصديق حديثاً
ومن الصفات التى شابهت فيها أباها الذكاء المتوقد والبديهة الواعية ولم تقصر فيها عن شأوه بل لا نحسبها قصرت عن شأو واحد من معاصريها بين الرجال والنساء على السواء فى سرعة الفهم وقدرة التحصيل والإحاطة بكل ما يقع في متناول ذهنها قال أبو الزناد : ما رأيت أحداً أروى لشعر من عروة بن الزبير . فقيل له : ما أرواك ! قال : وما روايتى في رواية عائشة ! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعراً وقد كان عروة بن الزبير أشد الناس حباً لخالته السيدة عائشة وإعظاماً لها وتوقيراً لسيرتها ، ولكن الذى روى عنها من الشواهد الشعرية فى أخبارها التى نقلت إلينا يدل على صدق ما وصفها به من غزارة الحفظ وحسن الاستشهاد دخل عليها النبي عليه السلام وهى تتمثل بالبيتين التاليين : ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يوماً فتدركه العواقب قد نما يجزيك أو يثنى عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت فقد جزى فقال عليه السلام : لقد أتاني جبريل برسالة من ربى : ( أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلا الثناء عليه والدعاء له فقد كافاه » وكانت تحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه وتسوق الشاهد منه في موقعه ، كما قالت وهى ترى النبي عليه السلام يتندى عرقاً في يوم قائظ وقد جلس يصلح نعله : لو رآك عروة لكنت المعنى بقوله : فلو سمعوا فى مصر أوصاف خده لما بذلوا فى سوم يوسف من نقد لواحى زليخا لو رأين لاثرن بالقطع القلوب على الأبدى ورأت أباها يجود بنفسه فقالت : لعمرى ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر وعادت تقول : وأبيض يستسقى العمام بوجهه تمال اليتامى عصمة للأرامل ومما يروى أنها أنشدته في تلك الساعة وهى ولهي لفراق أبيها : وكل ذى غيبة يؤب وغائب الموت لا يؤب ويؤخذ من بعض ما نقل عنها أنها كانت تسمع شعر زهير وتعجب به ، فقالت لإحدى بناته فيما روى الهيثم بن عدى : « إن الحلل التي كساها أبوك هرماً لم يبلها الدهر » على أن الفهم والحفظ ملكتان معروفتان للسيدة عائشة كثرت أو قلت الشواهد الشعرية التي وصلت إلينا من أخبارها فحسبها أنها قد روت للنبي عليه السلام أكثر من ألفى حديث في مختلف المسائل التى تدخل فيها الأحكام الشرعية والعظات الخلقية والآداب النفسية والأصول التي يرجع إليها في الدين والعبادة بل حسبها أن يثبت لها عشر هذا العدد من الأحاديث النبوية ليثبت لها أنها كانت تفهم وتعى وتحسن الحفظ فيها تنقله بحروفه كما تحسن التعبير فيما تحكيه بكلامها ، وأنها تحيط في فهمها وحفظها بكل ما أحاطت به تلك الأحاديث من المعارض والمناسبات ومع هذا يروى الثقات أنها كانت تحفظ وتفقه وتفسر ولا يقتصر علمها على وعى الكلمات والعبارات . قال أبو موسى الأشعرى : ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها علما فيه ، وقال عطاء بن أبي رباح : كانت أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال مسروق الهمداني : رأيت مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر يسألونها من الفرائض ، وقال عروة بن الزبير : ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة ومن الأحاديث التي ترفع إلى النبي أنه قال : خذوا شطر دينكم عن هذى الحميراء ، وهو حديث لم يثبت بالسند الصحيح ، ولكن الحق الذي لا مراء فيه أن المسلمين قد عرفوا الكثير من أمر نبيهم وأمر دينهم من أحاديث عائشة عن زوجها المحبوب عليه السلام ولا ريب أنها كانت تقتدى بأيها في حفظ الأخبار والأنساب كما كانت تقبس من ميراث أخلاقه وطباعه وملكاته . ويستفاد من بعض المنقول عنها أنها كانت تواقة إلى معرفة كل ما يعرف من تواريخ الأمر غير قائمة بأخبار الأمة العربية، ولا بالأخبار التي تعنيها خاصة كأخبار النبي والصحابة والعشيرة الإسلامية ، ومنها خبر النجاشي حين هاجر المسلمون إلى بلاده فأوفد إليه المشركون جماعة منهم يحملون إليه الغوالي والنفائس ليبهاش بأولئك المهاجرين أو يردهم إلى قومهم ، فقال : ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى فآخذ الرشوة منه ، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه » فيفى على السامعين معنى كلامه هذا حتى بلغ السيدة عائشة ففسرته . بما انتهى إلى علمها ، وهو أن هذا النجاشي كان من الأمراء المغصوبين فأقصاه الملك الغاصب وباعه بيع الرقيق ، ثم أعيد إلى ملكه فاقتضى الرجل الذى اشتراه حقه وأبى هذا النجاشي إلا أن يعطوه الدراهم من أموالهم ليجزيهم بصنيعهم ، فذلك إذ يقول : ما أخذ الله منى رشوة حين رد على ملكى فآخذ الرشوة فيه وهو تفسير لا يعنينا هنا أن نستقصيه من الوجهة التاريخية ، ولكن الذي يعنينا منه شغف السيدة باستطلاع أحوال الأم كافة حيثما تسنى لها سبيل الاطلاع
وغزارة الاطلاع بينة - إلى جانب هذا - من لغة السيدة عائشة التي امتزجت بأسلوبها فى كل ما نقل عنها ولا سيما الخطب والوصف خاصة . فقد كانت لها مادة من اللغة لا تنتهياً بغير محصول كبير من أنباء العربية التي تستق من أعرق مصادرها قالت في خطبة بعد وقعة الجمل تذكر أباها : « ... وأبي ثاني اثنين 100 1 الله ثالثهما ، وأول من سمى صديقاً ، مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) الردة وهو عنه راض ، وقد طوقه وهق ) الإمامة ثم اضطرب حبل الدين فأخذ بطرفيه وربق (٣) لكم أثناءه فوقذ (٢) النفاق وغاض تبع وأطفاً ما حشت يهود ، وأنتم يومئذ جحظ العيون تنتظرون العدوة وتستمعون الصيحة قرأب التأى ) وأرزم (0) السقاء وامتاح من المهواة (1) واجتهر دفن الرواء " حتى أعطن الوارد وأورد الصادر ، وعل الناهل (1) فقبضه الله واطناً على هام النفاق، مذكياً نار الحرب المشركين، فانتظمت طاعتكم بحبله فولى أمركم رجلا مرعياً إذا ركن إليه ، بعيد ما بين () عركة (1) للأذاة بجنبه صفوحاً عن أذاة الجاهلين ، يقظان اللابتين الليل في نصرة الإسلام » ووصفت أباها فى خطبة أخرى فقالت : «رحمك الله يا أبت ! فلئن أقاموا الدنيا لقد أقمت الدين حين وهى شعبه ، وتفاقم صدعه ، ورجفت جوانبه . انقبضت عما إليه أصغوا ، وشمرت فيما عنه ونوا ، واستصغرت (1) حبل يجعل فى العنق (٢) ربقه شده فى الرق وهو حبل فيه عرى (٣) کسره (4) أى رفع الفتق وأصلح الخلل (ه) أي شده (1) امتاح من المهواة أى استقى من البئر العميقة واجتهر دفن الرواء أى أخرج خبايا الماء الغزير (٧) النهل أول الغرب والعلل الستي بعد السقي (٨) كناية عن سعة الصدر (1) من المعاركة أى الاختبار من دنياك ما أعظموا ، ورغبت بدينك عما أغفلوا ، طالوا عنان الأمر واقتعدت مطى الحذر ، فلم تهتضم دينك ولم تنس غدك ، ففاز عند المساهمة قدحك وخف مما استوز روا ظهرك ) و وقفت على قبره قائلة - وهو كلام يستغرب تنسيق فواصله وترجيع ضمائره ولكنه لا يستبعد على عصره .. ه نصر الله وجهك ، وشكر لك صالح سعيك ، فلقد كنت للدنيا مذلاً . باعراضك عنها ، وللآخرة معزاً بإقبالك عليها ، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزؤك وأعظم المصائب بعده فقدك ، إن كتاب الله ليعد بالعزاء عنك حسن العوض منك ، فأنا اتنجز من الله موعوده فيك بالصبر عليك ، وأستعيضه منك ، بالدعاء لك . فإنا لله و إنا إليه راجعون ، وعليك السلام ورحمة الله توديع غير قالية لحياتك ولا زارية على القضاء فيك » وقد كان لها أسلوب فيما يرتجل يناسب موضوعه ، كما كان لها فيا يجوز تحضيره أسلوب يناسب ما يحتفل له بالتحضير . فلما حكت عن زواجها بالنبي قالت بأسلوب مرسل سهل ولكنه مع ذلك جزل فصيح : ه ... تزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة ست سنين ، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج فوعكت فتمرق شعري فوفى جميعه (١) فأنتنى أمى أم رومان وإلى لقى أرجوحة ومعى صواحب لى (1) الجمة مجتمع شعر الرأس وصرخت بي فأتيتها لا أدرى ما تريد بي! فأخذتنى بيدى حتى أوقفتني على باب الدار وإلى لأنهج حتى سكن بعض نفسى ، ثم أخذت شيئاً ماه فمسحت به وجهى ورأسى ، ثم أدخلتنى الدار فاذا نسوة من الأنصار فى البيت ، فقلن على الخير والبركة ، وعلى خير طائر . فأسلمتني إليهن يصلحن من شأنى فلم يرعنى إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى من فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين ... )
ومع هذه المادة اللغوية التي تتم على استقصاء مادة العربية من أعرق مصادرها لا نستغرب ما تواترت به الروايات من علم السيدة عائشة بطب زمانها وما يصح في زمانها أن يسمى يعلم الفلك والظواهر الجوية لإلمامه بمسالك النجوم ومهاب الأنواء وغير ذلك من معارف البادية والحاضرة في عصر الدعوة الإسلامية وهكذا ننظر إلى عائشة لنفسها فلا نرى أنها تقصر عن عائشة في المكان الذي خصتها به الآداب العربية ، ورفعتها إليه الآداب الإسلامية والحظوة النبوية، لأنه مكان قد استحقته لنشأتها في قبيلتها ودخولها في دينها ، واستحقته كذلك بما تميزت به بين أترابها من جمال وفهم ومعرفة و بيان .