الصديقة بنت الصديق (مطبعة المعارف، 1943)/حقوق المرأة
حقوق المرأة
في حياة السيدة عائشة ميزان صادق لحقوق المرأة في عصرها ، وقد يقاس عليه الميزان الصادق لحقوق المرأة في جميع العصور . فالحياة البيئية وما يتصل بها من حياة التربية والتعليم ومعونة الرجل في واجباته العامة هي خير ما تتولاه المرأة من الأعمال . والسياسة - ولا سيما السياسة في عصور الاضطراب - هي المجال الذي يحسن بها اجتنابه ولا يرجى لها التوفيق فيه ، وقد تؤدى فيه هنالك الخير إذا التزمت منه جانب المسالمة وكانت لها وسيلة إليها أما جانب الرئاسة والإشراف فلا طاقة لها به ولا يتأتى لها أن تتولاه إلا نقلت إليه شؤون البيت ومزجته بما يهمها من أواصر القرابة والمعيشة الزوجية . فالسيدة عائشة كانت ربة بيتها وشريكة زوجها ، وكان زوجها العظيم يعينها فى شئونه ويكون فى مهنة البيت ما دام فيه . وكانت هى تعينه على شؤون الهداية والاصلاح كلما وسعتها المعونة فيها ، وقد لقنت الناس ما تلقنته منه : فأحسن التلقين .
وهذا في جملته هو قوام الحقوق بين الجنسين . ولكنها على ذكائها وعلمها ، وعلى أنها في بيت الرئاسة نشأت وفى بيت الرئاسة عاشت ، وأنها تعودت أن يؤبه لها وتسمع كلتها ، قد تحولت بها طوارىء العصر إلى السياسة العامة، فكانت فيها طوعا لأواصر البيت ودواعى المودة والنفور التى توجيها، ولم تكن مثلاً يقتدى به في توجيه الأمور العامة كما كانت مثلاً للنساء كافة وهي ربة بيتها وشريكة زوجها بل هي قد كانت أول مثل يستشهد به المستشهد على صواب الحقوق التي عرفها الإسلام للنساء : « ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة » . فلم تأت المصور بعد ذلك بانصاف للمرأة أصوب من هذا الإنصاف . فليس المهم أن تساوى الرجل فى كل شيء وأن يكون لها مثل حقوقه ومثل واجباته . لأن الماثلة مع الاختلاف ليست هي الصواب وليست هي الإنصاف . ولكن المهم أن تكون حقوقها مساوية لواجباتها ، وأن يكون لها مثل ما عليها ، وألا تظلم في حياتها الخاصة والعامة شيئاً ، ولا يفوتها عمل تصلح له وتحسن أداءه وتغنى فيه غناء الرجل ولا يغنى فيه الرجل غناءها .. وقوام ذلك كله أنهن « لهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة » .
وهى الدرجة التي ينفرد بها الرجال حيث تبطل المشاركة في الملكات والأعمال . و إنما كان هذا قوام الإنصاف في حقوق الجنسين لأنه حكم قائم على الواقع الذى لا يتغير اليوم ولم يتغير قط ولن يتغير في الغد مهما 110 تتغير أحكام الشرائع وأقاويل أصحاب الأقوال والآراء . وكل حكم قائم على إنكار الواقع أو المغالطة فيه فهو جهالة تنكشف لا محالة في يوم من الأيام ، أو بل ما يكون وهو مجهول ، وإن لم تنكشف كانت كالداء المكتوم • والواقع أن الرجل والمرأة مختلفان وأن اختلافهما حقيقة علمية وحقيقة تاريخية وحقيقة حسية ، وحقيقة تعرف بالعقل والبداهة . فالمرأة تخالف الرجل فى وظائف الغدد وفي تكوين الأعضاء وفى شواغل الذوق والإحساس . والمرأة تخالف الرجل في أعمالها وتكاليفها منذ القدم في جميع الشعوب، ومن قال إن هذه المخالفة من فعل الرجال وسيطرتهم وليست من فعل الطبيعة وسيطرتها فقد قال إنها من فعل الطبيعة وليست من فعل الرجال . والمرأة تخالف الرجل فى القدرة حتى حين تشاركه في العمل الذى تفردت به منذ زمن طويل. فهى منذ زمن طويل تزاول الطهي والخياطة والتجميل والولادة وتندب الموتى وتشيعهم بالبكاء والتعديد ، ولكنها لا تبلغ شأو الرجل في هذه الصناعات إذا وقعت المزاحمة بينهما في إحداها . فالطاهي يفوق الطاهية ، ومبدع الأزياء يفوق مبدعتها ، والطبيب المولد مقدم على الطبيبة المولدة ، وكل ما نظمته النساء من الرثاء لا يوازن قصيدة من الرثاء الجيد في شعر الرجال . والمرأة تخالف الرجل ولا بد أن تخالفه على سنة الفطرة التي عمت الأحياء . فان سنة الفطرة لاترمى إلى توحيد العمل بل إلى توزيعه وتنويعه ، ولا تجعل جنسين ليشتركا فى حقوق واحدة وواجبات واحدة ، بل تجعلهما جنسين ليختلفا فى الحقوق كاختلافهما في الواجبات هذه هي الحقيقة المائلة بين أعيننا ، وعلى أساسها ينبغي أن تنبنى المذاهب والآراء . أما الذين يضعون المذاهب والآراء ثم يقسرون الحقيقة على موافقتها فأولئك على باطل ، ولن تقوم للباطل قائمة فى عالم الطبيعة . ومن أمثلة المذاهب التي تفسر الحقيقة على موافقتها مذهب الشيوعيين في التسوية الكاملة بين الرجل والمرأة ، فهم يريدون أن يهدموا الأسرة لأن الأسرة في زعمهم أصل الاستغلال وإن الاستغلال قائم على الاختلاف بين حقوق الرجل وحقوق المرأة ، ولهذا يجب أن يبطل هذا الاختلاف وأن تتقرر المساواة بين الرجال والنساء في جميع الأحوال وجميع الأعمال
وهذا تسخير للحقيقة فى سبيل الرأى ، وهو وحده كفيل بالقضاء على المذهب الشيوعى واقتساره عاجلا أو آجلا على موافقة الحقيقة التي يريد هو أن يقتسرها على هواه
فليس الإنصاف إذن أن يتساوى الرجل والمرأة في جميع الحقوق والواجبات وهما مختلفان هذا الاختلاف الظاهر للعيان ، المائل للعلم والحس منذ كان الإنسان ، بل قبل أن يكون الإنسان حيث يختلف الذكر والأنثى في عالم الحيوان ولكن الإنصاف الذي يجتمع قيه حكم الفطرة وحكم الآداب الإنسانية هو أن تأخذ من الحقوق كفاء ما عليها من الواجبات ، وأن تعطى حقوقها وتسأل عن واجباتها بالمعروف « ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف » لا بالإرهاق والإذلال . فهنالك تهذيب الإنسان إلى جانب حكم الفطرة ، وهما خير مناط لإنصاف الشرائع والآداب
وليس من الحيد عن سواء التفكير أن يستطرد الفكر هنا إلى سؤال لا بد أن يخطر على البال ، وهو السؤال عن تعدد الزوجات : أهو من الإنصاف ؟ أهو من الكرامة والمعروف ؟ أهو من سنة الفطرة وتهذيب الإنسان ؟
واعتقادنا نحن أن المثل الأعلى للزواج هو الزواج بين رجل وامرأة يتحابان و يمتزجان بالجسم والروح ولا يفترقان مدى الحياة ولكننا نعتقد مثل هذا الاعتقاد أن المثل الأعلى لم يخلق قط لتفرضه القوانين على جميع الناس إنما المثل الأعلى هو الحالة النادرة التي تتيسر كلما تيسر الكمال أو تيسرت مقاربة الكمال وليست هذه بالحالة التي تفرضها القوانين على كل رجل وكل امرأة من جميع مراتب التفكير والتهذيب فإنما تفرض القوانين ما يستطاع بين عامة الرجال وعامة النساء ، وما تسمح به أخلاق الزوجين وضرورات المعيشة التي لها عليهما سلطان مسموع كسلطان الأخلاق ولا حاجة إلى فرضها على الأمثلة النادرة بين صفوة الرجال وصفوة النساء ، لأن هذه الأمثلة النادرة في غنى عن تعليم القوانين والإسلام لم يقل إن تعدد الزوجات هو المثل الأعلى ولم يفرضه على كل مسلم ، ولم يحمده من كل مسلم ، ولم يخله من شرط عسير هو العدل في المعاملة وإن تعذر العدل في المحبة ، ولم يفعل إلا أنه وضع التشريع في موضعه الذى يحسب فيه حساب المثل النادر والمثل الشائع، ولم تأت بعده شريعة حلت هذه المشكلة بغير الهرب منها أو المغالطة فيها ، كما هو الواقع الملموس في الأمم التي تحظر تعدد الزوجات ولا تحظر المعيشة مع الخليلات ، أو معاملة النساء كمعاملة العجماوات وفى المجتمع الإنساني حالة يكثر فيها عدد النساء ويقل عدد الرجال ، ولم تستطع الحضارة التي ينعون باسمها تعدد الزوجات أن تمنع تلك الحالة أو تبطل عواقبها . فلا نزال فى كل جيل نشهد حربا من الحروب العالمية التى تنجلى عن ثلاثين أو أربعين مليوناً من الفتيات أو الأرامل بغير قرناء من وقل ما شئت في تعدد الزوجات فهو خير من التبذل الوبيل ، أو إعطاء المرأة محلاً في المصنع بديلاً من محلها في البيت والأسرة وقد ينطلق الهوس بالمساواة إلى أبعد من هذا المدى فيسأل سائل : وهل يجوز للمرأة تعديد الأزواج كما يجوز للرجل تعديد الزوجات ؟ وجواب ذلك أنه بحكم الفطرة لا يجوز لأن الرجل يستطيع أن يؤدى واجب الأبوة مع تعدد زوجاته، ولا تستطيع المرأة أن تؤدى واجب الأمومة لأربعة أزواج أو لزوجين اثنين كذلك له هو من حق مراقبتها والسهر عليها أكثر من حقها هي في مراقبته والسهر عليه لأنها تستطيع أن تخدعه بولد ليس من لحمه ودمه ، أو تخدعه في أمس شعور به بعد شعوره بكيانه ولكنه هو لا يستطيع أن يخدعها بولد ليس من لحمها ودمها ، وأن يصيها بمثل هذا المصاب الأليم الذي ليس آلم منه ولا أنجع في نكبات النفوس وهنا محل عادل للدرجة التى للرجال على النساء ، كالعدل في محل تلك الدرجة عند التفرد بحق تعديد الزوجات وعند التفرد بحقوق تخالف حقوق النساء ، تبعاً للخلاف في التركيب والتكوين
على أن البحث فى حرية الزوجة والبحث في حرية المرأة مسألتان اثنتان لا مسألة واحدة لأن الآراء على تناقضها تلتقى في مسألة حرية الزوجة عند ملتقى واحد وهو تقييدها بحقوق الزوج كائناً ما كان الرأى في قداسة الزواج . فالذى لا ينكر الخيانة ينكر السرقة والاغتصاب ، والذى لا يؤمن بالعاطفة الخالصة يؤمن بشروط القسمة بين الشريكين . ومما لا جدال فيه أن الزواج شركة لها شروطها ، وأهون ما يقال في تلك الشروط أنها كشروط الشركة فى المال ، فلا يجوز للزوجة أن تختلس من حقوق شريكها ولا أن تسرق نصيبه المقسوم بينهما على السواء ، وهنا الملتقى بين القائلين بالوفاء والقائلين بالمحافظة على حصة الشريك ولكن المسألة التى ينطلق فيها الغلو إلى غاية مداه هي مسألة البحث في حرية المرأة على التعميم بمعزل عن علاقة البيت وعلاقة الزواج فمن أدعياء الحرية في عصرنا هذا من يرى أن حرية المرأة التي لا زوج لها هى إباحة مطلقة لا يقيدها واجب من الواجبات ، وإن القيود الجنسية التي اصطلحت عليها الأم منذ القدم إن هى إلا اعتساف من الأديان أو من الكمانات الطوطمية » قبل الأديان ، ويعنون بالطوطمية تقديس بعض الأحياء واعتبارها سلفا للقبيلة يضمها في نسب واحد و يحرم على أتباعه المزاوجة كما تحرم الآن بين الإخوة والمحارم و تمادى بعض هؤلاء فاستكثروا القيود الجنسية على الحيوانات الدنيا ، وزعموا أنها لا تتقيد بموسم للمزاوجة إلا لوفرة التمرات في ذلك الموسم و امتلاء الجسم فيه بفيض من الحيوية يدعوه إلى طلب الذرية . قالوا : و إذا توافر الطعام على طول العام للدواجن من الحيوانات نسبت قيود الموسم وطلبت المزاوجة أنى تيسرت لها من أيام العام وهذا كلام لا يعنينا أن نخوض في تفاصيله وأن تتوسع في تفنيده ، ولكننا تلاحظ عليه عرضاً أن السر في موسم المزاوجة أعمق جداً الطعام وأحوج إلى الفهم جداً من هذا النظر القصير من وإلا فلماذا تتوافر الثمرات في ذلك الموسم ؟ ولماذا يكون من خصائص ذلك الموسم أن يزيد قوة التوالد في النبات ولا يكون من خصائصه أن يزيد قوة التوالد من باب أولى في عالم الحيوان ؟ وما بال الحيوانات التي تأكل الأحياء وتجدها طول السنة تجرى فى موسم المزاوجة على سنة الحيوانات التى تأكل النبات ؟ وما بال الأسماك في البحار تقصد إلى الأنهار القصية للمزاوجة خلال فترة واحدة وهى فى موسم متشابه من الأطعمة طوال العام ؟ إن سر التوالد لأبعد جداً من أن يحده ذلك النظر القصير ، لأنه هو بعينه سر الحياة وأيا كان القول في الاختلاف بين الدواجن والأوابد في موسم المزاوجة فالأمر الذي يتفقان فيه أن الحيوان لا يقارب الأنثى وهى حامل ولا يطلب المزاوجة للعبث والمجون فالحيوان نفسه لا ينطلق من جميع القيود في علاقاته الجنسية السخف أن نرد قيود الأخلاق الجنسية في الإنسان إلى ومن اعتساف الطوطمية والكهانة لأن الأخلاق كلها - جنسية أو غير جنسية - قائمة على ضبط النفس أو على وجود الضوابط الأدبية في بنية الإنسان والطعام - مثلا - مباح لا يتعلق به عرض ولا شرف ولا تزييف نسب ولا اختلاس ذرية ، ولكن الانسان الذي لا يضبط شهوته أمام إغراء الطعام حيثما أصابه ، إنسان مهين ولو كان طعامه من كسب يديه وإنما كان ضبط النفس لازماً فى الشؤون الجنسية - لزومه فى كل شهوة من الشهوات - لأنه قيمة أخلاقية يطلبها الرجل في المرأة وتطلبها المرأة في الرجل ، ويطلبانها معاً في الذرية التي ترث منهما هذه الفضيلة وإذا نفر الرجل من المرأة التي تنطلق مع أهوائها وتتهافت على شهواتها فهو لا ينفر منها لأنها خالفت الدين أو خالفت الطوطمية كما يزعمون ، ولكنه ينفر منها فطرة لأنها مخلوق معيب في تكوينه سليب من الضوابط السليمة التي تناط بها جميع الأخلاق فالدين لم يعتسف هذه الضوابط اعتسافاً لغير علة ولغير مزية ، ولكنه شرعها وهى فى أصول الفطرة القويمة لأنها مزية في أخلاق الفرد ومزية في أخلاق النوع ، وما كرامة نوع يعرف الإباحة ولا يعرف ضوابط الشهوات ! ترجع قيود الجنس إلى أصول الحياة ، ولا ترجع إلى اعتساف من دين أو شريعة ولو لم تكن في تلك القيود مصلحة للفرد ولا للنوع كله لكانت فيها دلالة على قدرة ضابطة فى النفس هي قوام كل طبيعة مهيأة للغلب في ميدان الحياة وترجع قيود الجنس إلى مرجع آخر قريب من هذا المرجع في ينبوعه الأصيل ، وهو أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي علاقة بين شخصية وشخصية ، وليست علاقة بين جسدين أو عضوين . وآية ذلك هذا السباق الخالد الذى تترقى به الأحياء جميعاً ، لأنه يوكل الانتخاب الجنسى بأكمل المحاسن وأندر الصفات ، ويجعل «الشخصية المتكاملة» هیا ى الهدف الذي يتجه إليه ذلك السباق وأصدق من أدعياء الحرية هؤلاء طبيعة المرأة التي لا تخدعها ، فانها لتعلم من قرارة وجدانها أن طلاقتها بحس لقيمتها ، إذا كان معنى الطلاقة أن تسعى هى إلى الرجل ولا تتركه يسعى إليها ، ومن قبل المرأة فى عالم الإنسان كانت الأنثى فى عالم الحيوان جائزة للمنافسة والسباق ، ولم تخلق لها وسيلة واحدة من وسائل الاقتحام التي ميز بها الذكور النوع وخلاصة ذلك كله أن حقوق المرأة لم تكن قط مسألة فرد ولا مسألة أمة أو مجتمع موقوت ، ولكنها كانت ولن تزال مسألة النوع الإنساني بأسره ، فلا مناص فيها من الضوابط التي تعبر عن مصلحة وتتجاوز المصلحة العاجلة والغرض القريب ولهذا تصدق الأديان لأنها تنطق بلسان الفطرة السليمة ، وتكذب المذاهب التى تحسب أن ضوابط الجنس في المرأة والرجل من اعتساف الأديان ، لأن الإباحة التى تنادى بها هذه المذاهب تدل على جهل بالفطرة ، وهى تنادى نداءها باسم العلم والمعرفة الحديثة ، وهنا فلنحسب للقدم مزيته الأولى إذ هو قدم الفطرة الباقية ، وهى أسبق إلى المعرفة الصادقة من كل حديث