انتقل إلى المحتوى

الصديقة بنت الصديق (مطبعة المعارف، 1943)/حديث الافك

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: مصر: مطبعة المعارف (1943)، الصفحات ٨٧–١٠٦
 

حديث الإفك

حديث الإفك هو حديث القصة التي أشاعها بعض المنافقين عن السيدة عائشة ( رضى الله عنها ) وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المدينة الموتور الذى لم ينس قط حقده على النبي ولا على الإسلام والمسلمين وحديث الإفك هذا الحديث الذي اجتمعت له كل بواعث هو الفضول والوشاية التى تغرى ألسنة الناس بالخوض في أمثال هذه الأحاديث ، ولو كانت من نسج الخيال واختراع القصاص فمن دأب الناس قديماً أن يتطلعوا إلى الأسرار، ويكثروا القيل والقال في الوشايات وهم أشد تطلعاً إليها وكلفا بالقيل والقال فيها إذا اشتملت على وشاية من وشايات الرجال والنساء ، ولولا كلفهم بهذا لما اخترعت لهم القصص والروايات التى يقرأون فيها أخبار رجل لا وجود له وامرأة لا وجود لها ، وهم يعلمون أنهما من نسج الخيال ولكنهم أشد من ذلك تطلعاً إليها وكلفاً بالقيل والقال فيها إذا هي تعلقت بعظماء الرجال وعظماء النساء

ثم يبلغ التطلع أشده والكلف حده إذا كان لأحد من الناس غرض في ترويج الإشاعة واللغط بها، والاسترسال فى ذيولها وحواشيها فإذا كان هذا الغرض على اتصال بالعصبيات القومية والعقائد العامة التي تصطرع حولها الأهواء وتضطرم فيها الضغائن ويطول فيها جدل المصدقين والمكذبين ، ونزاع المحبين والمبغضين . فقد اجتمعت للقصة كما قلنا في صدر هذا الفصل - كل بواعث الفضول والوشاية ، وأحاطت بها كل مغريات اللغط والتشهير وهذا الذي حدث بحذافيره فى حديث الإفك الذي تولى كبره زعيم الخزرج في المدينة عبد الله بن أبي بن سلول فهو حديث وشاية عن رجل وامرأة وهما أعظم الرجال وأعظم النساء وفى اللغط به غرض قوى لأكبر زعماء الخزرج في زمانه ، وغرض قوى لكل من يبغى المساس بالنبي ، وبالإسلام كله من طريق المساس بني الإسلام ولولا ذلك لما سمع بحديث الإفك ، ولا استحق أن يُصغى إليه ، لأنه أوهى وأسخف من أن يطول فيه تصحيح وتفنيد وكأى من رئيس فى قومه وتر كما وتر ابن سلول ، واشتمل قلبه على البغض كما اشتمل قلب ابن سلول على بعض النبي ، وأحب أن يهدم دعوة من الدعوات كما أحب ابن سلول أن يهدم دعوة الإسلام ، ولكنه مع كل هذا يتورع عن رجم المحصنات بالباطل ويمسك لسانه ا عن الخوض فى وشايات الدنس لأنها مسبة لا تجمل بمروءة الكرام إلا أن ابن سلول لم يكن من هؤلاء الرؤساء المتورعين المترفعين ، ولم يكن له من أخلاقه ما يعصمه أن يكذب وأن ينافق وأن يداهن ، وأن يصطنع الوشاية ويلغ فى الأعراض ، لأنه كان مطبوعاً على النفاق مشهوراً به بين أصحابه وخصومه على السواء كان زعيم الخزرج بالمدينة فكان ينافس زعماء الأوس بها في إرضاء النبي والتزلف إليه ، ثم يخلو بأعداء الإسلام فيؤلبهم على المسلمين ويسوّل لهم قتل النبى ويوغر صدورهم على هذا الدين الجديد ، وكل منتصر له وكل منتسب إليه وقبيل حديث الإفك بأيام قليلة كانت فئة من الأنصار والمهاجرين تستقى ، فتنازع رجلان منهما على الماء كما يحدث على كل بئر وفى كل مورد يكثر حوله القصاد . فلم يدعها ابن سلول تنقضى دون أن يثير فيها الثائرة التى ود أن تعصف بالمسلمين أجمعين . وقال مستهولاً

أو قد فعلوها ؟ والله ما أرانا وجلابيب قريش هذه إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك . أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . وأقبل على من حضره من قومه يحرضهم ويقول لهم : هذا ما فعلتم بأنفسكم ... أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ما . وأما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ! !

ونمى الحديث إلى النبي عليه السلام ، فأسرع إليه ابن سلول يقسم ويبالغ في القسم أنه ما نبس بحرف منه فالخوض فى الوشايات والولوغ في الأعراض هو أشبه شيء بأخلاق هذا الرجل الذي مرد على النفاق وأصبح وأمسى حياته كلها بين الدس والاختلاق ، وله من الوتر العظيم الذى وتر به شفيع عند طبعه السقيم ، لأنه أضاع الملك والتاج بظهور الإسلام قال أسيد بن حضير زعيم الأوس يسأل النبي عليه السلام الأ يدع المدينة لعبد الله بن سلول : « يا رسول الله أرفق . فو الله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه . فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا » فلا جرم يكون له غرض أى غرض في ترويج حديث الإفك واتخاذه مطعناً فى الإسلام من وراء الطعن في كرامة نبي الإسلام . ولهذا لم يلبث أن أفلتت منه نيته فظهرت من بوادر لسانه في الكلمة التي قالها حين مرت به السيدة عائشة على جمل يقوده صفوان بن المعطل ، فقد حكى عنه أنه سأل : من هذه ؟ فقيل : عائشة . قال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها و إن غرض ابن سلول هذا لهو بعينه غرض كل متشبث بحديث الإفك إلى يومنا هذا ، ليتخذ منه سبيلا إلى الطعن في الإسلام ونبي الإسلام ، وبخاصة بين المبشرين من المستشرقين فمن هؤلاء من غلب عليه أدب التربية فاستبعد حديث الإفك كما فعل موير Mir حيث قال بعد الإشارة إليه : « إن سيرة عائشة قبل الحادث و بعده لتوجب علينا أن نعتقد براءتها من التهمة )

ومنهم من نقل الحكاية وخلطها بالمعجزات التي لا يصدقها غير المسلم ، كما فعل واشنطون ارفنج في سيرة النبي عليه السلام ، فلم يقطع بنفى صريح وترك الباب مفتوحاً للأقاويل

ومنهم من جاوز الحقيقة في وصف ما جاءت به الروايات ، فزعم أن السيدة عائشة ابتعدت عن النبي يوما كاملا قضته في صحبة صفوان ، خلافا لما جاء فى كل قصة نقلت إلينا عن حديث الإفك ، ونعني به ردويل Rodwell صاحب ترجمة القرآن حيث عرض لهذا الحديث في حاشية من حواشيه على سورة النور وهؤلاء مع هذا هم أشد المستشرقين تقية وحذراً في تعرضهم لهذا الحديث . لكن المبشرين المحترفين لم يتقوا هذه التقية ولم يحذروا هذا الحذر ، بل جزموا بصحة الحديث وقال بعضهم إن محمداً استنزل الآيات في سورة النور ليحمي سمعة زوجته ويدين الوشاة بالعقاب الذي ورد في تلك السورة . وجهلهم بالقرآن هو الذي أوقعهم في تلك الفرية الوضيعة التي يخبطون فيها على غير علم بمصادرها ومواردها ، فإن سورة النساء وهي سابقة لسورة النور قد نصت على الأربعة الشهود في إثبات الزنا : واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) و آخرون من أولئك المبشرين المحترفين رجعوا إلى تاريخ الغزوة التي جرى بعدها حديث افلاك ليقولوا إن الليلة كانت غير قمراء ، وإن البحث عن العقد الضائع فيها عسير . مع أن الاختلاف على سنة الغزوة - فضلا عن شهرها وليلتها - كثير يتراوح بين السنة الرابعة والسنة السادسة وما بعدها ، فجاءوا هم وأخذوا بالقول الذي يعجبهم ويعينهم على فريتهم . وهم حتى فى هذا مغرضون متعسفون ، لأن ابتداء المسير إلى الغزوة فى الثانى من شعبان لا يمنع أن الجيش قضى أياماً في ذهابه و إيابه ، وعاد والليلة قمراء في البلاد العربية . ولو كان فى الأمر محل اعتراض من هذه الناحية لما فات الذين حضروا الغزوة وشهدوا النور والظلام فى تلك الليلة ، وهم قصاص الأثر وأصحاب القمر في الحل والسفر ، وفيهم من يحرص على التشهير كحرص هؤلاء المبشرين .. ومن الإسفاف أن تتتبع هؤلاء الوشاة في كل ما خبطوا فيه من إثم وكل ما رجموا به من ظن . كأن أخلاق الناس وحقائق التاريخ رهن بما يتمحلونه ووقف على ما يختلقونه. وما كانت وشاياتهم تلك بحثاً يستند إلى رأى أو ظناً يعتمد على قرينة ، ولكنها كانت كذباً يليق بالمؤرخ وسوء نية لا يليق بالإنسان ، وخسة في حق امرأة شريفة لا تليق بالرجل الكريم

وإنما أومأنا إلى ضروب من تلك الوشايات لنعلم أن الحذر واجب هنا على قدر ضخامة الأغراض التى تخلق الوشاية وتنطلق في ترويجها إلى أيامنا هذه ، و إلى ما بعد هذه الأيام، مادام في الدنيا أناس يستبيحون أن يجترثوا بالشبهات على امرأة لا ذنب لها إلا أنها زوج نبي يريدون التشكيك فيه على أننا من الجهة الأخرى نبرى السيدة عائشة من هذه المظنة ولا نعتمد فى التبرئة إلا على الفهم الذى يفهمه المسلم ومن لا يدين بالإسلام، و يقبله صاحب الدين ومن لا يأخذ بدين من الأديان ، لأن براءتها ليست من الخفاء بحيث لا يقام عليها الدليل إلا من وحى السماء . وكفى دليلا هنا أن ليس على الظنة بها أقل دليل

نشأ حديث الافك بعد عودة النبي من غزوة بني المصطلق ، وقد كان مسير الجيش فى عودته من هذه الغزوة مضطرباً أشد اضطراب ، الشيوع الفتنة بين المسلمين وأتباع عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وزعيم الخزرج أقوى قبائل المدينة ، والرجل الذي جامله النبي عليه السلام كل مجاملة كريمة فلم يقلع عن نفاقه ولم يدع قط فرصة من فرص الكيد والسعاية ففي طريق العودة من غزوة بني المصطلق نجم ذلك الخلاف الذي أشرنا إليه على السقاية من بعض الآبار . فصاح صائح : يا للخزرج ! وصاح الآخر : يا لكنانة . يا لقريش ! وشهر الفريقان السلاح لخرج النبي غاضباً لهذه العصبية التى كره أن يحييها الخلاف في جيشه وسأل : ما بال دعوى الجاهلية ؟ ثم قال : دعوها فإنها منتنة واغتنم عبد الله بن أبى الفرصة فطفق يحضأ في النار و يصيح في كل من لقيه : « ما رأيت كاليوم مذلة . والله إلى لقد ظنت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفاً يهتف بما سمعت . أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . حتى قال لأتباعه : لم ترضوا بما فعلتم - حتی فقتلتم دونه – يعنى النبي – فأيتمتم جعلتم أنفسكم أغراضاً للمنايا فقتلتم دونه. - أولادكم وقلتم وكثروا فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عند محمد » إلى آخر ما قال وبلغ النبي عليه السلام وشاع الخبر فأذن النبي عليه السلام بالرحيل في ساعة لم يكن يرحل فيها لشدة الحر ، وسأله أسيد بن حضير : يا نبي الله ! لقد رحلت في ساعة منكرة ما كنت تروح فى مثلها ؟ فقال : أما بلغك ما قال صاحبكم ! يشير إلى كلام ابن سلول ثم سار الجيش سيراً حثيثاً وجعل النبي عليه السلام يضرب راحلته بالسوط في مراقها ليستعجلها ، وانقضى اليوم وليلته وصدر من اليوم

التالى حتى آذنتهم الشمس ، ثم نزل الناس فلم يلبثوا أن وجدوا الأرض حتى وقعوا نياما مس ولما أخذوا في المسير هاجت ريح شديدة كادت تدفن الركب وخطر لبعض الجند أن عيينة بن حصن ربما أغار على المدينة في هذه الغاشية لانقضاء مدة الموادعة بينه و بين المسلمين . فكان هذا من دواعي العجلة واضطراب مواعيد الرحيل ثم دنا الليل وهم على مقربة من المدينة فأناخ الركب للراحة وذهبت السيدة عائشة لبعض شأنها ثم تفقدت عقدها وهى راجعة فإذا به قد انسل منها فحبسها التماسه هنيهة ، ثم عادت إلى مكان هودجها فإذا . قد احتملوه وهم يحسبونها فيه ، لخفتها . وتهيب الجند الذين يرحلون لها أن ينادوها أو يستوثقوا من وجودها فأقامت حيث هي وظنت أنهم سيرجعون إليها لا محالة إذا أحسوا فينها وكان صفوان بن المعطل على ساقة الجيش يتخلف عنه ليلتقط ما يسقط من المتاع . وربما كان النبي عليه السلام يعهد إليه فى ذلك لأنه كان ثقيل النوم فلا يستيقظ حتى يأخذ الجيش في المسير ، وقد شكته امرأته إلى النبى لأنه ينام ولا يصلى الصبح قبل طلوع الشمس . فكان عليه السلام يعلم ذلك منه و يقول له : إذا استيقظت فصل ! وقد يحسن هنا أن نوجه شكوى امرأته إلى بعض معانيها . كأنها أرادت بثقل النوم كناية عن أمر آخر لا تفصح عنه . إذ قيل عن صفوان هذا إنه كان ( حصوراً ، لا يأتى النساء ، وسمع وهو يقسم بعد حديث الإفك أنه ما كشف عن كتف امرأة قط

فلما نهض صفوان ليتبع الجيش في ساقته رأى سواداً على البعد ثم عرف السيدة عائشة فجعل يسترجع ويعيد استرجاعه : إنا لله وإنا إليه راجعون : إنا لله وإنا إليه راجعون ... كأنه ينبهها بالاسترجاع لأنه يتهيب التحدث إليها . ثم قرب البعير وقال :

أمه . قومى فاركبي ،

وأخذ بزمام البعير يقوده حتى أدرك الجيش في نحر الظهيرة حدث هذا وابن سلول لم يفرغ من دسيسته الأولى التي أزعجت الجيش وأوقعت الاضطراب فى حركاته ومواعيد رحيله ومبيته ، فسنحت له فرصة للقيل والقال لا يضيعها الرجل الذي عز عليه أن تنقضى مشاجرة بين أجيرين على الماء دون أن يثير فيها تلك الثائرة الهوجاء ، وراح يقول : والله ما نجت منه ولا نجا منها ، وأطلق لسانه في حديث الأفك على الطريق وبعد العودة إلى المدينة ، عسى أن يوقع بين النبي وأقرب الأصدقاء إليه أبى بكر الصديق ، أو يفلح في تشكيك المسلمين في كرامة نبيهم ، أو يقيم بين قومه الخرزج وسائر المسلمين شغباً يقعون فيه عصبية له وأنفة من هوانه ، فينتقض أمر الإسلام من أوس وخزرج وأنصار ومهاجرين . قالت السيدة عائشة فى بعض ما روى عنها : « وقدمنا المدينة فاشتكيت شهراً والناس يفيضون فى قول أصحاب الافك ، ووصل الخبر إلى النبي وإلى أبوى ولا أشعر بشيء من ذلك ، وكان يريبني أنى لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكى . إنما يدخل على فيسلم وعندى أمي تمرضى . ثم يقول : كيف تيكم ؟ ثم ينصرف . فذاك الذي يريبني . حتى خرجت بعد ما نفهت خرجت معى أم مسطح وهى بنت خالة أبي بكر ... وعثرت أم مسطح فى مرطها فقالت : نعس مسطح ... قلت لها : بئس ما قلت : أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت : يا هنتاه ! أو لم تسمعى ما قال ؟ قلت : وما قال ؟ فأخبرتني بحديث أهل الافك . فازددت مرضاً على مرضى ، ورجعت إلى بيتى فمسكتت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم . ثم دخل رسول الله وقال بعد أن سلم : كيف تيكم ، فاستأذنته أن آتي بيت أبوى وأنا أريد أن أتثبت الخبر من قبلهما . فأذن لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوى ودخلت الدار فوجدت أم رومان فى السفل وأبا بكر فوق يقرأ . فقالت أمي : ما جاء بك ؟ قلت لأمى : يغفر الله لك . تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لى من ذلك شيئاً ؟ قالت : يا بنية ! هونى عليك . فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ..... فاستعبرت وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتى فنزل فقال لأمى : ما شأنها ؟ فقالت : بلغها الذى ذكر من شأنها ففاضت عيناه . وبكيت تلك الليلة والليلة التى بعدها وأبواى عندى يظنان أن البكاء فالق كبدى ... فبدنا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله فسلم ثم جلس وتشهد وقال : بعد يا عائشة فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا . فإن كنت بريئة أما فسيبرئك الله ، وإن كنت ألمت بذنب فاستغفرى الله وتوبى فإن منه فلما العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تعالى تاب الله عليه قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعى حتى ما أحس بقطرة ، وقلت لأبى : أجب رسول الله ! قال : والله لا أدرى ما أقول . فقلت لأمى : أجيبى . فقالت كذلك والله ما أدرى ... ثم قلت : لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم ، فلئن قلت لكم إلى بريئة والله يعلم أنى بريئة لا تصدقونى . ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى منه بريئة لتصدقنى . فوالله لا أجد لى ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف عليه السلام : فصبر جميل والله المستعان . ثم تحولت فاضطجعت على فراشى وما كنت أظن أن الله ينزل فى شأنى وحياً يتلى ... وكنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فى النوم يبرثنى الله بها . وعند ذلك قال أبو بكر رضى الله عنه : .

ما أعلم

أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على . والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا يعبد الله فيقال لنا في الإسلام ... فأخذ رسول الله ما كان يأخذه عند نزول الوحى ، فسجي ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه ، فلما سرى عنه إذا هو يضحك وإنه لينحدر منه مثل الجمان ، فجعل يمسح العرق عن وجهه الكريم وكان أول كلمة تكلم بها : يا عائشة ! أما إن الله قد برأك . فقالت أمي : قومى إليه . قلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله . وتناول رسول الله در عی فدفعت يده العرق فأخذ أبو بكر النعل ليعلونى بها . فمنعه رسول الله وهو يضحك ويقسم عليه ألا يفعل ... إلا أن النبي عليه السلام قضى فترة من الوقت قبل ذلك وهو في قلق شديد لا يدرى ماذا يفعل . واستشار الصحابة فقال له عمر بأسلو به

من زوجها لك يا رسول الله ؟ قال : الله تعالى ! قال : أفتظن

الحاسم: أن الله دلّس عليك فيها ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . ودعا عليا وأسامة بن زيد ليستأمرهما فى فراق أهله . فقال أسامة بن زيد : أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيراً ، وقال على : يا رسول الله لم يُضيق الله عليك والنساء سواها كثير . وإن تسأل الجارية - يعنى بريرة - تصدقك . فدعا بها وسألها : أى بريرة ! هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً أخمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجينها فتأتى الداجن فتأكله . وسأل زينب شمعی بنت جحش وهي أحب نسائه إليه بعد عائشة فقالت : أحمى و بصرى . ما علمت إلا خيراً . والله ما أكلمها و إلى لمهاجرتها، وما كنت أقول إلا الحق . وفى خلال ذلك كان عليه السلام يتأذى بحديث الإفك فخطب المسلمين قائلا : أيها الناس ! ما بال رجال يؤذونى فى أهلى ويقولون عليهم غير الحق ؟ .. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيراً ولا يدخل بيتا من بيوتى إلا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلا غاب معى يقولون عليه غير الحق .. فقال أسيد بن حضير : يا رسول الله . إن يكونوا من الأوس نكفيكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك . فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم ، فوثب سعد بن عبادة وصاح به كذبت لعمر الله ما تضرب أعناقهم . أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا . وهم به أسيد بن حضير وتساور الناس حتى كادت تكون فتنة ، لولا أن أدركهم الذي بحسن توفيقه .

هذه خلاصة حديث الإفك بحذافيره كما بقى لنا في مصادره التي يعتمد عليها اليوم كل باحث فى موضوع هذا الحديث ، ، كائناً ما كان ظنه بالاسلام أو بالنبي وأهله . وفى وسع القارىء أن يعرف قيمة هذه الوشاية من نظرة واحدة ، فهى على التحقيق وشاية لا قيمة لها عند منصف يلمس من ورائها تربة الكيد والوقيعة التي نبتت فيها ، إذ هى تربة وبيئة تفضح بسخانم الخصومة الدينية والسياسية ومساوى الخبث والكذب والنفاق. وخليق بها أن تبعث الشك فى كل حديث ينبت بين طياتها ولو زعموا له من الأسانيد والشبهات أضعاف ما زعموا لهذه الوشاية الواهية . وليس لها من سند ولا شبهة إلا أن السيدة عائشة تأخرت في الطريق هنيهة حين تحرك العسكر على حين فجأة ، وقد كانت الرحلة كلها كثيرة المفاجآت في مواعيد النزول والرحيل تلك شبهة لا تكفى للشك في امرأة من عامة المسلمين الخارجين للجهاد في حضرة نبي الإسلام. إذ لو كانت كل امرأة تتأخر فى الطريق تؤخذ بالتهمة في دينها وعرضها لكانت التهم في الأعراض أهون شيء يخطر على بال بل لو تأخرت كل امرأة فى الركب غير السيدة عائشة الجاز أن تلحق بها شبهة من هذا التأخير . لأن الركب لم تكن فيه امرأة غيرها يهابها الموكلون بهودجها أن ينادوها ليتأكدوا من وجودها ، ولم تكن فيه امرأة أخرى تهاب الرقبة من جيش المسلمين كما تهابها وهى زوج النبي و بنت الصديق ، وقد كان أبوها يحمل راية المهاجرين في تلك الغزوة بعينها . وعلى الذي يقبل وشاية كتلك الوشاية الواهية أن يروض عقله على تصديق أمور كثيرة لا موجب لتصديقها ، لأنها تفتقر إلى كل دليل والأدلة على ما يناقضها كثير عليه أن يصدق أن صفوان بن المعطل كان رجلا لا يؤمن بالنبي ولا بأحكام الإسلام وأن يصدق أن السيدة عائشة كانت – وهي زوج النبي - لا تؤمن به ولا تعمل بدينه

ولا دليل على هذا ولا ذاك بل الأدلة على إيمان صفوان وإيمان عائشة تجرى في كل سياق وردت لهما سيرة فيه فصفوان كان مسلما غيورا وكانت غيرته في حادثة الماء التي تصاول فيها المهاجرون وأتباع ابن سلول هى التي عرضته لهجاء حسان بن ثابت، ولعلها هي التي بغضته إلى ابن سلول فتمادى من أجل ذلك في اتهامه ، وقد حضر الغزوات ومات شهيداً ولم يذكر قط بسوء والسيدة عائشة آمنت بكل كلمة قالها النبي وحفظتها حفظ من يتبرك بها ولا يغفل عنها . ومن إيمانها بصدق هذه الكلمات أنها اشتبكت في خصومات دامية تثير الحفائظ وتهون عليها أن تحارب خصومها باختلاق الأحاديث التي تزرى بهم وتبطل دعواهم لو كانت ترتاب في صدق الأحاديث كلها . ولكنها لم تبح لنفسها قط شيئا من ذلك ولم تذكر حديثا قط على غير وجهه الذى تؤيده الروايات الأخرى . وقد كانت في طريقها إلى وقعة الجمل بعد وفاة النبي بزهاء ثلاثين سنة ، فنبحتها كلاب على مقربة من ماء فى بعض الطريق ، فسألت : أى ماء هذا؟ قال الدليل : هو ماء الحوأب . فأجفلت إجفالة مروعة وصاحت بحيث يسمعها أدلاؤها : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وضربت عضد بعيرها فأناخت وأبت أن تتحول عن مكانها . فلما سئلت في ذلك قالت : إلى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه : ليت شعرى أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ؟ ردوني . ردونى . والله أنا صاحبة ماء الحوأب . وما زال الركب مقيما في ذلك المكان يوما وليلة وهى مصرة على الرجعة وهم يزعمون لها أن الدليل قد أخطأ وأن المكان غير المكان الذى تخشاه ، ولم يزل عبد الله بن الزبير يقنعها و يهدئ من روعها وهو ابن اختها وأحب الناس إليها و به تكنى في أشهر الروايات ، وهى تأبى المسير إلا أن تعود إلى مكة . حتى أرسلوا إليها من يصيح في الركب : النجاء . النجاء . قد أدرككم على بن أبي طالب . فأذنت لهم في المسير بها وقد أخافتها الصيحة وخامرها الشك في كلام الدليل . هذا وليس معها فى الركب من سامعى ذلك الحديث غيرها ، فكيف تغدر بالنبي زوجة تصدقه هذا التصديق ولا تأمن أن ينكشف سرها بوحى من الله ؟ ومن هي تلك الزوجة بعد هذا ؟ هي بنت الصديق الذى لم يوصم بيته بوصمة في الجاهلية كما قال حتى يوصم بهذه الوصمة الكبرى في الإسلام ومع نبي الإسلام . عن إن أقوى الأدلة لا يحسم الشك هنا فضلا . تلك الوشاية الواهية ويبقى على من يقبلها أن يسأل نفسه بعد هذا : كيف نشأت علاقة صفوان المزعومة ؟ أفى تلك الليلة بعينها ؟ فكيف اجترأ الرجل على مفاتحة أم المؤمنين وهم يتهيبون المناداة عليها في هودجها ؟ بل كيف تخطر له هذه المفاتحة وهو لا يشك فى إيمانها بزوجها وليس له علم قبل ذلك بخبيئة صدرها ؟ وإذا اجترأ هذا الاجتراء هوساً منه فكيف يصدق العقل أن امرأة النبي و بنت الصديق تكون هكذا لقطة لأول لاقط يصادفها ؟ إن التى تكون كذلك لا يخفى سرها حتى يكشفه حديث الإفك ويقتصر الحديث فيه على صفوان أما إن كانت العلاقة المزعومة قبل ذلك فكيف خفيت بين الضرائر عن المجازفة في والحساد وقالة السوء من المنافقين ؟ وما أغناها إذ ا إذن الطريق وعن الكارثة التى تنكشف للجيش كله في نحر الظهيرة ؟ كل أولئك سخف لا يقبله إلا من يفترى بوشاية أو بغير وشاية وسواء فيه منافقو المدينة ومن يصنع صنيعهم من المؤرخين في العصر الحاضر لأنهم لا يؤمنون بنبي الإسلام ، بل هؤلاء أنذل وأغفل . لأنهم يؤمنون بمريم والمسيح وكان عليهم أن يعصمهم عاصم من هذا الإيمان

إن تفنيد حديث الإفك له موضع من كتابنا هذا لأنه حادث في تاريخ السيدة عائشة له أثر فى الإسلام والشريعة الإسلامية ، وله أثر فى ضميرها لم يفارقها طوال حياتها ، وربما كان له أثر فى موقفها من تاريخ الإسلام ترتبط به ذيوله على نحو من الأنحاء ، ولولا ذلك كله لما استحق من المؤرخ كبير التفات . (1)