الصديقة بنت الصديق (مطبعة المعارف، 1943)/بعد النبي
بعد النبي
عاشت السيدة عائشة بعد النبى ستاً وأربعين سنة ، وتوفيت وهى في نحو السبعين من عمرها ، سنة ثمان وخمسين للهجرة وقد توفى النبي عليه السلام فى بيتها وفى يوم زيارتها ، ودفن بالمكان الذي كان ينام فيه وقد علم كثير من الناس عند اشتداد المرض به أنه مرض الوفاة ، ولكنه كان قد صحا بعض الصحو قبيل يوم وفاته حتى استأذنه أبو بكر في الخروج إلى بيته بالسنح ، وتفرق المسلمون متفائلين وهم يرجون الخير ويبعدون عن خواطر هم نذير الخوف . فلما قبض عليه السلام بعد ذلك روعت عائشة أيما روع وتعاظمها الخطب أن تملك صبرها وهو يموت بين سحرها ونحرها ، فنسيت لهول الساعة ما ينبغي لها أن تستقبل به هذا الوداع الذى لا يتكرر ولا تهونه سابقة وداع مثله : إنها أم المؤمنين التي لبثت السنين بعد السنين تلقنهم ما لقنها النبي من سداد التجمل ووقار الحزن في الملمات ... إذا هي تنسى كل ذلك ساعة فقده و إذا هي امرأة والهة بين النساء تلتدم وتضرب وجهها : قالت : « . . . وجدت رسول او ل الله صلى الله عليه وسلم يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول : « بل الرفيق الأعلى من الجنة » قلت : خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق . وقبض بين سحرى ونحرى ودولتي ولم أظلم أحداً . فمن سفهى وحداثة سنى أنه صلى الله عليه وسلم قبض وهو فى حجرى، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع وأضرب وجهى ) النساء أحدهما ولم تشهد دفنه عليه السلام بعد وفاته بيومين ، لأن المسلمين كان قد بلغ من تنافسهم في حبه أن يتولى كل فريق منهم مراسم دفنه على ما تعود فى بلده و بين أهله. وكان أهل مكة يسوون قاع القبر وأهل المدينة يقوسونه . فبعث العباس بن عبد المطلب رجلين يدعو أبا عبيدة بن الجراح ويدعو الآخر أبا طلحة ، وأولهما يضرح كأهل مكة والآخر يضرح كأهل المدينة. فعاد صاحب أبي طلحة به ولم يعد صاحب أبي عبيدة . فخفر اللحد على طريقة أهل المدينة وتولى القائمون على الجثمان الكريم دفنه بعد انقطاع المودعين عند هزيع من الليل . قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما : « ما علمنا بدفنه صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحى من جوف الليل ) وما برحت منذ تلك اللحظة تلازم تلك البقعة الخالدة ولا تفارقها إلا للعمرة أو الحج أو لزيارة قريبة ، وقلما كانت تزور واتخذت سكنها فى الحجرة المجاورة لقبره وهى لا تحسب أنها قد فارقت منه غير مشهد جثمانه . فقد كانت تزوره زيارة الأحياء . ودفن أبوها إلى جواره بعد سنوات فكانت تزورها كذلك زيارة الأحياء . فلما دفن معهما عمر جعلت بعدها تنتقب وتلبس ملابس الحجاب وهى تزور أولئك الأصدقاء المتجاورين ، كأنهم بقيد الحياة وكانت في أوائل العقد الثالث على أكبر تقدير عند وفاته عليه السلام فعاشت في صحبته زهاء عشر سنين وعاشت في ذكراه زهاء خمسين سنة . وحسبنا من شعور الناس بجلال تلك الذكرى في نفسها ، أن أحداً لم يخطر له خاطرة عن السيدة عائشة تجيز التفكير في حياة زوجية أخرى . كأنه خاطر حرمته قداسة تلك الذكرى وهيبة ذلك الوفاء ، فضلاً عن الحكم بتحريمه في سورة الأحزاب على سبيل التشريع ولم تكن حياة السيدة عائشة فارغة في خلال تلك السنين الطوال من لدن فارقها زوجها العظيم وهى تجاوز العشرين إلى أن فارقت الدنيا وهى تقارب السبعين . لأنها في حدة نفسها ورفعة مكانها لا تقبل الفراغ . فما هو إلا أن هدأت ثائرة الفتنة بعد وفاة النبي عليه السلام وتوفر المسلمون على تحصيل مراجع الدين حتى كانت هي المرجع الأول حفظ عندها من أى القرآن وما حفظته من السنن والأحاديث ، فى كان بيتها مثابة الزوار من أبنائها وبناتها ، يدعونها يا أمه ! فيما. وحتى ومنهم من هي فى سن بناته الصغريات ، ويا له من دعاء محبب إلى الأسماع
وكانت إذا فرغت من تلقين الأحاديث وجواب السائلين تأوى إلى الصلاة والتسبيح في جوار الضريح أو تعمل في مهنة البيت ذلك العمل الذي كان النبي عليه السلام يسرها بمساعدتها فيه ومن أهم الأشياء التي ينبغي أن تلاحظ في حياة السيدة عائشة بعد من النبي عليه السلام أنها قضت خلافة أبي بكر وعمر وهى لا تشعر بأن مكانها في عهد النبي قد تغير أو بأن أمراً أمور السياسة العامة يدعوها إلى التعرض له راضية أو ساخطة . حتى كانت خلافة عثمان فتغيرت هذه الحال ، وكان لتغييرها دلالة كبيرة وأثر كبير ففي عهد أبي بكر كانت أمور السياسة العامة تجرى على أحكام الدين وتركن منه ومن أصحابه إلى سند ركين ، وكان الخليفة أباها وهو أول من يدعوها بأم المؤمنين وفى عهد عمر كانت أمور السياسة العامة تضطرب أو تسكن ولكنها في كلتا الحالتين لا تتشعب ولا تؤذن بالصداع ، وكان عمر أهيب خليفة عرفه الإسلام وأحب خليفة إلى عائشة رضى الله عنها . سرت صداقة الأبوين أبي بكر وعمر إلى بنيهما فكانت عائشة وحفصة أصدق صديقتين تتفقان وتشكاشفان كلما وقع الخصام في بيت النبي عليه السلام. وحفظت له أجمل الشكر لموقفه من حديث الإفك حين شاوره النبي فقال له : إن الله هو الذى زوجكها وإنه سبحانه وتعالى لم يدلس بها عليك . وتم هذا الشكر حين ولى الخلافة فرعى لها المكانة الأولى بين المسلمين ، وخص بيت النبى بالحصة العليا من الحفاوة والعطاء فمضى العهدان - عهد أبي بكر وعمر - وليس فى الحياة الخاصة ولا فى الحياة العامة ما يشعرها بتغيير أو ينزع بها إلى نوازع السياسة ، وما تعارض منها أو جنح إلى التخريب والتأليب ثم تغيرت الأمور فى عهد عثمان ولولا هذا التغير لما عرف للسيدة عائشة نصيبُُ من السياسة العامة بعد موت النبى ، وهو الموقف الذى تحولت بها الأحوال إليه بعد اجتناب السياسة العامة قرابة عشرين سنة ، على غير سابقة له فى سيرتها الأولى