الصديقة بنت الصديق (مطبعة المعارف، 1943)/المرأة العربية
المرأة العربية
كانت نظرة العرب إلى المرأة نظرة طبيعية مرتجلة
وتعنى بالنظرة الطبيعية المرتجلة أنها النظرة التى لا يشوبها إحساس دخيل من وهم العقائد أو حكم التشريع ، ولكنها تمضى على الفطرة التى توحيها ضرورة الساعة أو ضرورة البيئة ، وتختلف على حسب اختلاف هذه الضرورات
فالعرب لم يضربوا اللعنة قط على المرأة فى جاهليتهم الأولى ، لأن اللعنة التي ضربت على المرأة فى القرون الأولى وامتدت إلى القرون الوسطي إنما جاءت من الإيمان بالخطيئة التى انحدرت بآدم وحواء من نعيم الفردوس ، وأصبحت المرأة ملعونة موصومة بالنجاسة والشر عند بعض الناس لأنهم ألقوا عليها تبعة الشهوات التى تثيرها فيهم وجعلوها حبالة للشيطان مذ كانوا يحسون بغوايته الخفية كلما أحسوا بغواية الشهوة الحيوانية ، ومناطها المرأة قبل غيرها من هذه الأحياء
فالعرب لم ينظروا قط إلى المرأة هذه النظرة ، ولم يحكموا عليها قط بالنجاسة والأصالة فى الشر والخباثة ، لأنهم لم يعرفوا الخطيئة بهذا المعنى في عهد الجاهلية
كذلك لم يعرفوا التشريع الموضوع الذى يحكم عليها بالاستعباد والحطة المتفق عليها فى المنزلة الاجتماعية ، وإنما عُرف هذا وأشباهه عند الرومان قبل الإيمان بالخطيئة وقبل الإيمان بالدين ، لأنهم كانوا أصحاب ملك عريض لاغنى لهم فيه عن ترتيب الحقوق والمعاملات بين أبناء المجتمع وبناته كافة ، فلما رتبوا هذه الحقوق نظروا إلى المرأة فى زمانهم نظرتهم إلى كل ضعيف تابع لغيره . ولم يلاحظوا فى ذلك عنتاً خاصاً بها ولا ضغينة «جنسية» موجهة إليها دون غيرها . لأنهم نظروا هذه النظرة بعينها إلى أبنائهم الصغار وإلى القاصرين منهم على الإجمال فعاملوهم معاملة الضعفاء وأعطوهم من الحقوق ما يعطاه الضعفاء ، وهم مع ذلك فى عزة الأقارب والأبناء
هذه النظرة أيضاً لم يعرفها العرب فى جاهليتهم الأولى ، لأنهم لم يضطروا إلى وضع تشريع كامل لدولة كاملة. ولكنهم تركوا أنفسهم على سجيتها كما تختلف بها عاداتها ومأثوراتها. وارتجلوا معاملة المرأة ارتجالا كما تدعوهم إلى ذلك ضرورة البيئة أو ضرورة اللمحة الحاضرة . فربما عاملوها معاملة الرقيق المستضعف فى بعض الأحيان ، وربما نسبوا إليها الأبناء دون الآباء من الرجال في أحيان أخرى
والمرجع في كل أولئك إلى أحوال المعيشة العامة في الجزيرة العربية
وخلاصتها السريعة أنها أحوال نزاع شديد على المرعى وموارد الماء ، لقلة المرعى والماء وكثرة طلاب هذا وذاك
وهذا النزاع الشديد يجعل القدرة على « حماية الذمار » مقدمة على كل قدرة ، لأنها مسألة تتعلق بها الحياة والفناء
وهو كذلك خليق أن يجعل المرأة في بعض الأحوال كلاً ثقيلا على عواتق ذويها ، لأنها تستنفد القوت ولا تشترك في حمايته والذود عنه
وهذا الذى يفسر لنا كثيراً من النقائض العجيبة في الآداب العربية ، لأنها — عند الرجوع بها إلى أسبابها — لا تحسب من النقائض ولا تزال متشابهة متقاربة في الأصول
فمن ذلك مثلا أن الحرب نشبت بين بنى بكر وبنى تغلب أربعين
سنة لأن البسوس ابنة منقذ أضافت رجلا فضرب كليب ناقة ذلك
الرجل وهو في ضيافة البسوس ، فأقسم ابن أختها جساس لها « ليقتلن
غداً جمل هو أعظم عقراً من ناقة جارك » وقتل كليباً سيد بني تغلب
فى ثأر تلك الناقة ، أو من أجل كرامة امرأة فى ناقة جارها
وإلى جانب ذلك يعلم القارئ أن قبائل من العرب كانت تدفن بناتها فى طفولتها فراراً من عارها أو إشفاقاً من نفقتها
ويلوح أنهما نقيضان لا يلتقيان
والواقع أنهما غير نقيضين ، وأن البيئة التى تدعو إلى إحدى الخصلتين حقيقة أن تدعو إلى الأخرى
فإن آداب الحماية تجعل المرأة أحق شيء بأن يحمى وأن يغار عليه الحماة ، لأنها أمس بالرجل من أرض المرعى ومن ماء البئر ومن الجمل والناقة ، فمن فرط فيها فما هو بقادر على حماية شىء من هذه الأشياء ومن هنا فرط الغيرة على العرض وإيثار الموت للبنت على العار وإذا رجعنا إلى الأصل في «آداب الحماية » وهو النزاع الشديد الذي أوجبه شح الأرض بالرى والطعام ، فالحاجة إلى القوت خليقة أن تغرى بالقسوة المهينة وأن توسوس للمعوزين في سنوات الضيق بالتخلص ممن يستنفد القوت ولا يعين على تحصيله أو الذود عن موارده ، ونعنى بهن البنات الزائدات عن حاجة القبيلة في تلك السنوات وربما ظن بعضهم أن الوأد كله من مخافة العار كما قال البحترى وهو يعزى بني حميد ذلك العزاء العجيب عن فقد فتاة :
ويختم عزاءه بقوله :
فقد قال في تلك القصيدة :
يشير إلى قيس بن عاصم سيد بنى تميم الذي أقسم ليئدن كل بنت ولدت له لأن ابنته اختارت صاحبها الذى سباها على العودة إلى أهلها . فكلام البحترى إن صدق فإنما يصدق على قيس وأمثاله. ولكنه لا ينفى أن العرب وُجد فيهم من يئد البنات عَيلة - أى إشفاقا من النفقة كما وجد فيهم من يئد البنات أنفة من العار . وآية ذلك أن صعصعة ابن ناجية كان يشترى البنات من آبائهن ليستحييهن فيقبلون ذلك ويبيعونهن راضين عن بيعهن ، حتى قيل إنه افتدى ثمانين ومائتى وليدة بالشراء . ولو كان آباؤهن يئدونهن خشية العار وحده لما أغنى عنهم إقصاؤهن وهن فى قيد الحياة ، ولحق بهم في بيعهن عار لا يقبله من يأنف من العار والقرآن الكريم يقول : « ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق » ونخرج من هذا جميعه بأن هذه النقائض الظاهرة مصدرها واحد ، وهو النزاع على الرزق وما أوجبه من تقديس فضائل الحماية والدفاع عن الحرمات. فهذا المصدر يفسر لنا وأد البنات خشية الإملاق كما يفسر لنا وأدهن خشية العار، ويفسر لنا احتقار البكاء على المرأة كما يفسر لنا إعزاز جارها حتى لتنشب الحرب أربعين سنة غضباً من إصابة ناقة في جوار خالة رئيس ، ويرجع كله إلى نظرة طبيعية تجرى مع الحوادث فى مجراها ، فلا يشوبها وهم من عقيدة دينية ولا يخالطها قيد من أحكام التشريع
و من لوازم هذا النزاع الشديد فى مظهر آخر من مظاهر البادية العربية أنه جعل المرأة عاملة نافعة فى حياة الأسرة وحياة القبيلة ، لأن المعيشة الضنك التي كان يعيشها البدوى فى صحرائه المجدبة تأبى عليه الترف والبذخ ولا تتسع لإسراف المدنى الذى ينفق ما يتفق على المرأة ولا أرب له عندها غير المتعة والمسرة ولا عمل لها عنده غير الراحة والزينة . فكانت المرأة العربية - في البادية خاصة - تعمل كل ما تستطيع أن تعمله لخدمة أسرتها وقبيلتها ، وتعلم كل ما تستطيع أن تعلمه لإتقان عملها وتجديد خدمتها . فكانت ترعى الإبل والشاء وتمخض اللبن وتغزل الصوف وتصنع الخيام وتضمد الجراح وتطب لنفسها في شؤون الحمل والولادة وتحذق من هذه الشؤون ما تجهله المرأة الحضرية في كثير من أمم العصر الحديث ، وتعينها على ذلك حاجتها الى تطبيب نفسها وقيامها على رعى الأحياء التي تلازمها فى غدوها ورواحها وفى صحتها ومرضها وفى حملها وولادتها وفى اختيار الأصلح والأجدى لنسلها ونتاجها سئلت فاطمة بنت الخرشب : أى بنيك أفضل ؟ فقالت : « والله ما أدرى . إلى ما حملت واحداً منهم تُضّعا ولا ولدته يتْنا ولا أرْضعته غَيلا ولا منعته قيلا ولا أنمته تئدا ولا سقيته هدَبداََ ولا أطعمته قبل رئة كبدا ولا أبته على مأقة » ومعنى الحمل التضع ما كان قبيل الحيض ، والحمل الوضع ما كان على أثره ، وكلاهما مكروه عند العرب لاعتقادهم أنه يشوب النطفة بما يفسدها أو يضعفها فلا تسلم مع هذا الإفساد أو الضعف صحة الجنين ومعنى الولادة اليتن أن يولد الطفل منكساً ، فتعسر ولادته وقد تصاب عظامه
ومعنى الإرضاع غيلا أن ترضع المرأة طفلها وهى حامل فلا يخلص اللين للغذاء المفيد ومعنى الإرضاع قيلا أن ترضع المرأة طفلها عند اشتداد حر القيلولة فتنقع غلته ولا تعرضه لأذى الارواء بالماء ، وهو في البادية قليل الصفاء ومعنى النوم تئدا أن ينام الطفل فى موضع صعب أو وخم يؤرقه و يو بقه بوخامة هوائه و معنى الهديد اللبن المتكبد ، وإطعام الطفل الرئة أو الكبد يثقل على جوفه الصعوبة هضمها على معدته الصغيرة أما المبيت على مأقة فهو المبيت على غضب وكمد ، وهو ضار بكبار الرجال فضلا عن صغار الأطفال وقد رويت عن نساء العرب صفات أخرى للحمل والرضاعة تشبه هذه الصفة فى جملة معناها ، وهى صفات لا يشترط أن تطابق العلم الحديث فى جميع تحليلاته وتفصيلاته ، بل حسبها على سذاجتها أن تدل على طلب معروف فى علاج الحمل والولادة والرضاع ، وأن الأمر في هذه الشؤون لم يكن عند المرأة العربية هملا متروكا للمصادفات كما يشاهد ذلك في بيئة الكثير من الحضريات المعاصرات
إلا أن الشظف الذى كان يعم الجزيرة العربية ويذكى فيها ذلك النزاع الشديد على الرزق لم يكن خلواََ من الجوانب التي يرق فيها و يلطف وتسرى منها الرقة واللطفف إلى العلاقة بين الرجال والنساء فتنعم المرأة بالرفق الذى يرفع من مكانتها و يهذب من معاملتها في سائر البيئات الإنسانية لا في الجزيرة العربية وحدها وأهم هذه الجوانب جانب النشأة فى بيئة الحضارة ، وجانب النشأة فى بيئة السيادة فالحضارة تصقل الطباع وتهذب حواشى النفوس وتغنى القبائل عن القتال وعن ثورة الغضب للذمار المهدد بالليل والنهار ، وأول ما يظهر هذا الصقل والتهذيب فى العلاقة بين الرجل والمرأة لأنها العلاقة التى تمتحن بها الكياسة وآداب الخطاب والسيادة تعلم السادة أن يعنوا بمكان بناتهم من العزة والرخاء ، فلا يسلمونهن لمن ينزل بهن عن منزلة العقائل المبجلات اللواتى يغنين فى بيوتهن عن الخدمة المسفة والعيش الدليل ولهذا كان سادة العرب يختارون الأزواج لبناتهم ثم لا يكتفون باختيارهم حتى يشركوهن فى الرأى ويدخلوهن فى المشورة ، ومن أنباء ذلك التي استفاضت فى الأدب العربى أن الحارث بن عوف المرى قدم على أوس بن حارثة الطائى خاطباً فدخل أوس على زوجته ودعا ببنته الكبرى فقال لها : يا بنية ! هذا الحارث بن عوف سيد من سادت العرب قد جاءنى طالباً خاطباً وقد أردت أن أزوجك منه فما تقولين ! قالت : لا تفعل . قال : ولم ؟ قالت : لأنى امرأة فى وجهى ردة وفى خلقى بعض العهدة ، ولست بابنة عمه فيرعى رحمى ، وليس بجارك فى البلد فيستحى منك ، ولا آمن أن يرى منى ما يكره فيطلقنى فيكون علىّ وعليك من ذلك ما فيه فصرفها ودعا بابنته الوسطى وعرض عليها ما عرضه على الكبرى . فقالت : إنى خرقاء وليست بيدى صناعة ولا آمن أن يرى منى ما يكره فيطلقني ! فلما دعا بأختها الصغرى قالت : « .. ولكننى والله الجميلة وجهاََ الصناع يداََ الرفيعة خلفاََ الحسيبة أباََ ، فإن طلقنى فلا أخلف الله عليه بخير ! » وهذه الفتاة الصغرى - واسمها بُهيسة - هى التي تزوجها الحارث وزفت إليه ، فأنكرت منه أن يدخل عليها فى ثياب العرس والحرب قائمة بين عبس وذبيان فلا يشغله عن الطيب والزفاف أن يصلح بينهما .... فأكبر منها زوجها هذه الحكمة. وسعى فى الصلح بين الحيين حتى استجيب إليه . وممن جاءت الأنباء على اختلاف الروايات باستشارتهن فى الزواج هند بنت عقبة أم معاوية بن أبى سفيان . وقد خطبها سيدان من قومها فاستخبرت أباها عنهما فقال يصفهما : « أما أحدهما ففى ثروة وسعة من العيش ، إن تابعته تابعك ، و إن ملت عنه حط إليك ، تحكمين عليه فى أهله وماله . وأما الآخر فموسع عليه منظور إليه فى الحسب الحسيب والرأى الأريب ، مِدْره أرومته وعز عشيرته ، شديد الغيرة لا ينام على ضعة ولا يرفع عصاه عن أهله » فقالت : « يا أبت ! الأول سيد مضياع للحرة ، فما عست أن تلين بعد إبائها وتضيع تحت جناحه إذا تابعها بعلها فأشرت وخَافها أَهلها فأمنت ؟ ساء عند ذلك حالها وقبح عند ذلك دلالها . فإن جاءت بولد أحمقت، وإن أنجبت فمن خطأ ما أنجبت ، فاطو ذكر هذا عنى ولا تسمّه على بعد ! وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة الحرة العقيلة. و إنى لأخلاق مثل هذا الموافقة . فزوجنيه » . و يلوح من تكرار هذه الأنباء أن استشارة البنات في أمر زواجهن كان سنة من السنن المرعية بين سادات العرب لا يشذ عنها إلا القليل .
ومن البديه أن هذه العادات والآداب التي تنشأ من بيئة الوطن ومناخه تعم الأمة برمتها ولا يقع فيها التفاوت إلا ما لا بد منه بين فرد وفرد ، أو بين طبقة وطبقة ، على المثال الذي قدمناه . بيد أنك قد ترى فى الأمة طائفة من عليتها أو بيتاً من بيوتها يخيل إليك أنهم خصوا من دونها بصفوة هذه الآداب ونقاوة هذه العادات أو يخيل إليك أن آداب الأمةِ كلها إنما كانت تحضيراً مقصوداً لهذه الطائفة أو لهذا البيت ، يأخذون منه بالخلاصة المصفاة واللباب المختار . فإذا صح هذا الوصف فى قبيلة من قبائل العرب فهو أصح مايكون فى قبيلة بنى تيم ، ثم فى بيت أبى بكر الصديق الذي كان فى موضع الذؤابة من هذه القبيلة. فقد اجتمعت لبنى تيم خلاصة الآداب التي نجمت من فرائض الحماية والذود عن الذمار ، ثم تناولتها بالصقل والتهذيب بيئة السيادة وكان بيت الصديق على التخصيص مثلا فى هذه الآداب جميعها يحتذى به بين الحواضر العربية . لأن سيادة هذا البيت لم تكن سيادة طغيان وقتال ، ولكنها كانت سيادة شرف وأمانة ، وكانت حصته في الجاهلية من مقاوم الشرف حصة الوفاء بالمغارم وضمان الديون ، وعمله الأكبر فى الجاهلية يدور على التجارة ومعاملة الناس ولا يدور على البأس والإكراه . فنشأ البيت كله على الرفق والدماثة ورقة الحاشية ، واشتهر بتدليل نسائه و بناته حتى قيل - كما جاء فى الأغانى - إنهن كن أحظى خلق الله عند أزواجهن. وكانت عند الحسين بن على رضوان الله عليهما أم إسحاق بنت طلحة ، فكان يقول : ( والله لربما حملت ووضعت وهى مصارمة لى لا تكلمنى » .
وندر من أبناء الصديق رضى الله عنه من لم يكن له مع امرأته شأن يذكر في باب المحبة بين الأزواج : قعيد الله أكبر أولاده بنى بعاتكة بنت زيد العدوية فهام بها وشغل عن خاصة أمره وعامته حتى نصح له أبوه بطلاقها فطلقها وهو كاره . ثم أدركه الندم فنظم فيها القصائد ومنها .
وأخوه عبد الرحمن نقله عمر بن الخطاب ليلى ابنة الجودى من حسان غسان الموصوفات بالقسامة والجمال فلازمها ولم يفارقها فترة إلا نظم الشعر فى الحنين إليها. ومن قوله فيها :
وأفرط فى التعلق بها حتى لامته شقيقته السيدة عائشة رضى الله عنها وما زالت به حتی جفاها، فعادت تلومه فى جفائها وتقول له : «أفرطت فى الأمرين. فإما أن تنصفها ، و إما أن تجهزها إلى أهلها » . فجهزها إلى أهلها ومن ذرية الصديق « ابن أبى عتيق » صاحب عمر بن أبى ربيعة شاعر الغزل المشهور ، وكان يسمع بالجفاء بينه وبين الثريا فيركب من مدينة إلى مدينة ليصلح بينهما ، ولا يترجل عن مطيته حتى يتم الصلح على ما يرومه . وهو مع هذا كان يتحرج من نزوات عمر ويسأله : ألم تخبرنى أنك ما أتيت حراما قط ؟ فيقول : بلى | فيستخبره عن قوله :
ثم لا يتركه حتى يجيبه بما يدفع شكه ويرده إلى حسن ظنه .
فآداب الرجال والنساء فى بنى تَيم كانت مثالا للرعاية التى تظفر بها المرأة العربية فى بيئة السيادة وبيئة الحضارة . ولكنها لم تزل عربية فى قرارها ، ولم تنقطع عن آداب الأمة التى جعلت عرضها أحق شىء بالحماية ، وأقمن حصن أن تمنعه وتغار عليه . فكان أبو بكر نفسه مثلا من أمثلة الغيرة بين أهله وقومه ، وقد قال ابن سيرين : كان أغير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر . وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن نفرا من بنى هاشم دخلوا على زوجته أسماء بنت عميس فكره دخولهم عليها وشكاهم إلى النبى عليه السلام فقام على المنبر فقال : لايدخلن رجل بعد يومى هذا على مغيّبة إلا أن يكون معه رجل أو اثنان . ولما شبب عمر بن أبى ربيعة بعائشة بنت طلحة التَّيمِيَّة تجمع فتيان تَيْم فأنذروه لكن تعرض لها بعد ذلك ليقتلنه شر قتلة . فأقسم لاعاد. وعائشة هى التى كانت تعاتب في كشف وجهها فتقول : ( إن الله وسمنى بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم، فما كنت لأستره. ووالله ما فىّ وصمة يقدر أن يذكرنى بها أحد » . فهو دلال لا ينسى الصيانة ، ورفق لا ينسى الغيرة ، وآداب سيادة وحضارة لا تنسى الأصول المعروفة فى آداب البداوة . وفى هذه البيئة التى تحوطها الحمية والرعاية نشأت ربة هذه الدراسة وموضوع هذا الكتاب : عائشة بنت الصديق رضى الله عنها ولكنها تفردت برعاية لم تشركها فيها ولائد هذه البيئة . فقد تربت على النعمة والخير ، وتدربت على العزة والكرامة ، وتعلمت القراءة التى لم يكن يتعلمها من نجباء الأبناء فى بيوت السادة إلا القلة المعدودة . فصح أن يقال إن الرعاية التى ظفرت بهاربة هذه الدراسة كانت هى خلاصة الكرامة التى هيأتها لبناتها حمية البداوة ، وصقلتها مع الزمن شمائل الحضر ومآثر الشرف والسيادة .