الصديقة بنت الصديق (مطبعة المعارف، 1943)/المرأة الخالدة
المرأة الخالدة
إن المرأة التي اجتمعت لها خلاصة الرعاية في آداب أمة من الأمم لذات شأن في تاريخ قومها لا يسهو عنه باحث موكل بدراسة التاريخ أو دراسة الآداب وأعظم من ذلك شأن المرأة التي كُتِبت لها خلاصة الرعاية في دين من الأديان ، والتي اشتركت فى سيرة النبي المرسل بذلك الدين ، ونقلت أحاديثه في أحكام شريعته وخطرات ضميره ، ولقيت عنده الحظوة التي لم يلقها أحد من النساء والسيدة عائشة رضى الله عنها هي هذه ، وهى تلك هي المرأة لوحظت في آداب الأمة العربية كأنما استخلصت لها هذه الآداب لتظفر منها بالرعاية الأولى وهى المرأة التي قال عنها النبي عليه السلام إنها أحب الناس إليه ، وتلقَّى الأعقاب عنها مئات الأحاديث التي عرفوه بها في دينه ودنياه وكلاهما شأن عظيم يبوىء الإنسان بين قومه مكاناً ملحوظاً من جوانب التاريخ
ولكن السيدة عائشة مع هذا وذاك تهم الباحثين والمؤرخين لسبب آخر غير هذين السببين ، أو للسبب الآخر المتمم لهذين السببين ، لأنها المرأة في تكوينها الأصيل الذى خلقه الله منذ خلق حواء ، أو هى المرأة التى تتمثل فيها الأنثى الخالدة التى لا تحتويها أمة واحدة ولا يستأثر بها زمان واحد ، لأنها استمدت من طبائع الإنسانية كل ما قدر لها من دوام
وهذا هو جانب الاهتمام الصميم بكل عظيمة وكل عظيم فمهما يقل القائلون فى غرض المؤرخ من سير العظماء فالحقيقة التي لا ريب فيها عندنا هى أن الغرض الأول أو الغرض الذي تنتهي إليه جميع الأغراض هو توثيق الصلة بين الإنسانية وبين عظمائها وعظيماتها والنفاذ إلى الجانب الإنسانى من كل نفس تستحق التنويه والدراسة وما من علامة هى أصدق دلالة على السيرة الناجحة من هذه العلامة فنحن نعلم أننا سائرون على الجادة في التعريف بصاحب السيرة أو صاحبتها إذا نظرنا فرأينا أننا قد وصلنا من تلك السيرة إلى صميم الإنسان ونحن نعلم أننا تائهون في الطريق إذا نظرنا فلم نجد بين أيدينا إلا سرابيل العظمة وأقواس النصر ومواكب الرهبة والخشوع نحن إذا فهمنا النبي نبياً وكفى فإنما وصلنا بين ضميره وضمائرنا وبين محراب العبادة عنده ومحراب العبادة عندنا
ونحن إذا فهمنا البطل بطلا وكفى فإنما وصلنا بين قدرته وقدرتنا و بين ضخامته بالقياس إلينا وضآلتنا بالقياس إليه ونحن إذا فهمنا الرئيس رئيساً وكفى فإنما وصلنا بين مركزه فى الأمة . ومركزنا وبين الحقوق التى له والواجبات التى عليه ، والحقوق التى لنا والواجبات التى علينا ولكننا إذا فهمنا النبى إنساناً فقد فهمناه كله وفهمناه على حقيقته التى تعنينا وتعقد له أواصر القرابة فيما بينه وبيننا ، لأننا وصلنا بين الإنسان فيه والإنسان فينا وكذلك البطل ، وكذلك الرئيس ، وكذلك كل ذى شأن يستحق البحث فيه هم غرباء حتى يقال : هذا هو الإنسان ! فإذا هم الأقربون الذين ترضينا عظمتهم لأنهم منا ونحن منهم ، ولأنهم خالدون خلود الإنسان من وراء الأقوام والأزمان والسيدة عائشة رضى الله عنها مثل من أمثلة الأنوثة الخالدة فى جميع أقوامها وجميع عصورها فضلها فى الكتابة عنها أنها كتابة عن تلك الأنوثة التى نلمحها حولنا ونلمحها من قبلنا فى كل أنثى وأنها ترينا النبى في بيته فترينا الرجل الذى ارتفع بالنبوة إلى عليا مراتب الإنسانية ، ولكنه مع هذا هو الرجل فى بيته كما يكون الرجال بين النساء على سنة الفطرة المعهودة من آدم وحواء وفضلها على الجملة أنك تقرأ من أخبارها ما تقرأ فلا تزال تقول بعد كل خبر ترويه هى أو يرويه غيرها : أجل هذه هى الأنثى الخالدة فى كل سمة من سماتها هذه هى الأنثى الخالدة فى غيرتها ، وهذه هى الأنثى الخالدة فى دلالها ، وهذه هى الأنثى الخالدة فى كل ما عرفت به الأنثى من حب الزينة وحب التدليل والتصغير وحب التطلع وحب المكايدة والمناوشة ، ومكاتمة الشعور والتعريض بالقول وهي قادرة على التصريح وكل لون من ألوان الغيرة التى تتراءى في طبيعة المرأة فهو باد فى خبر من أخبار السيدة عائشة ، كأوضح ما يبدو وأصدق ما يكون فى طبائع النساء والغيرة فى طبائع النساء ألوان : تغار المرأة على قلب الرجل الذي تحبه ولو شغلته الذكرى ولم تشغله المودة الحاضرة ، لأنها تعلم من هذا أنها لم تشغل قلبه كله ، وهى تأسى على كل ما يفوتها من شواغل ذلك القلب ولو لم تكن ثمة . منافسة محذورة وتغار المرأة من المرأة الجميلة وإن لم تنافسها على رجل تحبه ، وتغار من شريكتها فى رجلها كائناً ما كان حظها من الجال ، وتغار من كل مزية غير الجمال ما كان فيها سبيل إلى الحظوة فى القلب الذي تريده لها ولا تطيق المزاحمة عليه و « الأنثى الغيرى ) فى جميع هذه الألوان من الغيرة النسائية مائلة هنالك فى سيرة عائشة كما روتها هى وكما رواها غيرها ، ما من فارق بينها و بين سائر النساء إلا الأدب الذى ينبغي لها والحق النبوى الذى هى جاهدة جهدها أن توقره وترعاه كانت السيدة خديجة متوفاة منذ سنوات يوم بنى النبى بالسيدة عائشة ولكن السيدة عائشة كانت تغار منها غيرة لم تنطو على مثلها لشريكاتها اللواتى يعشن معها ، لأنها شغلت قلب النبى بعد وفاتها فلم يزل يذكرها و يحب لحبها من كان يزورها أو يراها وكان عليه السلام يبر بعض العجائز فسألته السيدة عائشة فى ذلك فقال : إن خديجة أوصتنى بها ... فقالت مغضبة : خديجة . خديجة .. لكأنما ليس فى الأرض امرأة إلا خديجة وعلى حلم رسول الله ربما غضب أحياناً من ثورتها على ذكرى خديجة ، فغضب فى هذه المرة وتركها فترة ثم عاد وأمها - أم رومان - عندها فقالت له أمها : يارسول الله ! مالك ولعائشة ؟ إنها حديثة السن وأنت أحق من يتجاوز عنها . فلم يدعها حتى أخذ بشدقها معاتباً وهو يقول لها : ألست القائلة كأنما ليس على وجه الأرض امرأة إلا خديجة ! وسألته مرة : ما تذكر من مجوز حمراء الشدقين قد بدّلك الله خيراً منها ؟ فأسكنها قائلا : « والله ما أبدلنى الله خيراً منها . آمنت بى حين كذبنى الناس ، وواستنى بمالها حين حرمنى الناس ، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها » أما شريكاتها اللواتى كن يعايشنها فى بيت النبى فربما كانت تغار من إحداهن الطعام يستطيبه النبى عندها فضلا أو الملاحة تعوّد عليه السلام أن يستطيب العسل الذى تهيؤه له زينب بنت جحش وهى من أجمل أمهات المؤمنين وأحظاهن عنده . فأجمعت رأيها مع صديقتها حفصة بنت عمر أن يبغِّضاه فى عسلها وقالت فيما روته عن نفسها : « . . . . فتواطأت أنا وحفصة أيّتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير ؟ وهى طعام من صمغ حلو ولكنه كريه الرائحة ، و لم يكن أبغض إلى النبى عليه السلام من رائحة كريهة ... فلما دخل عندها رسول الله قالت : إنى أجد منك ريح مغافير . قال : لا . ولكنى كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود إليه ! وقد عُرفت زميلتها السيدة صفية بجودة الطهى ، وهى فى الأصل إسرائيلية من أهل خيبر فنفست عليها السيدة عائشة هذه الإجادة ولم تكتم غيرتها منها بل هى التى روتها ومن حديثها عنها عرفناها قالت : « ما رأيت صانعة طعام مثل صفية . صنعت لرسول الله طعاماً وهو فى بيتى فأخذنى أفكل - أى قشعريرة - فارتعدت من شدة الغيرة فكسرت الإناء ثم ندمت فقلت : يا رسول الله ما كفارة ما صنعت ؟ قال : إناء مثل إناء وطعام مثل طعام » وهذه غيرتها من زميلات لم يجهرن لها بالمنافسة والمغايظة . وهى بالبداهة دون غيرتها من الزميلات اللواتي كن ينافسنها جهرة ويكاشفن النبى عليه السلام بالشكوى من تفضيلها عليهن فى المودة والحظوة وعلى رأسهن أم سلمة التى شهدت على نفسها والنبى يخطبها أنها غيور لا تطيق المنافسة ، فكان عليه السلام يجاملها ليذهب غيرتها ؛ وتغضب عائشة من هذه المجاملة على علمها بمكانتها عنده . قالت : دخل على يوماً رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أين كنت منذ اليوم ؟ قال : يا حميراء كنت عند أم سلمة قلت : ما تشبع من أم سلمة ؟ فتبسم . ثم قلت : يا رسول الله ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداها لم ترع والأخرى قد رُعيت أيهما كنت ترعى ؟ قال : التي لم ترع ! قلت : فأنا ليس كأحد من نسائك . كل امرأة من نسائك قد كانت عند رجل ، غيرى ... فتبسم عليه السلام
وإذا كانت أكلة أو شربة عسل تستطاب عند إحدى الزميلات ، أو مجاملة لإحداهن جبراً لخاطر ومداراة لغيرة - تثير هذه المنافسة وتغرى بهذه المؤامرة فليس من العسير أن نفهم كيف تكون الغيرة التى تثيرها الذرية المحبوبة المرقوبة حين يرزقها النبى من إحدى زوجاته وقد حرمها من سائرهن سنوات ، ، وهو شديد الكلف بها والتطلع إليها تلك إذن غيرة لا تمسكها الحدود ولا تكبحها المجاملات وقد ثارت ثائرتها يوم ولد له عليه السلام ابنه إبراهيم من مارية القبطية ، وكانت على هذه المزية التى امتازت بها جميلة بيضاء ، تغار منها الزميلة لجمالها وصباحتها فوق غيرتها منها هذه الأمومة التى تفردت بها بين تسع نظيرات قالت كتب السير : وغارت زوجات النبى ولا كعائشة لأن عائشة رضى الله عنها كانت صاحبة المكانة الأولى التى ترفعت إليها ( مارية » بأمومتها ، فهى أحق بالغيرة على تلك المكانة من سواها ولا ريب فى حب عائشة للنبى ولا فى سرورها ورضاها بما يسره ويرضيه ، ولكننا نطالب الطبيعة الإنسانية – والطبيعة النسوية - بما يرهقها إذا نحن ترقبنا منها أن تسر بما يثير غيرتها ، وأن تحب الرجل تم تسر بما عسى أن يصرف حبها عنه ، أو ينقص سهمها فيه فمن الطبيعى أن تسر المرأة بسرور الرجل لأنها تحبه ومن الطبيعى كذلك أن تغار من السرور الذى يحببه إلى غيرها ، لأنها تحبه وقد يفترق القلبان فى لحظة من اللحظات لأنهما مقتربان أشد اقتراب وهذا الذى حدث عند مولد إبراهيم من مارية القبطية ، وهى فتية جميلة رضية ، يدنيها من قلب النبى شتى المزايا ، وأولاها هذه المزية التى تربى على كل مزية فلما رأت عائشة فرح النبي بالوليد الموموق وأحست شغف النبى به جاهدت نفسها أن تغالب غيرتها فلم تقو على هذه المغالبة ، وقال لها يوماً : انظرى إلى شبهه ... فلم تملك لسانها أن تقول : ما أرى شيئاً ... وربما أعجبه نمو الوليد ولفتها إلى بياضه ولحمه وترعرع جسمه ، فيعز عليها أن تعجب مثل عجبه ، لأنه هكذا كل طفل يشرب من اللبن ما يشرب إبراهيم ! وكان غضب النبى من غيرتها غضب تأديب وتهذيب ، لا غضب سخط وتأنيب . فكان يعذرها فيما يمسه ولا يعذرها فيما ينبغى لها أن تتوخاه أو تتحراه ، أوفيما يحسن بالمرأة التى أحبها هذا الحب أن تقلع عنه وتعرف موضع الملامة فيه فقلما لامها فى شيء يمسه من غيرتها ولكنه كان لا يسكت مرة عن مؤاخذتها على فلتات هذه الغيرة التى تمس بها أناساً آخرين. فيؤاخذها مؤاخذة المؤدب الرفيق ولا يدع لها أن تعيد ما آخذها عليه
عابت أمامه زوجته السيدة صفية فذكرت من عيوبها أنها قصيرة . فكره أن تمضى فى حديثها وقال : يا عائشة ! « لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته » وحكت أمامه إنسانا فلم يعجبه ما يعجب الزوج المحب من هذه الفكاهة التى تسوغ وتستملح فى ذوق كثيرين ، ونهاها أن تحكى الناس حكاية استهزاء
ومن (الأنثويات ) الخالدة فى طبيعة المرأة دلالها ومغاضبتها وهى أشوق ما تكون إلى المصالحة وتقصير أمد المغاضبة وللسيدة عائشة نوادر شتى فى هذا الدلال الذى شابهت به كرائم قومها وزادت عليهن بما بلغته من المنزلة التى لم يبلغنها . غضب النبى من نسائه لكثرة منازعاتهن والحافهن عليه بطلب المزيد من النفقة والزينة ، فأقسم ليهجرهن شهراً وشاع بين المسلمين أنه طلقهن جميعاً وكان لهذه الإشاعة بين المسلمين رجة أى رجة ، لأن تطليق النبى زوجاته جميعاً هو أكبر طارق يتعرض له عليه السلام فى بيته ويمتد أثره إلى القبائل والبيوت التي كانت تجمعه بها صلة المصاهرة . وفى وسعنا أن نتخيل تلك الرجة بين الصحابة إذا علمنا أن صاحباً لعمر بن الخطاب سمع بالنبأ ليلاً فأسرع إلى بابه يدقه دقاً شديداً ويسأل عنه فى فرع : أثم هو ؟ فلما خرج إليه قال صاحبه : حدث أمر عظيم . قال عمر : ما هو ؟ أجاءت غسان ؟ قال : لا . بل أعظم منه وأطول . طلق النبى صلى الله عليه وسلم نساءه تم تحرى عمر الخبر من رسول الله فعلم أن الأمر دون ذلك وأن رسول الله إنما أقسم ليهجرهن شهراً . فما لبث أن استأذنه عليه السلام ليبادر إلى المسلمين المجتمعين بالمسجد فينقل إليهم حقيقة النبأ ويذهب عنهم ما خامرهم من الأسى لما بلغهم من طلاق نسائه ولا ريب أن نساء النبى أنفسهن كانت بينهن للنبأ رجة أشد عليهن من هذه الرجة ، وكان لهذه العقوبة التى لم يعاقبهن بمثلها من قبل أثرُُ فى قلوبهن أبلغ من هذا الأثر فلما انقضت الأيام التى أوعدن بها بدأ بالسيدة عائشة فدخل عليها وهى أشوق ما تكون إلى لقائه . فماذا سمع منها أول ما سمع ؟ قالت : يا رسول الله أقسمت أن لم تدخل علينا شهراً وقد دخلت وقد مضى تسعة وعشرون يوما ! فقال عليه السلام : إن الشهر تسعة وعشرون أتراها كانت تنتظر استيفاء الثلاثين ولا تقنع بالهجر تسعة وعشرين يوما ؟ كلا . فقد عدتهن يوماً يوماً وعلمت ساعة دخول النبى كم مضى وكم بقى على ظنها من أيام العقوبة. ولكنها الأنثى الخالدة كما أسلفنا ، ولا بد للأنثى الخالدة فى هذا الموقف من مكاتمة ولا بد لها من دلال .
ولغط المشركون بقصة الإفك التى سخفوا بها غاية السخف ، فلم تعلم بها السيدة عائشة إلا بعد شهر من شيوعها وهي تملأ أرجاء المدينة فلما سمعت بها ذهبت إلى بيت أبويها تسألهما عن هذه القصة التى لم يخبرها أحد بشيء عنها وهى فى بيت زوجها الكريم قالت السيدة عائشة بعد تفصيل ما سمعت : « فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله فسلم ثم جلس وتشهدّ ثم قال : أما بعد يا عائشة فقد بلغنى عنك كذا وكذا . فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى إليه . فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعى حتى ما أحس منه قطرة . فقلت لأبى : أجب عنى رسول الله ! فقال : والله ما أدرى ماذا أقول لرسول الله فقلت لأمى : أجيبى عنى ، فقالت كذلك . والله ما أدرى ماذا أقول لرسول الله قلت - وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن - إنى والله لقد عرفت أنكم سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به ، فإن قلت لكم إنى بريئة ، والله يعلم أنى بريئة ، لا تصدقونى . . ولئن اعترفت لكم بأمر ، والله يعلم أنى بريئة ، لتصدقونني ... و إنى والله ما أجد لى ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون « ثم تحولت فاضطجعت على فراشى «... فو الله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحى ، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان - أى الدر - من العرق فى اليوم الشاتي « فلما سرى عن رسول الله وهو يضحك كان أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشرى يا عائشة ! أما الله فقد برأك « قالت أمى : قومى إليه قلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله . هو الذى أنزل براءتى ولو تجمعت الأنوثة الخالدة فى امرأة واحدة لما كان لها من شأن هو أشبه بها من شأن عائشة فى هذه القصة : ضنوا عليها بكلمة التبرئة التى تلهفت عليها فهى تدعهم يضنون بها كما يشاءون ، ويسكتون أو يتكلمون كما يريدون وتضطجع على فراشها ... ثم تجيء التبرئة التى تلهفت عليها ، فيجيء معها الغضب والإدلال بالعزة المجروحة قومى إليه ... لا والله لا أقوم إليه ! » ... لم ؟ أهو الذى أغضبها ؟ كلا. ولكنها غضبى ولا بد للغضبي من استرضاء . ومن أولى من الزوج الكريم باسترضائها ! وكم كانت للزوجة المحبوبة من مغاضبات تعرّض بها ولا تظهرها ويبتسم لها النبى لأنها لا تخفى عليه وهى لا تعنى بها أن تخفى عليه ! قال لها عليه السلام يوماً : « إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية وإذا كنت علىّ غضبى. فقالت : من أين تعرف ذلك ؟ قال : أما إذا كنت عنى راضية تقولين لا ورب محمد ! وإذا كنت علىّ غضبى قلت لا ورب إبراهيم . قالت : أجل والله يا رسول الله . ما أهجر
إلا اسمك . » أليس هو أسلوب الأنثى الخالدة فى مغاضبتها وهى تحب من تغاضبه وتعرض له بالغضب وتمنى أن يفهمه كأنه التصريح الذي لا مواربة فيه ولا بد من المواربة على كل حال
وما من سمة فى الأنوثة الخالدة غير هذه السمات إلا وجدت السيدة عائشة وقد صدقت فطرتها فيه ، وإن كانت لتروض نفسها تلك الرياضة العالية التى تجمل بزوجة محمد و بنت الصديق وأم المؤمنين فاذا عرضت مناسبة للسن فليس أحب إليها من أن تقول : وكنت جارية حديثة السن ، أو حدث ذلك الجهلى وصغر سنى ، وربما راقها أن تختار من الروايات التى ذكروها لها عن سنها أقرب تلك الروايات إلى التصغير وأولاها أن تميزها بين زميلاتها بميزة الشباب وقد تكون وحدها فى بيتها فتعجبها ثيابها وتحب أن تنظر إليها (٣) قالت : « ولبست ثيابى فطفقت أنظر إلى ذيلى وأنا أمشى فى البيت وألتفت إلى ثيابى وذيلى. فدخل علىّ أبو بكر فقال : يا عائشة ! أما تعلمين أن الله لا ينظر إليك الآن ؟ قلت : ولم ذاك ؟ قال : أما علمت أن العبد إذا دخله العجب بزينة الدنيا مقته ر به عز وجل حتى يفارق تلك الزينة ؟ فنزعته فتصدقت به . قال أبو بكر : عسى ذلك أن يكفر عنك ) وهى عائشة كاملة فى هذه القصة الصغيرة : هى حواء التى تحب أن تنظر إلى زينتها ، وهى أم المؤمنين التى تحب أن ينظر الله إليها ، وهى هنا أيضاً حواء تطمح إلى زينة أعلى وأغلى ولن تعوزنا أسباب الاهتمام بحياة كهذه الحياة ، لأنها المرأة العربية ، والمرأة المسلمة ، والمرأة الخالدة في كل زمان