الروح/المسألة السادسة عشرة/فصل الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
الروح - المسألة السادسة عشرة - فصل الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة

المؤلف: ابن القيم
فصل الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة

وأما قولكم إنه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه.
فهذه الشبهة تورد على صورتين:

  1. صورة تلازم يدعى فيها اللزوم بين الأمرين، ثم يبين انتفاء اللازم فينتفي ملزومه، وصورتها هكذا: لو نفعه عمل الغير عنه إسلامه وتوبته عنه لكن لا ينفعه ذلك فلا ينفعه عمل الغير.
  2. والصورة الثانية: أن يقال: لا ينتفع بإسلام الغير وتوبته عنه فلا ينتفع بصلاته وصيامه وقراءته عنه.

و معلوم أن هذا التلازم والإقران باطل قطعا.
أما أولا: فلأنه قياس مصادم لما تظاهرت به النصوص واجتمعت عليه الأمة.
أما ثانيا: فلأنه جمع بين ما فرق اللّه بينه، فإن اللّه سبحانه فرق بين إسلام المرء عن غيره وبين صدقته وحجه وعتقه عنه، فالقياس المسوى بينهما من جنس قياس الذين قاسوا الميتة على المذكى والربا على البيع.
و أما ثالثا: فإن اللّه سبحانه جعل الإسلام سببا لنفع المسلمين بعضهم بعضا في الحياة وبعد الموت، فإذا لم يأت بسبب انتفاعه بعمل المسلمين لم يحصل له ذلك النفع، كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك».
و هذا كما جعل سبحانه الإسلام سببا لانتفاع العبد مما عمل من خير. فإذا فاته هذا السبب لم ينفعه خير عمله ولم يقبل منه، كما جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال، فإذا فقد لم تقبل الأعمال، وكما جعل سائر شروط الصلاة سببا لصحتها، فإذا فقدت فقدت الصحة، وهذا شأن سائر الأسباب مع مسبباتها الشرعية والعقلية والحسية، فمن سوى بين [محالين] [1] وجود السبب وعدمه فهو مبطل.
و نظير هذا الهوس أن يقال: لو قبلت الشفاعة في العصاة لقبلت في المشركين. ولو خرج أهل الكبائر من الموحدين من النار لخرج الكفار منها، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي من نجاسات معد أصحابها ورجيع أفواههم.
و بالجملة: فالأولى بأهل العلم الإعراض عن الاشتغال بدفع هذه الهذيانات لو لا أنهم قد سودوا بهما صحف الأعمال والصحف التي بين الناس.

هامش

  1. وردت في المطبوع: حالين.


المسألة السادسة عشرة
انتفاع أرواح الموتى بعمل الغير | فصل الدليل على انتفاع روح الميت | فصل وصول ثواب الصدقة | فصل وصول ثواب الصوم | فصل وصول ثواب الحج | فصل نفي عقوبة العبد بعمل غيره | فصل الرد على الاستدلال بانقطاع العمل | فصل الرد على أن الإهداء حوالة | فصل الرد على من قال أن الإيثار مكروه | فصل الرد على أنه لو ساغ الإهداء للميت لجاز للحي | فصل هل يسوغ إهداء نصف الثواب أو ربعه | فصل الرد على جواز إهداء ثواب الواجبات | فصل الرد على القول أن التكاليف امتحان وابتلاء | فصل الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة | فصل الرد على القول بأن العبادات نوعان | فصل من مات وعليه صيام | فصل قول ابن عباس في حديث الصوم | فصل الزعم أن الحديث اختلف في إسناده | فصل جواز القضاء عن الميت | فصل أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت | فصل الرد على القول بأن ثواب النفقة بالحج يصل فقط | فصل التلفظ بإهداء العمل


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون