الخصائص/باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الخصائص
المؤلف: ابن جني


استخدام العلل والأغراض عند العرب
باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها

اعلم أن هذا موضع في تثبيته وتمكينه منفعة ظاهرة وللنفس به مسكة وعصمة لأن فيه تصحيح ما ندعيه على العرب: من أنها أرادت كذا لكذا وفعلت كذا لكذا. وهو أحزم لها وأجمل بها وأدل على الحكمة المنسوبة إليها من أن تكون تكلفت ما تكلفته: من استمرارها على وتيرة واحدة وتقريها منهجاً واحداً تراعيه وتلاحظه وتتحمل لذلك مشاقه وكلفه وتعتذر من تقصير إن جرى وقتاً منها في شيء منه. وليس يجوز أن يكون ذلك كله في كل لغة لهم وعند كل قوم منهم حتى لا يختلف ولا ينتقض ولا يتهاجر على كثرتهم وسعة بلادهم وطول عهد زمان هذه اللغة لهم وتصرفها على ألسنتهم اتفاقاً وقع حتى لم يختلف فيه اثنان ولا تنازعه فريقان إلا وهم له مريدون وبسياقه على أوضاعهم فيه معنيون ألا ترى إلى اطراد رفع الفاعل ونصب المفعول والجر بحروف الجر والنصب بحروفه والجزم بحروفه وغير ذلك من حديث التثنية والجمع والإضافة والنسب والتحقير وما يطول شرحه فهل يحسن بذي لب أن يعتقد أن هذا كله اتفاق وقع وتوارد اتجه!.

فإن قلت "فما تنكر" أن يكون ذلك شيئاً طبعوا عليه وأجيئوا إليه من غير اعتقاد منهم لعلله ولا لقصد من القصود التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه بل لأن آخراً منهم حذا على ما نهج الأول فقال به وقام الأول للثاني في كونه إماماً له فيه مقام من هدى الأول إليه وبعثه عليه ملكاً كان أو خاطراً قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبراً روسلوا به أو تيقظاً نبهوا على وجه الحكمة فيه. فإن كان وحياً أو ما يجري مجراه فهو أنبه له وأذهب في شرف الحال به لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك ووقفهم عليه لأن في طباعهم قبولاً له وانطواء على صحة الوضع فيه لأنهم مع ما قدمناه من ذكر كونهم عليه في أول الكتاب من لطف الحس وصفائه ونصاعة جوهر الفكر ونقائه لم يؤتوا هذه اللغة الشريفة المنقادة الكريمة إلا ونفوسهم قابلة لها محسة لقوة الصنعة فيها معترفة بقدر النعمة عليهم بما وهب لهم منها ألا ترى إلى قول أبي مهدية:

يقولون لي: شنبِذ ولست مشنبِذا طوال الليالي ما أقام ثبير
ولا قائلا: زوذا ليجعل صاحبي وبستان في صدري علي كبير
ولا تاركاً لحني لأحسن لحنهم ولو دار صرف الدهر حيث يدور

{{وحدثني المتنبي شاعرنا - وما عرفته إلا صادقاً - قال: كنت عند منصرفي من مصر في جماعة من العرب وأحدهم يتحدث. فذكر في كلامه فلاة واسعة فقال: يحير فيها الطرف قال: وآخر منهم يلقنه سراً من الجماعة بينه وبينه فيقول له: يحار يحار. أفلا ترى إلى هداية بعضهم لبعض وتنبيهه إياه على الصواب. وقال عمار الكلبي - وقد عيب عليه بيت من شعره فامتعض لذلك -: ماذا لقينا من المستعربين ومن قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا إن قلت قافية بكراً يكون بها بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا قالوا لحنت وهذا ليس منتصباً وذاك خفض وهذا ليس يرتفع وحرضوا بين عبد الله من حمق وبين زيد فطال الضرب والوجع كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم وبين قوم على إعرابهم طبعوا ما كل قولي مشروحاً لكم فخذوا ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا لأن أرضي أرض لا تشب بها نار المجوس ولا تبنى بها البيع والخبر المشهور في هذا للنابغة وقد عيب عليه قوله في الدالية المجرورة: فلما لم يفهمه أتى بمغنية فغنته: من آل مية رائح أو مغتد عجلان ذا زاد وغير مزود ومدت الوصل وأشبعته ثم قالت: وبذاك خبرنا الغراب الأسود ومطلت واو الوصل فلما أحسه عرفه واعتذر منه وغيره - فيما يقال - إلى قوله: وبذاك تنعاب الغراب الأسود وقال دخلت يثرب وفي شعري صنعة ثم خرجت منها وأنا أشعر العرب. كذا الرواية. وأما أبو الحسن فكان يرى ويعتقد أن العرب لا تستنكر الإقواء. ويقول: قلت قصيدة إلا وفيها الإقواء. ويعتل لذلك بأن يقول: إن كل بيت منها شعر قائم برأسه. وهذا الاعتلال منه يضعف ويقبح التضمين في الشعر. وأنشدنا أبو عبد الله الشجري يوماً لنفسه شعراً مرفوعاً وهو قوله: نظرت بسنجار كنظرة ذي هوى رأى وطناً فانهل بالماء غالبه لأونس من أبناء سعد ظعائنا يزن الذي من نحوهن مناسبه يقول فيها يصف البعير: فقلت: يا أبا عبد الله: أتقول " دوينة حاجبه " مع قولك " مناسبه " و " أشانبه "! فلم يفهم ما أردت فقال: فكيف أصنع أليس ههنا تضع الجرير على القِرمة على الجِرفة وأمأ إلى أنفه فقلت: صدقت غير أنك قلت " أشانبه " و " غالبه " فلم يفهم وأعاد اعتذاره الأول. فلما طال هذا قلت له: أيحسن أن يقول الشاعر: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاوٍ يُمَل منه الثواء ومطلت الصوت ومكنته ثم يقول مع ذلك: ملك المنذر بن ماء السمائي فأحس حينئذ وقال: أهذا! أين هذا من ذاك! إن هذا طويل وذاك قصير. فاستروح إلى قصر الحركة في " حاجبه " وأنها أقل من الحرف في " أسماء " و " السماء ". وسألته يوماً فقلت له: كيف تجمع " دكاناً " فقال: دكاكين قلت: فسرحاناً قال: سراحين قلت: فقرطاناً قال: قراطين قلت: فعثمان قال: عثمانون. فقلت له: هلا قلت أيضاً عثامين قال: أيش عثامين! أرأيت إنساناً يتكلم بما ليس من لغته والله لا أقولها أبداً. والمروي عنهم في شغفهم بلغتهم وتعظيمهم لها واعتقادهم أجمل الجميل فيها أكثر من أن يورد أو فإن قلت: فإن العجم أيضاً بلغتهم مشغوفون ولها مؤثرون ولأن يدخلها شيء من العربي كارهون ألا ترى أنهم إذا أورد الشاعر منهم شعراً فيه ألفاظ من العربي عيب به وطعن لأجل ذلك عليه. فقد تساوت حال اللغتين في ذلك. فأية فضيلة للعربية على العجمية قيل: لو أحست العجم بلطف صناعة العرب في هذه اللغة وما فيها من الغموض والرقة والدقة لاعتذرت من اعترافها بلغتها فضلاً عن التقديم لها والتنويه منها. فإن قيل: لا بل لو عرفت العرب مذاهب العجم في حسن لغتها وسداد تصرفها وعذوبة طرائقها لم تبء بلغتها ولا رفعت من رءوسها باستحسانها وتقديمها. قيل: قد اعتبرنا ما تقوله فوجدنا الأمر فيه بضده. وذلك أنا نسأل علماء العربية مما أصله عجمي وقد تدرب بلغته قبل استعرابه عن حال اللغتين فلا يجمع بينهما بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك لبعده في نفسه وتقدم لطف العربية في رأيه وحسه. سألت غير مرة أبا علي - رضي الله عنه - عن ذلك فكان جوابه عنه نحواً مما حكيته. فإن قلت: ما تنكر أن يكون ذلك لأنه كان عالماً بالعربية ولم يكن عالماً باللغة العجمية ولعله لو كان عالماً بها لأجاب بغير ما أجاب به. قيل: نحن قد قطعنا بيقين وأنت إنما عارضت بشك ولعل هذا ليس قطعاً كقطعنا ولا يقيناً كيقيننا. وأيضاً فإن العجم العلماء بلغة العرب وإن لم يكونوا علماء بلغة العجم فإن قواهم في العربية تؤيد معرفتهم بالعجمية وتؤنسهم بها وتزيد في تنبيههم على أحوالها لاشتراك العلوم اللغوية واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها. ولم نر أحداً من أشياخنا فيها - كأبي حاتم وبندار وأبي علي وفلان وفلان - يسوون بينهما ولا يقربون بين حاليهما. وكأن هذا موضع ليس للخلاف فيه مجال لوضوحه عند الكافة. وإنما أوردنا منه هذا القدر احتياطاً به واستظهاراً على مورد له عسى أن يورده. فإن قلت: زعمت أن العرب تجتمع على لغتها فلا تختلف فيها وقد نراها ظاهرة الخلاف ألا ترى إلى الخلاف في " ما " الحجازية والتميمية وإلى الحكاية في الاستفهام عن الأعلام في الحجازية وترك ذلك في التميمية إلى غير ذلك قيل: هذا القدر من الخلاف لقلته ونزارته محتقر غير محتفل به ولا معيج عليه وإنما هو في شيء من الفروع يسير. فأما الأصول وما عليه العامة والجمهور فلا خلاف فيه ولا مذهب للطاعن به. وأيضاً فإن أهل كل واحدة من اللغتين عدد كثير وخلق " من الله " عظيم وكل واحد منهم محافظ على لغته لا يخالف شيئاً منها ولا يوجد عنده تعاد فيها. فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون ويقتاسون ولا يفرطون ولا يخلطون. ومع هذا فليس شيء مما يختلفون فيه - على قلته وخفته - إلا له من القياس وجه يؤخذ به. ولو كانت هذه اللغة حشواً مكيلاً وحثواً مهيلاً لكثر خلافها وتعادت أوصافها: فجاء عنهم جر الفاعل ورفع المضاف إليه والمفعول به والجزم بحروف النصب والنصب بحروف الجزم بل جاء عنهم الكلام سدى غير محصل وغفلاً من الإعراب ولاستغنى بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه والكلف الظاهرة بالمحاماة على طرد أحكامه. هذا كله وما أكني عنه من مثله - تحامياً للإطالة به - إن كانت هذه اللغة شيئاً خوطبوا به وأخذوا باستعماله. وإن كانت شيئاً اصطلحوا عليه وترافدوا بخواطرهم ومواد حكمهم على عمله وترتيبه وقسمة أنحائه وتقديمهم أصوله وإتباعهم إياها فروعه - وكذا ينبغي أن يعتقد ذلك منهم لما نذكره آنفاً - فهو مفخر لهم ومعلم من معالم السداد دل على فضيلتهم. والذي يدل على أنهم قد أحسوا ما أحسسنا وأرادوا وقصدوا ما نسبنا إليهم إرادته وقصده شيئان: أحدهما حاضر معنا والآخر غائب عنا إلا أنه مع أدنى تأمل في حكم الحاضر معنا. فالغائب ما كانت الجماعة من علمائنا تشاهده من احوال العرب ووجوهها وتضطر إلى معرفته من أغراضها وقصودها: من استخفافها شيئاً أو استثقاله وتقبله أو إنكاره والأنس به أو الاستيحاش منه والرضا به أو التعجب من قائله وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالقصود بل الحالفة على ما في النفوس ألا ترى إلى قوله: تقول - وصكت وجهها بيمينها - أبعلي هذا بالرحى المتقاعس! فلو قال حاكياً عنها: أبعلي هذا بالرحى المتقاعس - من غير أن يذكر صك الوجه - لأعلمنا بذلك أنها كانت متعجبة منكرة لكنه لما حكى الحال فقال: " وصكت وجهها " علم بذلك قوة إنكارها وتعاظم الصورة لها. هذا مع أنك سامع لحكاية الحال غير مشاهد لها ولو شاهدتها لكنت بها أعرف ولعظم الحال في نفس تلك المرأة أبين وقد قيل " ليس المخبر كالمعاين " ولو لم ينقل إلينا هذا الشاعر حال هذه المرأة بقوله: وصكت وجهها لم نعرف به حقيقة تعاظم الأمر لها. وليست كل حكاية تروى لنا ولا كل خبر ينقل إلينا يشفع به شرح الأحوال التابعة له المقترنة - كانت - به. نعم ولو نقلت إلينا لم نفد بسماعها ما كنا نفيده لو حضرناها. وكذلك قول الآخر: قلنا لها قفي لنا قالت قاف لو نقل إلينا هذا الشاعر شيئاً آخر من جملة الحال فقال مع قوله " قالت قاف ": " وأمسكت بزمام بعيرها " أو " وعاجته علينا " لكان أبين لما كانوا عليه وأدل على أنها أرادت: وقفت أو توقفت دون أن يظن أنها أرادت: قفي لنا! أي يقول لي: قفي لنا! متعجبة منه. وهو إذا شاهدها وقد وقفت علم أن قولها قاف إجابة له لا رد لقوله وتعجب منه في قوله " قفي لنا ". وبعد فالحمالون والحماميون والساسة والوقادون ومن يليهم ويعتد منهم يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذا أخبر به عنه ولم يحضره ينشده. أولا تعلم أن الإنسان إذا عناه أمر فأراد أن يخاطب به صاحبه وينعم تصويره له في نفسه استعطفه ليقبل عليه فيقول له: يا فلان أين أنت أرني وجهك أقبل علي أحدثك أما أنت حاضر يا هناه. فإذا أقبل عليه وأصغى إليه اندفع يحدثه أو يأمره أو ينهاه أو نحو ذلك. فلو كان استماع الأذن مغنياً عن مقابلة العين مجزئاً عنه لما تكلف القائل ولا كلف صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه. وعلى ذلك قال: العين تبدي الذي في نفس صاحبها من العداوة أو ود إذا كانا وقال الهذلي: رفوني وقالوا: يا خويلد لا ترع فقلت - وأنكرت الوجوه -: هم هم أفلا ترى إلى اعتباره بمشاهدة الوجوه وجعلها دليلاً على ما في النفوس. وعلى ذلك قالوا: " رب إشارة أبلغ من عبارة " وحكاية الكتاب من هذا الحديث وهي قوله: " ألا تا " و " بلى فا ". وقال لي بعض مشايخنا رحمه الله: أنا لا أحسن أن أكلم إنساناً في الظلمة. ولهذا الموضع نفسه ما توقف أبو بكر عن كثير مما أسرع إليه أبو إسحاق من ارتكاب طريق الاشتقاق واحتج أبو بكر عليه بأنه لا يؤمن أن تكون هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها ولم ندر ما حديثها ومثل له بقولهم " فرع عقيرته " إذا رفع صوته. قال له أبو بكر: فلو ذهبنا نشتق لقولهم " ع ق ر " من معنى الصوت لبعد الأمر جداً وإنما هو أن رجلاً قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى ثم نادى وصرخ بأعلى صوته فقال الناس: رفع عقيرته أي رجله المعقورة. قال أبو بكر: فقال أبو إسحاق: لست أدفع هذا. ولذلك قال سيبويه في نحو من هذا: أو لأن الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر يعني ما نحن عليه من مشاهدة الأحوال والأوائل. فليت شعري إذا شاهد أبو عمرو وابن أبي إسحاق ويونس وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه وأبو الحسن وأبو زيد وخلف الأحمر والأصمعي ومن في الطبقة والوقت من علماء البلدين وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها وتقصد له من أغراضها ألا تستفيد بتلك المشاهدة وذلك الحضور ما لا تؤديه الحكايات ولا تضبطه الروايات فتضطر إلى قصود العرب وغوامض ما في أنفسها حتى لو حلف منهم حالف على غرض دلته عليه إشارة لا عبارة لكان عند نفسه وعند جميع من يحضر حاله صادقاً فيه غير متهم الرأي والنحيزة والعقل. فهذا حديث ما غاب عنا فلم ينقل إلينا وكأنه حاضر معنا مناج لنا. وأما ما روي لنا فكثير. منه ما حكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلاً من اليمن يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت له: أتقول جاءته كتابي! قال: نعم أليس بصحيفة. أفتراك تريد من أبي عمرو وطبقته وقد نظروا وتدربوا وقاسوا وتصرفوا أن يسمعوا أعرابياً جافياً غفلاً يعلل هذا الموضع بهذه العلة ويحتج لتأنيث المذكر بما ذكره فلا " يهتاجواهم " لمثله ولا يسلكوا فيه طريقته فيقولوا: فعلوا كذا لكذا وصنعوا كذا لكذا وقد شرع لهم العربي ذلك ووقفهم على سمته وأمه. وحدثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ «وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَار» فقلت له ما تريد قال: أردت: سابقٌ النهار. فقلت له: فهلا قلته فقال: لو قلته لكان أوزن. ففي هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراض مستنبطة منها: أحدها تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا والآخر قولنا: إنها فعلت كذا لكذا ألا تراه إنما طلب الخفة يدل عليه قوله: لكان أوزن: أي أثقل في النفس وأقوى من قولهم: هذا درهم وازن: أي ثقيل له وزن. والثالث أنها قد تنطق بالشيء غيره في أنفسها أقوى منه لإيثارها التخفيف. وقال سيبويه حدثنا من نثق به أن بعض العرب قيل له أما بمكان كذا وكذا وجذ فقال: بلى وِجاذاً أي أعرف بها وِجاذاً وقال أيضاً: وسمعنا بعضهم يدعو على غنم رجل فقال: اللهم ضبعاً وذئباً فقلنا: له ما أردت فقال: أردت: اللهم اجمع فيها ضبعاً وذئباً كلهم يفسر ما ينوي. فهذا تصريح منهم بما ندعيه عليهم وننسبه إليهم. وسألت الشجري يوماً فقلت: يا أبا عبد الله كيف تقول ضربت أخاك فقال: كذاك. فقلت: أفتقول: ضربت أخوك فقال: لا أقول: أخوك أبداً. قلت: فكيف تقول ضربني أخوك فقال: كذاك. فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول: أخوك أبداً فقال أيش ذا! اختلفت جهتا الكلام. فهل هذا في معناه إلا كقولنا نحن: صار المفعول فاعلاً وإن لم يكن بهذا اللفظ البتة فإنه هو لا محالة. ومن ذلك ما يروى عن النبي ﷺ أن قوماً من العرب أتوه فقال لهم: من أنتم فقالوا: نحن بنو غيان فقال: بل أنتم بنو رشدان. فهل هذا إلا كقول أهل الصناعة: إن الألف والنون زائدتان وإن كان - عليه السلام - لم يتفوه بذلك غير أن اشتقاقه إياه من الغي بمنزلة قولنا نحن: إن الألف والنون فيه زائدتان. وهذا واضح. وكذلك قولهم: إنما سميت هانئاً لتهنأ قد عرفنا منه أنهم كأنهم قد قالوا: إن الألف في هانيء زائدة وكذلك قولهم: فجاء يدرم من تحتها -أي يقارب خطاه لثقل الخريطة بما فيها فسمي دارماً- قد أفادنا اعتقادهم زيادة الألف في دارم عندهم.