انتقل إلى المحتوى

التهذيب في أصول التعريب/ باب فى القول فى العربي الجنوبي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة مصر (1923)، الصفحات ٧٧–٨٢
 

١٦ - باب في القول في العربي الجنوبي

اما العربي الجنوبي وهو لغة اليمن فمن لهجاته -١ المعينية -٢ السبأيّة ٣ الَقتْبَانِيَّة -٤ الحَضْرَمِيَّة -، ثم اللهجات الجديدة وهي لغة مَهْرَة والشّحْر وهذه اللهجات هي لغة حِمْيَر وسبأ لسان القحطانيين وقبائلهم عادٍ وثمودَ وطَسْم وجديس والعمالقة؛ واليمن سميت كذلك لوقوعها الى جنوب الكعبة، كما سميت الشأم شأما لوقوعها شماليها، اما اشتقاق اسم اليَمَن من اليُمْن وهو السعادة فمشكوك فيه وهو ما ظنه أهل أوروفة الأقدمين فسموها بلاد العرب السعيدة (Arabia felixia) وهي كثيرة الزرع والأَشجار والثمار والعُطُور والأفاويه، وكانت غاية في العمران، عامرة بالمدن والحواضر، ومن ممالكها المعروفة مملكة مَعِين وقصبتها معِين، وسبأ وقصبتها مأرب، وممالك قَتْبان وحضرموت، وأقدمها مملكة معين وبدؤها في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ويليها مملكة سبأ، ثم انتقل الملك منهما الى حمير وقصبتها ظَفَار، وكتابات أهل اليمن يطلق عليها لفظ حِمْيَرِيَّة وان اختلفت المعينية والسبأية عنها قليلا، وفي قرائتها صعوبات كبرى، والحميري يسمى المُسَنَّد وهو أحدث الخطوط اليمنية، واختلف في اشتقاقه، فبعضهم جعله من الفينيقي مباشرة أو بواسطة الاحرف اليونانية، وبعضهم جعله من المِسْماري وهو بعيد،

وأما الكتابات القتبانية والحضرمية فهي قليلة جداً وهي أجد الكتابات، واستمرت هذه الكتابات من أقدم تاريخها الى القرن السادس بعد المسيح لم يطرأ عليها تغيير، وذلك لكونها لغة مكتوبة ثابتة أكثر منها لهجة عامية، ولما دانت تلك البلاد للاسلام تغلبت لغة العرب الشمالية على اللهجات الجنوبية وزحزحتها عن مكانها، غير أنه لا تزال في ألسنتهم عجمة ولكنة، والف علماء الاسلام في أخبار ملوك حمير وآثارهم كأبي محمد الهَمْداني المعروف بابن ذي الدُمَيْنَة أحد أشراف العرب وهو أبو الحسين بن أحمد بن يعقوب صاحب كتاب صفة جزيرة العرب وكتابه المعروف بالاكليل المؤلف في أنساب حمير وأيام ملوكها، ونشوان ابن سعيد الحميري صاحب القصيدة الحميرية المعروفة

ومن اللغة الحميرية تولدت بعض اللغات في مَهْرَة والشِّحْر وسُقُطْرى في جنوب الجزيرة وهي القريبة من ساحل البحر، ولا يزال بعض اللهجات العربية الجنوبية موجوداً الى يومنا، وهذه اللهجات ليست متولدة رأساً من اللغة المكتوبة، ولعزلتها ابتعدت كثيراً عن الشكل السامي القديم أكثر من ابتعاد اللهجات العربية الأخرى عن اللهجات الآرامية العامية

واللغة الحبشية هط فرع عن لغة العرب الجنوبية، فان العرب نزلوا من جزيرتهم من بلاد اليمن الى سواحل أفريقية المقابلة لهم والقريبة من جزيرتهم واستوطنوها واختلطوا بأهلها القدماء الحاميين، ولا يعرف بالدقة الزمن الذي نزلوا فيه تلك البلاد، ولكنه على كل حال كان قبل المسيح، والظاهر أن نزوحهم اليها كان تدريجيا، وسميت تلك الأمة الجديدة الأمة الحبشية نسبة الى قبيلة من قبائل حضرموت تسمى حَبَشَة

وسكان بلاد الحبشة ثلاثة اجناس -١ ألجنس الافريقي -٢ الجنس الحامي -٣ الجنس السامي، ولغات هذه الاجناس الثلاثة مختلفة، وهي تناسب لغة أهل مصر القديمة، ولغات قبائل البربر في شمال أفريقية، واللغات الحامية من بلاد الحبشة التي تسمى الكوشية، وكلها تتناسب مع اللغات السامية ولكن لا يعلم بالدقة الوطن الأصلي لكل منها، وانما بمواصلة البحث والتنقيب والتحقيق عرف أن مجيء الساميين الى افريقية كان من جزيرة العرب وفي ثلاث دفعات، وطريقهم اليها في كل مرة كان من طريقين شمالية عن طريق برزخ السويس ومصر، وجنوبية عن طريق باب المندب، وكانت الدفعة الأولى في زمن قديم جداً لا يعرف مبدؤه، فاختلطوا باهل البلاد الأَصليين وامتزجوا بهم فتولدت منهم أمم هي الأمة المصرية القديمة في مصر، وقبائل البربر في المغرب، والحبش وهم القبائل الحامية أو الكوشية في بلاد الحبشة، والمرة الثانية التي نزحوا فيها من بلاد العرب الى أفريقية كانت فى القرن الخامس قبل الميلاد تقريبا أو في عصور أخرى بين القرن العاشر والقرن الأَول قبل الميلاد، وقد أتى العرب بالجمال معهم الى أفريقية ولم يكن الجَمَل معروفا فيها من قبل كما جاؤا قبل ذلك بالخيل، وانتقل الخط المسند مع العرب من اليمن وحضرموت الى الحبشة، وكذلك اللهجات العربية الجنوبية التي منها أشتقت اللغة الحبشية، والمرة الثالثة التي رحل فيها العرب من جزيرتهم الى الحبشة كان في مبدأ الاسلام فنزلوا في سواحلها وتوغلوا فيها ودخل فريق منهم الى بلاد السودان ومنذ ذلك الحين صارت اللغة العربية لغة السودان

ولغة الحبش تسمى عندهم جِعِز وتسمى في بعض الاحيان أثيوفية وهو اسم يوناني أطلقه اليونان على الحبش الذين اتخذوه لأنفسهم، ولم تعرف اللغة الحبشية لدى أهل أوروفة الا بعد التاريخ المسيحي

ومن الكتابات الحبشية وأقدمها كتابة عِيزَانا أحد ملوك الحبشة وتاريخها خمسون وثلاثمئة بعد الميلاد وهي خلو من حروف العلة وتصحبها كتابة سبأية، وهذه الكتابات هي اما بالخط المسند الحميري ولغتها سبأية أو حبشية، أو هي كتابات حبشية بالمسند الحبشي غير المُشكَّل، أو بالحبشية والخط المسند الحبشي المُشكَّل، وأحدث من هذه كتابة الملك ألا عميداً وحرفها سبئي، وفي هذه الكتابة تُرى خاصية من خصائص الحبشية وهي الدلالة على حروف العلة المعدومة من الأَبجدية السامية بتغيرات في نفس الحرف الساكن. هذه هي أقدم آثار اللغة الحبشية وأكثرها وَثَني وبعضها وهو القليل نصراني، وترجمت التوراة والانجيل وغيرهما من الكتب الكنائسية الى اللغة الحبشية، وتمتاز لغة هذه المؤلفات عن اللهجات السامية الأخرى بنحو هو أكثر اطلاقا وانشاء أسلس مما يمكن نسبته الى مؤثر أجنبي، ولم يطل عمر لغة جِعِز في أثناء الاضطرابات التي سقطت بسيبها مملكة أكسوم القديمة في القرن الثاني عشر وفقدت أمة جعز خطرها السياسي، ومنذ سنة ١٢٧٠ ميلادية جمعت الدولة السليمانية شمل المملكة واحتفظت بالملك الى سنة ١٨٥٥ وهي من بلاد الشوا من بلاد الحبش الجنوبية ومن الأمة الأمْحَريَّة، ولغة أمْحَرة تناسب لغة جعز وان اختلفت عنها، وفي عهد هذه الدولة أخذت آداب اللغة الأثيوفية في الاضمحلال ولم يظهر لها أثر من نفسها وانما كانت في ذلك تابعة للآداب العربية المسيحية التي ظهرت في مصر، وكان للغة العربية تأثير كبير في تركيب الجمل الحبشية لم يكن للغة اليونانية قبلها. واشتقت من لغة جعز في قلب بلاد الحبشة وعلى قرب من أكسوم الحاضرة القديمة لهجة جديدة هي لهجة تِكْرِنْيَا نسبة الى اقليم تكرينيا، ولكن تغلبت عليها اللغة الامحرية كثيراً، وكان أكثر الذين يتكلمون بها من المسلمين ولذلك اكتسبت لنفسها شكلا خاصاً لعدم اختلاط أهلها بالمسيحيين الذين يتكلمون الأمحرية، ولما كان هؤلاء المسلمون من الجنس الحامي كان للغات الحامية أثر كبير في لغتهم

وبقيت اللغة القديمة محفوظة ويتكلم بها في الشمال في المستعمرة الايطالية المسماة أروثرة وفي جزائر دَهْلَك ويطلق على هذه اللهجة لغة تِكْرِي وهو اسم البلاد نفسها التي يتكلم بها فيها، وفي بلاد غوراغي في جنوب الشوا ولا سيما في حَرَر تكونت من اللغة الامحرية لهجات ابتعدت عنها كثيراً حتى صار الامحريون لا يفهمونها، وذلك لعدم اختلاطها باللغات الحامية التي امتزجت بها لغة أمحرة ولتأثير اللغة العربية فيها بالنسبة للاسلام الذي هو دين أهلها الذين يتكلمون بها في بلاد حَرَر

القسم الغربي من اللغات السامية
شمالي جنوبي
آرامي كنعاني حبشي عربي
شرقي غربي فينيقي
عبري
مؤابي
جديد قديم جنوبي شمالي
يهودي بابلي


ماني

سرياني

مختص بالتوراة


تدمري
نبطي
فلسطيني يهودي
نصراني سامري

شمالي


تكرينيا
تكري

جنوبي


أمحري

قديم


مهري
شحري

سقطري

جديد


معيني
سبئي

قتباني
حضرمي

لحياني


ثمودي
صفوي
عربي نبطي
عربي فصيح

يعقوبي نسطوري

١٧ - باب في القول في تدوين اللغة واستنباط النحو والصرف

قال عبد الرحمن بن خلدون: ان اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني، فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتها، وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها ابانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني مثل الحركات التي تُعَين الفاعل من المفعول من المجرور أعني المضاف، ومثل الحروف التي تقضي بالأفعال الى الذوات من غير تكلف الفاظ أخرى، وليس يوجد ذلك الا فى لغة العرب، وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لا بدَّ له من ألفاظ تخصه بالدلالة، ولذلك نجد كلام العجم في مخاطباتهم أطول مما نقدره بكلام العرب وهذا هو معنى قوله صلى اللّٰه عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي في الكلام اختصارا» فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيئات أي الأوضاع اعتبار في الدلالة على المقصود غير متكلفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها، انما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الاول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا، فلما جاء الاسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة بما ألقى اليها السمع من المخالفات التي للمتعربين والسمع أبو الملكات اللسانية، ففسدت بما ألقى اليها مما يغايرها لجنوحها اليه باعتياد السمع، وخشي أهل العلوم منها أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع، ثم رأوا تغيير الدلالة بتغيير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إِعرابا وتسمية الموجب لذلك التغيير عاملا وأمثال ذلك، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو، قال ابن جني في الخصائص: والنحو هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من اعراب وغيره كالتثنية والجمع