التهذيب في أصول التعريب/مدارس التعليم عند السريان
مدارس التعليم عند السريان
يعلم مما تقدم أن مدارس الرها ونصيبين وانطاكية كانت من اكبر عوامل النهضة عند السريان، ومدرسة نصيبين أقدم مدرسة فارسية وأشهر من جميع المدارس العلمية في سوريا نشأت من مدرسة الرها وحلت محلها نوعاً ما وامتدت شهرتها الى أفريقية وايطاليا حتى لقبها أهل سوريا أم العلوم
ففي هاته المدارس تخرج كثير من علماء السريان وفلاسفتهم وفيها ألفت الكتب وبعضها لا يزال محفوظاً الى الآن، وترجمت منابع العلم اليوناني من دين وفلسفة الى اللغة السريانية، ونزيد عليها مدرسة سلوقية التي أصلحها مارأبا بعد وفاة الجائليق بولس سنة ٥٣٦ وكان مارأبا يعلم فيها بنفسه فألف وترجم كتباً عديدة من اليونانية الى السريانية، منها ترجمة كاملة للعهدين القديم والجديد أتمها في الرها مع معلمه توما، وشروحٌ لسفر التكوين والمزامير ورسائل الرسول مار بطرس وميامر وتكريسات كنسية وغيرها، ثم مدرسة جُنْدَيْسابو والسبب في تأسيسها هو أن سابور بن أردشير التابع لمذهب ذرادَشْت كان قد هادن اُوَلاريانوس Valerianus قيصر ملك الروم بعد تغلبه على بلد سوريا وافتتاحه انطاكية، فطلب منه أن يزوجه ابنته على شيء تراضياً به ففعل قيصر ذلك وقَبْل أن تنقل اليه بنى لها مدينة على شكل قسطنطينية وهى مدينة جُنْدَيْسابور وقيلت حكايات كثيرة في سبب هذه التسمية. ولما نقل اليها ابنة قيصر انتقل معها كلُّ صنف من أهل بلدها ممن هي محتاجة اليه، فانتقل معها أطباء أفاضل ولما أقاموا بها بدأوا يعلمون أحداثاً من أهلها. ولم يزل أمرهم يقوى في العلم ويتزايدون فيه ويرقبون العلاج على مقتضى أمزجة بلدانهم حتى برَّزوا في الفضائل. وجماعةٌ يفضلون علاجَهم وطريقهم على اليونانيين والهند. لانهم أخذوا فضائل كل فرقة فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم. فرتَّبوا لهم دساتير وقوانين وكتباً جمعوا فيها كل حسنة. ونبغ من مدرسة جنديسابور هذه عدا الحارث بن كَلَده وابنه النضر بن الحارث بن كلده من أطباء العرب أكابر علماء السريان الذين كان لهم القِدْح المعلى في النقل والترجمة والتصنيف الى اللغة السريانية، وكانوا في نفس الوقت واسطة النقل الى العربية. وكذلك حرَّان كانت من مدن العلم الأثيلة المجد لعلماء السريان ومنبعاً غزيراً لفلاسفتهم، كانت على طريق الموصل والشام بينها وبين الرُّها يوم وبين الرَّقة يومان، وكانت قصبة ديار مُضَر واليها ينسب جماعة كبيرة من أعلام السريان الذين كانت لهم اليد الطولى في النقل والتصنيف بالسريانية. ولا يسعنا أن نعيد هنا ذكر أسماء المترجمين الذين خدموا العلم ونقلوه من الغرب الى الشرق من حكماء السريان الذين استمروا في عملهم هذا الى ما بعد ظهور الدول الاسلامية التي التحقوا بخدمتها. وكان آخر العهد بالوضع في السريانية ابو الفرج بن العبري (بَارعِبْرايا) المتوفى سنة ١٢٨٦م وبه انت دولة العلم في السريان الا ما ندر من علمائهم القليلين المتفرقين في العصور بعد ذلك الى الآن