انتقل إلى المحتوى

التهذيب في أصول التعريب/خطبة الكتاب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة مصر (1923)، الصفحات ٥–٧
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على ما أنعم وتفضل من جميل الهداية والتوفيق، والشكر على ما أسدى من حسن الرعاية والاعانة على التحقيق، والصلاة والسلام على أفصح العرب، الذي أوتي جوامع الكلم ومجامع الحكم

وبعد فقد دأبت منه عند الحداثة في قراءة كتب الادب والامعان في مطالعة فقه اللغة، فنزعت من ذلك الحين الى حب الترجمة والتأليف، فصنفت بعض الكتب ونقلت بعضها إلى العربية، فصادفت أثناء مزاولتي هذا العمل من العقبات والصعوبات ما يحتاج لتذليله الى مشاق كبيرة لا يقدرها أو يشعر بها الا من كابد هذا الطريق الوعر وسبر غوره، وكانت العقبات أمامي عقبتين: الأولى قلة المصطلحات العربية المقابلة للمصطلحات الاعجمية، والثانية تعريب بعض ما اقتضى تعريبه من المصطلحات التي لا يمكن ايجاد لفظ يقابلها ويحل محلها، فأما العقبة الأولى فقد بذلت الجهد في تذليلها وسأعود إلى شرحها في المعاجم التي وضعتها خاصة لها، وأما العقبة الثانية وهى تعريب الالفاظ التي لا بد من تعريبها فقد ملكت ناصيتها بما فعلته من لم شعثها وضبط شواردها ووضع قواعد لها تكاد تكون ثابتة، وذلك بما انتزغته من الاستقراء الوافر والاستقصاء المتواتر

ان العرب في ابان نهضتهم لما احتاجوا اليه من اقتباس شيء من علوم الأمم المتحضرة التي تقدمتهم اضطروا بحكم الضرورة إلى تعريب الكثير من الالفاظ في مختلف العلوم، سواء كانت أعلاماً على بلدان أو على أشخاص أو أسماء معاني لا مدلول لها في لغتهم، أو أنهم خافوا على تلك الالفاظ من الالتباس ان هم ترجموها ولم يوجدوا اللفظ الاعجمي بجانبها يوضحها، فقضت ضرورة الحال بتعريبها وادماجها فى لغتهم، ولما كان لسان العرب وحروفهم ومنطقهم تختلف كل الاختلاف عن مثيلاتها في ألسنة الأمم الاخرى وجب أن تكون الالفاظ التي يقتبسونها مماثلة في مخارج حروفها الى لغتهم سهلة الجري على ألسنتهم، حتى كانت الكلمة الاعجمية لا تفرق فى الغالب من الكلمات العربية الاصيلة وفي بعض الاحيان يصعب تمييزها وبيان أصلها، وهذا في الحقيقة ونفس الأمر براعة منهم وخدمة جلى للغتهم حتى تتسع وتكفي ضرورات العلم المتزايدة دون أن يختل ميزان نطقهم أو تشوه بالرطانة لغتهم. والناظر الى هذه المسألة قد يستسهلها في بادئ الأمر ويستقل قيمتها العلمية، والحقيقة أنها من الأهمية بمكان وأنه لا يستغنى عنها ليس من وجهة النطق فقط بل منعاً للخلط والاختباط أيضاً. فان الذي نراه بأعيننا وتسمعه بآذاننا تعدد مناهج التعريب، فهذا يعرب الكلمة على هذا الوجه وذلك يضعها على هذا المنحى، فتختلف الأوضاع والمسمى واحد، ويصبح البلد بلدين والشخص شخصين وهكذا، وفي ذلك ما فيه الخاط والتشويش، دع عنك أن الكلمة المعربة على هذه الوجوه المختلفة قد يصعب جداً أو يستحيل ارجاعها الى أصلها المنقولة عنه ما دامت قد عربت على غير قاعدة، وفى ذلك من اضطراب العلم ما لا يخفى

أما الطريقة التي اتبعتها فاني بعد المطالعة الطويلة في علوم العرب على اختلافها استقريت جميع الكلمات الأعجمية التي فيها استقراء طويلا وقارنت بينها وبين مدلولاتها الأعجمية في لغاتها، واستخرجت من ذلك حقائق وطابقت بينها وبين خصائص اللغة، واستخلصت من ذلك قواعد يسار على منهاجها وينسج على منوالها، حتى اذا ترجم في مصر كتاب وترجم الكتاب بعينه في الشرق أو في الغرب حيث الكتابة بالحروف العربية خرجت الالفاظ المعربة فيها كلها بشكل ونسق واحد مهما اختلفت البلدان وتعددت اللغات

على أن فن التعريب قد جرى عليه العرب من تلقاء أنفسهم بسليقهم وفصاحة ألسنتهم وقوة جنانهم وسرعة خواطرهم وذكاء قرائحهم، ومرشدهم الى ذلك اعتدال لسانهم وفصاحة منطقهم. فجروا على وتيرة تكاد تكون واحدة حتى ماثل المعرب الأصيل من لغتهم. وقد كان تعريبهم من لغات العلم والمدنيات القديمة في عصرهم وهي الهندية والفارسية واليونانية ولا أذكر السريانية تقريبا من العربية. فجاء المتأخرون بعد الصدر الاول ودونوا المعرب والدخيل، وذكروا أمام كل لفظ انه أعجمى معرب، وقليلا ما يذكرون ان كان فارسياً أو هندياً أو يونانياً الخ، وان ذكروا أحياناً ففيه من التخليط ما يسهل ادراكه. ثم انهم أصحبوا ذلك الاشارة الى بعض التغيير والتبديل الذي يلحق الكلمة الفارسية بتعريبها، ولم يذكروا سوى ذلك ولم يتعدوه إلى لغة غير الفارسية، وأهملت طرائق العرب في التعريب في العصور المتأخرة اهمالا تاماً حتى كانت الالفاظ المعربة هى الى الرطانة أقرب منها إلى الاسلوب العربي، ولم يشر أحد من المتقدمين في جميع العصور الى كيفية الاخذ عن الاغريقية أو اللاطينية إلى أن أتيح الى العالم سليمان البستاني نقل الياذة أوميرس شعراً إلى العربية، فذكر ضمن فذلكة في مقدمة كتابه بعض القواعد التي تتبع في التعريب، فقال ضمن قوله انه اختار الغين للجيم الاعجمية والباء لتحل محل الباء الفارسية، والحقيقة انه نقلها عن المتقدمين ولم يكن هو المخترع لها ثم خلط في بعضها، وقد عن لي أن أسبق هذه القواعد والاصول بتقدمة في تاريخ اللغة العربية من عهد تكونها من اصوات تحاكي الطبيعة الى أن بلغت بفرط ذكاء العرب وجودة قرائحهم من الدقة والرقة واللطف والارهاق حداً ليس وراءه غاية

وقد جعلت هذا الكتاب مقدمة لما سيتلوه من المعاجم الخاصة والعامة ليكون أساساً متيناً للنهضة العصرية المباركة

وقد كان اعتمادي في وضعه على جملة صالحة من المكتب القيمة في مختلف العلوم واللغات لو ذكرتها لشغلت صحفاً عديدة أولي بها الكتاب وانما ذكرت بعضاً منها في ذيل كل صحيفة. واللّٰه المسؤول أن ينفع به الناس بقدر ما كان من حسن النية وبذل الجهد في جمعه وتدوينه

الدكتور احمد عيسى


شهر ربيع الأول سنة ١٣٤٢
المطابق أكتوبر سنة ١٩٢٣