انتقل إلى المحتوى

التهذيب في أصول التعريب/باب في مراتب كلام العرب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة مصر (1923)، الصفحات ٤٨–٥٠
 

٨- باب في مراتب كلام العرب

وكلام العرب من حيث البيان والوضوح على ثلاثة ضروب واضح ومشكل ومشتبه

فاما واضح الكلام[١] فالذى يفهمه كل سامع عَرَفَ ظاهر كلام العرب نحو شربت ماءً ولقيت محمداً وكما جاء في القرآن الشريف «حُرِّمت عليكم الميتَةُ والدمُ ولحم الخنزير» وقول النبي محمد صلى اللّٰه عليه وسلم «اذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يَغْمِس يدَه في الاناء حتى يغسلها ثلاثاً» وكقول الشاعر

ان يحسدوني فاني غير لائمهم
قبلي من الناس أهل الفضل قد حُسِدُوا

وهذا الضرب هو أكثر كلام العرب وأعمه

الضرب الثانى المشكلُ: وهو الذي يأتيه الاشكال من غرابة لفظه أو أن تكون فيه اشارة الى خبر لم يَذْكُرْهُ قائلهُ على جهته، أو أن يكون الكلام في شيء غير محدود، أو يكون وجيزاً في نفسه غير مبسوط، أو تكون ألفاظه مشتركة. فاما المشكل لغرابة لفظه فقول القائل «يَمْلُخُ في الباطل مَلْخًا يَنْفُضُ مِذْرَوَيْهِ وقوله أيُدَالكَ الرجلُ المرأةَ» قال «نعم» اذا كان مُلْفَجاً: وقوله أعْمَدُ من سَيِّدٍ قتله قَوْمُهُ، وقال بن مَيَّادَة

وأعمدُ من قوم كفاهم أخوهُم
صدامَ الأعادي حين فُلَّتْ نُيُوبُها

قال الخليل ومعناه هل زِدْنا على أن كُفِينا وقال ذُؤَيْبٌ

صخبُ الشواربِ لا يزال كأنَّهُ عبدٌ لآل أبي رَبيعةَ مُسْبَعُ

فقوله مُسْبَعٌ ما فسر حتى الآن تفسيراً شافياً

وقول الأعشى

ذات غَرْب ترمي المُقَدَّمَ بالرِّدْ
ف اذا ما تتابع الأَرواق

وكقوله في هذه القصيدة

المهنِين ما لهم في زمان الـ
جَدْب حتى اذا أفاقَ أفاقوا

وكقولهم: «يا عِيدَ ما لَك» و«يا هَيْءَ ما لك» «يا شيءَ ما لَكَ»

وقولهم: بِخَائِبِكَ أَلْحق ويهتفون وحَيْ هَلْ

وقولهم «صَهْ» و«وَيْهَكَ» و«إِنِيْه» فلم يفسروا ذلك

ومن المشكل الغريب «حَيَّ» و«حَيَّ هَلَا» و«بعينٍ ما أرَيَنَّك» في موضع أعْجَل ، و«هَجْ» و«هَجَا» و«دَعْ» و«دَعَا» و«لَعاً» للدعاء للعاثر

وكقولهم للزجر: «أَخِّر» و«أخِّرِي» و«ها» و«هَلَا» و«هَابِ»

و«أرْحَبِي» و«عَدِّ» و«عَاج» و«ياعاطِ» و«إِجْدِ» و«أجْدِم» و«حِدِّجْ» وقول الشاعر:

وما كان على الجيْءِ
ولا الهَيْءِ امتداحيكا

فلا يعلم أن أحداً فسر هذا

ومن الغريب في شعر العرب قوله

وقاتم الأعماق شأزٍ بن عَوَّه
مَضْبُورَةٍ قَرْواءَ هِرْجابٍ فُنُق

وقول القائل:

كذبتُ عليكم أو عدُوني وعَلِّلوا
بيَ الأرضَ والأقوامَ قِردانَ مَوْظبَا

وقول الآخر:

كذبَ العَتيقُ وماءُ شَنّ باردٌ
إن كنتِ سائلتي غَبُوقًا فَاذْهَبِ

وقول الأفوه:

عنكمُ في الأرضِ انَّا مَذْحِجٌ، وَرُوَيْداً يَفْضَحُ الليل النهارُ فعنك في الأرض أو عنك شيئاً من الغريب الذي لم يفسر

وقول امرئ القيس

دَعْ عَنْكَ نَهْباً
صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ

وقولهم: ان العصا قُرِعَتْ لذي الحِلْمِ

ومن الغريب المشكل في أمثال العرب: بَاقِعَةٌ، وشرابٌ بأنْقُع، ومخْرنْبِقٌ لِيَنْبَاع، ومنه رُوَيْداً سَوْقَكَ بالقوارير، وقوله الغَمَرَاتِ ثم يَنْجَلينَا، وقوله وضعوا اللُّجَّ على قَفَيَّ،

ومن الغريب في كتاب اللّٰه جَلَّ ثَنَاؤُهُ: «فلا تَعْضُلُوهُنَّ» «ومن الناس من يَعْبُدُ اللّٰهَ على حرفٍ» و« سَيِّداً وَحَصُوراً» و«يُبْرِئُ الأَكْمَه» وغيره كثير مما صنف العلماء في كتب غريب القرآن

ومما جاء في الحديث من الغريب «على التِيعَةِ شاةٌ» «والتِيمَةُ لصاحِبها»

وفي السُّيوب الخُمُس لا خِلاط ولا وِراط ولا شِنَاقَ ولا شِغَارَ «ومن أجْبَى فقد أرْبى»

الضرب الثالث: المشتَبه. وهو ما ليس بغريب اللفظ ولكن الوقوف على کنهه معتاص كقولهم الحين والزمان والدهر والأوان وكقولهم عُبْسور في الناقة و، امرأةٌ ضِنَانيّ، و«فَرَسٌ أَشَقُّ أمَقٌّ خِبَقُّ»

وقد كان لهذا الكلام كله ناسٌ يعرفونه ويعلمون معنى ما نستغربه اليوم ولكن ذهب هذا كله بذهاب أهله ولم يبق عندنا الا الاسم الذي نراه


  1. الصاحبي لاحمد بن فارس