انتقل إلى المحتوى

التهذيب في أصول التعريب/باب في علة سكن البوادي من عرب البدو وغيرهم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة مصر (1923)، الصفحات 23–25
 

٥ – باب في علة سكن البوادي من عرب البدو وغيرهم

ان حال العرب مشهور عند الأمم من العز والمنعة والأنفة، وكانوا طبقتين [١] أهل مَدَر وأهل وبَرْ، فأما أهل المدَر فهم أهل الحَضَرْ وسكان القرى، وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والكرم والماشية والضرب في الارض للنجارة وغير ذلك من ضروب الاكتساب، ولم يكن منهم عالم مذكور ولا حكيم مشهور، وأما أهل الوبر فهم قطان الصحارى وعمَّار الفلوات، وكانوا يعيشون من ألبان الابل ولحومها، وكانوا زمان النجعة ووقت التَبَدِّي يراعون جهات ايماض البرق ومنشأ السحاب وجلجلة الرعد، فيؤمون منتجعين لمنابت الكلأ، مرتادين لمواقع القطر، ويخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي، ثم يقومون لطلب العشب وابتغاء المياه، فلا يزالون في حل ورحال كما قال المثقب العبدى في ناقته

تقول اذا درأت لها وضينى
أهذا دينه أبداً وديني
أكل الدهر حال وارتحال
أما تبقي على ولا تقينى

فكان ذلك دأبهم زمان الصيف والقيظ والربيع، فإذا جاء الشتاء وأقشرت الأرض ومدَّت انكمشوا الى أرياف العراق وأطراف الشام، وركبوا الى القرب من الحواضر والدنو من القرى، فشتوا هنالك مقاسين جهد الزمان ومصطبرين على جهد العيش، وهم خلال ذلك يتواخون بقُوتِهم ويتشاركون في بلغتهم، مدمنون على اباء الضيم ونصرة الجار والذب عن الحرم، فرأت العرب[٢] أن جولان الأرض وتخير بقاعها على الأيام أشبه بالعزو أليق بذي الأنفة، وقالوا لنكون محكمين في الأرض نسكن حيث نشاء أصلح من غير ذلك، فاختاروا سكنى البدو من أجل ذلك، والقدماء من العرب لما ركبهم اللّٰه من سمو الأخطار ونيل الهمم والأقدار وشدة الأنفة والحمية من العُرَّة والهرب من العار بدأت التفكر في المنازل والتقدير للمواطن؛ فتأملوا شأن المدن والأبنية فوجدوا فيها معرَّة ونقصاً، وقال ذو المعرفة والتمييز أن الارض تمرض كما تمرض الأجسام وتلحقها الأنات والواجب تخير المواضع بحسب أحوالها من الصلاح اذ الهواء ربما قوي فأضر بأجسام سكانه وأحال أمزجة قطانه، وقال ذو الآراء منهم ان الابنية والتحويط حصرٌ عن التصرف في الأرض ومقطعة عن الجولان وتقييد للهمم وحبس لما في الغرائز من المسابقة الى الشرف ولا خير في اللبث على هذه الحالة، وزعموا أيضاً أن الأبنية والأطلال تحصر الغذاء وتمنع اتساع الهواء وتسدُّ سروحه عن المرور وقذاه عن السلوك، فسكنوا البرَّ الأفْيَحَ الذي لا يخافون فيه من حصر ومنازلة ضرّ، هذا مع ارتفاع الأقذاء وسماحة الأهواء واعتزال الوباء، ومع تهذيب الأحلام في هذه المواطن ونقاء القرائح في التنقل في المساكن مع صحة الأمزجة وقوة الفطنة وصفاء الألوان وصيانة الأجسام فان العقول والآراء تتولد من حيث تولد الهواء وطبع الهواء الفضاء، وفي هذا الأمن من العاهات والأسقام والعلل والآلام، فآثرت العرب سكنى البوادي والحلول في البيداء، فهم أقوى الناس همماً وأشدهم أحلاماً وأصحم أجساماً وأعزهم جاراً وأحماهم ذماراً وأفضلهم جواراً وأجودهم فطنًا لما أكسبهم اياه صفاءُ الجو ونقاء الفضاء، لأن الأبدان تحتوي أجزاؤها على متكاثف الأكدار وعناء الأقذار بما يرتفع اليه ويتلاطم في عرصاته واقفة من جميع المستحيلات والمستنقعات من المياه، ففي أكنافه جميع ما يتصعد اليه وكذلك تراکیب الأقذاء والأدواء والعاهات في أهل المدن، وتركبت في أجسامهم وتضاعفت في أشعارهم وأنثارهم ففضلت العرب على سائر ما عداها من بوادي الامم المعترضة لما ذكرنا من تخيرها الأماكن وارتياد المواطن


  1. طبقات المم
  2. المسعوي مروج الذهب