التهذيب في أصول التعريب/باب في تقسيم اللغات السامية
١٢– باب في تقسيم اللغات السامية[1]
اللغات السامية تنقسم الى قسمين عظيمين قسم شرقي، وهو الذي يشمل لغات بابل وآثور، وقسم غربي، وهذا القسم الغربي ينقسم الى قسمين شمالي ويشمل الكنعانيين (وهم الفينيقيون والعبرانيون) والمؤابيين والأراميين، وقسم جنوبي ويشمل العرب والحِمْيرين والحبش
والكنعانيون هم قوم من الساميين دخلو هذه البلاد الشمالية المتمدينة قبل الأراميين وسكنوا الغور الموازي لشاطئ بحر الروم، وأقدم آثارهم الكتابية اللغوية وهي كتابة بحروف ولغة بابلية أي بحروف اسفينية أو مسمارية، كتبها بعض أمراء فلسطين في القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى أمينوفيس الرابع ملك مصر، وهذه الكتابة وجدت فى تل العمارنة في مديرية أسيوط، وفي هذه الكتابة توجد أخص الصفات المميزة للنطق الكنعاني وفيها الالف الممدودة محولة الى ألف مائلة، وينسب ذلك الى وجود هذا النطق عند الامم التي سكنت هذه البلاد قبل الساميين، ومن أقدم آثارهم كذلك بعد كتابة تل العمارنة كتابة مِيشَع ملك مؤاب وتاريخها ٩٠٠ قبل المسيح، وقد اكتشفت في سنة ١٨٦٨ وهي محفوظة في متحف اللوفر في باريس ومنها تعرف جميع الخصائص النحوية والانشائية المميزة لأشهر اللهجات الكنعانية وهي العبرانية
وأهم اللهجات الكنعانية هي العبرية لغة بني اسرائيل، وأقدم آثارها ترنُّم دَبُوره الذي يرجع الى زمن الفتح أي الى ستة قرون قبل المسيح، وقد كان زوال الاستقلال اليهودي ضربة قاضية على اللهجة العبرية، ولم يهجر المنفيون من بلاد بابل من العبرانيين لسانهم، ولكنهم تمسكوا به بقدر اشتداد المحن التي كابدوها في عقائدهم، ولما عادوا الى بلادهم وجدوا لغتهم لا تزال حية يتكلم بها العامة، ومنذ ابتدأ العصر اليوناني اضمحلت اللغة العبرية، ولم يتمكن الذين هاجروا الى مصر أو توغلوا أبعد من ذلك غرباً من حفظ لغتهم الاصلية أزاء اللغة الاغريقية، وكذلك الذين لم يبرحوا أرضهم فقد كان موقفهم كذلك الموقف حيال اللغة الأرامية التي انتشرت حينئذ في جميع آسيا الغربية حتى صارت لغة العامة، ولم يمكنهم حفظ لغتهم الوطنية من الأرامية لتقارب اللهجتين بعضهما من بعض، وصارت اللهجة العبرانية لغة الدين مدة قرون، وكتب بها بعض الكتابات بعد أن هجرها العامة بزمن طويل، ومن أهم اللهجات الكنعانية بعد العبرية الفينيقية ولهذه اللهجة آثار كتابية يرجع بعضها الى القرن التاسع أو العاشر قبل الميلاد، وهي تطابق اللهجة العبرية بأصولها السواكن مطابقة تامة، وأشهر مدن فينيقية مدينتا صور وصيدة. والفروق بينها وبين اللهجة العبرية في الحروف المتحركة أهم منها في الحروف السواكن، وكذلك النحو، على ما يفهم من انشاء الكتابات، لم يكن مطابقاً تمام المطابقة للنحو العبري، وأعظم الخصائص النحوية في اللهجة العبرية والمشتركة بينها وبين اللهجة المؤابية استعمال الزمن في حكاية الماضي في الكلام فانه يبتدأ بالتام ويستتبع بالناقص ويقابل ذلك أن للفينيقين بناء للفعل غير معروف في اللهجة العبرية ولكنه وجد بعد ذلك في اللغة العربية وهو صحة الدلالة على الأزمان باستعمال فعل مساعد هو كان أمام التام من الفعل لجعله غير تام
وقد انتشرت اللغة الفينيقية في أكثر بلاد ساحل بحر الروم وخاصة في شمال أفريقية في قرطاجة وما حولها من البلدان.
- ↑ معولنا في كتابة هذا الفصل في الاكثر على محاضرات استاذنا الدكتور أنوليتمان التي ألقاها في الجامعة المصرية وعلى كتاب بروكلمان في مقارنة اللغات السامية وعلى دائرة المعارف العبرية Jewisch encyclopedia