انتقل إلى المحتوى

التهذيب في أصول التعريب/باب في اللغة العربية بين اللغات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة مصر (1923)، الصفحات 54–57
 

١٠ – باب في اللغة العربية بين اللغات

اللغة العربية هي احدى اللغات السامِيَّة أي اللغات التي تتكلمها الأمم السامية، وهي التي سكنت شمالي بلاد العرب وجنوبيها وفي بابل وآثور، والآراميون على اختلافهم والعبرانيون والفينيقيون والأثيوفيون وأمم شمال افريقية وبعض سواحلها الشرقية،

وهذه اللغات وهى السريانية والعبرانية والأرامية والفينيقية والعربية والحبشية، بعضها لا يزال حياً وبعضها مات واندثر،

واطلاق لفظ ساميَّة على هذه اللغات سببه أن شاوزر[1] في أواخر القرن الثامن عشر حوالي عام ١٧٨١ بعد الميلاد، لما رأى تقارب هذه اللغات بعضها من بعض، ورأى الامم التي تتكلمها وهم الآراميون والعبرانيون والعرب هم من نسل سام بن نوح، كما جاء فى الكتاب الأول من كتب موسى فى الاصحاح العاشر من سفر التكوين، أطلق اسم اللغات السامية على هذه اللغات جميعاً

وسفر التكوين هذا يقسم أمم أسيا القديمة الى ثلاثة أقسام كبار، على رأس كل قسم منها واحد من أولاد نوح وهم سام وحام ويافث، فقد جاء في الاصحاح العاشر من سفر التكوين ما يلي «وهذه مواليد بني نوح سام وحام ويافث الخ..،

وترتيب الأمم كما ذكر في سفر التكوين ليس مبنيا على مبادئ لغوية ولا على أصول شعبية، وانما هو للعلاقات السياسية والجغرافية والروابط العمرانية، ولذلك فان العيلاميين واللوديين ليسو هم من نسل عيلام بن سام بن نوح ولكنهم يتكلمون لغة لها اتصال باللغة السريانية وهاجر الى بلادهم كثير من الساميين، في حين أنه قد نسب أقرب الأمم إلى العبرانيين لغة وتاريخاً وهم الفينيقيون والكنعانيون الى حام للعلاقات السياسية والعمرانية المتينة بينهم وبين المصريين، وكذلك لم يوضح سفر التكوين أمم جنوب بلاد العرب وبلاد أثيوفية تمام الوضوح، وليست الأمم المذكورة هنا هي كل ما يشمله لفظ الامم السامية، فإنه يوجد من البراهين القوية ما يثبت أن المصريين هم من الأمم السامية، وكلما تقدمت دراسة أقدم صور الكلام المصري القديم زادت مشابهته للغات السامية وضوحاً، وللاستاذ أرمن Erman العالم بالآثار والعاديات المصرية رأي في ذلك، وهو أن المصري القديم هو لغة سامية انفصلت من فجر التاريخ عن أخواتها واتبعت طريقها الخاص من آلاف السنين، وللاستاذ أدوار نابيل[2] بحث مستفيض في هذا الموضوع في كتابه الموسوم نشوء اللغة المصرية واللغات السامية المطبوع في باريس عام ١٩٢٠، فليراجعه من أراد الاستفاضة في هذا الموضوع

على أن هذا الاسم هو في الواقع أحسن ما يتفق على وضعه من الاسماء، وجَعْلُ العلم الحديث معنى آخر له غير ما يراد به في سفر التكوين لا يمنع من استعماله

واللغات السامية هي أقرب شبها بعضها من بعض من اللغات الآرية وهي الهندية الأروفيّة

وهذه الاعتبارات عينها تنطبق بعض الانطباق على اللغات المسماة حامية نسبة الى حام بن نوح، وهى عدا المصرية والقبطية لغات البربر التي يتكلم بها في شمال أفريقية من برقة الى البحر المحيط، وهى القبائلي والطَماشِك، ولغات الكوشيين التي يتكلم بها في بلاد الحبشة وما يجاورها من الأقاليم على سواحل البحر الاحمر يقرب مصوع وباب المندب وساحل المحيط الهندي وجنوب بلاد الحبشة، وهي البشارية والبُجَة والسَّاهو والجَلَّا والدنقِلي (جمعها دناقل) أو عَفَر والصومالي ولغات آغو والبيلين والخَمير والقرا الخ، فان لمجموع هذه اللغات شبها باللغات السامية لا سيما المطابقة العجيبة في صور الكلمات، وسواء أكانت المطابقة ناشئة عن قرابة، وهو ما يظهر بعيد الثبوت، أو عن استعارة فان هذه اللغات لا مشاحة قد انفصلت بعضها عن بعض قبل التاريخ

والاختلاف بين اللسان المصري القديم وبين اللغات السامية كالعربي والعبراني أقل منه بين هذه اللغات وبين اللغات البربرية والكوشية حتى جعل قوم يذهبون الى عد اللغة المصرية القديمة من اللغات السامية

ووجوه القرابة بين اللغات السامية واللغات الحامية، التي هي المصرية القديمة والقبطية والطَمَشَك والبُجَه والجَلَّا والسومالي والساهو ولغات آغو وهي البَلين والخَمير والقرا والدناقل أو عفار، هو أولا وجود الحروف الحلقية كالهمزة والعين فيها كما في اللغات السامية، وثانياً، أن أصول كلماتها ثلاثية، وثالثا تشابه الضمائر المتصلة في المجموعتين من اللغات، ورابعاً أن الفعل المتعدِّي في كلاهما يكون بتشديد عين الفعل مثل قتَّل وبعَّد الخ

وهذه اللغات الأفريقية يطلق عليها غالباً لفظ السامية الحامية


  1. La science du langage par Max Müller, Paris 1876
  2. Edouard Naville, L'évolution de La Langue Egyptienne et des Langues semitiques, Paris 1920