انتقل إلى المحتوى

التهذيب في أصول التعريب/باب في اللغات السامية الجنوبية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة مصر (1923)، الصفحات 74–76
 

١٤ - باب في اللغات السامية الجنوبية

وأما اللغات السامية الجنوبية فتنقسم إلى قسمين عظيمين العربي والحبشي

أما العربي فينقسم الى قسمين شمالي وجنوبي فالشمالي يشمل خمس لهجات وهي –١ اللحيانية -٢ الثمودية -٣ الصَفَوية -٤ العربية النبطية -٥ العربية الفصحى

وأما العربي الجنوبي فيشمل -١ المَعِينيَّة -٢ السبأية -٣ القَتَبانية ٤ الحَضْرَمِيَّة -٥ اللهجات الجديدة وهي المَهْرية لغة مَهْرَة والشِّحْرية لغة الشِّحْرِ والسُّقُطْرية لغةَ جزيرة سُقُطْرى

فأما اللهجات اللّحْيانية والثمودية والصفوية فيتناسب بعضها مع بعض، وأما العربي النبطي فهو كالعربي الفصيح، وقد وجدت بعض الكتابات اللحيانية في مدينة العُلَا في شمال الحجاز قريبة من الحِجْر وفيها أسماء ملوك لِحْيَان، ومملكة لحيان كانت في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد أي قبل استيلاء النبط عليها،

أما الثمودية فسميت بذلك لان قبائل ثمود كانت تسكن تلك الجهات ووجد شيءٌ من كتاباتها في مدائن صالح، وصالح هو النبي المرسل الى ثمود وتاريخها في القرن الرابع أو الخامس قبل الميلاد

أما الصفوية فسميت بذلك لوجود الكتابات المكتوبة بها في الحَرَّة ما بين جبل الدروز وتل الصَّفَاة، فاعتاد العلماء المستشرقون تسميتها بذلك[1] ولو سميت بالحرية لالتبس الاسم لوجود حرَّات كثيرة في جزيرة العرب وفي الشام، وأكثر كتاباتها من القرون الاول والثاني والثالث بعد الميلاد. واللهجة المستعملة في هذه الكتابات هي لهجة عربية مع بعض الاختلاف في أسماء الاشارة والأسماء الموصولة وأداة التعريف، وبعض كلماتها تناسب العبرية والأرامية أكثر مما تناسب العربية لمجاورة أهل الصفاة للساميين الشماليين

وقد باد الخط الصفوي قبل الاسلام واستعمل مكانه الخط النبطي المتأخر القريب من الخط الكوفي، والخط النبطي هذا هو خط الحضر كما كان الصفوي خط العرب البدو، والكتابات العربية الفصيحة التي كتبت بحروف نبطية متأخرة أو حروف تشبه الخط الكوفي هي كتابات النَّمارة المشهور وزَبَد وهي خربةٌ موجودة بين قِنَّسْرِين ونهر الفرات ويوصل اليهما من حلب في إثنتي عشرة ساعة، وكتابة حَرَّان، وأم الجِمال، وأشهرها كتابة امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كتبت سنة ٣٢٨ بعد الميلاد، والنمارة هذه قصر صغير من آثار الدولة الرومانية موجود في حرّة الشام شرقي جبل الدروز ويختلط بها بعض الكلمات الآرامية واللغة النبطية تأتي بعد اللهجة العربية الفصيحة ويأتي بعدها الآرامية

فلما ظهر الإسلام أخذت اللغة العربية الفصحى وهي لغة أواسط بلاد العرب (الحجاز ونجد) أي قبائل قريش وما جاورها في التفوق والحلول محل باقي اللغات وعمَّ الاقطار لغة العرب وكتابتهم متماشِيَيْن مع الدين أينما سارَ، وصارت العربية لغة نصف المعمور من الدنيا، وهي أي اللغة الفصحى لغة الشعر والقرآن لغة الأحاديث والسنة، لغة الفقه والشرع، لغة التأليف والتصنيف في القرون الاولى للهجرة، يُتكلم ويكتب بها بداهة حتى كثر اختلاط العرب بالأعاجم فابتدأ الفساد في ملكة اللسان والتحريف يفشيان في اللغة، وهال القائمين هذا الأمر خوفا على القرآن والدين فوضعوا علم النحو، وأخذ العلماء يتبارون في وضع أصول هذا الفن وقواعده والاسترشاد بفصحاء الاعراب ووفود البادية الذين لم يخالطوا غيرهم من الأمم في صحة الكلام والنطق به حتى تم لهم ضبط هذه اللغة وبنائها على أساس متين، فلم تخدم لغة أخرى بمثل ما خدمت به اللغة العربية، وسيأتي شرح ذلك في فصل خاص


  1. انو ليتمان