انتقل إلى المحتوى

التهذيب في أصول التعريب/باب في السبب الداعي إلى نقل فلسفة اليونان وعلومها إلى اللغة السريانية قبل النهضة العربية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

١٣ – باب في السبب الداعي الى نقل فلسفة اليونان وعلومها الى اللغة السريانية قبل النهضة العربية

كانت يونان أمة عظيمة القدر في الاُمم، ظاهرة الذكر في الآفاق، فخمة الملوك عند جميع الأقاليم، وكانت الفلسفة زاهية زاهرة في بلاد اليونان القديمة، وفلاسفتهم من أرفع الناس طبقة، وأجل أهل العلم منزلة، لما ظهر منهم الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة من العلوم الرياضية والمنطقية والمعارف الطبيعية والالهية والسياسات المنزلية والمدنية[1]، وكان فلاسفة اليونان فرقا كثيرة اشتقت اسماءها اما من اسم الرجل المعلم للفلسفة، أو من اسم البلد الذي كان مبدأ ذلك العلم، أو من اسم الموضع الذي كان يعلم فيه، أو من اسم التدبير الذي كان يدبر فيه، أو من اسم الآراء التي كان يراها أهلها في الغاية التي يقصد اليها في تعلم الفلسفة، أو من الافعال التي كانت تظهر عليه في تعليم الفلسفة، فنبتت من ذلك شيع أو فرق في يونان ومدنها الاثنتي عشرة مدينة (على الساحل الغربي للاناضول من فوقَي (Phocée) الى ملاطية (Milet) واليها ينسب ثاليس (Thales) وأنكسِيمَانُس (Anaximène) وأنَكْساغورس (Anaxagores) وأرْخيلاوس (Archélaüs) وفرقة فوثاغورس (Pythagore) وفرقة أرسطِيفوس (Aristippe) من أهل قورانا (Cyréne) وشيعة سُقْراط وفرقة أصحاب المظلة أو أصحاب الرواق Portique، Stoicienne) أو أصحاب ​الاسطوان، وفرقة الكلابية (Cynique) هم وأصحاب كروسيفوس (Chrysippe) وأصحاب ديوجانس (Diogène) وفرقة المتشككة أو المانعة (Sceptique) وهم أصحاب فورن (Pyrrhon)، وفرقة اللذَّة (Le plaisir) وهم أصحاب أفيقورس وفرقة المشائين (Péripateticiens) وهم أصحاب أرسطو، وأفلاطون صاحب الافلاطونية (Platonisme) ومنهم أيضا الدهريون (Atomistiques) والطبيعيون (Naturalistes) والسوفسطائيون (Sophistique) والبرهانيون (Logique) والقياسيون (Dialectique) والالهيون (Métaphysique) الخ وقد اختصر بعض علماء الاسلام هذه الشيع فى ثلاث فرق فقالوا دهريون وطبيعيون والهيون

فأما الدهريون (Atomistique) فهم فرقة قدماء جحدوا الصانع المدبر للعالم وقالوا بزعمهم ان العالم لم يزل موجوداً على ما هو عليه بنفسه، لم يكن له صانع صَنَعه ولا مختار اختاره، وأن الحركة الدورية لا أول لها، وان الانسان من نطفة، والنطفة من انسان، النبت من حبة، والحبة من نبت، فهم يقولون ببقاء المادة وعدم فنائها وانها سابحة في الفضاء بتركيبها تتكون جميع الاشياء الموجودة في العالم

والفرقة الثانية الطبيعيون، وهم قوم بحثوا عن أفعال الطبائع وانفعالها وما صدر عن تفاعيلها من الموجودات حيوان ونبات، وفحصوا عن خواص النبات وتشريح الحيوانات وتركيب الأعضاء وما ينتج عن اجتماعها وتركيبها من القوى ورأوا قوام الموجودات من الأصول التي جعلوها مبادئ وهي الاركان الاربعة الماء والهواء والتراب والنار، ورأوا فساد كثيرها عند انتهائه الى غايته التي اقتضتها قوة استمداده من الطبائع المتفاعلة، وحكموا بان الانسان كسائر الموجودات، وأنه يقيم بقدر استمداده، ثم يتحلل ويفنى ويذهب كغيره من الموجودات الكائنة لكونه،

والفرقة الثالثة الالهيون، وهم المتأخرون من حكماء يونان الذين مالوا عن الفلسفة الطبيعية الى الفلسفة الالهية أو المدنية أو فلسفة ما بعد الطبيعة، واليها كان يذهب ارسطوطاليس وابن أخته تاوُفْرَسْطُس وثامسْطِيوس وفُلوطَرخُس وذيمُقْراطس

​وقد أحدثوا من الآراء خلافاً على من تقدمهم، وحاجة الناس وقتئذ الى الاجتماعات الانسانية، وأولها الاجتماع المدني الذي يكون في المدينة الفاضلة (la république idéale) ومراتب أجزائها ورياستها، ونزول أعضائها منزلة أعضاء الحيوان من الحيوان من جهة التعاون على تكميل السعادة للانسان، كما يتعاون أعضاء الحيوان على تكميل حياة الحيوان، وأصناف المدن المضادة للمدينة الفاضلة كالمدينة الجاهلة والمدينة الضالة والمدينة الفاسقة ومراتب ملوكهم ورياستهم، ثم قول هؤلاء الفلاسفة في الأوائل Des premières principes et des premières causes التي بها وجود سائر الموجودات، وهي الاول أكلمها وجوداً اذ لم يكن وجوده لأجل غيره، ووجود كل ما سواه لاجله (Theologie naturelle ou théodicée) والاشياء منه لا هو منها اقتبست وجودها من وجوده، وقولهم في العقل الفعَّال والنفس والصورة والهيولى (Psycologie rationnelle) وباقي الموجودات، والاجسام بأجناسها، وهي الحيوان والنبات والاجسام المعدنية، Cosmologie ou philosophie de la nature وكلامهم في الاستقصات وهي العناصر

استمر الحال على هذا المنوال فى يونان وانتقلت منها بعض هذه المذاهب الى مصر، الى أن أحاطت بيونان الكوارث وحاقت بها الاحن، وأهملت الفلسفة ودرست كتبها وقَتل أغسطس (Julius Caesar Octavius Augustus) الملك الرومانى (ولد سنة ٦٣ ق م) قلا وفطرة الملكة آخر ملوك البطالمة اليونانيين واضافة مملكتهم إلى مملكته، فانقرض ملك اليونان من الارض، وانتظمت مملكتهم مع مملكة الروم، فصارتا مملكة واحدة رومية عظيمة الشأن، وصارت مدينة رومية قاعدة هاتين المملكتين، ثم نقل مجالس التعليم من أثينة الى الاسكندرية ورومية، ولاثنتين وأربعين سنة خلت من حكمه كان مولد المسيح عليه السلام ببيت لحم من بلاد فلسطين

وكان اليونان[2] والروم قديماً صابئة، وكانت أول بلد أظهر فيه دين ​النصرانية مدينة انطاكية، والنصارى يدعونها مدينة اللّٰه ومدينة الملك وأم المدن، وبها كرسي بطرس ويسمى شمعون وسمعان خليفة أيشوع الناصرى، ثم دخل شمعون الضيا مدينة رومية وسقف بها وديَّرها سنين، ودانت له امرأة الملك فروطانيقي، وهي التي أخرجت الخشبة التي تظن النصارى أن المسيح صلب عليها، وكانت في أيدي اليهود في أورشليم فأخذتها منهم وردتها على النصارى

وفي حكم نيرون قتل بطرس وبولس برومية وصلبا منكسين وذلك بعد المسيح باثنتين وعشرين سنة

وما زال اليهود والنصارى في اضطهاد وتقتيل وأذى وتشريد من ملوك الروم في فلسطين وغيرها ثم ردٍّ للتماثيل التي جعلها الصابئون مُثُلاً للجواهر العلوية والاجسامِ السمائية التي هي وسائط بين العلة الاولى عندهم وبين الخليقة في العبادات الى أن دان قسطنطين بن قُسْطَنس (المولود سنة ٢٧٤ ب م)، ويعرف بأمه هيلاني، باني القسطنطينية بدين النصرانية، ودعا الروم الى التشرع به، فأطاعوه وتنصروا عن آخرهم، ورفضوا دينهم من تعظيم الهياكل وعبادة الأوثان، ولم يزل دين النصرانية يظهر ويقوى الى أن دخل فيه أكثر الامم المجاورة لمملكة الروم وجميع أهل مصر وأهل الحبشة والنوبة

وبعد أن بنى القسطنطينية وبالغ في تحصينها واحكام بنائها جعلها دار مملكته وأضيفت الى اسمه، ونزلها ملوك الروم بعده، وما زالوا بها حتى افتتحها المسلمون

في جميع هذه الأطوار حصل تغيير كبير في الفلسفة، وتنوعت مذاهبها، وانحرفت وجهتها عن الجهة التي كانت عليها في عهد الالٰهين، فان فلاسفة الاسكندرية وغيرها من البلاد المجاورة أرادوا مزج فلسفة أفلاطون ببعض المذاهب التصوفية التي نتجت من انتشار النصرانية، وهذا الاتحاد بين الفلسفة والتصوف هو المعبر عنه بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة Neoplatonisme، ورأس هؤلاء الفلاسفة الذين عملوا على هذا الاتحاد أمونيُوس الاسكندري Ammonius (المتوفى سنة ٢٤١ ب.م)، فانه أراد في أول الامر التوفيق بين فلسفة أفلاطون ​وفلسفة أرسطوطاليس، ثم أدخل على تلك الفلسفة بعض المذاهب الدينية الناتجة عن النصرانية، والغرض منها اتحاد النفس البشرية بالعالم العلوd وهو ما يسمى التوحيد، ثم تبعه في ذلك كثير من الفلاسفة مثل اُرْجانِس وفُرِّفُورِيوس Porphyre صاحب کتاب ايساغوجي أي المدخل الى علم الفلسفة وأمْلِيخوس Jamblique وفُركْلُس Proclus وغيرهم، ثم تدرجوا من ذلك الى أن دخلوا في تنازع شديد مع المسيحية في الوجود ووحدة الوجود والعلة الاولى والنفس والكلمة واتحاد النفس البشرية بالعالم العلوي، (Union hypostatique) وزادت المجادلات التي هزت المسيحية في طبيعة المسيح البشرية والالٰهية وجسد المسيح والكلمة logos ونشأ من هذا الخلاف في الرأي عدة فرق انقسمت بسببها الكنيسة المسيحية على نفسها بعد أن كانت واحدة، وصارت كل فرقة تطعن في الاخرى وترميها بالمروق من الدين والخروج عليه، وتنعقد لذلك المجامع الكنائسية المسماة السنوذسات (Synode) للحكم على أصحاب المذاهب وطردهم من الكنيسة وحرمهم

والسنوذس[3] هو اجتماع علماء النصارى من القسوس والأساقفة وغيرهم من أصحاب المراتب المذكورة لدعاءٍ على شأن حادث وسبب شبه المباهلة، أو نظرٍ في شيء مهم من أمر الأديان، ولا ينعقد هذا الا في أزمنة، واذا اتفق حُفظ تاريخه، وربما استعمل تبركاً وتعبداً،

والمذاهب والفرق التي نبتت في النصرانية عديدة نذكر أشهرها بالايجاز وهي المَرْقِيونية والديْصانية والمانوية والأريوسية والمَقْذُونية والنسطورية والملكائية واليعقوبية والمارونية الخ

أما المرقيونية فهم ينسبون الى مرقيون وكان ابنا لبعض الأساقفة ببلاد حَرَّان، ولد في سينوب من أعمال فُنْطُس، وقد أظهر مرقيون مقالته في سنة ٨٠ ب م وهي القول بالأثنين أي بوجود أصلين قديمين متضادين أحدهما الخير والآخر الشر وثالث بينهما هو السعد، وقالوا الاثنان أحدهما النور والآخر ​الظلمة وأثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع، وقالوا انما أثبتنا المعدل لان النور الذي هو اللّٰه تعالى لا يجوز عليه مخالطة الشيطان، وأيضاً فان الضدين يتنافران طبعاً ويتمانعان ذاتاً ونفساً فكيف يكون اجتماعهما وامتزاجهما، فلا بد من وجود معدل تكون منزلته دون النور وفوق الظلام فيقع المزاج منه وهذا المذهب قريب من المانويّة

وأما الديصانية فينسبون الى أبَردَيْصان لانه ولد على نهر يقال له ديصان فوق مدينة الرُّها ومعناه ابن النهر وهو من أصحاب الأثنين، ظهر في أواخر القرن الثاني وكان أسقفاً للرُّها، وأصحاب ديصان أثبتوا أصلين نوراً وظلاماً، فالنور يفعل الخير قصداً واختياراً والظلام يفعل الشر طبعاً واضطراراً، فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور، وما كان من شر وخير ونتن وقبح فمن الظلام

وأما المانوية فينسبون الى ماني بن فاتِك من أصحاب الاثنين وقد ظهر في الدولة الساسانية في ملك سابور بن أرْدَشير، ولد في بابل في قرية بردينو التابعة لدولة الفرس في سنة ٢٣٩ أو ٢٤٠م، وأتى المدائن وتعلم فيها وهو تلميذ فاذن Phédon الذي هو تلميذ سقراط، وماني هذا اسمه مناحم بالعبرية وادعى أنه الفارقليط Paraclet الذي بشَّر به المسيح وأنه خاتم النبيين وقد ذكر ذلك في كتبه، كانجيله الذى وضعه والشابورْقان الذي ألفه لشابور بن أردشير وكنز الاحياء وسفر الجبابرة وسفر الأسفار، وقد حدث بينه وبين سائر أصحاب الاثنين ممن تقدموه وهم المرقيونية والديصانية حجاج ونزاع، وقد قتله بَهْرام بن هُرْمُز، وكان مذهب ماني وسطاً بين المجوسية والنصرانية يقول بنبوة المسيح عليه السلام، ولا يقول بنبوة موسى، ويقول ان العالم مصنوع من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، أنكر وجود شيء لا من أصل قديم وزعم أنهما لا يزالا قوتين حاستين سميعتين، بصيرتين وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادتان

​وأما الأريوسية فينسبون إلى أريوس من الملاحدة، ولد سنة ٢٧٠ ب م وقُسَّ وهو متقدم في السن ونشر مذهبه في الاسكندرية، وكان في زمن قسطنطين باني القسطنطينية وأول من تنصر من ملوك الروم وكان على مذهب أريوس، ولعشرين سنة خلت من حكمه كان السنوذس الأول بمدينة نيقية Nicée من بلاد الروم سنة ٣٢٥م، حضر هذا المجمع ٣١٨ أسقفاً، فحرموا أريوس الاسكندراني لمخالفته لهم في الأقانيم وتخليدهم ما كانوا أجمعوا عليه من القول في أقنومي الأب والابن ومن قولهم التوحيد المجرد، وأن عيسى عليه السلام عبد مخلوق وأنه كلمة اللّٰه تعالى التى بها خلق السموات والارض، قال البيروني ورائيهم في المسيح أقرب الى ما عمله أهل الاسلام وأبعد مما يقول به كافة النصارى وفرق أخرى كثيرة

أما المقذونية فتنسب الى مقدونس بطريرك القسطنطينية، من سنة ٣٤٢ الى سنة ٣٦٠، ومقذونس هذا يلقب بعدو الروح (Pneumatique) لمخالفة الجماعة في صفة روح القدس وتخليدهم القول في هذا الاقنوم، فانعقد لذلك السنوذس الثاني، اجتمع فيه ١٥٠ أسقفاً بقسطنطينية على يدي تذُوس الثاني بن أرْقادِيُوس فلعنوا مقدونس وأشياعه

وأما الملكائية (Melchites ou imperialstes) فهم الروم، وانما سموا بذلك لان ملك الروم على قولهم، وليس بالروم سواهم، وهم الذين يتبعون القوانين الكنائسية التي أصدرها السنوذس الرابع بمدينة خَلْقَذونية سنة ٤٥١ ب م المجتمع بناء على أمر الامبراطور مرقيان Marcien اجتمع فيه ٣٦٠ أسقفاً، وفي هذا المجتمع خالف الملكائية النسطورين وذيُسقورس وأطُوخُس Eutyches من زعماء اليعقوبية في الأقانيم والجوهر، فيقولون ان اللّٰه تعالى عبارة عن ثلاثة أشياء أب وابن وروح قدس كلها لم تزل وأن عيسى عليه السلام اله تام كله ليس أحدهما غير الآخر، وأن الانسان منه هو الذي صلب وقتل، وأن الآله منه ​ لم ينله شيء من ذلك، وأن مريم ولدت الآله والانسان، وأنهما معاً شيء واحد ابن الله

وأما النسطورية فهم أصحاب نَسْطور، ولد في سوريا وعيَّنه تذوس الصغير (Thiodose le jeune) بطريركا على القسطنطينية في سنة ٤٢٨، وكان على كرسيها أربع سنين وهو المبتدع بدعة وجود طبيعتين وشخصين للمسيح، فحصل خلاف شديد في الآراء بين رجال الكنيسة انبنى عليه أن خلعه السنوذس السادس المنعقد بمدينة افسيس Ephése سنة ٤٧١ وحضر هذا المجمع مئتا أسقف، وكان المقدم فيه قورللس Cyrillus بطريرك اسكندرية وكلسطينوس Celestin بطريرك رومة (من سنة ٤٢٢ الى سنة ٤٣٢) ويوبنالس Juvenalis بطريرك ايليا (أورشليم) فلعنوا نسطورس وتبرأوا منه ونفوه، فسار إلى صعيد مصر؛ فأقام ببلاد اخميم والبلينا ومات بقرية بصحراء ليبُوَي، وأحرقت كتبه، وأضافت الملكائية العِباد من النصارى وهم المشارقة الى نسطورس تقريعاً لهم بذلك فسموا نسطورية، وكانت رياسة البطركة للمشارقة في ذلك الوقت لدار يشوع في المدائن من ملك فارس، والنسطورية تقول كما قالت الملكائية في الثالوث، وهو الكلام في الأقانيم الثلاثة والجوهر الواحد وكيفية اتحاد اللاهوت القديم بالناسوت المحدث، وأن للمسيح طبعتين بشرية عند ولادته والهية حين نفخ فيه كلمة اللّٰه وروحه، وقالوا ان مريم لم تلد الآله وأنما ولدت الانسان، وان اللّٰه تعالى لم يلد الانسان وانما ولد الآله

وقالوا ان الكلمة اتحدت بجسد المسيح عليه السلام لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكائية ولا على طريق الظهورية كما قالت اليعقوبية ولكن كاشراق الشمس فى كوة أو على بللور، أو كظهور النقش في الخاتم، وللنسطورية أراء أخرى نضرب صفحاً عن ذكرها حتى لا نخرج عما توخيناه من الايجاز

وأما اليعقوبية أو اليعاقبة فانهم ينسبون الى يعقوب البرذعاني أو البرادعي كان من أهل سَروج يعمل البراذع، وهو تلميذ سَوَرِس البطريرك Severes ​واليعاقبة يقولون ان للمسيح طبيعة واحدة (Fusionistes ou Monophysites) وان الباري تعالى ثلاثة أشياء أب وابن وروح القدس، الا أنهم قالوا انقلبت الكلمة لحما ودماً فصار الآله هو المسيح وهو الظاهر بجسده بل هو هو

ومن المذاهب أيضاً المارونية ينسبون الى مارون الراهب، كانت نشأته بقرب حماه بقرية يقال لها قور، وقسَّ في سنة ٤٠٥م ومات سنة ٤٣٣ ب م ومذهبه موافق للملكائية واليعقوبية والنسطورية في الثالوث ومخالف اياهم فيما يذهب اليه من أن المسيح جوهران اقنوم واحد ومشيئة واحدة، وهذا القول متوسطاً بين قول النسطورية والملكائية. ومن المذاهب مذهب البيالقة وهو المذهب الذي أحدثه بولس الشَمُشاطي (Paul de Samosate) وهو من أول بطاركة انطاكية، ومذهبه متوسط بين مذهب النصارى والمجوس

وقد ترتب على ظهور هذه المذاهب الدينية الفلسفية مشاحنات ومجادلات دينية ونزاع بين رجال الكنيسة محوره جسد المسيح وطبيعته البشرية والالهية، ونفس المسيح، والكلمة، فتفرقت المدارس وانقسمت الكنيسة واختلفت الشيعتان النسطورية واليعقوبية اختلافاً ظاهراً في اللغة والكتابة، فأسست مدرسة في نصيبين في جوكله سرياني الجنس واللغة وتحت نفوذ الفرس، وفي انطاكية وفي الرها مدارس أخرى فى منطقة النفوذ اليوناني المباشر، وقد عظم اضطهاد الكنيسة الرسمية في المملكة البوزنطية للكنيسة السريانية الوطنية وللسريانيين عامة، وكان معظمه واقعاً على السريان الغربيين الذين هم تحت سلطة الروم رأساً في المملكة البوزنطية، وهؤلاء قد اتخذوا مذهب اليعقوبية في مصر وفي غربي سوريا، فتحملوا الضيق ولبثوا في بلادهم ولم يهاجروا منها رغماً عن كونهم كانوا مكروهين فارسلوا رسلهم خارج المملكة، ونبذوا لغة مضطهديهم واستعملوا لغتهم القبطية أو السريانية على الخصوص، وأما السريان الذين هم في سلطة الفرس فكانوا بعيدين عن الاضطهاد وهاجر اليهم من هاجر من الموجودين في سلطة المملكة البوزنطية، وحلوا في نصيبين في عهد فيروز شاه ​فاكرم مثواهم وأخلصوا له الوفاء وانتسبوا الى النسطورية وصارت نصيبين مركزاً لنشاطهم، وبذلك أخذت المسيحية شكلا شرقياً بحتاً، وانتشر المبشرون النسطوريون يبثون تعاليمهم في كل مكان حتى كانت أكثر الامم البعيدة عن مملكة الروم يتعلمون المسيحية بالشكل النسطوري، ولم يكن هَمُّ السريان حينئذ تعلم المسيحية فقط بل كانت همتهم متجهة كذلك الى شرح المسائل الخاصة بالمسيح عليه السلام وشخصه والاقانيم، فكان لا يمكنهم ذلك طبعاً بغير مساعدة العلم النظري والفلسفة اليونانية فلسفة أرسطو وأفلاطون، ولا سيما منطق أرسطو الذي هو الأداة الثمينة للجدل والمناظرة، فتحتم على كل مبشر منهم أن يكون ذا علم والمام بفلسفة يونان، وغرضهم الاكبر ايجاد لاهوت وطني سرياني مستقل عن اللغة الأَغريقية، فبدأوا أولا بنقل الكتب الدينية الكنائسية الى السرياني، لان جميع الطقوس الدينية الكنائسية كانت تؤدى في الصلاة وغيرها باللغة اليونانية ولما كانوا يريدون محاربة الكنيسة اليونانية والابتعاد عنها بكل وسيلة فقد نقلوا الى لغتهم السريانية كتب العلم اليوناني ككتب أرسطو وشروحها وغيرها من كتب الفلسفة والرياضيات، فانتقلت بهذا العمل العظيم علوم يونان الى آسيا، وكان هذا أول نقل للعلم من الغرب الى الشرق، وكان ذلك في الزمن السابق مباشرة على ظهور الاسلام وهؤلاء السريان أنفسهم الذين نقلوا علم يونان الى السريانية كانوا هم البادئين كذلك بنقل هذه العلوم الى العربية اما من السريانية الى العربية أو من اليونانية رأساً الى العربية، وذلك في بدء النهضة العربية، ولم يقتصر نقل هؤلاء الفلاسفة على الفلسفة واللاهوت بل تعداهما الى الطب والكيميا والفلك، وكانت علوم الطب والعلوم الطبيعية قد نقلت الى مدرسة الاسكندرية التي كان من أكبر أساتذتها يحيى النحوي وفولس الأجانيطي Paul d’Egine وآهرون القس، واختير من كتب الطب للتدريس الستة عشر كتابا لجالينوس، وكلها مُعَلَّقة بعضها ببعض وهي التي شرط جالينوس على طالب الطب حفظها والاحتفال بها، ولا ​نذكرها هنا خشية التطويل، وكانت مؤلفات هؤلاء العلماء وغيرهم اما باليونانية أو بالسريانية ثم نقلت الى العربية في صدر الملة الاسلامية وبدء النهضة، وكان اليعقوبيون في مصر قد نقلوا القليل منها الى القبطية لان حاجتهم الى مناظرة خصومهم كانت أقل منها عند النسطورية في سوريا


  1. ↑ طبقات الامم
  2. ↑ التنبه والاشراف
  3. ↑ البيروني الأثار الباقية من القرون الخالية