انتقل إلى المحتوى

التهذيب في أصول التعريب/باب فى القول فى تدوين اللغة واستنباط النحو والصرف

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة مصر (1923)، الصفحات ٨٢–٩١

​

١٧ - باب في القول في تدوين اللغة واستنباط النحو والصرف

قال عبد الرحمن بن خلدون: ان اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني، فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتها، وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها ابانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني مثل الحركات التي تُعَين الفاعل من المفعول من المجرور أعني المضاف، ومثل الحروف التي تقضي بالأفعال الى الذوات من غير تكلف الفاظ أخرى، وليس يوجد ذلك الا فى لغة العرب، وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لا بدَّ له من ألفاظ تخصه بالدلالة، ولذلك نجد كلام العجم في مخاطباتهم أطول مما نقدره بكلام العرب وهذا هو معنى قوله صلى اللّٰه عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي في الكلام اختصارا» فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيئات أي الأوضاع اعتبار في الدلالة على المقصود غير متكلفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها، انما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الاول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا، فلما جاء الاسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة بما ألقى اليها السمع من المخالفات التي للمتعربين والسمع أبو الملكات اللسانية، ففسدت بما ألقى اليها مما يغايرها لجنوحها اليه باعتياد السمع، وخشي أهل العلوم منها أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع، ثم رأوا تغيير الدلالة بتغيير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إِعرابا وتسمية الموجب لذلك التغيير عاملا وأمثال ذلك، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو، قال ابن جني في الخصائص: والنحو هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من اعراب وغيره كالتثنية والجمع ​والتحقير والتكسير والاضافة والنسب والتركيب وغير ذلك، ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها، وان لم يكن منهم أو ان شذَّ بعضهم عنها رُدَّ اليها. وهو في الأصل مصدر شائع أي نحوت نحواً كقولك قصدت قصداً، ثم خص به انتحاء هذا القبيل من العلم

فن النحو

وقد اختلفوا في أول من وضع النحو وفي سبب تسميته بهذا الاسم، فقال قوم انه علي بن أبي طالب، وقال آخرون ان أول من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأَسود الدؤلي، وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل، وكان رجل أهل البصرة عَلَوِيَّ الرأي مات سنة ٦٩ هـ، قيل ان أبا الأسود الدؤلي دخل الى ابنته بالبصرة فقالت له «يا أبتِ ما أشدُّ الحرّ»، رفعت أشد فظنها تسأله وتستفهم منه أَيُّ أزمان الحر أشدُّ، فقال لها شهرُ ناجِر، فقالت «ياأبت أنا أخبرتُك ولم أسألك»، وقيل ان أبا الأَسود قالت له ابنته «ما أحسنُ السماء» فقال لها نجومُها، فقالت اني لم أرِد هذا وانما تعجبت من حسنها، فقال لها اذن فقولي «ما أحسنَ السماء» فحينئذ وضع النحو. قال أبو الفرج الاصفهاني أولُ من وضع العربية أبو الأَسود، جاء الى زياد بن أبيه بالبصرة فقال «أصلح اللّٰه الامير اني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم وتغيرت السنتهم أفتأذن لي أن أضع عِلما يُقيمون به كلامَهم، قال لا، ثم جاء زياداً رجلٌ فقال «مات أبانا وخلف بنون، فقال زيادٌ مات أبانا وخلف بنون رُدُّوا اليّ أبا الاسود، فرد اليه فقال ضع للناس ما نهيتك عنه، فوضع له النحو، وأول باب وضع منه باب التعجب وكان ذلك بالبصرة، وقال السيرافي ان السبب في وضع علم النحو أنه مرَّ بابي الَأسود سعد الفارسي وهو يقود فرسه. فقال له ما لك يا سعد لا تركب فقال ان فرسي ضالع، فضحك به بعض من حضره، فقال أبو الأسود هؤلاء الموالي قد رغبوا في الاسلام ودخلوا فيه فصاروا لنا أخوة فلو علمناهم الكلام، فوضع باب الفاعل والمفعول به ولم يزد عليه. وقال أبو عُبَيد مَعْمَر بن المثنى أول من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي ثم ميمون الأقرن. ثم عَنْبَسة الفيل. ثم عبد اللّٰه بن اسحاق ​وقال محمد بن سلَّام الجُمَحِي أول من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود وانما فعل ذلك حين اضطرب كلام العرب. وقال ابن الأنباري كتب معاوية الى زياد يطلب عبد الله ابنه. فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن فَرَدَّه الى زياد وكتب اليه كتابا يلومه فيه ويقول أمِثْل عبيد اللّٰه يضيع. فبعث زيادٌ الى أبي الأسود، فقال له يا أبا الأسود إِن هذه الحمراء يعني الأعاجم قد كثرت وأفسدت من ألْسن العرب فلو وضَعْتَ شيئاً يُصْلح به الناسُ كلامهم ويعرفون به كتاب اللّٰه، فأبى ذلك أبو الاسود. فوجه زيادٌ رجلاً وقال له أقعد في طريق أبي الاسود فاذا مرَّ بك فاقرأ شيئاً من القرآن وتعمد اللحن فيه ففعل ذلك فلما مرَّ به أبو الأسود رفع الرجل صوتَه يقرأُ «اِنَّ الله بريءٌ من المشركين ورسولِه» بكسر اللام، فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال عزَّ وجهُ اللّٰه تعالى أن يبرأ من رسوله. ثم رجع من فوره الى زياد فقال قد أجبتك الى ما سألت ورأيت أن أبدأ باعراب القرآن فابعث الي ثلاثين رجلا، فأحضرهم زيادٌ فاختار منهم أبو الأَسود عشرة ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس. فقال خذ المصحف وصِبغاً يخالف لون المداد. فاذا فتحت شَفَتي فانقط واحدة فوق الحرف، واذا ضممتها فاجعل النقطة الى جانب الحرف، فاذا كسرتها فاجعل النقطة من أسفل الحرف. فان أَتْبَعْتُ شيئاً من هذه الحركات غُنَّةً فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره، ثم وضع المختصر المنسوب اليه بعد ذلك.

واما الذين ينسبون وضع العربية الى علي بن أبي طالب فيقولون ان الروايات كلها تسند الى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند الى علي. فقد روي عن أبي الأسود أنه سئل من أين لك هذا العلم يُعْنُون النحو، فقال أخذت حدوده عن علي بن أبي طالب، وقال أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى أخذ أبو الأسود الدؤلي النحو عن علي بن أبي طالب. وروى أبو الأسود قال دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فوجدت في يده رقعةً. فقلت ما هذه يا أمير المؤمنين، فقال اني تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء يعنى الأعاجم فأردت أن أضع شيئا يرجعون اليه ويعتمدون عليه. ثم ألقى اليَّ الرقعة وفيها ​مكتوب «الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمَّى. والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفادَ معنى، وقال أُنْحُ هذا النحو وأضف اليه ما وقع اليك، واعلم يا أبا الاسود أن الاسماء ثلاثة ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر وانما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيها ليس بظاهر ولا مضمر، وأراد بذلك الاسم المبهم. قال ثم وضعت بابَيِ العطف والنعت ثم بابي التعجب والاستفهام الى أن وصلت الى باب إِنَّ وأخواتها ما خلا لكن فلما عرضتها علَى عَلِىِّ عليه السلام أمرني بضم لكن اليها. وكنت كلما وضعت باباً من أبواب النحو عرضته عليه الى أن حصلت ما فيه الكفاية، قال ما أحسن هذا النحو الذي نحوت فلذلك سمي النحو وكان أبو الأسود ممن صحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكان من المشهورين بصحبته ومحبته ومحبة أهل بيته

وأخذ عن أبي الاسود جماعةٌ[1] منهم يحيى بن يَعْمَر (المتوفى عام ١٢٩هـ)، وهو رجل من عَدْوان كان في عداد بني ليث وكان مأموناً عالما بما يأتي يُرْوَى عنه الفقه عن أبي عَمْرو وابن عباس، ورَوى عنه قَتَادة واسحاق بن سُوَيْد وغيرهما من العلماء، وأخذ ذلك عنه أيضاً ميمون الأقْرَن، وعَنْبَسَة الفيل، ونصر بن عاصم الليثي (المتوفى عام ٨٩ هـ)، وغيرهم، ثم كان من بعدهم عبد اللّٰه بن أبي اسحاق الحضرمي (المتوفى سنة ١١٣هـ) فكان أول من بعج النحو ومدَّ القياس والعِلل. وكان معه أبو عمرو بن العلاء وبقي معه بقاء طويلا، وكان ابن أبي اسحاق أشدَّ تجريداً للقياس. وكان أبو عمرو أوسع علما بكلام العرب ولغاتها. وكان بلال بن أبي بُرْدَة جمع بينهما بالبصرة وهو يومئذ والٍ عليها وَلَّاه خالد بن عبد اللّٰه القسري زمن هشام بن عبد الملك، قال يونس بن حبيب قال أبو عمرو فغلبني ابن أبي اسحاق بالهَمْزِ، فنظرت فيه بعد ذلك وبالغت فيه. وكان عيسى بن عمر الثقفي (المتوفى عام ١٤٩هـ) أخذ عن ابن أبي اسحاق، وأخذ يونس بن حبيب (المتوفى عام ١٨٣هـ) عن أبى عمر بن العلاء. وكان معهما مَسْلَمة بن عبد اللّٰه بن محارب الفِهْري. وكان ابن أبي اسحاق بن خاله . وكان حمَّاد بن ​الزّبْرِقان ويونس يفضلانه. قال محمد بن سلّام الجُمَحي سمعت رجلا يسأل يونس عن بن أبي اسحاق وعلمه، قال هو والبحر سواء أي هو الغاية. وأخذ عن أبي عمرو الأخفشُ الكبير عبد الحميد بن عبد المجيد أبو الخطاب، وأبو جعفر محمد بن أبي سارة الرؤاسي، وهو أول من وضع من الكوفيين كتابا في النحو وهو أستاذ الكسائي والفَرَّاء، الى أن انتهت[2] الى الخليل بن أحمد الفراهيدي (المتوفى عام ١٧٠هـ) في أيام الرشيد، أخذ عن عيسى بن عمر الثقفي. وعن أبي عمرو بن العلاء. فهذب الصناعة وكمَّل أبوابها. وأخذها عنه سيبويه وهو عمرو بن عثمان بن قَنْبَر أبو بشر (المتوفى سنة ١٦١هـ)، فكمل تفاريعها واستكثر من أداتها وشواهدها ووضع فيها كتابه المشهور الذي صار اماماً لكل ما كتب فيها من بعده، وأخذ عن سيبويه الأخفش المجاشعي (الاوسط) (المتوفى سنه ٢١٥)، وقُطْرُب (وهو أبو علي محمد بن المستنير المتوفى سنة ٢٠٢)، وهما من علماء البصرة، وأتى بعدهم أبو عُبَيْدة مَعْمَر بن المُثَنَّى (المتوفى سنة ٢٠٩) وأبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (المتوفى سنة ٢١٥)، والأَصْمَعِيّ (المتوفى سنة ١٨٠) وأبو الحسن علي بن المُغِيرة الأَثْرم (المتوفى سنة ٢٣٢) ، وبكر بن محمد المازني (المتوفى سنة ٢٤٨)، وأبو عبد اللّٰه محمد بن هرون التَوَّّزي (المتوفى سنة ٢٣٣) وابو اسحاق ابراهيم بن سُفْيان الزيادي (المتوفى سنة ٢٤٩) ، وأبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي (المتوفى سنة ٢٥٧)، وغيرهم من مشهوري علماء النحو، ثم وضع أبو علي الفارسي (المتوفى ٣٧٧) وأبو القاسم عبد الرحمن بن اسحاق الزجَّاج (المتوفى سنة ٣٣٩) كتباً مختصرة للمتعلمين حَذَوا فيها حذو الامام في كتابه، ثم طال الكلام في هذه الصناعة وحدث الخلاف بين أهلها في الكوفة والبصرة المِصْرَين القديمين للعرب، وأهلهما من بين أمصار العرب هم الذين نقلوا اللغة واللسان العربي وأثبتوها فى كتب فصيروها علما وصناعة، فكثرت الأدلة والحجاج بينهم. وتباينت الطرق في التعليم وكثر الاختلاف في إِعراب كثير من آي القرآن باختلافهم في تلك القواعد وطال ذلك على المتعلمين، وجاء ​المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار، فاختصروا كثيراً من ذلك مع استيعابهم لجميع ما نقل، كما فعله مالك (محمد بن عبد اللّٰه عاش من ٦٠١ الى ٦٧٢) في كتاب التسهيل وأمثاله، واقتصارهم على المبادئ للمتعلمين كما فعله الزمخشري (المتوفى سنة ٥٣٨) في المفَصَّل. وابن الحاجب (جمال الدين أبو عمر المتوفى سنة ٦٤٦) في المقدمة له، وربما نظموا ذلك نظماً مثل ابن مالك في الأرجوزتين الكبرى والصغرى. وابن مُعْطي في الارجوزة الألفية. وبالجملة فالتآليف في هذا الفن أكثر من أن تحصى أو يحاط بها

ولم يكونوا[3] فيما ألَّفوا ورتَّبوا يكتفون بما يسمعونه من أهل العلم، بل كانت عنايتهم متجهة الى التحقيق والتمحيص والاستماع من فصحاء الأعراب ووفود البادية لسلامة سليقتهم وعدم اختلاطهم بغيرهم من الأعاجم. ومن مشاهير فصحائهم أبو البيداء الرياحي وأبو مالك عمر بن كَرْكرة ، وأبو عِرار العِجْلي، وأبو زياد الكلابي وأبو سوار الغَنَوي، وشُبيْل بن عَرْعَرَة الضَبُعي، وأبو عدنان ورد بن حكيم، ونَهْشَل بن زيد، وأبو شبل العقيلي، وأبو محلِّم الشيباني، وأبو مِسْحَل، وأبو ضمضم الكلابي، والبهْدَلي، وجَهْم بن خلف المازني، ومُؤَرِّج السَدُوسي، واللحياني، وخلف الأحمر وغيرهم من فصحاء العرب

فن التصريف أو علم الصرف

واما علم الصرف فالمظنون أن أول من وضعه هو معاذ الهرَّاء ويستدلون[4] على ذلك بما يأتي: وذلك أن مسلم مؤدب ولد عبد الملك بن مروان كان نظر في النحو ثم لما حدث التصريف جلس الى معاذ الهراء فسمعه يقول لرجل كيف تُثْنى من تَؤُزُّهم أَزًّاً مثل يا فاعِل افْعَل، فانكر ذلك أبو مسلم وقال:

قد كان أخْذُهُم في النحو يُعْجِبني
حتى تعاطوا كلام الزنج والروم
لما سمعتُ كلاما لستُ أفهمه
كأنه رجل الغربان والبوم
ترکتُ نحوَهم واللّٰهُ يَعْصِمُني
من التعَجُّم في تلك الجراثيم

​فأجابه معاذ الهراءُ بقوله

عالجتَها أمْرداً حتى اذا
شِبْت ولم تحسن أباجادها
سمَّيتَ من يعرفُها جاهلاً
يُصْدِرها من بعد ايرادها
سهَّل منها كل مستصعب
طود على أقران أطوادها

قال السيوطي فوضح بهذا أن واضع التصريف معاذ الهراء

ومعاذ الهرّاء هذا يكنى أبا علي من موالي محمد بن كعب القرظِيّ وهو عم أبي جعفر الرؤاسي، ولد في أيام يزيد بن عبد الملك وعاش الى أيام البرامكة وعَمَّر نحو مائة وخمسين عاما ومات أولاده وأولاد أولاده وهو باق حتى قال فيه الشاعر

ان معاذ بن مسلم رجلٌ
قد ضجَّ من طول عمره الأَبد
یا نِسْرَ لقمانَ كم تعيش وكم
تأكل طول الزمان باليد

وتوفي في بغداد في السنة التي نكب فيها البرامكة أي سنة سبع وثمانين وقيل سنة تسعين ومئة في خلافة الرشيد، وكان معاذ بن مسلم من أعيان النحاة، وكان يبيع الثياب الهرَوية فقيل له الهَرَّاء وكان شيعياً، وأخذ عنه أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي (المتوفى سنة ١٨٩) وغيره وصنف كتباً كثيرة في النحو

متن اللغة

ان ما تقدم يختص بملكة اللسان في الحركات المسماة عند النحويين بالإِعراب وقد استمر[١] الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتى تأدت الى موضوعات الألفاظ، فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم ميلاً مع هجنة المتعرِّبين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية، فاحتيج الى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث، فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك، وأمْلوا فيه الدواوين، وكان سابق الحَلْبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى بالبصرة سنة ​سبعين ومئة، ألَّف كتاب العين ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف واعتمد فيه ترتيب المخارج، فبدأ فيه بحروف الحلق ثم ما بعدها من حروف الحنك، ثم الأضراس، ثم الشفة، وجعل حروف العلة آخراً، وبدأ من حروف الحلق بالعين، لأَنه الأقصر منها، فلذلك سمى كتابه بالعين لان المتقدمين كانوا يذهبون في تسمية دواوينهم الى مثل هذا، وهو تسمية بأول ما يقع فيه من الكلمات والألفاظ، ثم بالحاء والهاء والخاء والعين والقاف والكاف والجيم والشين والصاد والضاد والسين والراء والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء والزاي واللام والنون والفاء والميم والواو والألف والياء، والخليل هذا هو أول من استخرج العروض وحَصَّن به أشعار العرب

ثم أُلِّفَت من بعده كتب شتى كالنوادر لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي (المتوفى ستة ١٨٩)، والجيم والنوادر واللغات لأبي عمرو اسحاق بن مِرار الشَّيباني (المتوفى سنة ٢٠٦هـ)، والنوادر لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء (المتوفى سنة ٢٠٧)، واللغات لأبي عُبَيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى (المتوفى سنة ٢١٠)، والنوادر واللغات لأبي زيد سعيد بن أَوس الأنصاري (المتوفى سنة ٢١٥)، والأجناس لأبي سعيد عبد الملك بن قُرَيب الأصْمَعي (المتوفى سنة ٢١٦) والجامع في اللغة لمحمد بن جعفر القزَّاز القيرواني (المتوفى سنة ٤١٢)، وغريب المُصَنف لأبي القاسم عُبَيْد بن سلّام (المتوفى سنة ٢٢٤)، والنوادر لابن الأعرابي (المتوفى سنة ٢٣٢)، والجمهرة لأبي بكر بن دُرَيْد الأَزْدي (المتوفى سنة ٣٢١)، والمُنَضَّدُ لعلي بن الحسن الهنائي المعروف بكُراع النمل (المتوفى سنة ٣٠٧)، واليواقيت لأبي عمر الزاهد غلام تعلب (المتوفى سنة ٣٤٥)، والتهذيب لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (المتوفى سنة ٣٧٠)، والتكملة لأبي علي الفارسي (المتوفى سنة ٣٧٧)، والمحيط للصاحب بن عبَّاد (المتوفى سنة ٣٨٥)، والمُجْمَل لأبي الحسن أحمد بن فارس (المتوفى سنة ٣٩٠)، وديوان الأدب لاسحاق بن ابراهيم الفارابي خال الجوهري (المتوفى سنة ٣٥٠)، والبارع لأبي طالب المفَضَّل ​بن سَلَمة، عدا كثير غيرها من التأٓليف الممتعة في اللغة لخلف الأحمر (المتوفى سنة ١٨٧)، وأبي فَيْد بن عمرو مؤَرِّج السدوسي (المتوفى سنة ١٩٥)، وأبي الحسن النضر بن شُميِّل (المتوفى سنة ٢٠٣)، وأبي الحسن بن حازم اللحياني (المتوفى سنة ٢١٥)، والمفضل الضَبّي (المتوفى سنة ٢٢٠)، وأبي يوسف يعقوب بن السِّكّيت (المتوفى سنة ٢٤٤)، وعبد اللّٰه بن مسلم بن قتيبة (المتوفى سنة ٢٧٠)، وأبي العَبَّاس المُبَرَّد (المتوفى سنة ٢٨٥)، وأبي اسحاق بن السَرِيّ الزجَّاج (المتوفى سنة ٣١١)، وأبي عبد اللّٰه الحسن بن خالويه (المتوفى سنة ٣٧٠)، وأبي الفتح عثمان بن جِنِّي (المتوفى سنة ٣٥٢)، وكلهم من أعيان اللغويين الذين ألَّفوا في اللغة، ثم جاء أبو بكر الزبيدي في المئة الرابعة (توفي سنة ٣٩٣) فاختصر كتاب العين مع المحافظة على الاستيعاب، وألَّف الجوهري أبو نصر اسماعيل بن حمَّاد (المتوفى سنة ٣٩٣) كتاب الصِّحاح على الترتيب المتعارف لحروف المعجم فجعل البداءة منها بالهمزة وجعل الترجمة بالحروف على الحرف الأخير من الكلمة لاضطرار الناس في الأكثر الى أواخر الكلمة. وحصر اللغة اقتداء بحصر الخليل ثم ألف أبو الحسن علي بن اسماعيل المعروف بابن سيده الداني الأندلسي (المتوفى سنة ٤٥٨) كتاب المحكم والمحيط الأعظم على ذلك المنحى من الاستيعاب وعلى نحو ترتيب كتاب العين، ثم وضع الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر رضِيّ الدين الصاغاني (عاش من سنة ٥٧٧ الى ٦٥٠) كتاب العباب، ثم ألف الامام جمال الدين محمد بن مُكَرَّم من منظور الافريقي الأنصاري الخزرجي (عاش من سنة ٦٣٠ الى ٧١١) لسان العرب، وألَّف الامام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزبادي الشيرازي (عاش من سنة ٧٢٩ الى ٨١٧) القاموس المحيط والقابوس الوسيط، ثم شرح الامام محب الدين أبو الفيض السيد محمد مرتضى الزبيدي (المتوفى سنة ١٢٠٥) القاموس المحيط وأسماء تاج العروس من جواهر القاموس وفرغ من شرحه عام ١١٨١)، ثم ألف بطرس البستاني اللبناني (المتوفى سنة ١٨٨٣م) محيط المحيط فرغ من تبيضه وطبعه في مدينة بيروت سنة ١٢٨٦هـ ​و١٨٧٠م وهو آخر ما وضع من كتب اللغة التى يعول عليها ويركن الى تحقيقها.


  1. ↑ ابن خلدون
  1. ↑ طبقات الشعراء للجمحي
  2. ↑ ابن خلدون بتصرف
  3. ↑ الفهرست لابن النديم
  4. ↑ بغية الوعاة للسيوطى، وغيره