التهذيب في أصول التعريب/باب فى القول فى الاشتقاق
٢٥ - باب في القول في الاشتقاق
اذا لم يوجد للكلمة الأعجمية مقابل في العربية يشتق لها لفظ عربي، وفي اللغة اشتقاق الشيء بنيانه من المُرْتَجَل، واشتقاق الكلام الاخذُ فيه يمينا وشمالا، واشتقاق الحرف أخذه منه، والاشتقاق قياس في لغة العرب، قال أحمد بن فارس أجمع أهل اللغة الا من شذّ عنهم أن للغة العرب قياساً وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض، وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان وأن الجيم والنون تدلان أبداً على الستر تقول العرب للدرع جُنَّة وأجَنَّهُ الليلُ وهذا جنين أي هو في بطن أمه أو مقبور، وأن الانس من الظهور يقولون آنست الشيء أبصرته، وعلى هذا سائر كلام العرب
والاشتقاق في الاصطلاح هو أن تأخذ من أصل فرعاً يوافقه في الحروف وتجعله دالًّا على معنى يوافق معناه، وقال في شرح التسهيل الاشتقاق أخذ صيغة من أخرى على اتفاقهما معنی ومادةً أصلية وهيئة تركيب لها ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفتا حروفا أو هيئة كضارب من ضرب وحذِر من حَذَر وهكذا من تقليب تصاريف الكلمة، وهو الاشتقاق الأصغر المحتج به في اللغة وأما الاكبر فيحفط فيه المادة دون الهيئة مثل قَوَل، وقل، وَلَق ،لَقَو وتقاليبها، وهذا ليس معتمدا في اللغة ولا يصح أن يستنبط به اشتقاق في لغة العرب.
وقال ابن جني: الاشتقاق عندي على ضربين كبير وصغير فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم كأن تأخذ أصلا من الأصول فتقرأه فتجمع بين معانيه وان اختلفت صيغته ومبانيه، وذلك كتركيب س ل م فانك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه نحو سلم ويسلم وسالم وسلمان وسلمى والسلامة، والسليم اللديغ أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة، وعلى ذلك بقية الباب اذا تأولته، وأما الاشتقاق الاكبر فهو أن تأخذ أصلا من الاصول فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وان تباعد شيءٌ من ذلك رُدَّ بلطف الصنعة والتأويل اليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد، وذلك نحو ك ل م ك م ل م ل ك م ك ل ل ك م ل م ك والمعنى الجامع لهذه التراكيب القوة والشدة وكذلك ق و ل ق ل و و ق ل و ل ق ل ق و ل و ق والمعنى الجامع لهذه التراكيب الخفوق والحركة، وهذا أعوص مذهبا وأحزن مضطربا، وقال الشريف الجرجاني في تعريفاته، الاشتقاق نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيباً ومغايرتهما في الصيغة، والصغير أن يكون بين اللفظين تناسب في الحروف والترتيب نحو ضرب من الضرب، والكبير أن يكون بين اللفظين تناسب في اللفظ والمعنى دون الترتيب، نحو جذَّب وجَبَّذ، والأكبر أن يكون بين اللفظين الترتيب في المخرج نحو نَعَق ونَهَق
والتغيرات التي تحصل في الكلمة عند الاشتقاق بين الأصل المشتق منه والفرع المشتق خمسة عشر: الأول زيادة حركة كالعَلَم وعَلِم، الثاني زيادة مادة كطالب وطَلَب، الثالث زيادتهما كضارب وضَرْب، الرابع نقصان حركة كالفرَس من الفَرْس، الخامس نقصان مادة كثبت وثبات، السادس نقصانهما كنَزَا ونزوان، السابع نقصان حركة وزيادة مادة كغضبى وغضب، الثامن نقصان مادة وزيادة حركة كحرم وحرمان، التاسع زيادتهما مع نقصانهما كاستنوق من الناقة، العاشر تغاير الحركتين كبطِر بَطَراً، الحادي عشر نقصان حركة وزيادة أخرى وحرف كاضرب من الضرب، الثاني عشر نقصان مادة وزيادة أخرى كراضع من الرضاعة الثالث عشر نقص مادة بزيادة أخرى وحركة كخاف من الخوف لان العين ساكنة في خوف لعدم التركيب، الرابع عشر نقصان حركة وحرف وزيادة حركة فقط كَعِدْ من الوعد فيه نقصان الواو وحركتها وزيادة كسرة، الخامس عشر نقصان حركة وحرف وزيادة حرف کفاخر من الفخار نقصت ألف وزادت ألف وفتحة
وفي الارتشاف: الأصل في الاشتقاق أن يكون من المصادر، وأصدق ما يكون في الأفعال المزيدة والصفات منها وأسماء المصادر والزمان والمكان. ويغلب في العَلَم، ويقل في أسماء الأجناس کغُراب يمكن أن يشتق من الاغتراب وجَراد من الجرد، والأعلام غالبها منقول بخلاف أسماء الأجناس، فلذلك قل أن يشنق اسم جنس لانه أصل مرتجل، فان صح فيه اشتقاق حمل عليه كغراب من الاغتراب
وقد اشتقوا حديثاً مستشفى مكان الشفاء ومتحفاً مكان التحف ومصرفاً مكان الصَيْرفي ومَلْعَباً مكان اللعب الخ
اما الاشتقاق من المعرب، فقد سئل فيه بعض العلماء عما عرَّبَته العرب من اللغات واستعملته في كلامها، هل يعطى حكم كلامها فيشتق ويُشْتق منه، فأجاب ما نصه: ما عربته العرب من اللغات من فارسی ورومی وحبشی وغيرها وأدخلته في كلامها على ضربين، أحدهما أسماء الأجناس كالفرند والابريسم واللجام والآجُر والباذِق والقِسطاس والاستبرق، والثاني ما كان في تلك اللغات علماً فأجْروه على علميته كما كان، لكنهم غيروا لفظه وقرّبوه من ألفاظهم وربما ألحقوه بأبنيتهم وربما لم يلحقوه، ويشاركه الضرب الاول في هذا الحكم لا في العلمية الا في أنه ينقل كما ينقل العربي. وهذا الثاني هو المعتَدُّ بعجمته في منع الصرف بخلاف الاول وذلك كابراهیم واسماعیل واسحاق ويعقوب وجميع الأنبياء الا ما استثني منها من العربي كهود وصالح ومحمد صلعم، وغير الأنبياء كبِيرُوز وتَكِين ورُسْتُم وهُرْمُز، وكأسماء البلدان التي هي غير عربية كإصْطَخْر ومَرْو وبَلْخ وسَمَرْقَنْد وقُنْدُهار وخُراسان وکِرْمان وکُوْزکُنان وغير ذلك، فما كان من الضرب الأول فأشرف أحواله أن يجرى عليه حكم العربي فلا يتجاوز به، فقول السائل يشتق جوابه المنع لأنه لا يخلو أن يشتق من لفظ عربي أو عجمي مثله، ومحال أن يشتق العجمي من العربي أو العربي منه لان اللغات لا تشتق الواحدة منها من الأخرى، وانما يشتق من اللغة الواحدة بعضها من بعض، لأن الاشتقاق نتاج وتوليد، ومحال أن تلد المرأة الا انساناً، وقول السائل ويُشْتَق منه فقد يجری على هذا الضرب ٱلمجْرِيِّ مَجْرَي العربیّ كثير من الأحكام الجارية على العربي، من تصرف فيه واشتقاق منه كاللجام، فانه معرب من لغام وقد جمع على لُجُم ككتب وصغر على لجَيْم، وأتى الفعل منه بمصدر وهو الالجام وقد ألجمه وهو مُلَجَمٌ وغير ذلك، وجملة الجواب أن الأعجمية لا تشتق أي لا يحكم عليها أنها مشتقة وان اشتق من لفظها، فاذا وافق لفظ أعجمی لفظاً عربياً في حروف فلا تَرَين أحدهما مأخوذاً من الآخر كاسحاق ويعقوب فليسا من لفظ أسحقه الله إسحاقاً أی أبعده ولا من اليعقوب اسم الطائر وكذا سائر ما وقع فى الاعجمي موافقاً لفظ العربي
على هذا المثال جرى الأقدمون فی الاشتقاق في الاسم المعرب، فقالوا هندس ودرهَمَ وخنْدَق وقرطَسَ. وجرى المعاصرون في اشتقاق كَهْربَ وكهربائية من الكَهْرُباء ومَغْنَطَ ومغناطيسيه من المِغْناطيس أو المَغْنَطيس أو المغنيطس، ويريدون اشتقاق أكْسَدَ من المعرب أكْسيدْ بمعنى الحامض
على أن أقيسة الاشتقاق هی معلومة فی اللغة وليس لنا أن نتعداها الى ما ليس له قياس أو الى ما لا يشتق منه كما نبه اليه أئمة اللغة، قال أحمد بن فارس. وليس لنا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غير ما قالوه ولا أن نقيس قياساً لم يقيسوه، لان في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها، ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياساً نقيسه الآن نحن