الترقيم في اللغة العربية
دَارُ الكُتب الخديوية
الترقيم
في اللغة العربية
لواضعه
الأستاذ احمد زکي باشا
كاتب اسرار مجلس النظار
المطبعة الأميرية بالقاهرة
سنة
١٣٣١هـ
١٩١٣م
تمهیدٌ
هذا الكُتَيِّبُ هو بمثابة الحجر الأساسيّ للمشروع الكبير الذي أقرّته الحكومة الخديوية المصرية لإحياء الآداب العربيَّة. وهو في الحقيقة أول ثمرة ناضجة من ثمراته العديدة التي ستظهر فى قريب الأيام، في ظلِّ وليِّ النعم، خديو مصر الأكرم، الحاجّ عباس حلمي الثاني، وبعناية وزارته السعيديَّة الموفقة لخدمة مقاصده الشريفة، لا سيما فيما يتعلّق بنشر العلم ونُصْرَة هذه اللُّغة.
والأمل فى وجه اللّٰه أن يجعل هذا الصنيع من أقوىٰ العوامل في تيسير الوصول إلىٰ كنوز الآداب العربيَّة وتوفير الوقت على من يتوخّٰىٰ الٱستفادة منها.
وعلىٰ هذا المنهاج الجديد جريتُ في طبع بواكير ذلك الإحياء.
واللّه المسؤول في تسهيل العمل وإكماله. إن شاء اللّه!
الترقيم
في اللغة العربية
خلاصة تاريخية
١
دلّت المشاهدة وعزّزها الٱختبار على أنّ السامعَ والقارئَ يكونان على الدوام في أشدّ الٱحتياج إلى نَبَرَاتٍ خاصّةٍ في الصوْت أو رُموزٍ مرقومةٍ فى الكتابة، يحصل بها تسهيل الفهم والإدراك، عند سماع الكلام ملفوظا أو قراءَته مكتوبا.
ولقد شعَرَتِ الأمم التي سبقتْ في ميادين الحضارة بهذه الحاجة الماسّة، فتواضع علماؤها علىٰ علاماتٍ مخصوصةٍ لفصل الجُمَل وتقسيمها، حتى يستعين القارئ بها —عند النظر إليْها— علىٰ تنويع الصوت بما يناسب كلّ مقامٍ من مقامات الفصل والوصل أو الٱبتداء، إلىٰ ما هنالك من المواضع الأُخرىٰ التي يجب فيها تمييز القول بما يناسبه من تعجُّبٍ أو ٱستفهامٍ، أو نحو ذلك من الأساليب التي تقتضيها طبيعة المقال.
واوّل مَنِ اهتدىٰ لذلك رجلٌ من علماء النحْو، من رُوم القُسطنطينيَّة، ٱسمه أرسطوفان [Aristophane]، من أهل القرن الثاني قبل الميلاد. وكان شأْنُه في هذا السبيل شأْنَ كلِّ من يتنبّه لأمر من الأمور في مبدئه.
ثم توفّرت أُمم الإفْرَنْج من بعده على تحسين هذا الٱصطلاح حتّٰى وصلوا به في عهدنا الحاضر، إلىٰ درجةٍ تكاد تكون نهاية الكمال فى هذا الباب.
فلقد أصبح الطفل منهم، إذا قرأ في أحد الكتب الإِفْرَنْجِيَّة، لا يتلعثم ولا يتردّد في التِّلاوة؛ بل يكون مماثلا للشيخ العالم، سواءً بسواء. وإنّما يُقاس الٱختلاف بين المبتدئ والمنتهي بدرجة المحصول من العلم الذي يُبنىٰ عليه مقدار الفهم. والفضل فى ذلك راجعٌ إلى تلك العلامات التى تواضعوا عليها، لتسهيل القراءة علىٰ كلِّ إنسانٍ توصل إلىٰ بسيط المعرفة بأشكال الحروف وتركيبها، بعضها مع بعضٍ، وإلىٰ طريقة النطق بالكلمات التي تتألّف منها.
٢
وليست الحال كذلك فيما يتعلق باللِّسان العربيّ. فإنّ القارئ لا يزال مُضْطَرًّا، رغمَ أنفه، إلى التعثُّر والتسكُّ علىٰ الدوام، وإلىٰ مراجعة نفسه بنفسه، إنْ كان قد أُوتِيَ شيئًا من العرفان. وعلىٰ كلِّ حال، نراه مهما بلغت درجته من العلم ، لا يتسنّٰى له في أكثر الأحيان أن يتعرف مواقع فصل الجمل وتقسيم العبارات، أو الوقوف علىٰ المواضع التي يجب السكوت عندها. فهو يصل فى الغالب رأس الجُمْلة اللاحقة بذيْل الجُمْلة السابقة، بل قد يقسم الكلمة الواحدة إلىٰ قسمَيْن إذا كانت حروفها غير موصولة ، ونحو ذلك من أساليب الخَطَل التي يشهد بها الحسّ ويؤيدها العِيان.
فكانتِ النتيجةُ عندنا إخلالَ القارئين — ولو كانوا في طليعة المتعلمين — بتلاوة عبارةٍ قد تكون سهلة في ذاتها[1]؛ بل كثيرا ما تراهم عاجزين عن إعطاء الكلام حقّه من النَّبَرات الصوتية التي يقتضيها كل مقام؛ بل إننا لو ٱختبرنا طفلا عربيًّا
لأَلْفَيْناه يحسن القراءة بلغةٍ أجنبيّةٍ، أكثر مما يتوصّل إليه، مع الكدِّ والجِدِّ، فيما يحاوله من قراءة العبارات المكتوبة بلغة أُمِّه وأبيه. ٣
ولقد طالما فكر الغيورون علىٰ اللغة العربية، العاملون على تسهيل تناولها، في تلافي هذا الخلل الفاضح، وتدارك هذا النقص الواضح، خصوصًا بعد ٱمتزاج الأُمم بعضها ببعضٍ، وشيوع اللغات الأجنبيّة في بلادنا ، فرأَوْا أن الوقت قد حان لإدخال نظام جديد فى كتابتنا الحاليّة —مطبوعةً أم مخطوطةً— تسهيلًا لتناول العلوم، وضنًّا بالوقت الثمين أن يضيع هَدَرًا بين تردُّد النظر وبين اشتغال الذهن في تفهُّم عبارات كان من أيسر الأُمور إدراكُ معانيها، لو كانت تقاسيمُها وأجزاؤها مفصولة أو موصولة بعلاماتٍ تبيِّن أغراضها وتوضِّ مراميها.
فشرعوا يستعملون في مطبوعاتهم ومخطوطاتهم الرموز الخاصّة بالإفْرَنْج ولكنْ على غير أصولٍ مقرّرة أو قواعدَ ثابتة. فنشأ عن ذلك كثيرٌ من الخلط والٱرتباك، لأنهم لم يتمشَّوْا في هذا العمل علىٰ وتيرة واحدة معروفة عندهم وعند جميع القارئين علىٰ السواء. ولذلك لم يأتِ مسعاهم بالفائدة التامّة التي توخَّوْها، وإنْ كان لهم فضلٌ كبير فى الشعور بوجوب هذا الإصلاح، وفي العمل علىٰ الوصول إليْه بقوّتهم الذاتيّة الفرديّة، لا تجمعهم رابطةٌ يرجعون إليها أو قاعدةٌ يعتمد الناس معهم عليها.
بقيَتِ الحال على هذا المِنوال في ديار مصر، وهي الملاذ الأخير للغة العرب، والموئِل الماثل لعلومهم وآدابهم.
وأمّا البلاد العربيّة الأُخرىٰ، فالأمر فيها أشدّ وأنكىٰ.
حتّٰى إذا أشرقت علينا أنوار هذا العصر العباسيِّ المجيد، أخذت اللغة في الٱنتعاش، خصوصا عند ما أقرّت الحكومة الخديوية المصرية إحياء الآداب العربيّة.
وكان من كمال التوفيق أنْ أتاح اللّه للهيمنة على نظارة المعارف العموميّة، والإشراف علىٰ إحياء الآداب العربيّة، سعادة النابغة المفضال أحمد حشمت باشا. فقد أخذ، منذ تقلد زمام هذه النظارة، في إعادة اللغة العربيّة إلى مكانتها الطبيعيّة من الرُّجحان في جميع المدارس الأميريّة، كما أخذ يتحرّٰى الأسباب الموصِّلة إلىٰ إحياء الآداب العربيّة في أجمل شكل وعلىٰ أحسن مثال.
كانت باكورة مشروعاته فى هذا الباب أَنْ عَهِد إلىٰ كاتب هذه السطور بالتوفُّر على طبع طائفة من الكتب التي أقرتها الحكومة الخديوية، وعلىٰ إخراجها للناس مستوفية حظها من التحقيق والتدقيق ، بقدر ما يصل إليه الوسع والإمكان.
ولقد أشار سعادة أحمد حشمت باشا بتدارك النقص الحاصل في تلاوة الكتابة العربية، وكلفني ٱستنباط طريقة لوضع العلامات التي تساعد على فهم الكلام، بفصل أجزائه بعضها عن بعض، ليتمكن القارئ من تنويع صوته: تبعًا لأغراض الكاتب، وتوضيحًا للمعاني التط قصدها، ومراعاةً للوُجدان الذي أملىٰ عليه.
وٱشترط أن يكون ذلك الأُسلوب قائما علىٰ آساس منطقيّة مضبوطة، وأن يكون منطبقا علىٰ القواعد والأصول المقررة عند أكابر الأئمة في علوم اللغة العربيّة.
٤
فبدأتُ بمراجعة الكتب العربية التي وضعها النابغون من علماء الفنّ في الوقف والٱبتداء، مثل: «القول المفيد في علم التجويد» و«منار الهدىٰ في الوقف والٱبتدا» و «كتاب الوقف والٱبتداء» للإمام السجاونديّ وشروح «المقدمة فيما يجب على القارئ أنْ يعلمه» و«الإتقان في علوم القرآن » و«البحث المعروف فى معرفة الوقوف» للدانيّ[2] و«كتاب الوقوف» للشاطبيّ[3] وغيرها من الأمهات الموضوعة في هذا الباب.
ثم رجعتُ إلىٰ ما تواضع عليه الإفْرَنْج في هذا المعنى، من كتب النحْو ومعاجم اللغة المستفيضة بين أهل العلم منهم. فكانت نتيجة البحث مما يُقِرّ الخاطر، ويَسُرُّ الناظر؛ فقد وجدتُ، من حسن الحظ، أن الٱصطلاحين يُمكن التوفيق بينهما في أهمّ المواضع، وفي أكثر المقامات دَوَرانا في الكلام.
ذلك بأنني عهدتُ الأُسلوبيْن لا يختلف بعضهما عن بعض إلّا في جزئيّات طفيفة، مما يقتضيه ٱختلاف الألْسنة وطبيعة تولُّدها من جراثيمها الأولى.
وبيان ذلك أنّ العرب —حينما هبُّوا لأخذ قسطهم من التقدُّم والٱرتقاء— ٱبتدؤوا بالكتابة علىٰ طريقة سهلة ساذَجة. فكان من كتابتهم قبل البعثة النبويّة ما هو موصول الكلمات بعضها ببعض. فقد ورد «أنّهم وضعوا كتابا واحدا وجعلوه سطرا واحدا موصول الحروف كلّها غير متفرق».[4]
ثم فصلوا الكلمات بعضها عن بعض فى عصر النبوّة، ولكنّ الحروف بقيت خالية من نقط الإعجام التي تُميِّز الحروف المتشابهة بعضها عن بعض، كما كانت خِلْوًا أيضًا من علامات الشكل التي تتبيّن معها مواقع الحركة والسكون. وذلك إنما كان لفصاحة القوم الغريزيّة وفطانتهم الفطريّة.
فلما ٱتسعتِ الدائرة، أحسّ أهل الرأي منهم بوجوب العمل علىٰ إصلاحٍ أولَ. فوضعوا علامات الشكل نَقْطًا بمدادٍ أحمرَ فوق الحرف أو تحته أو علىٰ شماله.
ثم رأَوْا بعد ذلك كثرة التصحيف، فوضعوا هذه النُّقَط —مفردة أو مثناة أو مثلثة— فوق حروفٍ وتحت حروفٍ أخرىٰ. فكان هذا إصلاحا تاليا.
ثم بدا لهم بعد ذلك أنه لا يتيسَّر لكلِّ إنسان وجود مِدادَيْن عند الكتابة، فضلا عما هنالك من ضياع الوقت، وإمكان تطرُّق الخلط، فعدلوا عن الشكل بطريق النقْط، ووضعوا علامات الشكل المستعملة الآن. فكان هذا هو الإصلاح الثالث.
ثم جاء الطور الرابع —طور الكمال— فوضعوا علاماتٍ خطِّيَّةً مُخْتَزَلةً من بعض الحروف أو من بعض الكلمات، للدلالة علىٰ مواضع الوقف بأنواعه، وعلىٰ مواقع الفصل، وعلى مكان الٱنتهاء، أي حيث يحسن السكوت التامّ. وأطلقوا علىٰ هذا الٱصطلاح الراقي ٱسم: «الوقف والابتداء» و”القطع والٱستئناف“.[5]
وضعَ القومُ للوقف الاختياريِّ حروفا ونقطا وخطوطا يمتاز بها السكون والإشمام والرَّوْم والتضعيف، كما وضعوا علاماتٍ لفظيَّةً وخطِّيَّةٌ لكلٍّ من أنواعه الأربعة (الٱستثباتيّ والإنكاريّ والتذكُّريّ والترنُّميّ). وكذلك نصَّ أئمة القرّاء علىٰ تنويع الصوت في الكلام: تحذيرًا وتبشيرًا الۤخ. ونصَّ سيبويه على أنَّ الأعرابيَّ، لحِرصهِ علىٰ بيان الحركة فى آخر كلّ كلمة سأله عنها، كان يُعقِبها بلفظة ”يا فتىٰ“. وبهذه الوسيلة كان سيبويه يستدلُّ علىٰ أن الكلمة مصروفة ومُجراةٌ أم لا. إذ لو وقف الأَعرابيُّ عليها بالسكون وهي غير منصوبة وكانت مُجراةً، لم يكن في وُسع إمام النحاة أن يعلم إن كانت تلك الكلمة مُجراةً أم لا.
٥
غير أن معاشر الكاتبين بالعربية لم يراعُوا ذلك الٱصطلاح النافع، مراعاةً تامةً، اللهُمّ إلّا في كتابة المصحف الشريف، دون سواه. وكأنهم ضنُّوا بالوقت، وتطلّبوا الإسراع والتعجيل فى سائر أنواع الكتابة، فأهملوا هذه العلامات . نَعَمْ إنَّ بعض العلماء ما زالوا محافظين في كتبهم علىٰ وضع الحركات الدالّة علىٰ الشكل، وجاراهم نفر من النسّاخين الذين ٱتخذوا الأمانة رائدا لهم في أعمالهم، وتوَخَّوْا تسليمها للخَلَف كما وصلت إليهم.
أما السواد الأعظم من العلماء والنسّاخين فقد أهملوا هذا الشكل، بل تراخَوْا في وضع النقط، نُقَط الإعجام ذاتها. فكان ذلك الإهمال المزدوج مثارًا للإبهام والٱلتباس بين الناس، على ما هو مشهور عند العارفين، من طلبة العلم والبحّاثين.
حتّٰى لقد تطرق الخلل إلىٰ كثير من نفس الألفاظ والمسمَّيات، فأصبحت الكلمة الواحدة فيها قولان فأكثر، من جهة وضع النقط علىٰ حروفها؛ وقولان فأكثر من طريق التلفُّظ بحركاتها وسكناتها.
فلمّا ظهرت الطباعة العربيّة، زادت الحالُ إشكالا وتعقيدا. وهذا معظم الكتب بين أيدينا، نرىٰ الصفحات فيها مسوّدة مطموسة بالكتابة من أوّلها إلىٰ آخرها، بلا فاصل بينها يستريح عنده النظر أو اللسان.
أمرٌ طالما أحسّ الناس بمضارِّه المتعدِّدة، وحال دون التيسير فى الفهم أو الوصول إلىٰ المطالب المقصودة.
وأشدُّ ما يظهر هذا النقص في معجمات اللغة (قواميسها)، وفي كتب الأدب، وفي أسفار التاريخ، ونحوها. بحيث إن الباحث يضيع عليه كثيرٌ من وقته، إلىٰ أن يظفر بضالته؛ بل قد يمر بنظره علىٰ موضع الحاجة، ولكنّه ربما لا يقف عليه، أو لا يكاد يهتدي إليه، اللهم إلّا من كان له صبر وممارسة، وهم القليل من القائمين بشؤون التعليم، والمتوفِّرين على البحث والتنقيب.
٦
أنعمتُ النظر في هذه الأسباب الداعية إلى الخلل والٱضطراب، ورأيتُ أنّ أحسن علاج لها هو إحياء الكثير من القواعد التي قرّرها علماء اللغة العربية، لبيان مواضع الوقف والابتداء؛ ورأيتُ من المفيد ٱستعمال العلامات الإفْرَنْجِيّة، وإضافة رموز أخرى عليها، مما تدعو إليه طبيعة التركيب في الكلام العربيّ.
وإنما جنحتُ إلى هذا التوفيق بين القواعد العربيّة وبين العلامات الأجنبية، لتوحيد العمل، وتقليل الكُلْفة، وتسهيل السبيل: خصوصًا أنّ هذه العلامات قد شاع ٱستعمالها في المدارس والمطبوعات والمخطوطات العربيّة، في عصرنا هذا.
وفوق ذلك، وجدتُ بعض هذه العلامات قد ٱستعملها قدماء النسّاخين المصريّين في كثير من الكتب العربيّة، كما تشهد به الآثار المحفوظة بدار الكتب الخديويّة، وكما تشهد به الآثار المنقولة بطريق التصوير الشمسيّ التي ستُتَّخذ أساسا لإِحياء الآداب العربية.[6] وفوق ذلك، قد ٱستخدمها الأتراك فى مطبوعاتهم، خصوصا جرائدهم السيارة؛ بلىٰ وفي مدارسهم من أدناها إلى أقصاها.
وأهم الدواعي التي قضت بالتعويل علىٰ هذه العلامات، أن التلاميذ المصريِّين في جميع المدارس الأميريّة والأهليّة والأجنبيّة يتعلمون هذه العلامات، أثناء تلقّيهم اللغات الأجنبية. فلو ٱخترتُ علاماتٍ أُخرىٰ، لكان ذلك موجبا للتهويش (التشويش) على الطلبة، ولا سيّما حديثي العهد منهم بالدِّراسة. وفي ذلك ما فيه، ممَّا يتحتّم تلافيه.
فلهذه الأسباب كلِّها، رأيتُ وجوب الٱعتماد على هذه العلامات، بعد تعديل وضعها، بحيث يمكن كتابتها بالقلم العربيّ: مراعاةً لحركة اليد في الكتابة من اليمين إلىٰ اليسار.
وأسميتُ هذا العمل الترقيم، لأنّ هذه المادة (ر ق م) تدلّ على العلامات والإشارات والنقوش التي توضع في الكتابة وفي تطريز المنسوجات. ومنها أخذ علماء الحساب لفظة «رقم وأرقام» للدلالة علىٰ الرموز المخصوصة للأعَداد. فنقلتها لهذا الٱصطلاح الجديد، لما بينهما من الملابسة والمشابهة.
وقد أكثرتُ الأمثلة والشواهد، وٱخترتها من أقوال جهابذة اللسان وعلماء الأخلاق، لترسخ قواعد الترقيم في النفوس، ولتحصل بها لدىٰ المطالعة فائدةٌ في ٱكتساب الآداب العملية حتّٰى يستفيد القارئ لهذا الكتَيِّب علما ممزوجا بشيء من مكارم الأخلاق ومحامد الكمالات.
ولزيادة البيان قد ضبطتُ بالحركات كثيرًا من الكلمات الواردة في هذه الأمثال حتى تستقيم القراءةُ لكل إنسان.
وقد ٱستخلصتُ هذه الأمثلَة من كتب الأدب المعتبرة، بعد تمحيصها بمراجعة الأُصول الكثيرة المعتمدة ، ونسبتُ كلَّ قول إلى قائله، اللهم إلا ما كان مجهولا فإني عزوْتُهُ إلى الكتاب المنقول عنه.
ولكيْ يتفطنَ القارئ إلىٰ مواقع الترقيم في الشواهد المذكورة، وضعتُ تحت العلامة المقصودة شرطة هكذا - لتنبيه القارئ إلىٰ محل الاستشهاد.
وجعلتُ لهذا الكتَيِّب ”تذييلا“ لعلامة الوقف في الكلام المسجع حتّٰى يكون الترقيم وافيا بكل مطالب الأدباء والكتَّاب، وموافقا لجميع المطالب والأغراض.
وألحقتُ هذا البحث بفصل في مزايا الترقيم، تتلوه خاتمةٌ فيها ترخيصٌ للكاتب أن يستعمل الذوق ومقتضياتِ الأحوال، فوق إلمامه بقواعد الترقيم.
وختمتُ كُتَيِّبي هذا بتمرينات عامَّة جامعة لعلامات الترقيم، أيضا، وهي من مختارات المنثور والمنظوم.
هذا، وقد عرضتُ هذا المشروع على صاحب السعادة المفضال أحمد حشمت باشا فأمعن فيه نظره السديد، وتفضّل بإرشادي إلىٰ تهذيب أبوابه وتيسير مطالبه حتّٰى جاء بحمد اللّه موافقا لما يبتغيه من خير الأدب ونفع العرب.
ولي أمل شديد، في أن يكون من وراء هذا الصنيع الجديد، فائدةٌ للِّسان العربيِّ وأهله، بفضل اللّه وكرمه. إنّه عليمٌ بالنيّات، وهو المستعان علىٰ تحقيق الغايات!
أحمد زكي
سكرتير مجلس النظار
الترقيم
الترقيم هو وضع رموز مخصوصة في أثناء الكتابة لتعيين مواقع الفصل والوصل، وللتنبيه علىٰ المواضع التي ينبغي فيها تغيير النبرات الصوتية في أثناء القراءة.
ولا يخفى أن الكاتب إذا أراد إنشاء موضوع، فأوّل ما يفعله هو تصوّره في ذهنه ثم تقسيمه أقساما كُبرىٰ، يمتاز بعضها عن بعض . ثم يجعل لكل قسم فروعا متعدّدة مما ينطوِي تحت تلك الفكرة الجامعة التي تحدِّثه نفسه بإخراجها من حيِّز القوَّ إلى حيِّز الفعل.
١ - القطع
فلأجل بيان كل قسم من تلك الأقسام الكبرىٰ يجب على المنشئ عند الكتابة أن يبتدئ كلَّ واحد منها فى أوّل السطر بعد ترك بياضٍ قليلٍ في صدر هذا السطر.[7] ومتى ٱنتهىٰ من الإتيان على الكلام المتعلق بكل قسم من تلك الأقسام الكبرىٰ، فهنالك يكون ما يسميه علماء الفنّ قطعًا. و يوضع في آخره نقطة هكذا . ثم يكون ٱبتداء الكتابة من سطر جديد، مع ترك البياض في أوّله.
اما الأجزاء والفروع التى تكون بطبيعة الحال وبمقتضىٰ السياق مندمجة في احد الأقسام الكبرى، فهي التي تدعو الحال لبيانها وتفصيلها، وذلك بوضع بقية الرموز المخصوصة حسب القواعد التي سيأتي شرحها في كل حالة علىٰ حدتها. ويسمّٰى ٱنتهاء كلِّ جزءٍ أو فرعٍ وقفًا.
٢ - الوقف
ينقسم الوقف إلى ثلاثة[8]: تامّ، وكافٍ، وناقص.
فالوقف التامّ يكون في نهاية كلِّ جملةٍ مستقلّة عما بعدها في المعنى وفي الإعراب.
وحكمه أن يسكت المتكلم أو القارئ سكوتا تامًّا مع ٱستراحة للتنفُّس. وفي نهايته توضع النقطة هكذا . ثم يستمرُّ في الكتابة بعدها مباشرة بدون الرجوع إلى أوّل السطر أو إلىٰ ترك بياض فيه. وفي القراءة أو عند الكلام، يجب الٱبتداء بالجملة التالية من غير إعادة شيء من ألفاظ الجملة الأولىٰ.
والوقف الكافي يكون بين جملتين مرتبطتين فى المعنىٰ لا في الإعراب.
وحكمه في الكتابة مثل حكم الوقف التامّ؛ وفي القراءة أو عند الكلام يجوز السكوت عند نهاية الجملة الأُولىٰ، ويكون الٱبتداء بالثانية (كما في الوقف التام) من غير إعادة شيء من ألفاظ الحملة الأُولىٰ. ويجوز إعادة شيء من تلك الألفاظ. ويجوز عدم الوقوف أصلا عند نهاية الجملة الأولىٰ.
والوقف الناقص يكون بين جملتين مرتبطتين في المعنىٰ وفي الإعراب.
وحكمه (في حالة الوقف علىٰ نهاية الأولىٰ) وجوب إعادة بعض ألفاظ من آخرها لتكون وسيلة لٱستمرار النطق بالجملة التالية.
٣ - النبرات الصوتية
وهنالك نَبَرات صوتية تتردّد بين أقسام الكلام التى سبق شرحها، ولكن هذه النبرات تمتاز بأحوالٍ مخصوصة لتمييز الأغراض الكلامية؛ مثل الظروف التي يقع فيها الٱستفهام والٱنفعال وما أشبه ذلك. وهنالك يكون للقارئ الخيار في فصل الكلام أو وصله حسبما يقتضيه المقام.
علامات الترقيم
علامات الترقيم عشرة، وهي:
١- النقطة .
٢- الشَّولة المنقوطة ؛
٣- الشوْلة ،
٤- النقطتان :
٥- نُقَط التعليق (أي الحذف والإضمار) …
٦- علامة الٱستفهام ؟
٧- علامة الٱنفعال !
٨- الشرطة -
٩- الشناتر « » أو ” “
١٠- القوسان ( )
تنبيهات أساسيَّة
أولّا - من هذه العلامات ما تقتضيه قواعد القطع والوقف، وقواعد النبرات الصوتية؛ ومنها ما يكون وضعه لمجرّد التمييز بين أجزاء الكتابة.
ثانيا - منها ما لا يجوز وضعه مطلقا في أوّل السطر ولا في أول الكلام، وهي:
، ؛ . : ؟ ! » “ )
ثالثا - أما بقية العلامات فيجوز وضعها أينما وقعت. وهي - « ” ( …
رابعا - هذه العلامات كلها يجب وضعها بجانب الحروف والكلمات، لا فوقها ولا تحتها. ١ - النقطة
النقطة توضع في الأحوال التي يكون فيها الوقف التام.
مثال ذلك: (١) المُلك بالدِّين بيقىٰ، والدين بالمُلك يقوىٰ.
**
(٢) أقرب الناس من الملك في الحق كأبعدهم، وأقواهم كأضعفهم.
**
(٣) الصديق نسيب الروح ، والأخ نسيب الجسم.
**
(٤) المعروفُ قُروضُ، والأيام دُوَلٌ، ومَن توانىٰ عن نفسه ضاع، ومَن قاهر الحقَّ قُهِر.
**
(٥) قال أعرابيٌّ لأبيه: يا أبت! إن كبير حقِّك عليّ، لا يُبطِل صغير حقِّي عليك. والذي تمُتُّ به إليَّ، أمُتُّ بمثله إليك. ولستُ أَزْعُمُ أنَّا سواءٌ؛ ولكنْ لَا يَحلُّ لك الٱعتداء.
**
(٦) وعظ أعرابيٌّ ٱبنًا له، أفسد ماله في الشُّرب، فقال: لا الدهرُ يعظك، ولا الأيَّام تُنْذِرُك. والساعات تُعد عليك . والأنفاس تُعدُّ عليك. وأحبُّ أمريْك إليْك أرَدُّهما للمَضرَّة عليك.
٢ - الشولة المنقوطة
الشولة المنقوطة تدلُّ علىٰ مواقع الوقف الكافي، وتستعمل في الأحوال الآتي بيانها:
أولا - بين الجمل المعطوف بعضها علىٰ بعض، إذا كان بينها مشاركة في غرض واحدٍ.
مثال ذلك :
(١) إذا رأيتم الخير ، فخذوا به؛ وإذا رأيتم الشر، فدعوه.
**
(٢) وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجسامًا، وأوفر مع أجسامهم أحلامًا؛ وأشدّ قُوَّةً، وأحسن بقوّتهم للأمور إتقانا؛ وأطول أعمارًا، وأفضل بأعمارهم للأَشياء ٱختبارا. فكان صاحب الدِّين أبلغ في أمر الدِّين —علما وعملا— من صاحب الدين منا؛ وكان صاحب الدُّنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل.
**
(٣) من علامات اللئيم المخادع أن يكون حَسَنَ القول، سيِّئَ الفعل؛ بعيدَ الغضب، قريب الحسد؛ حَمُولًا للفُحش، مجازيًا بالحقْد؛ متكلفا لِّلجُود، صغير الخَطَر؛ متوسِّعًا فيما ليس له، ضيِّقا فيا يملكه.
**
(٤) قِفْ بالديار التي لم يَعْفُها القِدَمُ؛ * بَلىٰ وغيَّرها الأرواح والدِّيَمُ.
(٥) كان بديار مصر أبراجٌ للحمام الرسائليّ الذى ينقل البطائق في أجنحته من مدينةٍ إلىٰ أخرى. منها: برجٌ بقلعة الجبل بالقاهرة، وهو المركز العامّ الذي ينطلق منه الحَمَام إلى سائر الجهات؛ وأبراجٌ بطريق الشام، بمدينة بِلْبِيس[9]، والصالحيّة، والفَرَما، وغزّة، وغيرها؛ وأبراجٌ بطريق الإسكندريّة، في المدن الواقعة علىٰ الفرع الغربيّ لنهر النيل؛ وأبراجٌ لخدمة الصعيد، إلىٰ أُسْوان[10] وإلىٰ عَيْذاب.
(عن صبح الأعشىٰ ببعض تصرُّف)
ثانيا - قبل الجملة المكملة للمعنىٰ.
مثال ذلك :
(١) ليس العاقل الذي يعرِفُ الخير من الشرِّ؛ و إنما العاقل الذي يعرف خير الشَّرَّيْن.
(عمرو بن العاص)
**
(٢) الصبر قوَّة من قوىٰ العقل؛ و بحسب العقل تكون قوَّة الصبر.
(أبو عثمان الدمشقي)
**
(٣) القرابة تحتاج إلىٰ مودَّةالشرِّ؛ والمودَّة لا تحتاج إلىٰ قرابة.
(أكثم بن صيفي)
**
(٤) حِقْد المَلِك عَجْزٌ، والأخذ بالقدرة لُؤْم؛ والعفو أقرب للتقوى وأتمُّ للنعمة.
(عبد الملك بن مروان)
**
(٥) نحن لا نُحِبُّ أن نموت حتّٰى نتوب؛ ونحن لا نتوب حتّٰى نموت.
(أبو حازم)
**
(٦) مَن حَبَسَ رجلا عن رفع مظلمته، فقد عصىٰ اللّه وخالف سُنَّة الملك؛ ومن عصىٰ اللّه، فقد أذن بحرب منه ومن الملك.
(الجاحظ)
(٧) ليس خسيركم مَن ترك الدُّنيا للآخرة، ولا مَن ترك الآخرة للدنيا؛ ولكنْ خيركم مَن أخذ من هذه وهذه.
(أبو حيان التوحيدي)
**
(٨) إذا ضاق صدري وخِفْتُ العِدىٰ، * تذكَّرتُ بينا بحالي يليق؛
فباللّه أبلغُ ما أرْتَجِي، * وباللّه أدفعُ ما لا أُطيق.
(أحد الشعراء)
**
(1) قومٌ، إذا حاربوا ، ضََرُّوا عَدُوَّهُمُ * أو حاولوا النفع في أشياعهم، نفعوا.
سجيَّة تلك فيهم غيرُ مُحْدَثَةٍ؛ * إن الخلائق ، فٱعلم، شَرُّها البِدَعُ.
(حسان بن ثابت)
**
(١٠) أحَلَّتْ دَمِي من غير جُرمٍ، وحَرَّمت * بلا سبب يوم اللقاء كلامي؛
فليس الذي حلَّلته بمُحَلَّل ، * وليس الذي حَرَّمته بحرامِِ
(البحتري)
**
(١١) ليس مَنْ مات فٱستراح بمَيْت؛ * إنما الميْتُ مَيِّتُ الأحياء؛
إنما الميت مَن يعيش كئيبا، * كاسفًا بالُهُ، قليلَ الرجاء.
(عديّ بن الرعلاء)
٣ - الشَّوْلة
الشَّوْلة[11] تدل على مواقع الوقف الناقص، وتوضع في الأحوال الآتي بيانها، وهي:
أولا - بين جملتيْن مرتبطتيْن في اللفظ وفي المعنىٰ، كأنْ كانت الثانية صفةً أو حالا أو ظرفا للأُولىٰ.
مثال ذلك :
(١) خير الكلام ما قلّ ودلّ، ولم يَطُلْ فيُمَلّ.
(حكمة مأثورة)
**
(٢) اِجعل ما فى كتابك رأس مالك، وما في صدرك للنفقة.
(الخليل بن أحمد)
**
(٣) إتَّقُوا القاصر من العلماء، والجاهل من المتعبِّدين.
(الشعبي)
**
(٤) رُبَّ نظرةٍ زرعَتْ شهوةً، وشهوةِ ساعة أورثتْ حُزْنا طويلًا.
(عمر بن الخطاب)
**
(٥) وإذا سكِرتُ فإنّني مستهلكٌ * مَالِي، وعِرضي وافرٌ لم يُكْلَمِ.
(عنترة العبسي)
**
(1) نَجَوْتُ، وقد بلَّ المُرادِيُّ سيفه * من ٱبن أبي شيخ الأباطح، طالبِ.
(معاوية بن أبي سُفيان)
**
(٧) بِيضُ الوجوه، كريمةٌ أحسابُهُمْ، * شُمُّ الأُنوفِ من الطِّرازِ الأَوَّلِ.
(حسان بن ثابت)
**
(٨) الشر حُلْوٌ أوّلُه، مُرٌّ آخره.
(سليمان بن داود)
مثاله:
(١) إذا كنت في مِصْرٍ ولم تكُ ساكنًا * علىٰ نيلها الجاري، فما أنت في مِصْرِ!
وإن كنتَ في مِصْرٍ بشاطئ نِيلِها * وما لك من شيءٍ، فما أنت في مِصْرِ!
وإن كنتَ ذا شيءٍ ولم تك صاحبًا * لإلْفٍ له لُطْفٌ، فما أنت في مِصْرِ!
وإن كنتَ ذا إلْفٍ ولم تك مالكًا * لكِيسٍ حوىٰ أَلْفًا، ما أنتَ في مِصْرِ!
وإنْ حُزتَ ما قلنا ولم تكُ هائمًا * تميلُ لمن تهوىٰ، فما أنتَ في مِصْرِ!
(أحد الشعراء)
عن تاريخ الاسحاقي
**
(٢) إذا كنتَ في كلِّ الأُمور مُعاتِبًا * صديقَك، لم تَلْقَ الذى لا تعاتِبُهْ.
(المتنبي)
**
(٣) إن قدرتَ أنْ تزيد ذا الحقِّ على حقِّه وتطُول علىٰ مَن لا حقَّ له، فٱفعل.
(ابن المقفع)
**
(٤) لو أنَّ قومًا لٱرتفاع قبيلةٍ * دخلوا السماءَ، دخلتها لا أُحْجَبُ.
(أحد الشعراء)
**
(٥) لولا ما رسمتْ لنا الأوائل فى كتبها وخلّدتْ من عجيب حكمتها، لقد بُخِس حظُّنا من عمل سلفنا.
(الجاحظ)
**
(٦) لو أنّ واحدًا أتاني بحديثٍ واحدٍ من أحاديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) لم يبلغني، لملأْتُ فاهُ ذهبًا.
(معجم الأدباء لياقوت)
(٧) مَن أمضىٰ يومه في غير حقٍّ قضاه، أو فرضٍ أدّاه، أو مجدٍ بناه، أو حَمْدٍ حصَّله ، أو خير أسَّسه، أو علمٍ ٱقتبسه، فقد عقَّ يومَه.
(عليّ بن أبي طالب)
**
(٨) مَن وصل أخاه بنصيحةٍ له فى دينه ونظرٍ له في دنياه، فقد أحسن صلته وأدّٰى واجب حقِّه.
(عمر بن عبد العزيز)
**
(٩) مَن أراد أن يُحسِّن القبيح عند رضاه ويُقبِّح الحَسَنَ عند سُخطه، فعل.
(أبو حيّان التوحيديّ)
**
(١٠) لئن كنتَ قد بُلِّغْتَ عنى خيانة، * لَمُبْلِغُك الواشي أغشُّ وأكْذب!
(النابغة الذبيانيّ)
**
(١١) لئن أنكر المرءُ من غيره ما لا يُنْكِرُ من نفسه، لهو أحمقُ.
(حكمةٌ مأثورة)
**
(١٢) ولستُ بنظّار إلىٰ جانب الغِنىٰ، * إذا كانت العلياء في جانب الفقر!
(أحد الشعراء)
**
(١٣) وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ، * إذا ٱحتاج النهار إلىٰ دليل!
(المتنبي)
ثالثا - بين المفردات المعطوفة، إذا أفادت تقسيما أو تنويعا، وكان الكاتب يريد تنبيه القارئ بنوع خاصٍّ إلىٰ ذلك التقسيم أو التنويع.
مثال ذلك:
(١) الكلام ثلاثة أقسام: اسمٌ، وفعلٌ، وحرفٌ.
(الإمام عليٌّ)
**
(٢) أفادَتكمُ النَّعماء منِّي ثلاثةً: * يدي، ولساني، والضميرَ المحجَّبا.
(بيت مشهور)
**
(٣) اِجتمعَتْ علماءُ العرب والعجم على أربع كلمات: لا تحملْ علىٰ ظنك ما لا تُطِيق، ولا تَعْمَلْ عملا لا ينفعُك، ولا تثِقْ بٱمرأةٍ، ولا تثقْ بمالٍ وإن كُثر.
(ابن عبد ربه)
**
(٤) اِغتنم خمسا قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمك، وصحّتَك قبل سُقْمك، وفراغَك قبل شُغْلك، وغِناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك.
(محاضرات الراغب)
**
(٥) مِكَرٍّ مِفَرٍّ، مُقْبِلٍ، مُدْبِرٍ مَعًا * صَخْرٍ مَجْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ.
(اِمرؤ القيس)
**
(٦) الخيٌلُ، واللَّيْلُ، والبيدَاء، تَعْرِفُني؛ * والسيفُ، والرُّمْحُ، والقِرطاسُ، والقلَمُ.
(المتني)
**
(٧) دانٍ، بعيدٍ، مُحبٍّ، مُبْغِضٍ، بَهِجٍ، * أغَرَّ، حُلْوٍ، ومُرٍّ، لَيِّنٍ، شَرِسِ،
نَدٍ، أبِيٍّ، غَرٍ، وافٍ، أخي ثِقَةٍ، * جَعْدٍ، سَرِيٍّ، نَهٍ، نَدْبٍ، رَضٍ، نَدُسِ.
(المتني)
**
(٨) إذا ٱمْتلاتِ المِعدة، نامتِ الفكرة، وخَرِستِ الحكمة، وقعدتِ الأعْضاء عن العبادة.
(محاضرات الراغب)
(٩) أمور لا تصلح إلا بقرائنها. لا ينفع العقل بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا شدّة البطش بغير شدّة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة، وَلا الحَسَب بغير أدب، ولا السرور بغير أمْن، ولا الغِنىٰ بغير جُود، ولا المُرُوءةُ بغير تواضع، ولا الخفض بغير كفاية، ولا الٱجتهاد بغير توفيق.
(ابن المقفع)
رابعا - بين المفردات المعطوفة، إذا تعلّق بها ما يطيل عبارتها.
مثال ذلك :
(١) الحازمُ يَحْذَرُ عَدُوَّهُ علىٰ كلِّ حالٍ: يحذَرُ المواثبة إنْ قَرُبَ، والغارة إنْ بَعُدَ، والكمين إنِ ٱنكشف، والٱستطراد إن وَلّٰى.
(حكمة لأهل الهند)
**
(٢) الملوك يؤدِّبون بالهجران، ولا يعاقبون بالحرمان.
(أردشير بن بابك)
خامسا - قبل ألفاظ البدل، حينما يُراد لَفْتُ النظر إليها أو تنبيه الذهن عليها.
مثال ذلك:
(١) بلغنا السماء، مجدُنا وسناؤنا، * وإنا لَنرجو فوق ذلك مظهَرا.
(النابغة الجعدي)
**
(٢) أيا أخَوَيْنَا، عبدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلَا، * أُعيذ كما باللّه أن تُحدِثا حَرْبا!
(طالب بن أبي طالب)
(٣) إنَّ الأُسُودَ، أُسُودَ الغِيلِ هِمَّتُها * يومَ الكريهة في المسلوب، لا السَّلَبِ.
(أبو تمَّام)
سادسا - لحصر الجمل المعترضة القصيرة.
مثال ذلك :
(١) ولو أنَّ ما أسعىٰ لأدنىٰ معيشةٍ، كفاني، ولم أطلبْ، قليلٌ من المالِ
(امرؤ القيس)
**
(٢) بأبي نائمًا على الطرْق راحتْ * في هواه، وليس يَعْلَمُ، عَيْنِي!
(ابن نباتة)
**
(٣) ومهما يكن عند ٱمرئٍ من خليقة، * وإن خالَها تَخْفىٰ علىٰ الناس، تُعْلَمِ!
(زُهير بن أبي سُلْمىٰ)
**
(٤) وإنِّي لمُهْدٍ عن حنينٍ مبَرِّحٍ * إليك علىٰ الأقصىٰ من الدار والأدنى،
وإنْ كانتِ الأشواق تزداد كلَّما * تناقص بُعْدُ الدار واقتربَ المَغْنىٰ،
سلامًا كَنَثْرِ الرَّوْض بَاكَرَهُ الحَيَا * وهَبَّتْ عليه نَسْمَةُ السَّحَرِ الأعلىٰ.
(مجد الدين بن الأثير)
٤ - النقطتان
توضع هذه العلامة قبل الكلام المقول، أو المنقول ، أو المُقَسَّم ، أو المُجْمَل بعد تفصيل ، أو المُفَصّل بعد إجمال؛ وفي بعض المواضع المهمة للحال والتمييز.
مثال ذلك:
(١) ولقد أمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني * فأعَفُّ ثم أقول: لا يعنيني!
(شاعرٌ من بني سَلُول)
**
(٢) قالت: وَعَيْشِ أبِي وحُرْمة إخْوَتي * لأُنَبِّهَنَّ الحَيَّ إن لمْ تخرُجِ!
(عُروَة بن أُذينة)
**
(٣) تنقسم الدنيا إلىٰ خمسة أقسام: إفريقية[12]، وآسيَة، وأَوْرُبَّة، وأمريكة، والأُقيانوسيّة.
(كتب الجغرافية)
**
(٤) أربعة تُرْفع الرحمة عنهم إذا نزل بهم المكروه: مَن كذَبَ طبيبَه فيا يصف له من دائه، ومن تعاطىٰ مالا يستَقِلُّ بأعبائه، ومَن بذل ماله في لذَّاته، ومَن قدِم علىٰ ما حَذِرَ من آفاته.
(ابن ظفر الصقلي)
**
( ٥ ) من أكل حتّٰى شبع، عوقب بثلاث: يُلْقىٰ الغِطاءُ علىٰ قلبه، والنعاس علىٰ عينه، والكسل علىٰ جسمه.
(يحيىٰ بن مُعاذ)
(٦) ما بَقِي عليّ شيء من لذات الدنيا إلا وقد نِلْتُه وما أشتهي إلا شيئا واحدا: أخًا أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه.
(هشام بن عبد الملك)
**
(٧) الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب: متىٰ بَعُد أحدكم من أحدهما، قرُبَ من الآخر؛ ومتى قرُبَ من أحدهما، بَعُدَ من الآخر.
(أبو حيان التوحيديّ)
**
(٨) آفة هذا الدِّين وعاهة هذه المِلَّة قومٌ عيَابون طعّانون: يُظْهرون لكم ما تُحِبُّون، ويُسِرُّون ما تَكرهون.
(عثمان بن عفان)
**
(فقاش الفقعسيّ)
**
(١٠) فلمّا ٱلتقينا شَبَّتِ الحربُ بيننا * على السِّلْمِ منا: مقلتاه وناظري.
اِبن بشران
٥ - نُقَط التعليق[14]
(أي نُقَط الحذف والإضمار)
علامتها هكذا …
وتوضع للدلالة علىٰ أنّ في موضعها كلاما محذوفا أو مُضْمَرا، لأيّ سبب من الأسباب.
كما لو ٱستشهد الكاتب بعبارةٍ وأراد أن يحذف منها بعض ألفاظٍ لا حاجة له بها؛ أو كان الناقل لكلام غيره لم يعثر علىٰ جزءٍ منه في وسط الجملة: ففي هاتيْن الحالين وأشباههما توضع هذه النقط محلّ الجزء المحذوف أو الناقص للدلالة على موضع الحذف أو النقص.
ذلك أفضل كثيرا من ترك البياض، لأنه لا يُؤْمن إغفاله عند النقل مرة ثانية أو عند الطبع أو إعادته. وفي ذلك إخلال بالأمانة.
مثال ذلك :
(١) إنّما العمل علىٰ أهل النظر والتأمل الذين أعطَوْا كل شيءٍ حقّه من القول ووفَّوْهُ قسطه من الحق…فلمثل هؤلاء تُصنَّف العلوم وتُدوَّن الكتب.
(المسعودي)
٦ - علامة الٱستفهام
علامة الٱستفهام تُستَعمل للدلالة علىٰ الجُمَل الٱستفهامية. وتوضع في آخر الجملة، سواء كانت أداة الٱستفهام ظاهرة أم مقدَّرة.
مثال ذلك :
(١) ألَسْْتُم خيرَ مَن ركب المطايا * وأندىٰ العالَمين بُطونَ راحِ؟
(جرير)
**
(٢) فواللّه ما أدري، وإني لَحَاسِبٌ! * بسبع رميتُ الجمر أم بثمان؟
(عمر بن أبي ربيعة)
(٣) ولستَ بمستبقٍ أخًا لا تلُمُّهُ * علىٰ شعَثٍ؛ أيُّ الرجال المهذبُ؟
(النابغة الذُّبياني)
**
(٤) الجاهل عدوّ نفسه. فكيف لا يكون عدوّ غيره؟
(حكمة)
**
(٥) سمعت أبا عليِّ بن البناء ببغداد قال: ذكرني أبو بكرٍ الخطيبُ في التاريخ بالصدق أو بالكذب؟ فقالوا: ما ذكرك في التاريخ أصلا.
(ياقوت الحمويّ)
**
(٦) حُكيَ لٱبن بشر الآمديِّ أن ٱبن علَّانَ قاضي القضاة بالأهواز ذكر أنّه رأى قَبَجَة[15] وزنها عشرة أرطال. فقال: هذا محالٌ. فقيل له: تردّ قول ٱبن علّان؟ قال: فإن قال ٱبن علّان إنّ علىٰ شاطئ جيحون نخلًا يحمل غضارًا صينيًّا[16] مجزَّعًا بسوادٍ، أقبَلُ؟
(ياقوت الحمويّ)
**
ملاحظة - يُشترط أنْ لا يكون الٱستفهام معلَّقا، أو معمولا لعامل نحويّ. ويكون حكم الترقيم في هذه الحالة مثل الوقف التامّ.
مثال ذلك:
(١) أشُدُّ علىٰ الكتيبة لا أُبالي * أَحتفى كان فيها أمْ سواها.
(بيت مشهور)
**
ولستُ أبالي بعد فَقْدِي مَالِكًا * أموتِيَ ناءٍ أم هو الآنَ واقع.
(المقاصد النحوية للعينيّ)
(٣) لا يُحْمَلُ مَن مات من المجوس إلىٰ النار حتى يُدْنىٰ منه كلب. لأن الكلب لا يخفىٰ عليه مغمورُ الحس، أهو حيٌّ أو ميت.
(الجاحظ)
(ففي أمثال هاتيْن الحالتيْن لا توضع علامة الٱستفهام.)
٧- علامة الٱنفعال
علامة الٱنفعال توضع في آخر كلِّ جملة تدلُّ على تأثُّر قائلها وتهيُّج شعوره ووجدانه، مثل الأحوال التي يكون فيها النداء والتعجُّب والٱستغراب والٱستنكار (ولو كان ٱستفهاميا) والإغراء والتحذير والتأسُّف والدعاء والقسم ونحو ذلك، (مثل الجُمَل المبدوءة بنِعْمَ وبئس وحبَّذا وما أشبهها.)
مثاله :
(١) عَبَّاسُ، يا الملك المُتوَّج والذي * عَرَفتْ له بيتَ العُلىٰ عدنانُ!
(من ٱستشهادات ابن هشام المصريّ)
**
(٢) یا ٱبن أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نفسي! * أنت خليتني لدهـر شـــــديد!
(أبو زبيد الطائي)
**
(٣) عجبًا لمن طلب أمرًا بالغَلَبَة، وهو يقدر عليه بالحُجَّة!
(ابن عباس)
**
(٤) فيا شوقُ ما أبقىٰ! ويا لي من النوىٰ! * ويا دَمْعُ ما أجرىٰ! ويا قلب ما أصبىٰ!
(المتنبي)
**
(٥) أرىٰ أُمَّ عمرو دَمْعُها قد تحدَّرا * بكاءً علىٰ عمرو، وما كان أصبرا!
(اِمرؤ القيس)
(٦) هيهات أنْ يأتي الزمان بمثله! * إنّ الزمان بمثله لبخيل!
(لأحد الشعراء)
**
(٧) لِيَكُنِ الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد التناظر!
(أبو بكر الصِّدِّيق)
**
(٨) تَكَنَّفَنِي الوُشاةُ فأزعجوني، * فيا للّٰهِ للواشي المُطاع!
(قيس بن ذُرَيْح)
**
(٩) بيني وبينك حُرْمةٌ، * اَللّهَ في تضييعها!
(مدرك بن علي الشيبانيّ)
**
(١٠) عميرةَ وَدِّعْ، إن تَجَهَّزْتَ غاديَا. * كفىٰ الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا!
(عبد بني الحسحاس)
**
(١١) ولولا الشِّعر بالعُلَماء يُزرِي، * لكنتُ اليومَ أََشْعَرَ من لَبِيد!
(الإمام الشافعي)
**
(١٢) أخاك، أخاك! إنّ من لا أخَالَهُ * كساعٍ إلىٰ الهيجا بغير سلاح!
(مِسكين الدارميّ)
**
(١٣) ألَا حبذا عاذري في الهوىٰ! * ولا حبذا العاذلُ الجاهل!
**
(١٤) هي الدنيا تقول بملءِ فيها: * حذارِ حذارِ من بطشي وفتكي!
(الحريري)
**
(١٥) أَلْحَقُّ أَبْلَجُ والسيوف عوار! * فَحَذَارِ مِنْ أُسْدِ الْعَرِينِ، حَذَارِ!
(أبو تمام)
**
٨ - الشرطة
الشرطة تُستَعمل لفصل كلام المتخاطبيْن في حالة المحاورة، إذا حصل الٱستغناء عن الإشارة إلى أسمائهما، ولو بطريق الدلالة ، بمثل (قال، أجاب، ردّ عليه، وهكذا).
وقد توضع أيضا في أوّل الجملة المعترضة وفي آخرها، إذا كانت تتخللها شولة واحدة فاكثر، أو جملةٌ معترضةٌ أخرىٰ.
مثال ذلك:
(١) قال معاوية لعمرو بن العاص:
― ما بلغَ من عقلك؟
― ما دخلتُ في شيءٍ قطُّ إلا وخرجتُ منه.
― لكني ما دخلتُ في شيءٍ قطُّ وأُريد الخروج منه.
(اِبن عبد ربه)
**
(٢) قيل لبعض بني أمية: ― ما كان سببُ زوال مُلككم؟
― اِختلافٌ فيما بيننا، وٱجتماع المختلفين علينا.
(اِبن عبد ربه)
(٣) دخل معنُ بن زائدة علىٰ أبي جعفر، أمير المؤمنين. فقارب في خُطاه، فقال له أبو جعفر:
أيُّ الدولتين أحب اليك؟ [يعني: العباسية أم الأموية؟]
― ذلك إليك يا أمير المؤْمنين! إن زاد بِرُّك علىٰ بِرِّهم، أحببتُك فوق حبِّي لهم، وإن لم يزد بِرُّك علىٰ بِرهم، كانوا أحبَّ إليَّ منك.
― لقد كبرتْ سنك، يا معنُ!
― في طاعتك، يا أمير المؤمنين.
― وإنّك لَجَلْدٌ!
― علىٰ أعدائك.
― وإنّ فيك لبقيَّة!
― هيَ لك.
(عن تذكرة الصفدي)
**
(٤) طلب بعض الملوك كاتبا لخدمته. فقال للملك:
أصحبُك علىٰ ثلاث خلالٍ.
― ما هي؟
― لا تهتك إلى سِترا، ولا تَشتِمْ لي عِرضا، ولا تقبلْ فيّ قولَ قائل.
― هذه لك عندي. فما لي عندك؟
― لا أُفشي لك سرّا، ولا أؤَخِّر عنك نصيحة، ولا أوثر عليك أحدا.
― نعم الصاحب المستصحَب، أنت!
(القلقشندي)
**
(٥) حَمُوا مَا لهم—والعِرْضُ والدينُ منهمُ * مباحٌ—فما يخشَوْنَ مِن هجْوِ مَن هجا.
(اِبن الدهَّان)
(٦) ولقد أَرىٰ بك—والجديدُ إلى بِلًي * موتَ الهوىٰ وشفاءَ عين المُجتلِي،
(جرير)
**
(٧) وما زلتُ من ليلىٰ—لَدُنْ طَرَّ شاربي * إلىٰ اليوم—أُخفِي حُبَّها وأَُداجِنُ.
(كُثَيِّر)
**
(٨) من حدِّ هذا الدَرَج إلىٰ السور الغربيِّ—وهو الذي فيه الباب الجديد المعروف الآن بباب القيسارية، وفيه باب الميضأة وسائر الأبواب الآتي ذكرها، إن شاء اللّه، عند أبواب الحرم الخليليِّ بمدينة حَبْرون—خمسة وثمانون ذراعا وثلث ذراع.
(اِبن فضل الله العُمَريّ)
٩ـ الشناتر[17]
الشناتر[17] هي عبارة عن ضبَّتين مزدوجتين وهذه صورتها « » أو شولتيْن مزدوجتيْن هكذا ” “
توضع بينها الجمل والعبارات المنقولة بالحرف، لأجل تمييزها عن كلام الناقل.
مثال ذلك:
(١) إذا سمعتَ القائل يقول: «ما ترك الأوّل للآخر شيْئًا»، فٱعلَمْ أنه ما يُريد أن يُفْلِحَ.
(الجاحظ)
**
(٢) قال محمّد بن عمر المدائنيّ في كتاب «القلم والدواة»: ”يجب علىٰ الكاتب أنْ يتعلم الهنديّة وغيرها من الخطوط العجميّة. ويؤيّد ذلك…أنَّ النبيّ (صلّٰى اللّه عليه وسلَّم) أمر زيد بن ثابت أن يتعلَّم كتابة السُّريانيَّة. فتعلَّمها…وكان يقرأ بها علىٰ النبيّ (صلّٰى اللّه عليه وسلم) كتبهم.“
(القلقشنديّ)
(٣) قيل لبني أمية، بعد ذهاب ملكهم: ما الذي كان سببا في زوال الملك عنكم؟ فقالوا: ”أقواها أننا اعتمدنا علىٰ المال وٱستهنَّا بالرجال، فأخذ العدوّ مالنا وتقوّٰى به علينا؛ وأبعدْنا الصديق وقرّبْنا العدو، فصار الصديق عدوًّا بالإبعاد“
(عن تاريخ الإسحاقي)
**
(٤) جاء في الجزء الأوّل من «صبح الأعشىٰ فى صناعة الإنشا» ما نصه: قال صاحب نهاية الأرب: ”…دخل في الكتابة مَن لا يعرفها البتَّة، وزادوا عن الإحصاء… وصار الآن حدّ الكاتب عند هؤلاء الجهَّال أن يكتب على المجوِّد مدّة، ويتقن بزعمه أسطرا. فإذا رأىٰ من نفسه أنَّ خطَّه قد جاد أدنىٰ جودة، أصلح بِزَّته وركب برذوْنه أو بغلته، وسعىٰ فى الدخول إلىٰ ديوان الإنشاء والٱنضمام إلى أهله.
١٠ - القوسان
القوسان يوضع بينهما عبارات التفسير، والدعاء القصير، والٱعتراض الطويل.
مثال ذلك :
(١) الجُحْفة (بضم الجيم وسكون الحاء المهملة) موضعٌ على ثلاث مراحل من مكّة.
(اِبن فضل الله العمريّ)
**
(٢) للمجلس الذي بناه سليمان (عليه السلام) من داخل الخانقاه الصلاحيّة (أعنى المجاورة لمقصورة الخطابة، وبها الآن شيخٌ من الصوفيّة، وبه تعرف في أيّامنا هذه) سُلَّمان ينزلان إلىٰ أقسام المجلس المذكور.
(عنه أيضا)
**
(٣) بين جُور وشيراز (وهي قصبة فارس) عشرون فرسخا.
(عنه أيضا)
**
تذييل
علامة الوقف في الكلام المسجع
لما كان السجع من خصائص اللغة العربيّة، كان من اللازم وضع علامة خاصّة به لتنبيه نظر القارئ إليه، أثناء التلاوة. وهذه العلامة هى شَوْلة مُثَنَّاة (،̤) أى شَوْلة تحتها نقطتان.[18] وتوضع هذه العلامة بعد السجعات، ولكن في الحالة التى يكون الكلام فيها مُسَجَّعًا كله، دون سائر الأحوال الأخرى، كما هو الشأن في مقامات الحريري مثلا.
مثال ذلك:
«أسعد اللّه بوزارة سيّدى الدنيا والدين،̤ وأجرى إليها الغرّ الميامين،̤ ووصل بها التأييد والتمكين! والحمد للّه علىٰ أَمَلٍ بَلَّغه،̤ وجَدَل سَوَّغَه! وظنّ حققه،̤ ورجاء صدّقه! وله المنّة في ظلام كان (أعزّه اللّه) صبحه،̤ ومستبهَمٍ غدا شرحه! وعَطَل نحرٍ أمسىٰ حَلْيَه،̤ وضلال دهر صار هَدْيه!»
(الفتح بن خاقان الاندلسيّ)
وأمّا السجع المرصع، فعلامته شَوْلة بسيطة توضع بعد كلمة الترصيع.
مثال ذلك :
«عالم الأوان، ومصنفه،̤ ومقرّط البيان، ومشنِّفه،̤ بتآليف، كأنها الخرائد،̤ وتصانيف، أبهىٰ من القلائد.»
(عنه أيضا)
أما الترصيع في كلِّ لفظة من ألفاظ الجملة المُسجّعة، فيُلحق بالسجع المعتاد.
مثال ذلك:
«يطبع الأسجاع بجواهر لفظه،̤ و يقرع الأسماع بزواجر وعظه.»
(الحريري)
مزايا الترقيم
لا تقتصر فوائد الترقيم علىٰ بيان مواضع الوقف أو السكوت التي ينبغي للقارئ مراعاتها في أثناء التلاوة، ولكنه يرمي إلىٰ غاية أبعد وإلىٰ غرض أكبر. فهو خير وسيلة لإظهار الصراحة وبيان الوضوح في الكلام المكتوب، لأنّه يدلّ الناظر إلىٰ تلك العلامات الٱصطلاحيّة على العلاقات التي تربط أجزاءَ الكلام بعضها ببعض بوجه عام، وأجزاءَ كلِّ جملة بنوع خاصٍّ.
نعم إنّ اللبيب لو نظر إلىً هذه المسألة بطريق الحصر، لأقرَّ بأن كل أقسام الكلام المنتظم يرتبط بعضها ببعض، وأنّ فكرة الكاتب لا يتأتّٰى الوصول إلى إدراكها بجميع تفاصيلها إلّا عند بلوغ نهاية ذلك الكلام.
غير أنّ هنالك أمرًا لا ينبغي إغفال الإشارة إليه، وذلك أنّ الكاتب ليس من مصلحته أنْ يُتعب ذهن القارئ ولا بصره، لئلا يدركه الملال، فتضيع الفائدة المقصودة، كلها أو بعضها.
لذلك كان من الواجب علىٰ الكاتب أن يلفت نظر القارئ في كثير من المواضع بعلامات تحمله علىٰ الوقوف قليلا أو السكوت طويلا. وذلك بأنْ يعرض عليه فكرته العامّة مفصَّلةً ومقسَّمة، بحيث يتأتّٰى له تفهُّم أجزائها واحدًا فواحدًا، بصرف النظر عن العلاقة العامّة التي تربط هذه الأجزاء كلها، بعضها ببعض.
وعلى هذا الحكم تكون الجملة، بٱعتبار الترقيم، عبارة عن سلسلة من الكلمات يدلّ مجموعها علىٰ جزء من أجزاء تلك الفكرة العامّة التي سبقت الإشارة إليها، بحيث إنّ هذه السلسلة تؤدّي —ولو بصفة وقتية— إلىٰ فهم معنًى مستقلٍّ بنفسه وكامل فى حدِّ ذاته. فهذا الموضع هو الذي يجب وضع النقطة (.) عقبه، للفصل بين كلِّ جملة وما يليها من أخواتها، حتّٰى يصحّ القول بأنّ الكاتب أراد الدلالة بهذه الوسيلة علىٰ أنّه قد فرغ من عرض فكرته الجزئيّة، وأنه يطلب من القارئ أن يقف قليلا عند هذا الموضع ليعلِّق بذهنه ما وقع عليه بصره.
وكلّما كثرت النُّقَطُ في الكلام المكتوب، كان أكثر صراحة وأشدّ وضوحا؛ ولكنه يكون في الحقيقة مفكّكا. وكلما كانت نادرة، كان الإنشاء متماسكا؛ ولكنّه يكون موجبا للتراخي عند القارئ وداعيًا لتبرُّمه والتثقيل عليه في فهم ما بين يديه بالسُّهولة المطلوبة.
فالإفراط في كلٍّ من الحالين مذموم، وخير الأمور الوَسَط على ما هو معلوم. والكاتب القدير والمنشئ النحرير هما اللذان يكون في وسعهما ٱتباع الطريقة المثلى للجمع بين المزيتين وهما: الوضوح، وتسلسل الأفكار مع أخذ بعضها برقاب بعضٍ علىٰ أسلوب معقول ومقبول.
الخاتمة
تلك هي القواعد الواجب مراعاتها فى كل حال. ولكنّ للكاتب مندوحةً في الإكثار أو الإقلال من وضع هذه العلامات، بحسب ما ترمي إليه نفسه من الأغراض ولَفْت الأنظار والتوكيد فى بعض المحالّ، ونحو ذلك مما يريد التأثير به في نفوس القرّاء. فكما يختلف الناس في أساليب الإنشاء، وكما تختلف مواضع الدلالات كما هو مقرر في علم المعاني، فكذلك الشأْن في وضع هذه العلامات .
ولكنّ الترقيم إذا كان يختلف باختلاف أساليب الإنشاء، فليس في ذلك دليل علىٰ جواز الخروج عن قواعده الأساسيّة التي شرحناها بالتفصيل، وإنما يكون ذلك بمثابة تكثير لبيان الأحوال التي تستعمل علاماته فيها.
ومِلاك الأمر كلِّه راجع لذوق الكاتبٌ، للوُجدان الذي يريد أن يُحدثه عند القارئ ليشاركه فى شعوره وفي عواطفه.
وخلاصة القول أن الممارسة خير دليل، يهدي سواء السبيل.
أمثلة جامعة
لأغلب علامات الترقيم
المثال الأول
قال السَّخاويّ في مقدّمة ”الوسيلة إلى كشف العقيلة“ ما نصه:
«إنّ الله جعل الكتابة من أجلّ صنائع البشر وأعلاها، ومن أكبر منافع الأمم وأسناها. وهي حِرزٌ لا يضيع ما ٱستُودِع فيه، وكنزٌ لا يتغيّر لديه ما توعيه مما تصطفيه؛ وحافظٌ لا يُخاف عليه النسيان، وناطق بالصواب من القول إذا حرَّفه اللسان. ولذلك قال (صلّى الله عليه وسلم): ”قيِّدوا العلم بالكتابة.“ وقال بعض أهل الأدب:
”أفرَطَ نسياني إلىٰ غايةأعْدَمَني إفراطها الحسّا.وكنتُ مهما عرضَتْ حاجةٌمهمّة أودعتها الطرسا.فصرتُ أنسىٰ الطرس في راحتيوصرتُ أنسىٰ أنّني أنسىٰ.“«وهي السبب إلى تخليد كلّ فضيله، والذريعة إلىٰ توريث كل حكمة جليله. وهي الموصّلة إلى الأمم الآتية، أخبَار القرون الخالية، ومعارفَ الُأمم الماضية. حتىّٰ كأنّ الخلف يشافه السلف، وكأنّ الآخر يشاهد الأول.
«فمتى أردتَ مجالسة إمامٍ من الأئمة الماضين، فٱنظر في كتبه التي صنفها، ومجموعاته التي ألّفها. فإنك تجده لك مخاطبا ومعلِّما، ومرشدا ومفهِّما، فهو حيّ من هذه الجهة، موجودٌ من هذا الجانب. وكم من حكمةٍ رائعة، وكلمة نافعة، وموعظة جامعة، وحجَّة بالغة، وعبرة صادقة، قد خزنها الأوّل للآخر، ونقشها في الحجارة بعد الدفاتر: حُنُوًّا من البشر الذي يرحم بعضه بعضا، ويَدُلُّه علىٰ ما يختاره لنفسه ويرضىٰ. وقد دوّنوا أخبار الأجواد، وكتبوا مواقف الشجعان: علمًا بأنّ الناس يقتدي بعضهم ببعض.
«ولذلك قال القائل منبّها لأهل زمانه، علىٰ إغفال التكرُّم وإهمال شانه:
”إني سألت عن الكرام فقيل لي:إنّ الكرامَ رهائنُ الأرْماس.ذهب الكرام وَجُودهم ونوالهموحديثهم، إلّا من القرطاس.“«ولم يزل الفضلاء من كلّ جيل، والنبلاء من كل قبيل، يدوّنون ما يقع لهم من الكلمات النافعة، ويسارعون إلىٰ حفظها بالكتابة خوفًا من ذهابها بالنسيان أشدّ المسارعة. فكم من كلمة قد نفع اللّه بها بعد قائلها، وفائدة قد هُيِّئت بالكتابة للمتناولها!
«وقد رأيتُ في جامع بلدنا علىٰ بعض سواريه الرخام، منقوشًا بالحديد: حفر في هذا الموضع المبارك سليمان بن كعب الأحبار: ”مَنْ خانَ هانَ.“
«وكان عمر بن عبد العزيز (رحمه اللّه) يصلِّي بالليل، فإذا مرَّت به آية فهم منها شيأ، سلّم من صلاته، وكتب في لوحٍ أعدّه ليعمل به في غده.
«قيل لبعضهم : لِمَ تكتبُ؟ فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها، لم أكتبها بعدُ!
«وقد كتب الناس علىٰ الجدران والقبور وفي الأحجار من المواعظ ما لا يكاد يُحصىٰ. ومما رأيتُ أنا من ذلك علىٰ قبر ٱبن عبادة بمصر (رحمه الله):
”يا ماشيا بالقبور زَهْوًا،لم تثنِهِ للمَنون ريحُ!عرِّجْ قليلا علىٰ غريبٍقد ضمّه مفردًا ضريحُ.بيتٌ تَساوىٰ الأنامُ فيه:العبد والسيّد الصريحُ.وقِفْ عليهِ وجُدْ برُحْمىٰ،لعلّه فيه يستريح!“«ورأيتُ علىٰ سارية ببعض أطراف مصر، بمدينةٍ قد تداعت أرجاؤها، وتقوض بناؤها، وجلا عنها سكّانها:
”رعىٰ اللّه من يدعُو لنا في طريقناصنعٍ جميلٍ والرجوع إِلىٰ مصرِ،ومن قد رأىٰ ما قد كتبناه دارسًاأعاد عليه بالمداد أو الحبر!“[19]«فسبحان ربّنا الأكرم! الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. إنّها لآية عجيبة، وصناعة شريفة!
«وقد حدّثني أبو المظفَّر بن فيروز بن عبد اللّه الجوهريّ (رحمه الله) عن الشَّعْبيّ، قال: ”سألنا المهاجرين: من أين تعلّمتم الكتابة؟ فقالوا: من أهل الحِيرة. وسألنا أهل الحِيرة: من أين تعلّمتم الكتابة؟ فقالوا : من أهل الأنبار.“
«قال أبو بكر بن أبي داود: …وأُكَيْدر دُومة هو الأكدر بن عبد الملك الكندي، وأخوه بشر بن عبد الملك هو الذي علّمه أهل الأنبار خَطّنا هذا. فلّما تزوج الصّهباءَ بنتَ حَرْبٍ، علّم هذا الخطّ سفيان بن حرب. وكان عمر بن الخطَّاب (رضِيَ الله عنه) ومَن بمكة من قريش تعلموا الكتاب من حرب بن أميّة.
«فلمّا كان كل من أراد إبقاء حكمة وتخليد علم أو فضيلة، لا يجد لذلك أقوىٰ من كَتْبه ولا أوثق من رسمه؛ وكان كتاب اللّه (عزّ وجلّ) أوْلىٰ بذلك من كلّ كتاب، وأحقّ به من كل خطاب؛ كتب سلف هذه الأُمة (رضيَ اللّه عنهم) لخَلَفها من أئمةٍ يُقتدىٰ بها ويُرجع إليها، ويرتفع الخلاف معها والنزاع عندها. ثُمَّ كانت الهيئة التي كتب عليها أُولئك الأَئمة، والهجاء الذي لها أوْلىٰ ما ٱهتمّ به المهتمّون، لأنّ فهمها إنّما يتأدّٰى به ويصحّ مع معرفته…»
(عن النسخة المخطوطة بدار الكتب الخديوية)
المثال الثاني
قيل: ورد أبو طالبٍ الجرّاحيُّ، الكاتب (ولم يكن في عصره أكتبَ ولا أفضلَ منه) إلى الرَّيّ، قاصدًا حضرة ٱبن العميد. فلم يجد عنده قبولا، ولا رأَى عنده ما يحبّ. ففارقه وقصد أذربيجان.
وصار إلىٰ ملكها، وكان فاضلا لبيبا. فلمّا ٱختبره وعرف فضله، سأله المُقام عنده، وأفضل عليه. فأقام لديه علىٰ أفضَل حال.
فكتب إلىٰ ٱبن العميد يوبِّخه على جهل حقّه وتضييعه لمثله. فمن جملة الكتاب:
«حدِّثْني: بأيّ شيء تحتجُّ إذا قيل لك لِمَ شُمِّيتَ الرئيس، وإذا قيل لك ما الرياسة. أتدرى ما الرياسة؟ الرياسة أن يكون باب الرئيس مصونا في وقت الصون، ومفتوحا فى وقت الفتح؛ وأن يكون مجلسه عامرا بأفاضل الناس؛ وخيره واصلا إلىٰ كل أحد؛ وإحسانه فائضا، ووجهه مبسوطا، وخادمه مؤدَّبا، وحاجبه كريما طلْقا؛ وبوّابه لطيفا؛ ودرهمه مبذولا؛ وطعامه مأكولا؛ وجاهه معرَّضا، وتذكِرته مسوّدة بالصِّلات والجوائز والصدقات.
«وأنت فبابك لا يزال مقفلا، ومجلسك خاليا، وخيرك مقنوطا منه، وإحسانك غير مرجوّ، وخادمك مذموم، وحاجبك هرار، وبوابك شرس الأخلاق، ودرهمك في العيُّوق، وتذكِرتك محشوّة بالقبض علىٰ فلان، وٱستئصال فلان، ونفْي فلان.
«فباللّه عليك! هل عندك غير هذا؟ ولولا أن أكون قد دُسْتُ بساطك وأكلت من طعامك، لأشعتُ هذه الرقعة! ولكني أرعىٰ لك حقّ ما ذكرتُ. فلا يعلم بها إلّا اللّه وأنت. وواللّه! ثم واللّه! ثم واللّه! ما لها عندي نسخةٌ، ولا رآها مخلوقٌ غيري، ولا عَلِم بها. فأبطلْها أنت، إذا وقفتَ عليها، وأعدمْها. والسلام على من ٱتّبع الهدىٰ!»
(الفخريّ في الآداب السلطانية)
المثال الثالث
—١—
كان بشر بن عوانة من صعاليك العرب. فأرادت إحدىٰ النساء أن تكيد له كيدا عظيما، فأنشدته هذا الرجز:
فقال لها بشر: ويحك مَن عَنَيْتِ! قالت: ٱبنةَ عمِّك! قال: فهي في الحسن بحسب ما وصفت؟ قالت: وأزْيد من ذلك!
فأنشأ بشر يقول رجزا:
فقالت :
فأرسل بشر إلىٰ عمه يخطب ٱبنته، فمنعه أُمْنِيَّته، فآلىٰ أن لا يُبقىٰ علىٰ أحد منهم باقيةً، إن لم يزوّجه ٱبنته، وكَثُرت فيهم مَضَرَّاته، وٱتصلت بهم مَعَرّاته ، وٱجتمع أهل الحيّ إلىٰ عمِّه، فقالوا له: كُفَّ عنا فَخْرَك!
فقال لهم: لا تُلْبِسوني عارًا حتّٰى أُهلِكه ببعض الحيل!
فقالوا له: أنت وذاك! فقال له عمه: إني آليت أنْ لا أُزوّج ٱبنتي إلا ممن يَسُوق إليها ألف ناقة حمراء؛ ولا أرضاها إلا من نُوقِ خُزاعة.
وكان في طريق خُزَاعة أسدٌ يقال له ذَادا، وحيّةً يقال لها شُجَاع، وفي ذلك يقول قائلهم راجزا:
وكان غرض عمِّه أن يُهْلكه بأحدهما.
ثم إن بِشرا سلك ذلك الطريق، فلما ٱنتصفه خرج عليه الأسد، فنزل عن مهره و ربط عينيه، وٱخترط سيفه، وأقبل علىٰ الأسد، فٱعترضه، فقطعه نصفين.
ثم كتب بدم الأسد علىٰ قميصه إلى ٱبنة عمِّه شعرًا، وأرسله مع عبده، وهو:
⁂
⁂
⁂
⁂
فلما بلغتِ الأبياتُ إلىٰ عمِّه، ندم علىٰ منعه من تزويجها وخشِيَ عليه من الحية. فخرج على أثره، هائما علىٰ وجهه، حتى لحقه، وقد سوّرت له الحيّة. فلما رأى عمَّه، أخذتْهُ حَمِيَّة الجاهليّة، فجعل يَدَه فى فَم الحيَّة وحكَّم فيها سيفَ، ثم قال رَجَزا:
فلما قتل الحيَّةَ، قال له عمُّه: إنما عرّضْتُك طمعا أن أضُرَّك، وقد ثنىٰ اللّه عِنانِي! فٱرجع لأزوّجك ٱبنتي.
فلما رجع بشر إذا هو بغلام قد بدا من البرّ كأنّه فِلقة قَمَر، علىٰ فرس سابق أشقر، لأْمَةُ حربه؛ فقال له بشر: إني لأسمع منك حِسَّ صيْدٍ!
فقال له الغلام: مدَدْت رجلك إلىٰ قيدٍ! ثكِلتْك أمُّك، يا بشر! أترىٰ أَنْ قتلت ”ذادا“ و”شجاعا“ فماذا صنعتَ؟ فَجُزْ أنت في أمانٍ، إن سلّمك عمُّك!
فقال بشر: مَن أنت، لا أُمَّ لك!
فقال الغلام: أنا الموت الأحمر، واليوم الأسود!
فحمل كلُّ واحد منهما علىٰ صاحبه. ولم يتمكَّنْ بشرٌ من الغلام، وأمكن الغلامُ عشرين طعنةً في كُلْيَة بشر، كلُّهن بشبا السِّنان.
فلما غلبه، حمله علىٰ يده إبقاءً عليه، ثم قال له:
كيف يا بشر الشر؟ لو شئتُ، لأطعمتك أنياب الرمح!
ثم ألقىٰ رمحه، وٱستلَّ سيفه، وضرب بشرًا عشرين ضربة بعرض السيف، ولم يتمكن بشر من ضربة واحدة.
ثم قال له: يا بشر، سر وٱذهب في أمان اللّه!
قال: نعم، بشرط أن تقول لي من أنت.
قال: أنا ٱبن المرأة التي دلَّتك علىٰ ٱبنة عمك!
فقال بشر: هذه العصا من تلك العُصَيَّة، ولا تلد الحيَّة إلا حُيَيَّة!
وحلف بشر أن لا يركب بعده فرسا! ثم تزوّج بٱبنة عمه وحَسُنَ حاله ورَغُدَ عَيْشُه.
(عن ”نُرهة الجليس ومنية الأديب الأنيس“ للعبّاس بن علي الموسوي)
—٢—
كان باليمامة رجُل من بني حنيفة يقال له جُحْدُرُ بن مالك. وكان لَسِنًا، فاتكًا، شجاعًا. وكان قد أبتر علىٰ أهل هَجَر وناحيتها.
فبلغ ذلك الحجّاجَ بن يوسف، فكتب إلىٰ عامل اليمامة يوبِّخه بتلاعب جُحْدُر به، ويأْمره بالتجرُّد في طلبه، حتّٰى يظفر به. فبعث العامل إلىٰ فِتْية من بني يربوع ٱبن حنظلة، فجعل لهم جُعْلًا عظيمًا، إنْ هم قتلوا جُحْدُرًا أو أتَوْه به أسيرًا. ووعدهم أن يُوفدهم إلىٰ الحجاج ويُسْنِيَ فرائضهم.
فخرج الفِتْيُ في طلبه. حتّٰى إذا كانوا قريبًا منه، بعثوا إليه رجلا منهم يُريه أنهم يريدون الٱنقطاع إليه والتحرُّم به، فوثق بهم وٱطمأن إليهم.
فبينما هم علىٰ ذلك إذ شدّوه وَثَاقا، وقدموا به إلىٰ العامل. فبعث به معهم إلى الحجّاج، وكتب يثني علىٰ الفِتْية. فلما قدموا علىٰ الحجّاج، قال له:
― أنت جُحْدُر؟
― نعم.
― ما حملك علىٰ ما بلغني عنك؟
― جراءة الجَنَان، وجفْوَة السلطان، وكَلَب الزمان.
― وما الذي بلغ من أمرك فيجترئ جَنَانك، ويصلك سلطانُك، ولا يَكْلَب زمانك؟
― لو بلاني الأميرُ، لوجدني من صالحي الأعوان، وبُهْم الفُرْسان، وممّن أوفىٰ علىٰ أهل الزمان!
― إنّا قاذفوك فى قُبَّة فيها أسدٌ! فإن قتلك، كفانا مؤُونتك؛ وإن قتلتَهُ، خلَّيْناك ووصلناك.
― قد أعطيتَ (أصلحك اللّه) الأُمنيّة وأعظمتَ المِنَّة وقربت المِحْنة!
فأمر به، فٱستُوثق منه بالحديد وأُلْقِيَ في السجن. وكتب إلىٰ عامله بكسكر يأْمره أن يصيد له أسدا ضاريا. فلم يلبث العامل أن بعث إليه بأُسْدٍ ضاريات، قد أبَرَّت علىٰ أهل تلك الناحية ومنعت عامّة مراعيهم ومَسَارح دوابّهم. فجعل منها واحدا في تابوت يُجَرُّ علىٰ عجلة.
فلما قدموا به علىٰ الحجاج، أمر فأُلْقِي في حيِّزٍ وأجيع ثلاثا. ثم بعث إلىٰ جحدر، فأُخْرج وأُعطي سيفًا ودُلِّي عليه، فمشىٰ إلىٰ الأسد، وأنشأ يقول:
حتّٰى إذا كان منه علىٰ قَدْر رُمحٍ، تَمَطّٰى الأَسَدُ وزأَر، وحمل عليه. فتلقّاه جُحْدُرٌ بالسيف، فضرب هامته، ففلقَها، وسقط الأسدُ كأنه خَيْمَةٌ قوّضتها الريح. فٱنثنىٰ جُحْدُرٌ وقد تلطّخ بدمه، لشدّة حملة الأسد عليه.
فكبّر الناس!
فقال الحجّاج: يا جُحْدُر، إن أحببتَ أن أُلْحِقَكَ ببلادك وأُحْسِنَ صُحبتك وجائزتك، فعلتُ بك، و إن أحببتَ أن تقيم عندنا أقمتَ، فأَسْنَيْنا فريضتك!
قال: أختارُ صحبة الأمير!
ففرض له ولجماعة أهل بيته.
وأنشأ جُحْدُرٌ يقول:
⁂
⁂
⁂
(عن ”المحاسن والأضداد“ المنسوب للجاحظ)
[وقد أوردها البغداديّ مع شرح لطيف في ”خزانة الأدب“ ج٣ ص ٢٤١ – ٣٤٣]
—٣—
قال المتنبي يمدح بدر بن عمّار بن إسماعيل الأسديّ، وقد قتل أسدًا:
⁂
⁂
(عن ديوان المتنبي وشروحه للعكبري وغيره)
- ↑ مثال ذلك:
للفرزدق بيت معروف وهو:
وكُلُّ رفيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ وإنْ هماتَعَاطىٰ القَنَا قَوْمَاهُمَا أَخَوَانِ.فجاء الإمام ٱبن هشام وروى الشطرة الثانية في ”المُغنِي“ بهذه الكيفية وهي:
تعاطىٰ القنا قوماً هما أَخَوَانِ.
فلو لوحظت علامات الترقيم فى هذا البيت، لَمَا وقع في هذا الخطإ الجسيم أصغر صبيان المكاتب، فضلا عن مثل هذا الإمام الذى هو حجة النحاة.
وها نحن نكتبه بطريقة الترقيم ليظهر الفرق كوَضَح النهار:
وكُلُّ رَفيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ، وإن هماوتعاطىٰ القنا قَوْمَاهُمَا، أَخَوَانِومعناه: أن كل رجلين يترافقان فى أيَّة دار كانت فهما أخوان، ولو أن قوميهما يتعاطيان القنا ويشتجران في الخصام.
والشواهد في هذا الباب أكثر من أن تُحصىٰ. وإنما أردتُ التنبيه علىٰ وجوب الٱحتياط في دفع مثال هذه المحذورات. والعصمة للّه وحده!
- ↑ اِعتمادا علىٰ الخلاصة الفرنسية التي كتبها عليه العلامة ده ساسي [De Sacy] في مجموعة ”الملخصات والمستخرجات“ الصادرة سنة ١٨١٠م باللغة الفرنسية ج٨ ص٣٦٦. والأصل محفوظ بمكتبة پاريس الأهلية.
- ↑ الأصل محفوظ أيضا بمكتبة پاريس الأهلية.
- ↑ راجع صفحة ٦ من الجزء الثاني من صبح الأعشىٰ بدار الكتب الخديوية، المنقول بالفتوغرافية عن النسخة الأصلية المحفوظة بخزانة الكتب بجامعة اكسفورد من أعمال إنجلترا.
ولا يزال لذلك أثر قليل عند أبناء العرب إلىٰ اليوم. فمن محاجاة الاطفال ومعاياتهم لبعضهم بعضا في المكاتب والمدارس الٱبتدائية تحدِّي بعضهم البعض بقراءة هاتين المجموعتين:
(سنستنسبنينتسبسبتشعرها) و(حججحجححجحجتين)
أما اللغة الفصحىٰ ففيها بقية ضئيلة من هذا القبيل. غير أنّ الأمر لا يتعدّٰى الكلمتين أو الحرفين فقط، كما هو معلوم في باب الإدغام وغيره من علم الرسم والإملاء.
وٱعتبر ما هو جارٍ إلىٰ الآن عند الألمانيِّين، وهم من أرقىٰ الأمم في الحضارة، فإنهم يصلون حروف كلمتين فثلاثة فأكثر بعضها ببعض ويكوِّنون كلمة واحدة منها جميعا.
مثال ذلك لفظة Dioxidiomidoarsenobenzol التي ٱصطلح الناس على تسميتها بدواء ٦٠٦ لعدم إمكان النطق بتلك الكلمة المركّبة من كلمات كثيرة تركيبا مزجيًّا.
- ↑ ذكر السخاويّ في كتاب ”التبر المسبوك في ذيل السلوك“ ان البرهان الكَرَكيّ المتوفّٰى سنة ٨٥٣ ألّف كتبا كثرة في القراآت. وذكر منها ”الإسعاف في معرفة القطع والٱستئناف“ وٱختصره فسماه ”لحظة الطرف في معرفة الوقف“ وعمل كتابا متوسطا بينهما سماه ”التوسط بين اللحظة والإسعاف والآلة في معرفة الفتح والإمالة“ [انظر ص٢٧٤ من التبر المسبوك طبع بولاق سنة ١٨٩٦م]
- ↑ وأبلغ مثال من هذا القبيل ما يراه الناظر في كتاب «الضوء اللامع لأَهل القرن التاسع» الذي ألّفه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المصريّ، المتوفى سنة ٩٠٢ للهجرة، وهو محفوظ بخطِّه في الكتبخانة العمومية بالقسطنطينية، تحت نمرة ٢٨٨ تاريخ.
- ↑ ويُلْحَق بذلك (فيما يتعلق بالٱبتداء من أوّل السطر وترك البياض في مقدمته) تعديد الجزئيات الكبرىٰ وتفصيل الأقسام المهمة، سواء كان ذلك فى حالة الوقف التامّ أم في حالة الوقف الكافي.
- ↑ توسّع بعض علماء العرب فذكروا أنواعا عديدة للوقف وجعلوا لها أسماءً يراها الباحث في مؤلفاتهم. وهي لا تخرج في الحقيقة عن الأقسام الثلاثة التى أقتصرتْ عليها طائفةٌ من علماء التجويد والقراآت. وعلى مذهبهم جريتُ في تجديد هذا الٱصطلاح.
وإنما الذي يجدر التنبيه عليه في هذا المقام أن أرسطوفان، واضع الترقيم عند اليونان ، قد ٱقتصر على ثلاث علامات للفصل بين أجزاء الكلام. فكان إذا أراد الدلالة علىٰ ٱنتهاء الفكرة بأكملها، يضع نقطة فوق الحرف الأخير من آخر كلمة منها. ويسمي ذلك بالوقف الكامل (Point parfait). وإذا ما قصد الإشارة إلىٰ أن الجملة ما زالت معلَّقة وأنها لمّا تصلْ إلى حدِّ الكمال، وضع نقطة في أسفل الحرف الأخير من الكلمة التي يريد ٱستراحة القارئ عندها. وذلك هو الوقف التحتانيّ (Sous-point). وعند ما يريد تنبيه القارئ إلىٰ وجود تعلُّق خفيف بين أجزاء الكلام مما يستوجب سكوتا قليلا لا يحسن معه التنفُّس، كان يضع النقطة عند منتصف الحرف الأخير من الكلمة. وهذا هو الذي يسميه بالوقف المتوسط (Point moyen).
وهنا مجال للبحث في المقارنة بين هذه الطريقة وبين التي تواضع عليها علماء العرب في صدر الإسلام، تبيانا للحركات؛ فإنها تكاد تكون مأخوذة عنها، وإن كانت لمعنًى غير الذي قصده الروم، و باللون الأحمر والأصفر خلافا للون الأسود المستعمل فى كتابة الحروف العربية نفسها.
- ↑ هكذا ضبطه ياقوت. وعليه ٱعتمدتُ، لٱختصاصه بضبط الأعلام الجغرافيّة. ولذلك أهملتُ ما نصّ عليه صاحب القاموس.
- ↑ هكذا ضبطه ياقوت، وفيه أيضا أنها سُوان. وعندي أنّ هذا الٱسم الثاني منقول عن ٱسمها المشهور عند الروم، وعنه الٱسم الفرنسي القديم (Syene).
- ↑ ومعنىٰ الشولة في اللغة شوكة العقرب. اِخترتُ هذا الٱسم للتشابه الحاصل بينهما في الصورة، كما ٱختاره علماء الفلك من العرب، للدلالة علىٰ ذَنَب البُرج المعروف ببُرج العقرب، من باب التشبيه أيضا.
- ↑ إفريقيّة بكسر الهمزة هي بلاد تونس، عند الجغرافيين وأهل الأدب من علماء العرب إلىٰ أن ٱنتهت القرون الوُسطىٰ. أخذوا هذا الٱسم عن الروم عن الفينيقيين. وقد توسعوا في هذه الأيام فأطلقوا هذا الٱسم على القارة بأكملها.
- ↑ أي أسناني.
- ↑ هذا اللفظ من مصطلحات علم الحديث الشريف. وهو يدل علىٰ حذف الإسناد ونحوه. ومن الغريب أن اللفظ الدالّ على هذا المعنى عند الأفرنج فيما يتعلق بالترقيم وهو (Points de suspension) يوافق هذا المصطلح العربيّ القديم من كل الوجوه.
- ↑ كلمة معرَّبة عن الفارسية أي حَجَلة وهي طائرٌ ٱسمه عند الفرنسيين Perdrix.
- ↑ أي يثمر آنية صينية. وفي النسخة التي طبعها العلّامة مارجوليوث: «غضارصيني». فإن صدقت هذه الرواية كانت الكلمة مركبة تركيبا مرجيا، كما في لفظة «دارصيني». والغضار في أصل اللغة هو الطين الحرّ. وأما الغضارالصيني Caoline فهو الذي يصنع منه الفخار الصيني المشهور المسمّٰى عند الفرنسيين بلفظ Porcelaine
- ↑ 17٫0 17٫1 الشناتر في اللغة جمع شُنْترة بالضم وهي عبارة عن الفرجة التي بين الأصابع واخترنا هذه اللفظة لتلك العلامة من باب التشبيه.
- ↑ كنت أعتقد أن هذه العلامة ،̤ من استنباطي، حتى رأيت أخيرا كتاب «التذكار الجامع لمن ملك طرابلس أو كان بها من الأخيار» المحفوظ بمكتبة وليِّ الدين في جامع السلطان بايزيد بالقسطنطينية. فرأيت في مقدمته هذه العلامة لهذا الغرض بعينه. وقد نقلته بالفتوغرافيا وهو محفوظ في خزانة كتبي بالقاهرة. وكذلك هي واردة في الجزء الأول ”من مسالك الأبصار“ لٱبن اللّه العمري، ونسخته موجودة بدار الكتب الخديوية نقلا بالفتوغرافية عن الأمّ المحفوظة بخزانة طوپ قپو بالقسطنطينية.
- ↑ المداد
والحبر - ↑ لعله ”المعابل أو شباة الخ“.