التاج في أخلاق الملوك/باب في صفة ندماء الملك/وعلى هذا أخلاق الملوك وصنيعهم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

وعلى هذا أخلاق الملوك وصنيعهم

وكذا جرى لعبد الله بن مالك الخزاعي مع الرشيد، حين غضب عليه: أمر أهله وحشمه وجميع قرابته أن يجتنبوا كلامه وخدمته ومعاطاته حتى أثر ذلك في نفسه وبدنه، فتحاماه أقرب الناس منه من ولدٍ وأهل، فلم يدن منه أحد، ولم يطف به.

فجاءه محمد بن إبراهيم الهاشمي، وهو كان أحد أدوائه، في جوف الليل، فقال له: يا أبا العباس! إن لك عندي يداً لا أنساه، ومعروفاً ما أكفره، وقد علمت ما تقدم به أمير المؤمنين في أمرك، وهاأنذا بين يديك، ونصب عينيك! فمرني بأمرك، فوالله لأجعلن نفسي وقاية نفسك، وأسوقها في كل ما نكأها أو جرحها.

فقال له عبد الله خيراً، وأثنى عليه، وأخبره بعذره في موجدة أمير المؤمنين عليه. فوعده محمد أن يكلم أمير المؤمنين، ويخبره باعتذاره.

فلما أصبح محمد، وافاه رسول أمير المؤمنين، فركب.

فلما دخل عليه، قال: من أتيت في هذه الليلة؟

قال: عبدك، يا أمير المؤمنين، عبد الله بن مالك، وهو يحلف بطلاق نسائه، وعتق مماليكه، وصدقة ماله مع عشرين نذراً يهديها إلى بيت الله الحرام حافياً راجلاً، والبراءة من ولاية أمير المؤمنين إن كان ما بلغ أمير المؤمنين سمعه الله من عبد الله بن مالك، أو اطلع عليه أو هم به، أو أضمره أو أظهره.

قال: فأطرق الرشيد ملياً مفكراً؛ وجعل محمد يلحظه، ووجهه يسفر ويشرق حتى زال ما وجده. وكان قد حال لونه حين دخل عليه؛ ثم رفع رأسه

فقال: أحسبه صادقاً، يا محمد؛ فمره بالرواح إلى الباب.

قال: وأكون معه، يا أمير المؤمنين؟

قال: نعم.

فانصرف محمد إلى عبد الله، فبشره بجميل أمره، وأمره بالركوب رواحاً، فدخلا جميعاً؛ فلما بصر عبد الله بالرشيد، انحرف نحو القبلة، فخر ساجداً، ثم رفع رأسه، فاستدناه الرشيد، فدنا وعيناه تهملان. فأكب عليه، فقبل رجله وبساطه وموطيء قدميه، ثم طلب أن يأذن له في الاعتذار. فقال: ما بك حاجة إلى أن تعتذر، إذ عرفت عذرك. قال: فكان عبد الله، بعد، إذا دخل على الرشيد، رأى فيه بعض الإعراض والانقباض. فشكا ذلك إلى محمد بن إبراهيم،

فقال محمد: يا أمير المؤمنين! إن عبد الله يشكو أثراً باقياً من تلك النبوة التي كانت من أمير المؤمنين، ويسأل الزيادة في بسطه له.

فقال الرشيد: يا محمد! إنامعشر الملوك، إذا غضبنا على أحدٍ من بطانتنا، ثم رضينا عنه بعد ذلك، بقى لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار.



التاج في أخلاق الملوك لعمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبي عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى عام 255هـ)

باب في الدخول على الملوك | دخول الأشراف | دخول الأوساط | كيفية الدخول على الملك | استقبال الملك للملوك | وداع الملك للملوك | باب في مطاعمة الملوك | المنصور والفتى الهاشمي | على مائدة اسحق بن ابراهيم | شرف مؤاكلة الملوك | بين معاوية والحسن بن علي | شره القضاة | الملك وضيوفه على المائدة | الحديث على المائدة | طبقات الندماء | في حضرة الملك | مراتب الندماء والمغنين | أقسام الناس | انقلاب الحال في عهد بهرام جور | في عهد الأمويين | الخليفة الأمين | الخليفة المأمون | أخلاق الملك السعيد | أنعام الملوك ومنتهم | العفو عند المقدرة | آداب البطانة مع الملوك | حديث الملك | بين معاوية والرهاوي | أقوال في حسن الاستماع | عود إلى أخلاق الملوك | معاقبة أنوشروان للخائن | عبد الملك والأشدق | الرشيد والبرامكة | مراعاة حرمة الملك | إغضاء البصر وخفض الصوت بحضرة الملك | في غياب الملك | مكافآت الملوك | باب في صفة ندماء الملك | عدة الملك في سفره أو نزهته | خلال الندماء وملاعبة الملوك | آداب الندماء عند نعاس الملك | إمامة الملك للصلاة | آداب مسايرة الملك | مسايرة الموبذ لقباذ | مسايرة شرحبيل لمعاوية | صاحب الشرطة والهادي | ما قاله الهاشمي للخراساني | عدم تسمية أو تكنية الملك | عند تشابه الأسماء | ما يتفرد به الملك في عاصمته | دعاء الملك وتعزيته | غضب الملك ورضاه | وعلى هذا أخلاق الملوك وصنيعهم | أسرار الملك | حفظ حرم الملك | امتحان من يطعن في المملكة | تقاضي الملك عن الصغائر | رد على العامة | إكرام الأوفياء | أدب سماع الملك ومحادثته | إعادة الحديث | أمارات الذهاب من مجلس الملك | اغتياب الآخرين أمام الملك | آداب رسول الملك | احتياط الملك | معاملة ابن الملك للملك | صلاح الجفوة في التأديب | صفات المقربين من الملك | سخاء الملك وحياؤه | اعتلال الملك | جوائز البطانة | هدايا المهرجان والنيروز | لهو الملوك وشربهم | زيارة الملوك لأخصانهم | استقبال الملوك للناس في الأعياد | عقوبة الملك الظالم | استقصاء أحوال الرعية | الملوك أمام الأمور الجليلة | الحرب خدعة | النهاية |