البيعة المشروطة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
البيعة المشروطة
المؤلف: علماء فاس
نص البيعة المشروطة يعتبر من الملكية العامة نظرا لنشره 5 يناير 1908، والنص متاح في كتاب "فكرة الدستور في المغرب: وثائق ونصوص (2011-1901)" للأستاذ نبيل مُلين
اقرأ عن البيعة المشروطة في ويكيبيديا


الحمد لله الذي جعل كلمة الحقّ هي العليا وأرشد المؤمنين من عباده لاتّباع مقتضياتها أمرا ونهيا وفضّل الأمّة المحمدية على سائر الملل والأجناس كما فضل آل بيته الكريم على الناس وشرف هذا الوجود بمن يرقّيه الله من خيارهم منصب الخلافة فيتبع في الشريعة والعدل والسياسة سنة جدّه ويقتفي في ذلك الكرام أسلافه تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلّم "ولاية أهل بيتي أمان لأمتي". نحمده سبحانه أن تفضل على المسلمين بالهداية لقبلة الرشاد والتمسك بحبل التوفيق والإسعاد والعدول عن مواضع الزيغ والتفريط والعناد. ونشكره أن هدي خاصة الأمّة وعامتها لتقليد من يوفي بالعهود الشرعية ويقوم بحفظ الدين ومصالح الرعية. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي يؤتي الحكمة من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الشفيع في أمّته يوم يتميز القاسطيون من المقسطين والحافظون للأمانة من المُفرطين صلى الله عليه وسلّم وعلى آله وأصحابه الذين اجتهدوا في كشف غيابه الضلال وكانوا يميلون مع الحق حيث مال ولا يحابون من يتساهل في أحكام الشريعة بحال. أما بعد فإنه لما أراد الله تعالى أن يزيح ليل الجهالة عن عباده وأن يجدد الدين بمن يطلعه شمسا في أرضه وبلاده ليعود عز الإسلام لشبابه ويبقى استناد الإمارة العلية إلى سنته وكتابه وتعلّقها من الشرع بأسبابه. تدارك سبحانه الوجود وأعز العالم الموجود واستطارت الأنوار المضيئة للأغوار والنجود بمبايعة من يعيد الله به شمس الخلافة إلى مركزها ويحيي به أثر الخلفاء الراشدين ومكارم الأسلاف الكرام المهتدين. وهو من حاز من الأوصاف الكاملة غايتها وبلغ من المزايا الجسيمة نهايتها فاكتسى العلم لباسا والشجاعة أتراسا واتخذ العلم أساسا والحلم شعارا والكرم دثارا والدين قواما والسياسة الشرعية نظاما مولانا أمير المؤمنين ابن مولانا أمير المؤمنين ابن مولانا أمير المؤمنين الذي جعله الله خير آية ناسخة وأثبت له في الكمالات قدما راسخة نخبة الخلافة العلوية وجوهرة عقد المملكة الإسلامية المتفاءل باسمه في حفظ الإسلام ورسمه أبو المعالي مولانا عبد الحفيظ بن مولانا الإمام المقدّس بالله سيدنا الحسن ابن ساداتنا الملوك الكرام المقدّسين في دار السلام لما ألقى الله له في قلوب الخلائق من الحب الجميل والاعتقاد الذي هو بنصرة الدين كفيل. فحبذا من إما تهتز لذكره أعطاف المنابر وتتقلد من شريف دعوته بأبهى من نفيس الجواهر وتستضيء البلاد بإكليل شرفه الزاهر وتسكن العباد تحت ظلّه المؤيد الوافر أبقى الله أيامه بقاء يستصحب النصر دوامه وخلد له ولأعقابه هذا الأمر الكريم إلى يوم القيامة. فانتدب من وقفت بهم مطية التوفيق على حضرة الإخلاص والتصديق وأخذت بهم أزمة السعادة إلى حيث الفوز برضى الله ورسوله حقيق. من جميع أهل فاس الإدريسية لا زالت مصونة محمية وسائر أشرافهم ورماتهم وعلمائهم وقضاتهم وكبرائهم ونقبائهم ومرابطيهم وصلحائهم وأعيانهم وخاصتهم وعامتهم وكذلك أهل فاس الجديد لشمول التوفيق لهم والتسديد على تقليد الجميع بيعة مولانا أمير المؤمنين تؤسس على تقوى من الله ورضوان ويشهد عقدها الكريم ملائكة الرحمان فبايعوه كلهم على الأمن والأمانة والعفاف والديانة والعدل الذي يشيد للمجد أركانه مبايعة شائعة على عقدها الكريم بحكم الوفاق وعموم الاتفاق والمواثيق الشديدة الوثاق وبجميع الأيمان الصادقة الإيمان أعطوا بها صفقة أيديهم ورفع العقيرة بها مناديهم وندبوا إليها سائر القبائل التي بنواحيهم عارفين أن الله فوق أيديهم. وأمضاها الكل المجموعي والجميعي على السمع والطاعة والانتظام في سلك الجماعية إمضاء يدينون به في الجهر والسر والعسر واليسر والتزموها رغبة منهم وطوعا واستوعبوا شروطها أصلا وفرعا وجنسا ونوعا خالصة صادقة وعدة من الله بالخير لهم سابقة وسعادة بالحسنى لاحقة أبرموا عقدها وأحكموا عهدها وعرضوا عليها أفرادا وأزواجا وزمرا وأفواجا وناداهم داعي السعادة إعلانا لقوله تعالى "فألّف بين قلوبنا فأصبحنا بنعمته إخوانا". وكيف لا وهو المتصف بالكفاية الشرعية التي بينت في كتب الفقه بأنه يكون مهتديا إلى مصالح الأمور وضبطها ذا نجدة في تجهيز الجيوش وسدّ الثغور وذا رأي مصيب في النظر للمسلمين لا تروعه هوادة النفس عن التنكيل لمستوجبي الحدود. فقد جعله الله زمام الأمور ونظام الحقوق والقطب الذي عليه مدار الدنيا وهو حمى الله في بلاده وظلّه الممدود على عباده به يمتنع حريمهم وينصر مظلومهم وينقمع ظالمهم ويأمن خائفهم. قال تعالى "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف" (الآية). وقال أبو هريرة رضي الله عنه "لما نزلت آية أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم قد أمرنا بطاعة الأئمة وطاعتهم من طاعة الله". وفي الحديث عن مولانا علي كرم الله وجهه "إمام عادل خير من مطر وابل". وفي الحديث "السلطان ظل الله في الأرض ورمحه". وفي الحديث "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمان" وفي الحديث "إن لله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وسئل سهل أي الناس خير؟ فقال "السلطان لأن لله في كلّ يوم نظرتين فظرة إلى سلامة أموال الناس ونظرة إلى سلامة أبكارهم فيطلع في صحيفة فيغفر له ذنوبه". وفي السراج "ليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرّب". وقالت الحكماء "أسوس الناس برعيته من قاد أبدانها بقلوبها وقلوبها بخواطرها بأسبابها". ولا غرو أن مولانا أمير المؤمنين الذي انتظمت بيعته في أعناق المسلمين أجّل من صدقت فيه ظنونهم ونياتهم وتوجهت إليه آمالهم وأمنياتهم ومدت له الرعية أزمتها وقدمت إليه الوفود أعنتها. راجين من شريف همته وكريم عنايته أن يلبسهم رداء نعمته وينزلهم ظل كرامته ويعمهم بسيرة معدلته ويشملهم بالحلم والفضل والرحمة المكتملة.

  • ويسعى جهده في رفع ما أضر بهم من الشروط الحادثة في الخزيرات حيث لم توافق الأمّة عليها ولا سلّمتها ولا رضيت بأمانة من كان يباشرها ولا علم لها بتسليم شيء منها.
  • وأن يعمل وسعه في استرجاع الجهاد المأخوذة من الحدود المغربية.
  • وأن يباشر إخراج الجنس المحتل من المدينتين اللتين احتل بهما ويزيّن صحيفته الطاهرة بحسنة استخلاصهما.
  • وأن يستخير الله في تطهير رعيّته من دنس الحمايات.
  • والتنزيه من اتّباع إشارة الجانب في أمور الأمّة لمحاشاة همّته الشريفة عن كلّ ما يخل بالحرمة. وإن دعت الضرورة إلى اتّحاد أو تعاضد فليكن مع إخواننا المسلمين كآل عثمان وأمثالهم من بقية الممالك الإسلامية المستقلّة.
  • وإذا عرض ما يوجب مفاوضة مع الأجانب في أمور سلمية أو تجارية فلا يبرم أمرا منها إلا بعد الصدع به للأمّة كما كان يفعله سيدنا المقدّس الحافظ للذمة حتى يقع الرضى منها بما لا يقدح في دينها ولا في عوائدها ولا في استقلال سلطانها.
  • وأن يوجه أيده الله وجهته الشريفة لاتخاذ وسائل الاستعداد للمدافعة عن البلاد والعباد لأنها أهم ما تصرف فيه الذخائر والجبايات وأوجب ما يقدّم في البدايات والنهايات. وأن يقرّ بفضله العيون والنفوس برفع ضرر المكوس.
  • ويحقق رجاء خدّامه وكافة رعاياه بالذب عن حرماتهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم وصيانة دينهم وحياطة حقوقهم.
  • وتجديد معالم الإسلام وشعائره بزيادة نشر العلم وتقويم الوظائف والمساجد وإجراء الأحباس على عملها القديم.
  • وانتخاب أهل الصلاح والمروءة والورع للمناصب الدينية.
  • وترك ما أحدث من الجمع المستلزم لاستبداد الرؤساء بتنفيذ مراداتهم في القضايا والأغراض لما تحقق والحمد لله من كمال أوصاف مولانا الإمام واعتماد المسلمين على كفايته في الأمر الخاص والعام فهو أيده الله العضب الكافي ورأيه العلاج الشافي.
  • ومما يقتضيه حسن سيرته وكمال وفائه جميل الصنع بشريف القرابة وتقريب الصالحين واعتبار مقادير الأشراف وأهل العلم والدين وإقرار ذوي الحرمة على ما عهد لهم من المبرات والاحترام وظهائر الملوك الكرام وإبعاد الطالحين وإخساء المفترين والواشين ومعاملة المؤمنين بما تعودوه منه ومن أسلافه المقدّسين من إيثار العفو والحلم والرفق والأناة وتجديد مآثر الخير في حالة العز والثبات.

وحسن الظن بسيدنا أيده الله حمل أمل مملكته الشريفة المتيمنين بكريم بيعته المنيفة على أن صدعوا لجلالته بما أثرت فيهم مضرّته عالمين أنهم لا يكشف ما بهم إلا عناية مولانا المنصور وهمّته ومستسلمين مع ذلك إلى الله بالقلوب الخاشعة ومبتهلين بالأدعية النافعة أن يعرفهم الله خير هذا العقد الكريم بدءا وختاما ويمنحهم بركته التي تصحبهم حالا ودواما لا رب غيره ولا خير إلا خيره. أشهدوا على أنفسهم بما فيه عنهم عموما والواضعون أشكالهم عقبه خصوصا وهم عارفون قدره وبأكمله. وفي فاتح ذي الحجة الحرام عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف.