انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/كتاب أخبار الماضين/قصة الملكين التائبين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
​البداية والنهاية​ (1351 هـ)
 المؤلف ابن كثير الدمشقي
قصة الملكين التائبين
فصل
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 2، الصفحات ١٤٢–١٤٦
 

قصة الملكين التائبين

قال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا المسعودي عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال بينما رجل فيمن كان قبلكم كان في مملكته ففكر فعلم أن ذلك منقطع عنه وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه فانساب ذات ليلة من قصره وأصبح في مملكة غيره وأتى ساحل البحر فكان به يضرب اللبن بالآجر فيأكل ويتصدق بالفضل ولم يزل كذلك حتى رقى أمره إلى ملكهم فأرسل اليه فأبى أن يأتيه فركب اليه الملك فلما رآه ولى هاربا فركض في أثره فلم يدركه فناداه يا عبد الله انه ليس عليك منى بأس فقام حتى أدركه فقال له من أنت رحمك الله فقال أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا ففكرت في أمرى فعلمت انما أنا فيه منقطع وأنه قد شغلني عن عبادة ربى عز وجل فتركته وجئت هاهنا أعبد ربى فقال له ما أنت بأحوج لما صنعت منى قال فنزل عن دابته فسيبها وتبعه فكانا جميعا يعبدان الله عز وجل فدعوا الله أن يميتهما جميعا فماتا. قال عبد الله فلو كنت برملية مصر لأريتكم قبورهما بالنعت الّذي نعت لنا رسول الله .

(حديث آخر)

قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبى سعيد عن النبي إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر أي أب كنت لكم قالوا خير أب قال فانى لم أعمل خيرا قط فإذا مت فاحرقونى ثم اسحقونى ثم اذرونى في يوم عاصف ففعلوا فجمعه الله عز وجل فقال ما حملك فقال مخافتك فتلقاه برحمته ورواه في مواضع أخر ومسلم من طرق عن قتادة به. ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي بنحوه ومن حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبي بنحوه.

(حديث آخر)

قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبى هريرة عن النبي قال كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا قال فلقى الله فتجاوز عنه وقد رواه في مواضع أخر ومسلم من طريق الزهري به.

(حديث آخر)

قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني مالك عن محمد بن المنكدر عن أبى النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله في الطاعون قال أسامة قال رسول الله الطاعون رجس أرسل على طائفة من بنى إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه. قال أبو النضر لا يخرجكم الا فرارا منه

ورواه مسلم من حديث مالك ومن طرق أخر عن عامر بن سعد بن حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبى الفرات حدثنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عائشة قالت سألت رسول الله عن الطاعون أخبرنى أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد تفرد به البخاري عن مسلم من هذا الوجه. (حديث آخر)

قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله فقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله فكلمه أسامة فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب ثم قال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن الليث بن سعد به.

(حديث آخر)

وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة سمعت النزال بن سبرة الهلالي عن ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ وسمعت رسول الله يقرأ خلافها فجئت به إلى رسول الله فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال كلاكما محسن ولا تختلفوا فان من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا. تفرد به البخاري دون مسلم.

(حديث آخر)

قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم عن صالح عن ابن شهاب قال قال أبو سلمة بن عبد الرحمن إن أبا هريرة قال إن رسول الله قال إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم تفرد به دون مسلم وفي سنن أبى داود صلوا في نعالكم خالفوا اليهود.

(حديث آخر)

قال البخاري حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن طاووس عن ابن عباس سمعت عمر يقول قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها. فباعوها رواه مسلم من حديث ابن عيينة. ومن حديث عمرو بن دينار به ثم قال البخاري تابعه جابر وأبو هريرة عن النبي ولهذا الحديث طرق كثيرة وسيأتي في باب الحيل من كتاب الأحكام إن شاء الله وبه الثقة.

(حديث آخر) قال البخاري حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا عبد الوارث حدثنا خالد عن أبى قلابة عن أنس بن مالك قال ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الاقامة وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبى قلابة عبد الله بن زيد الجرمي به. والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم فان رسول الله لما قدم المدينة كان المسلمون يتحينون وقت الصلاة بغير دعوة اليها. ثم أمر من ينادى فيهم وقت الصلاة (الصلاة جامعة) ثم أرادوا أن يدعوا اليها بشيء يعرفه الناس فقال قائلون نضرب بالناقوس وقال آخر نوري نارا فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتاب فأرى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه الأذان فقصها على رسول الله فأمر بلالا فنادى كما هو مبسوط في موضعه من باب الأذان في كتاب الأحكام.

(حديث آخر)

قال البخاري حدثنا بشر بن محمد أنبأنا عبد الله أنبأنا معمر ويونس عن الزهري أخبرنى عبيد الله بن عبد الله أن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا وهكذا رواه في غير موضع ومسلم من طرق عن الزهري به.

(حديث آخر)

قال البخاري حدثنا سعيد بن أبى مريم حدثنا أبو غسان قال حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد أن النبي قال لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه فقلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال النبي فمن.

وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به.

والمقصود من هذا الاخبار عما يقع من الأقوال والأفعال المنهي عنها شرعا مما يشابه أهل الكتاب قبلنا أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم حتى ولو كان قصد المؤمن خيرا لكنه تشبّه ففعله في الظاهر فعلهم وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذ وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية وهكذا قوله تعالى.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. فكان الكفار يقولون للنّبيّ في كلامهم معه ﴿راعِنا﴾ أي انظر إلينا ببصرك واسمع كلامنا ويقصدون بقولهم راعنا من الرعونة فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك وان كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدا. فقد

روى الامام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمر عن النبي أنه قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الّذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الّذي لو كان موسى بن عمران الّذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الّذي أنزل عليه الإنجيل حين لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة فإذا كان الله تعالى قد منّ علينا بأن جعلنا من أتباع محمد فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا. ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الّذي لم يشرع بالكلية ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

(حديث آخر)

قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله قال انما أجلكم في أجل من خلا من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين الا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر الى المغرب على قيراطين قيراطين الا لكم الأجر مرتين فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله تعالى (هل ظلمتكم من حقكم شيئا فقالوا لا قال فإنه فضلي أوتيه من أشاء) وهذا الحديث فيه دليل على أن مدة هذه الأمة قصيرة بالنسبة إلى ما مضى من مدد الأمم قبلها لقوله إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس فالماضى لا يعلمه إلا الله كما أن الآتي لا يعلمه إلا هو ولكنه قصير بالنسبة إلى ما سبق ولا اطلاع لأحد على تحديد ما بقي إلا الله عز وجل كما قال الله تعالى ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ وقال ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها * إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾. وما تذكره بعض الناس من الحديث المشهور عند العامة من أنه عليه السلام لا يؤلف تحت الأرض فليس له أصل في كتب الحديث وورد فيه حديث أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة وفي صحته نظر. والمراد من هذا التشبيه بالعمال تفاوت أجورهم وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمد أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ من أحدهم ولا نصيفه من تمر وهذا رسول الله بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الأنبياء قبله حتى على نوح الّذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين فهذه الأمة انما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ *