انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/كتاب أخبار الماضين/بيان طلب ذي القرنين عين الحياة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 2، الصفحات ١٠٧–١٠٩
 

بيان طلب ذي القرنين عين الحياة

وقد ذكر ابن عساكر من طريق وكيع عن أبيه عن معتمر بن سليمان عن أبى جعفر الباقر عن أبيه زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل فسأله ذو القرنين هل تعلم في الأرض عينا يقال لها عين الحياة فذكر له صفة مكانها فذهب ذو القرنين في طلبها وجعل الخضر على مقدمته فانتهى الخضر اليها في واد في أرض الظلمات فشرب منها ولم يهتد ذو القرنين اليها. وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك وأنه أعطاه حجرا فلما رجع إلى جيشه سأل العلماء عنه فوضعوه في كفة ميزان وجعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به. وقال هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى بالتراب فسجد له العلماء تكريما له وإعظاما والله أعلم * ثم ذكر تعالى أنه حكم في أهل تلك الناحية ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ أي فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة وبدأ بعذاب الدنيا لانه أزجر عند الكافر ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ فبدأ بالأهم وهو ثواب الآخرة وعطف عليه الإحسان منه اليه وهذا هو العدل والعلم والايمان قال الله تعالى ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي سلك طريقا راجعا من المغرب الى المشرق فيقال إنه رجع في ثنتى عشر سنة ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ أي ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس. قال كثير من العلماء ولكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحر الى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض الى مشارقها.

وقد روى عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما من السلف أن ذا القرنين حج ماشيا فلما سمع إبراهيم الخليل بقدومه تلقاه فلما اجتمعا دعا له الخليل ووصاه بوصايا ويقال انه جيء بفرس ليركبها فقال لا أركب في بلد فيه الخليل فسخر الله له السحاب وبشره إبراهيم بذلك فكانت تحمله إذا أراد. وقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يعنى غشما. يقال انهم هم الترك أبناء عم يأجوج ومأجوج فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم وقطعوا السبل عليهم وبذلوا له حملا وهو الخراج على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول اليهم فامتنع من أخذ الخراج اكتفاء بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة (قال ما مكنى فيه ربى خير) ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبنى بينهم وبينهم سدا وهو الردم بين الجبلين وكانوا لا يستطيعون الخروج اليهم إلا من بينهما وبقية ذلك بحار مغرقة وجبال شاهقة فبناه كما قال تعالى من الحديد والقطر وهو النحاس المذاب. وقيل الرصاص والصحيح الأول فجعل بدل اللبن حديدا وبدل الطين نحاسا ولهذا قال تعالى ﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي يعلوا عليه بسلالم ولا غيرها ﴿وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ أي بمعاول ولا فؤس ولا غيرها فقابل الأسهل بالاسهل والأشد بالأشد ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي الوقت الّذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ أي مساويا للأرض ولا بد من كون هذا ولهذا قال ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ كما قال تعالى ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية ولذا قال هاهنا ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يعنى يوم فتح السد على الصحيح ﴿وَنُفِخَ فِي﴾ الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) وقد أوردنا الأحاديث المروية في خروج يأجوج ومأجوج في التفسير وسنوردها ان شاء الله في كتاب الفتن والملاحم من كتابنا هذا إذا انتهينا اليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته.

قال أبو داود الطيالسي عن الثوري بلغنا أن أول من صافح ذو القرنين. وروى عن كعب الأحبار انه قال لمعاوية إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعاما وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئا فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه فقالت لهن سبحان الله كلكن ثكلى فقلن أي والله ما منا إلا من اثكلت فكان ذلك تسلية لأمه. وذكر إسحاق بن بشر عن عبد الله بن زياد عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظة أمه موعظة بليغة طويلة فيها حكم وأمور نافعة وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة وهذا غريب.

قال ابن عساكر وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة. وقيل كان عمره ثنتين وثلاثين سنة. وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة. وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومائة واحدى وثمانين سنة. وكان ملكه ست عشرة سنة. وهذا الّذي ذكره انما ينطبق على إسكندر الثاني لا الأول وقد خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداء بجماعة من الحفاظ والله أعلم * وممن جعلهما واحدا الامام عبد الملك بن هشام راوي السيرة وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السهيليّ رحمه الله إنكارا بليغا ورد قوله ردا شنيعا وفرق بينهما تفريقا جيدا كما قدمنا قال ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسموا بذي القرنين تشبها بالأول والله أعلم *