البداية والنهاية (ط. السعادة)/كتاب أخبار الماضين/باب بيان الاذن في الرواية والتحديث عن أخبار بنى إسرائيل
باب بيان الاذن في الرواية والتحديث عن أخبار بنى إسرائيل
قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا همام حدثنا زيد عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال قال (حدثوا عنى ولا تكذبوا عليّ ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج).
وقال أيضا حدثنا عفان حدثنا همام أنبأنا زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن أبى سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال قال (لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن فمن كتب عنى شيئا غير القرآن فليمحه وقال حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج حدثوا عنى ولا تكذبوا عليّ قال ومن كذب عليّ قال همام احسبه قال متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار) وهكذا رواه مسلم والنسائي من حديث همام ورواه أبو عوانة الأسفراييني عن أبى داود السجستاني عن هدبة عن همام عن زيد بن أسلم به ثم قال قال أبو داود اخطأ فيه همام وهو من قول أبى سعيد كذا قال وقد رواه الترمذي عن سفيان عن وكيع عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم ببعضه مرفوعا فالله أعلم
قال الامام أحمد حدثنا الوليد بن مسلم أنبأنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية حدثني أبو كبشة السلولي أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يعنى يقول بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار. ورواه أحمد أيضا عن عبد الله بن نمير وعبد الرزاق كلاهما عن الأوزاعي به وهكذا رواه البخاري عن أبى عاصم النبيل عن الأوزاعي به وكذا رواه الترمذي عن بندار عن أبى عاصم ثم رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف العرياني عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية وقال حسن صحيح وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى حدثنا هشام بن معاوية حدثنا أبى عن قتادة عن أبى حسان عن عبد الله بن عمرو قال كان نبي الله ﷺ يحدثنا عامة ليلة عن بنى إسرائيل حتى نصبح ما نقوم فيها الا لمعظم صلاة ورواه ابو داود عن محمد بن مثنى ثم قال البزار حدثنا محمد بن مثنى حدثنا عفان حدثنا ابو هلال عن قتادة عن ابى حسان عن عمران بن حسين قال كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بنى إسرائيل لا يقوم الا لمعظم صلات قال البزار وهشام احفظ من أبى هلال يعنى أن الصواب عن عبد الله بن عمرو لا عن عمران بن حصين والله أعلم.
وقال الامام أحمد حدثنا يحيى هو القطان عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج اسناد صحيح ولم يخرجوه.
وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا وكيع حدثنا ربيع بن سعد الجعفي عن عبد الرحمن ابن سابط عن جابر قال قال رسول الله ﷺ حدثوا عن بنى إسرائيل فإنه قد كان فيهم الأعاجيب ثم أنشأ يحدث ﷺ قال خرجت طائفة من بنى إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله عز وجل فيخرج لنا رجلا قد مات نسائله يحدثنا عن الموت ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر من تلك القبور بين عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم الىّ فقدمت منذ مائة عام فما سكنت عنى حرارة الموت حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت وهذا حديث غريب إذا تقرر جواز الرواية عنهم فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحا فاما ما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق الّذي بأيدينا عن المعصوم فذاك متروك مردود لا يعرج عليه ثم مع هذا كله لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته لما رواه البخاري قائلا حدثنا محمد بن يسار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام
فقال رسول الله ﷺ (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تفرد به البخاري من هذا الوجه.
وروى الامام أحمد من طريق الزهري عن أبى نملة الأنصاري عن أبيه أنه كان جالسا عند رسول الله ﷺ فقال إذا جاء رجل من اليهود فقال يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله ﷺ الله أعلم فقال اليهودي أنا أشهد أنها تتكلم فقال رسول الله ﷺ (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فان كان حقا لم تكذبوهم وان كان باطلا لم تصدقوهم) تفرد به أحمد
وقال الامام أحمد حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال فغضب وقال أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والّذي نفسي به لقد جئتكم به بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والّذي نفسي به لو أن موسى كان حيا ما وسعه الا أن يتبعني. تفرد به أحمد واسناده على شرط مسلم فهذه الأحاديث دليل على أنهم قد بدلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها ولا سيما ما يبدونه من المعربات التي لم يحيطوا بها علما وهي بلغتهم فكيف يعبرون عنها بغيرها ولأجل هذا وقع في تعريبهم خطأ كبير ووهم كثير مع ما لهم من المقاصد الفاسدة والآراء الباردة وهذا يتحققه من نظر في كتبهم التي بأيديهم وتأمل ما فيها من سوء التعبير وقبيح التبديل والتغيير وبالله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير. وهذه التوراة التي يبدونها ويخفون منها كثيرا فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير يعلم من نظر فيها وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب باطلة من حيث معناها وألفاظها. وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم وقد أسلم في زمن عمر وكان ينقل شيئا عن أهل الكتاب فكان عمر رضي الله عنه يستحس بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق وتأليفا لقلبه فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده وبالغ أيضا هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوى مداده. ومنها ما هو باطل لا محالة. ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الّذي بأيدينا. وقد قال البخاري وقال أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرنى حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة. وذكر كعب الأحبار فقال ان كان من اصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وان كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب يعنى من غير قصد منه.
وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال. كيف يسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الّذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله تقرءونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا الا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الّذي أنزل عليكم وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله أعلم *