انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/قصة عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته عليه من الله أفضل الصلاة والسلام/ذكر خبر المائدة

​البداية والنهاية​ (1351 هـ)
 المؤلف ابن كثير الدمشقي
ذكر خبر المائدة
فصل ←
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 2، الصفحات ٨٦–٨٧

​

ذكر خبر المائدة

قال الله تعالى ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ * قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ * قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف ومضمون ذلك أن عيسى عليه السلام امر الحواريين بصيام ثلاثين يوما فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم ان الله قد تقبل صيامهم وأجابهم الى طلبتهم وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم فوعظهم عيسى في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه الا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل فلما لم يقلعوا عن ذلك قام الى مصلاه ولبس مسحا من شعر وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع الى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا الى ما طلبوا فانزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون اليها تنحدر بين غمامتين وجعلت تدنو قليلا قليلا وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمة لا نقمة وان يجعلها بركة وسلامة فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول (بسم الله خير الرازقين) فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة. ويقال وخل. ويقال ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة جدا قال الله لها كوني فكانت ثم أمرهم بالأكل منها فقالوا لا نأكل حتى تأكل فقال إنكم الذين ابتدأ تم السؤال لها فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء فامر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قريبا من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن فندم الناس على ترك الاكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف. ثم كانت تنزل يوما بعد يوم كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم. ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير.

وقد

روى ابن ابى حاتم وابن جرير جميعا حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر عن النبي ﷺ قال نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة ​ وخنازير ثم رواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبى عدي عن سعيد عن قتادة عن خلاس عن عمار موقوفا وهذا أصح وكذا رواه من طريق سماك عن رجل من بنى عجل عن عمار موقوفا وهو الصواب والله أعلم. وخلاص عن عمار منقطع فلو صح هذا الحديث مرفوعا لكان فيصلا في هذه القصة فان العلماء اختلفوا في المائدة هل نزلت أم لا فالجمهور أنها نزلت كما دلت عليه هذه الآثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله ﴿إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ كما قرره ابن جرير والله أعلم. وقد روى ابن جرير باسناد صحيح الى مجاهد والى الحسن بن أبى الحسن البصري أنهما قالا لم تنزل وانهم أبوا نزولها حين قال ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾. ولهذا قيل ان النصارى لا يعرفون خبر المائدة وليس مذكورا في كتابهم مع أن خبرها مما يتوفر الدواعي على نقله والله أعلم. وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير فليكتب من هناك * ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم ولله الحمد والمنة